تقليد الميت بين السنة الشيعة تاريخ المسألة وأدلتها

 

تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة الشيعة
تاريخ المسألة وأدلتها
* محمد علي العريبي
للتحميل: من هنا

والحمد لله رب العالمين
وكتبه: محمد علي العريبي
1437 – البحرين

الفهرس
المبحث الأول: تمهيد لمسألة تقليد الميت عند الإمامية: الفرق بين الرواية والفتوى مما بني عليه الاختلاف في مسألة تقليد الميت 1
السيد المرتضى: أول من ذكر الفرق بين الفتوى والرواية من الشيعة 2
فائدة الخبر والفتوى هي النسبة الخبرية 4
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ) في مطارح الأنظار: 5
الإيراد على تعريف الرواية والفتوى: 6
الفتوى بلسان الرواية: 6
ما أجيز من صور الرواية: 7
اعتراف الرجاليين والمحدثين بالتصرف في ألفاظ الروايات: 7
تفاوت أداء الأخبار: 7
المناط في صفة الرواية هما الإسناد و حفظ المعنى: 8
إطلاق الحكم بلا إسناد لفظي بمنزلة الرواية 10
ما تحصل من الأدلة أنه الفرق بين الرواية والفتوى لا يصلح للمنع من تقليد الميت: 11
المبحث الثاني: تقليد الميت عند السنة والشيعة 1
تقليد الميت عند أهل السنة: تاريخ المسألة وأدلتها 1
الشافعي: قائل بالجواز: ( المذاهب لا تموت بموت أصحابها ) 1
الملاحظ على الدليل: 1
ابن القصار المالكي البغدادي ( 397 هـ ): جوزه، وهو أول من أفرد بابا للمسألة 3
الباقلاني ( 403 هـ ) أول من أوجب تقليد الحي: 3
إمام الحرمين الجويني ( 478 هـ ): قائل بوجوب تقليد المجتهد : 4
القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ ): 6
أبو الحسين البصري المعتزلي ( 436 هـ ): أول من ادعى وجوب تقليد الحي للسيرة والإجماع 6
أبو حامد الغزالي ( 505 هـ ): 7
ويلاحظ عليه: 8
أبو بكر الرازي ( 606 هـ ): 8
المتحصل من الأدلة: 9
تقليد الميت عند الإمامية: تاريخ المسألة عند المتأخرين وأدلة المانعين عن تقليد الأموات 1
نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلي ( المحقق الحلي ) ( 676 هـ ): يجوز تقليد الميت كالحي إذا علم صحة النقل 1
العلامة الحلي ( 726 هـ ) في قواعد الأحكام: لا يجوز الأخذ بقول الميت 1
الكركي ( 940 هـ ) في جامع المقاصد في شرح القواعد: تابع الحلي 3
الشهيد الثاني ( 965 هـ ): أول من ادعى إجماع الإمامية على عدم جواز تقليد الميت 4
أول من أفتى بفسق من قلد الأموات إذا وجد مجتهد في زمانه 7
منشأ الفرقة والتنافر بين المحدثين وأكثر الأصوليين في المسألة 8
استدلالات أخرى بعد الشهيد الثاني: 14
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل ( الوحيد البهبهاني ) ( 1205 هـ ): لا يجوز تقليد الميت للقطع بارتفاع ظن الفقيه 15
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ): دعوى الإجماع المحقق على حرمة تقليد الأموات 16
رجوع لكلام الأنصاري: 18
الذب عن المحدثين: 18
أدلة الشيخ الأنصاري على اشتراط الحياة في المفتي: 19
الأوّل : اصالة حرمة العمال بالظن 20
الثاني : الإجماع المحقق 20
الثالث: عدم إمكان الوقوف على المجتهد الأعلم الأورع 22
الرابع : عدم العلم بآخر فتاوى المجتهد الميت إذا تغير اجتهاده 23
الخوئي ( 1413 هـ ): المتسالم عليه عدم جواز تقليد الميت 24
ما استدل به السيد الخوئي: 24
الأول: الشهرة والتسالم 24
الثاني: روايات الإرجاع للفقيه ظاهرة في الفعلية وموضوعها الحياة 25
الثالث: أدلة الإرجاع للفقهاء رادعة لسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 27
الرابع: الضرورة المذهبية رادعة للسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 28
الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر): 29

 

 

 

 

 

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

https://drive.google.com/uc?export=download&id=0B6AZtFCXyPdbUEcxdDR4ZEkzZ2s

https://twitter.com/Moh_Aloraibi/status/698933212840620032

https://www.facebook.com/aloraibi.m/posts/983534848396597

https://www.goodreads.com/book/show/29775842

https://ar.scribd.com

الأشعثيات والجعفريات النسبة و النُّسَخ

الأشعثيات والجعفريات النسبة والنسخ

الأشعثيات والجعفريات النسبة والنسخ

الأشعثيات والجعفريات

النسبة و النُّسَخ
الأشعَثيِّاتُ و الجعفَريَّات .. النِّسبةُ و النُّسَخ
بسم الله الرحمن الرحيم
تعرضت عند بحث مسألة حكم نظر الرجل لمن يريد أن يزوجها نفسه في مباحثة فقه النكاح، للطائفة من الأخبار التي استدل بها على جواز نظره لجميع جسد المرأة، ومنها خبر كتاب الأشعثيات أو الجعفريات، فلزم بيان المختار والموقف من الكتاب وأخباره وتقييمها، ثم الحكم عليه وعليها، فقلت:
ومن المطلقات أيضا خبر الأشعثيات قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ع قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُولِجَ بَصَرَهُ فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرٍ” .
وَ رَوَاهُ فِي الدَّعَائِم مرسلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله مِثْلَهُ، وأرسله الراوندي في النوادر مثله ، وأكثر أخبار النوادر مأخوذة من الجعفريات.
ولا ريب أن لكتاب الأشعثيات أصلا، لكن النسخة الواصلة إلينا اليوم قد وقع الشك في انطباقها على الأصل.
http://www.mediafire.com/…/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%B9%D…

كتاب الخمس – فقه حديثي تحقيقي

كتاب الخمس – فقه حديثي تحقيقي

كتاب الخمس-العريبي-1435-2014للتصفح :

https://drive.google.com/file/d/0B6AZtFCXyPdbQl80M3B5Q21uN1E/edit?usp=sharing

للتحميل:

https://docs.google.com/uc?authuser=0&id=0B6AZtFCXyPdbQl80M3B5Q21uN1E&export=download

المحتويات

تمهيد: 3

الفصل الأول: في التحليل المطلق للخمس: 6

أولا: في التسمك بالنصوص المحللة، والسير فيها زمني: 7

1-              لمحة لما أوجبه النبي صلى الله عليه وآله: 7

2-              المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: 11

ما يعارض أخبار التحليل في زمن أمير المؤمنين عليه السلام: 18

3-              المروي عن الباقر عليه السلام 19

[إشكال وجواب] 23

[السند] 30

[الدلالة] 32

فيما يعارض أخبار التحليل عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: 34

4-              المروي عن الصادق عليه السلام 38

[في سالم بن مكرم] 48

[التحقيق] 49

[في شرح ألفاظ الرواية وأهمية الوقوف على المعنى كاملا] 63

[الفائدة من هذا التفصيل] 66

[دلالتها] 66

مما يمكن أن يعارض أخبار التحليل عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: 67

[الجواب عن الرواية الأولى: لا خمس إلا في الغنائم خاصة – أدلة وجوب دفع خمس الغنيمة الحربية لا يخصص التحليل العام] 70

[الجواب عن الرواية الثانية] 72

[ثلاث طوائف يمكن إلحاقها بأدلة عدم التحليل] 72

[الطائفة الثالثة] 72

[الطائفة الرابعة] 75

[الطائفة الخامسة] 75

[النتيجة مما سبق] 76

5-               المروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: 76

[ما فيه دلالة على الوجوب الفعلي] 76

[استثناء الغنيمة الحربية من تحليل الخمس] 79

[ الأموال التي كانت عند قوام ووكلاء الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام] 79

[ منشأ الأموال التي كانت عند وكلاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام] 81

[لم تثبت نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد رحمه الله] 84

قصة شطيطة. 85

[الحاصل] 91

6-              المروي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام 91

الخمس والمأمون العباسي: 96

7-              المروي عن أبي جعفر الجواد عليه السلام: 100

8-              المروي عن أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي عليهما السلام 105

أبو علي الحسن بن راشد 106

سنة إقامة أبي راشد وخصوصية الزمان. 107

مفاد رواية أبي علي بن راشد 109

9-              المروي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام 111

4-              المروي عن صاحب الأمر عليه سلام الله وصلواته 113

[ معنى الصلة وسبب الشك ] 118

[مصادر الأموال في زمن الغيبة – أقسام أموال الإمام عليه السلام] 119

الخمس في الغيبة الكبرى. 126

ثانيا: أقوال فقهاء الشيعة 127

1-              الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه رحمه الله  ت 381 هـ. 127

2-              الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان رحمه الله ت 413هـ. 127

3-              الشيخ محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله 460 هـ. 127

4-              العلامة الحلي ت726 هـ. 128

5-              الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي ت 786 هـ. 129

[ولاية الفقهاء على أموال الإمام عليه السلام] 130

6-              الشيخ حسن بن الشهيد الثاني رحمهما الله ت 1011هـ. 130

7-              الفاضل الخراساني محمد باقر السبزواري ت 1090 هـ. 130

8-              السيد محمد بن علي الموسوي العاملي صاحب المدارك ت 1009هـ، والشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني ت 1091هـ. 131

ثالثا: الاحتياط بإخراج الخمس.. 133

[تنويع الأحكام الشرعية] 133

[صحة التقسيم الثنائي بأحد الوجوه] 135

[حكم الخمس والاحتياط] 136

[الاحتياط بين الأقوال] 136

[معنى الشبهة في الأخبار وأقسامها] 137

[الشبهات الوجوبية] 137

[الشبهات الوجوبية] 137

[لفقد الدليل] 137

[لاشتباه الدليل – الوجوب الاحتياطي] 138

[الشبهات التحريمية] 138

[الشبهة لفقدان الدليل] 138

[الدليل على الإباحة في الشبهات التحرمية البدوية] 138

[الشبهة لإجمال الدليل – التحريم الاحتياطي] 139

النسبة بين أصل البراءة والاحتياط ودليليهما 140

متى يستحب الاحتياط. 141

رابعا: التخيير في أدلة الخمس.. 143

قاعدة التخيير والتسليم. 143

المناقشة في دليل قاعدة التسليم. 143

خامسا: التمسك بالاستصحاب.. 147

أنواع الاستصحاب.. 147

الوجه في خروج الاستصحاب عن أدلة العقل. 148

أدلة حجية الاستصحاب.. 148

سادسا: ما يعارض روايات التحليل مطلقا: 155

الفصل الثاني: ما يجب فيه الخمس على فرض وجوبه 157

حصر أقسام الخمس.. 158

الأول: في غنائم دار الحرب.. 160

[من المغنم أموال الناصب] 161

[أموال البغاة] 162

[ما يؤخذ بغير قتال ليس بغنيمة] 163

[لا نصاب في الغنيمة] 163

[حكم الخمس في الحرب الدفاعية] 163

[لا خمس في أموال الصلح والفداء] 164

الثاني: في المعدن. 165

تعريف المعدن: 165

عند أهل اللغة 165

عند الفقهاء 165

في لسان الشارع المقدس.. 165

أما المنطبعة: 165

وأما غير المنطبعة: 166

المناط في معدنية الشيء 166

الاستدلال بوجوبه في المعادن بأنه ركاز 167

المعنى المتعين. 168

النورة والجص وأمثالهما 168

نصاب الخمس في المعادن. 169

الأقوال ثلاثة 170

أخبار المسألة 170

يدل على وجوبه فيما بلغ دينارا من المعدن. 170

ويدل على وجوبه فيما بلغ عشرين دينارا 172

استثناء مؤونة العمل قبل التخميس.. 173

فروع. 175

هل يعتبر في الإخراج أن يكون دفعة أو دفعات ؟ 175

إذا اشترك جماعة في الإخراج. 175

لو تعددت المعادن المخرجة 176

إخراج خمس تراب المعدن. 176

حكم المعادن المأخوذة بدون إخراج. 176

لو وجد المعدن اتفاقا 178

لو أعرض عنه بعد حيازته. 178

استخراج المعادن من ملك الآخر 179

في ملكية المعدن. 179

المعادن من الأنفال بالأصالة والمباحات للشيعة. 179

في حدود الملك والاختصاص… 181

ملكية الأجنبي للمستخرج من أرض المالك. 182

حكم الفضاء. 183

الشك في بلوغ النصاب.. 183

الثالث: الكنز. 184

الرابع: الغوص.. 187

هل يشترط الإخراج من البحر بالغوص؟ 187

هل يختص الحكم بما كان بالأصالة تحت الماء ؟ 188

لو اتفق حصول جواهر البحر بغير الغوص، كما لو كان في بطن دابة أو سمكة 189

حكم المعادن المخرجة بالغوص.. 190

حكم العنبر. 191

الخامس: الفاضل من المؤنة من الأرباح. 192

مصاديق أرباح العام 193

[معنى الفائدة والربح هو العرفي لا الدقي] 193

الخمس بعد المؤونة ومعنى المؤونة 196

[هل تدخل مؤونة الحياة والعيال في المستثنى من الأرباح قبل الخمس؟] 196

[الإشكال في شمول الاستثناء لمؤونة الحياة] 197

تحديد زمان التخميس.. 198

جواب الاستدلال على معنى المؤونة وتحديد الزمان. 199

لا فرق بين حصول الفائدة بالتكسب وغيره 202

السادس: الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم. 203

السابع: المال المختلط بالحرام 208

خروج هذا القسم عن الخمس المصطلح. 209

الفصل الثالث: في قسمة الخمس ومستحقه 211

الأدلة من الكتاب: 213

الأدلة من السنة: 216

1-                ما رواه الكليني. 216

2-                ومنها: ما رواه عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُرْتَضَى فِي رِسَالَةِ الْمُحْكَمِ والْمُتَشَابِهِ 217

3-                وَما رواه الشيخ في التهذيب.. 217

4-                ومنها: ما رواه الكليني. 219

5-                ومنها: ما رواه الصدوق رحمه الله في المجالس.. 220

6-                ومنها: ما تقدم في المروي عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام ضمن أخبار التحليل  222

[من هم العشيرة الأقربون ؟] 225

7-                ومنها: ما رواه الكليني عن أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ: 227

8-                ومنها ما رواه الشيخ. 228

9-                وما رواه العياشي في تفسيره 230

10-               ومنها ما رواه العياشي. 233

11-               ومنها ما رواه مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ 233

12-               وأما ما رواه في البصائر 234

13-               وقريب منه ما رواه العياشي في تفسيره 234

14-               روايته الأخرى عنه 235

[حمل أكثر أخبار قسمة الخمس على إثبات الحق] 235

15-               ما رواه العياشي َ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الأحْوَلِ. 235

16-               وعنه َعَنْ أَبِي جَمِيلَةَ 235

[الحاصل] 235

[فروع] 236

[لا يجب استيعاب كل طائفة] 236

[الصرف بمقدار رفع حاجة السنة وتقديم حق القرابة] 236

هل يحل الخمس والزكاة لغير بني هاشم ؟ 237

هل يستحق المولود من أم هاشمية الخمس ؟ 240

[الجواب على احتجاج المرتضى] 241

إجازة 245

تحقيق: حول خطبة ( خط الموت ) ووصية ( ما خرجت إلا لطلب الإصلاح ) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام

تحقيق: حول خطبتي ( خط الموت ) و (ما خرجت إلا لطلب الإصلاح) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام[1]

للتحميل: http://www.mediafire.com/download/oaij2ce7djug5ql

1-            [ القول في خطبة ( خط الموت على ولد آدم …كأني بأوصالي تقطعها ) ]

ثم إنه قد أصر كثير من المعاصرين من أهل القيام والثورات على ضرب الأمثلة من كلام الحسين عليه السلام وخطبه واستدلوا بها على ثورية حركته ودمويتها عن قصد، وتحشيده الناس لبذل دمائهم مهما كان الثمن، ولو ساء أمر الإسلام وانتهكت حرماته أكثر من ذي قبل، زعما منهم أن العزة في هذا السبيل واخترع البعض أراجيز وأشعارا نسبها أو ألقاها على لسان حال الحسين عليه السلام، فألغوا بهذا كل دلالات نصوص المهادنة، وابتدعوا أصلا بين الأحكام غير أصيل !.

ومما ذكروه في جملة أدلتهم، الخطبة التي رواها السيد ابن طاووس رحمه الله في كتابه اللهوف (664 هـ) ، قال:

” وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ما شاءَ اللَّهُ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَتَقَطَّعُهَا عَسَلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَ أَجْرِبَةً سُغْباً، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لُحْمَتُهُ وَ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ وَ يُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، مَنْ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا؛ فَإِنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏”([2]).

ورواها قبل السيد -مرسلة من غير إسناد([3])- الحسين بن محمد بن الحسن بن مصر الحلواني (توفي في القرن الخامس وكان حيا سنة 481هـ معاصرا للسيد المرتضى ومحدثا عنه ومعاصرا للشيخ الطوسي) في كتابه نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، قال: “وَ لَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً، فَقَال …” ([4]) إلى تمام الخبر.‏

ثم أبو الحسين مسعود بن عيسى ورَّام بن أبي فراس (ت 605هـ) في مجموعه.

ورواها مرسلة أيضا الإربلي (ت 693هـ) في كشف الغمة.

لكن ابن نما (ت 645هـ) في مثير الأحزان رواها هكذا:

“عن الشعبي عن عبد الله بن عمر: انه كان بماء له فبلغه ان الحسين ( ع ) قد توجه إلى العراق فجاء إليه وأشار عليه بالطاعة والانقياد وحذره من مشاققة أهل العناد، فقال: يا عبد الله اما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا ( ع ) أهدى إلى بغى من بغايا بني إسرائيل … ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي.

ثم قام خطيبا فقال: الحمد لله وما شاء الله ولا قوه إلا بالله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة … فإني راحل مصبحا إن شاء الله. ثم أقبل الحسين حتى مر بالتنعيم”([5]).

وظاهره إسناد اللفظ لسابقه بحسب السياق، فيكون قد وضع الخطبة ضمن ما رواه الشعبي عن عبد الله بن عمر، لكنه منصرف عن ظاهره بما عرف من طريقة الكتاب في الاختصار وترادف الأخبار والأحداث مسندة ومرسلة، سيما أنه روى لقياه لعبد الله بن عمر بعد بدء توجهه للعراق، ثم ذكر خطبته هذه التي أعلن فيها نية التوجه، فبينهما تهافت محتمل.

فهذا الخبر مرسل ككثير من أخبار السير، وغير جامع للحجية في مقام الاستدلال، ولا قام بشروط الدلالة التاريخية لو قيل بالتفريق بين الحجية وروايات التاريخ والأحداث.

وإنه ليتداخل الشك القوي في صحة هذه المرسلات صدورا وتحققا؛ إذ لا يتناسب الإعلان في الملأ عن حتمية مقتله عليه السلام مع ما كان عليه من الاستجابة لدعوة الكوفيين، وما كان عليه الناس من الاحتفاف به والسماع منه، بل واللحاق به حتى حل قريب كربلاء قبل أن يتفرقوا عنه، ولا أرتاب أن خبر مصرعه عليه السلام من الأسرار المغيبة المكتومة التي ما عرفها إلا قلة من أهل بيته ومن ظفر بها من حملة الأخبار.

وعلى هذا يببتني الجواب عن شبهة أن الحسين عليه السلام أسس لمشروعية القيام بالسيف والثورة مهما كانت العواقب والمآلات تمسكا بمبدأ العزة المدعاة مع أن العزة في خلاف القيام أغلب الأزمان؛ فإنه لا دلالة لمثل هذه النصوص على المدعى؛ إما لضعف جملة منها، أو لاستبعاد إذاعتها علنا لتكون منهجا عاما يغني الناس عن التمسك بالأسباب والأخذ بظواهر الأمور، والتي ذكرنا أنها كانت مجتمعة للحسين عليه السلام وما قام إلا بعدها كما هو صريح الروايات.

[ تتمة فيها تحقيق حول خطبة ( خط الموت على ولد آدم … كأني بأوصالي) ]

ثم لا تعجب إن ساقك البحث والتقصي فوجدتها مشهورة في كتب الزيدية مسندة مشروحة، متصلة بزيد مروية عن قومه !، بل هي المنحصر طريقها بهم، وعنهم أخذ القوم !.

فهذا إمام الزيدية في طبرستان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني الزيدي[6] (ت 353 هـ) يروي في كتابه المصابيح في السيرة في نسخة كثيرة الغلط، فيقول بطريق فيه إرسال:

“وأخبرنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عليهم السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس خُطَّ الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه، وإن لي لمصرعاً أنا لاقيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسْلان الفلوات، غُبراً عُفراً بين كربلاء وبراريس [نواويس] قد ملأت مني أكراشاً جوفاً، رضا الله رضانا أهل البيت، فصبراً على بلائه ليوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز لهم عدته، من كان فينا باذلاً مهجته فليرحل فإني راحل غداً إن شاء الله عزَّ وجل، ثم نهض إلى عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه)”[7].

وهو أقدم مصدر لها بل هو الوحيد اليتيم الذي وجدنا هذه الخطبة فيه، ولا تجد فيها أنه قالها في خروجه من مكة أو في حال توجهه للعراق كما نقله المتأخرون عنه!، ولعلهم نسبوها للحسين لما رأوا ذكر كربلاء، وأغفلوا أنه عين القتلةَ بين كربلاء وما سماها براريس في هذه النسخة، ونقلها المتأخرون عنه ( نووايس ) وهو ما يغطى به لحد القبر وقيل أنه اسم لمقابر النصارى خارج كربلاء من شمالها، مع الاتفاق على أن الحسين عليه السلام قد عرف مكان استشهاده  وكذا خواص أهله وهو كربلاء لا غيرها.

وأخذها عن أبي العباس الآنف الذكر إمامهم أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني الزيدي[8] (م 340 – ت 424 هـ)، توفي شيخه أبو العباس وكان يحيى صبيا عمره ثلاثة عشر سنة كما تسجله تواريخ الوفيات، وهذا من الغرائب في التلمذة وأخذ الحديث المسند ومضعف لاعتبار حديثه، وروى هذا الخبر في أماليه، فقال مفصلا ما أجمل في سند شيخه:

أَخْبَرَنَا أبو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بن إبْرَاهِيمَ الْحَسَنِي رحمه الله تعالى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن أَيُّوبَ البَجْلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ العزيز العَكْبَرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن مُحَمَّدٍ بن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ تَمِيمِ بن [أبي][9] رَبِيعَةَ الرِّيَاحِي، عَنْ زَيْدِ بن عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عليه السلام أَنَّ الْحُسَيْنَ بن عَلِيٍّ عليه السلام خَطَبَ أَصْحَابَهُ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ” وساق الخبر[10].

ورواها عنه الخوارزمي (ت 568 هـ) بسنده في مقتله ببعض التفاوت عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني بنفس الطريق ، قال:

” أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد سيف الدين أبو جعفر محمّد بن عمر الجمحي كتابة ، أخبرنا الشيخ الإمام أبوالحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيّد الإمام النقيب علي بن محمّد بن جعفر الحسني الإسترابادي ، حدثنا السيّد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر محمّد بن جعفر بن علي الحسيني ، حدثنا السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمّد بن هارون بن محمّد بن القاسم بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني ، حدثنا محمّد بن عبدالله بن أيّوب البجلي ، حدثنا علي بن عبدالعزيز العكبري ، حدثنا الحسن بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن تيم بن ربيعة الرياحي ، عن زيد بن على ، عن أبيه : أنّ الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال ” الخبر[11].

والراوي عن زيد بن علي، تميم بن ربيعة الرياحي، مجهول عندنا وعندهم لم يفصل حاله أحد، قال في موسوعة رجال الزيدية: ” تميم بن ربيعة الرياحي: ذكر في طبقات الزيدية أنه روى عن زيد بن علي، وروى عنه محمد بن يحيى، ومثله في الجداول. لم أقف له على ترجمه”.

وكذا الرواة عن تميم بن ربيعة، مجهولون أو مهملون، فهذ الخبر من أخبار الآحاد المنفردة التي رواها المجاهيل ومن لا يقبل منهم إلا أن يعضد خبرهم خبر غيرهم، فما بالك وقد رواها من يجر النار لقرصه وتفرد بها من جهل أمره وتناقلها من لا يوثق بقوله !، وهذا أضعف صور الإسناد وأوهن النصوص في الاعتماد.

ولو قدرت لهذه الخطبة صحة وصدور، لما تعدت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام؛ فإنه ممن أنهوا الفصاحة والبلاغة إليه، وضم السيف إلى جناحه ودعا الناس إلى بيعته.

وقال بعض المعاصرين في معرض الإجابة عن سؤال السائل عن درجة اعتبار هذه الخطبة المنسوبة للحسين عليه السلام:

“نعم المقاطع التي في هذه الخطبة والتي وردت في نصوصٍ أخرى عن الإمام الحسين عليه السلام، بحيث تظافرت النصوص فيها، يمكن القول بثبوتها ثبوتاً نوعيّاً لا شخصّياً … وأقول: إذاً فهذه قطعاً قد صدرت؛ لأنّ فيها ذلك المقطع الذي تظافرت النصوص لتأكيده. فهنا أنا أجزم بهذه الفكرة المشتركة بين مائة نصّ حديثي أو تاريخي مختلف الموضوع، وفي الوقت عينه لا أصحّح أيّ رواية من هذه الروايات المائة بعينها وشخصها على تقدير ضعفها بنفسها، وهذه نقطة مهمّة جدّاً في علم الحديث والأصول غالباً ما تتمّ الغفلة عنها كما رأيت. والله العالم”[12].

وهذا الجواب من غرائب الأجوبة !؛ إذ بعد التنزل والتسليم بأن اشتراك بعض المقاطع جابر لضعف الخبر ومورث للاطمئنان لو تكثر وروده، فلنا أن نسأل صاحب هذه الدعوى – المجردة عن الدليل – عن مواضع الاشتراك ومحالها !، وهل تعدد نَقلُها ونَقَلَتُها حتى حقق وثوقا نوعيا بصدورها !، هذا، فضلا عن عدم كاشفية اشتراك بعض مقاطع الخطبة مع غيرها عن الصدور، إلا أن يؤنس بكلمات الإمام عليه السلام ويعرف أسلوب بيانه بعد التتبع والممارسة، بل قد يدعى أن المشاركة في خطبتين غير متحدتين داعية للميل للوضع في المشكوكة منهما؛ إذا لا يقصر صاحب اللسان عن أي بيان، ولا يعجزه ضيق وفاض عن فيض العذب من الألفاظ.

عصمنا الله من الزلل، ووفقنا للسعي في إعلاء دينه من غير ملل أو كلل.

2-            [وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا]

 

ونسب للحسين الشهيد عليه السلام قوله في وصية له: ” وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي”.

فقد ادعى بعض أنه واضح الدلالة على جواز الخروج والمطالبة كلف ما كلف من تضحيات، بمقتضى إطلاق نفي إرادة الفساد وإثبات إرادة الإصلاح في مقام تعليل الخروج، بضميمة أن يكون معنى الخروج هو القيام والثورة، فكأن السؤال كان عن سبب ثورته عليه السلام، فأجاب عنه بما ذكر.

ومن الواضح أن معنى الخروج في نفسه – خاليا عن الإضافة أو القرائن – لا يتضمن معنى القيام على الحكم أو الظالم المسمى الآن بالثورة في لسان الساسة، ولم يتواضع أهل اللسان على الخروج بمعنى القيام إلا بعد اقترانه سياقا وحكما واشتهاره بحكم الخروج عن أمر الحاكم أو الظالم بعد سنين طويلة من عصر الإسلام الأول.

وأما ما قيل من أن اللفظ استقر على معنى القيام على الحاكم حتى سمي أتباعه خوارج بعد ظهورهم في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، كما ألمح الشيخ شمس الدين في كتابه[13]، فهو لا يعني انحصار استعمال مفردة الخروج في هذا المعنى، كما أن المعنى الجديد كان معرفة وتسمية لخصوص فئة هم الخوارج، ولم يكن في باقي تصريفات الكلمة.

فلا يمكن التسليم بأن معنى الخروج هنا هو المعنى المتبادر عند المستدل إلا بقرينة واضحة.

ومن أمثلة استعمال الكلمة ( الخروج ) وما اقترنت به من ألفاظ شبيهة بما ورد في مقامنا -بمعناها الأولي لا بمعنى القيام- ما رواه ابن الشيخ الطوسي في مجالسه عن أبيه ، بسنده عن الرضا ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال : ” كان الصادق ( عليه السلام ، يقول إذا خرج إلى الصلاة :

اللهم إني أسألك بحق السائلين بك ، وبحق مخرجي هذا ، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، ولكن خرجت ابتغاء رضوانك ، واجتناب سخطك ، فعافني بعافيتك من النار “[14]. ومثله ما رواه بسنده عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام[15]، وروي قريب منه وبألفاظ أكثره في كتب العامة.

[ مصادر النص]

قال أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح فيما كان المدينة قبل خروجه عليه السلام لمكة وقبل بيعة أهل الكوفة وإرسال كتبهم طالبين قدومه:

“لَمّا جاءَ إلَيهِ [ أي إلَى الإِمامِ الحُسَينِ عليه السلام ] مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ قالَ : يا أخي فَدَتكَ نَفسي ، أنتَ أحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأعَزُّهُم عَلَيَّ ، ولَستُ وَاللّهِ أدَّخِرُ النَّصيحَةَ لأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ ، ولَيسَ أحَدٌ أحَقَّ بِها مِنكَ ، فَإِنَّكَ كَنَفسي وروحي وكَبيرُ أهلِ بَيتي ومَن عَلَيهِ اعتِمادي وطاعَتُهُ في عُنُقي ، لأَنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَد شَرَّفَكَ وجَعَلَكَ مِن ساداتِ أهلِ الجَنَّةِ ، وإنّي اُريدُ أن اُشيرَ عَلَيكَ بِرَأيي فَاقبَلهُ مِنّي .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : قُل ما بَدا لَكَ . فَقالَ : اُشيرُ عَلَيكَ أن تَنجُوَ نَفسَكَ عَن يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ وعَنِ الأَمصارِ مَا استَطَعتَ ، وأن تَبعَثَ رُسُلَكَ إلَى النّاسِ وتَدعُوَهُم إلى بَيعَتِكَ ، فَإِنّي إن بايَعَكَ النّاسُ وتابَعوكَ حَمِدتُ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وقُمتَ فيهِم بِما يَقومُ فيهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله وَالخُلَفاءُ الرّاشِدونَ المَهدِيّونَ مِن بَعدِهِ ، حَتّى يَتَوَفّاكَ اللّهُ وهُوَ عَنكَ راضٍ ، وَالمُؤمِنونَ كَذلِكَ ، كَما رَضوا عَن أبيكَ وأخيكَ ، وإن أجمَعَ النّاسُ عَلى غَيرِكَ حَمِدتَ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وإنّي خائِفٌ عَلَيكَ أن تَدخُلَ مِصرا مِنَ الأَمصارِ أو تَأتِيَ جَماعَةً مِنَ النّاسِ فَيَقتَتِلونَ فَتَكونُ طائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ وَطائِفَةٌ عَلَيكَ فَتُقتَلَ بَينَهُم .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! إلى أينَ أذهَبُ ؟ قالَ : اُخرُج إلى مَكَّةَ ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ الدّارُ فَذاكَ الَّذي تُحِبُّ واُحِبُّ ، وإن تَكُنِ الاُخرى خَرَجتَ إلى بِلادِ اليَمَنِ ، فَإِنَّهُم أنصارُ جَدِّكَ وأخيكَ وأبيكَ ، وهُم أرأَفُ النّاسِ وأرَقُّهُم قُلوبا ، وأوسَعُ النّاسِ بِلادا وأرجَحُهُم عُقولاً ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ أرضُ اليَمَنِ وإلّا لَحِقتَ بِالرِّمالِ وشُعوبِ الجِبالِ ، وصِرتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لِتَنظُرَ ما يَؤُولُ إلَيهِ أمرُ النّاسِ ، ويُحكَمَ بَينَكَ وبَينَ القَومِ الفاسِقينَ .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! وَاللّهِ لَو لَم يَكُن فِي الدُّنيا مَلجَأٌ ولا مَأوى لَما بايَعتُ وَاللّهِ يَزيدَ بنَ مُعاوِيَةَ أبَدا ، وقَد قالَ صلى الله عليه و آله : «اللّهُمَّ لا تُبارِك في يَزيدَ» .

قالَ : فَقَطَعَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ الكَلامَ وبَكى ، فَبَكى مَعَهُ الحُسَينُ عليه السلام سَاعَةً ثُمَّ قالَ : جَزَاكَ اللّهُ ـ يا أخي ـ عَنّي خَيرا ، ولَقَد نَصَحتَ وأشَرتَ بِالصَّوابِ ، وأنَا أرجو أن يَكونَ إن شاءَ اللّهُ رَأيُكَ مُوَفَّقا مُسَدَّدا ، وإنّي قَد عَزَمتُ عَلَى الخُروجِ إلى مَكَّةَ ، وقَد تَهَيَّأتُ لِذلِكَ أنَا وإخوَتي وبَنو إخوَتي وشيعَتي ، وأمرُهُم أمري ، ورَأيُهُم رَأيي . وأمّا أنتَ يا أخي فَلا عَلَيكَ أن تُقيمَ بِالمَدينَةِ فَتَكونَ لي عَينا عَلَيهِم ، ولا تُخفِ عَلَيَّ شَيئا مِن اُمورِهِم .

قالَ: ثُمَّ دَعَا الحُسَينُ عليه السلام بِدَواةٍ وبَياضٍ … فَكَتَبَ :

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، هذا ما أوصى بِهِ الحُسَينُ بنُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ لأَخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ المَعروفِ وَلَدِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام :

إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَا اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأنَّ مُحَمَّدا عَبدُهُ ورَسولُهُ ، جاءَ بِالحَقِّ مِن عِندِهِ ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنّارَ حَقٌّ . وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها ، وأنَّ اللّهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ ، وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، اُريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ ، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، وسيرَةِ أبي عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ  وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، فَمَن قَبِلَني بِقَبولِ الحَقِّ فَاللّهُ أولى بِالحَقِّ ، ومَن رَدَّ عَلَيَّ هذا أصبِرُ حَتّى يَقضِيَ اللّهُ بَيني وبَينَ القَومِ بِالحَقِّ ، ويَحكُمَ بَيني وبَينَهُم بِالحَقِّ ، وهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ ، هذِهِ وَصِيَّتي إلَيكَ يا أخي ، وما تَوفيقي إلّا بِاللّهِ ، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإلَيهِ اُنيبُ ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ وعَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللّهِ العَلِيِّ العَظيمِ .

قالَ : ثُمَّ طَوَى الكِتابَ الحُسَينُ عليه السلام وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ، ودَفَعَهُ إلى أخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ ثُمَ وَدَّعَهُ”[16].

[ الاشتباه في الاستدلال بها على مشروعية القيام ]

نقلنا النص بتمامه ليعلم أن الخروج المقصود هو خروج الحسين عليه السلام من مكة إلى المدينة أو غيرها من البلدان كما هو واضح من السياق والمقام، وأن هذا الأمر كان قبل قيام الحسين عليه السلام وعزمه على تولي الكوفة بعد أن تكاثرت عليه كتب الكوفيين أن أقدم إلينا خليفة لا نريد سواك، فتبين أن الاستدلال بها من جملة الاشتباهات وأن المقصود بها لا يوافق المستدل بها على جواز القيام.

[مصدر الرواية غير معتبر]

أما خبر هذه الوصية فمع اشتهارها بين المتأخرين خاصة، غير أنها في مصادر لا يتيقن صحتها مع انفرادها ولا يركن لها إلا إذا انضم إليها ما يقويها ولم يعارضها أمر آخر.

وهذه قد نُقلت عن كتاب ابن الأعثم الكوفي (ت 314 هـ)، الذي وصفه بعض علماء الشيعة كابن جرير الطبري الإمامي بأنه ” رجل معاند “[17] ولعله أراد مخالف، وآخرون من المتأخرين –كالمحدث ابن طاهر القمي- بأنه عمدة المخالفين وعلمائهم الثقات، وعده ياقوت الحموي في معجم الأدباء شيعيا، قال: ” كان شيعيا وهو عند أصحاب الحديث ضعيف”[18] وهذا تعصب منه.

ولا شك في كونه من أبناء العامة لا الخاصة، وأن الناظر في كتابه يراه محبا لا متشيعا إماميا، لذا قال فيه التستري في قاموسه: ” من مؤرّخي العامّة إلاّ أنّه ليس من نصّابهم “[19]، وتاريخه اعتمد على النقل منه بعض علماء الشيعة، لكن لا بتمام الاعتماد وكامل الركون كغيره من كتب أهل الأخبار التاريخية، كمقتل لوط ابن يحيى المعروف بأن الشيعة ركنت لصاحبه ولنقولاته.

[الضعف في متن الرواية وصحة المنقول بطرقنا]

وأما متنها فمما فيه أنه عليه السلام قال أنه يسير بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، وهذا لا يوافق المعلوم من المذهب بالضرورة، وما في بعض طبعات الكتب المتأخرة من رواية الحديث مع إسقاط هذه الجملة أو تخطيها لا مبرر له !.

مع أن المروي عن هذه الوصية أو الكتاب -الذي لا يعلم غيره- بطرقنا صحيحا ما عن السيد بن طاووس في كتابه اللهوف بسنده قال: ذكر مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ[20] عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “ذَكَرْنَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ ع وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: يَا حَمْزَةُ إِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِحَدِيثٍ لَا تَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا؛ إِنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً دَعَا بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْفَتْحِ وَ السَّلَامُ”.

ورواها الصفار ( ت 290 هـ) عن أيوب بن نوح بعينها في أشهر كتبه بصائر الدرجات، ومحمد بن الحسن الصفار هو الذي قال فيه النجاشي: ” كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر راجحا قليل السقط في الرواية”[21] – عن أيوب بن نوح، وتناقلها غيره من علماء الشيعة في مصنفاتهم، فانظر هامش التخريج[22].

[ لو صحت الرواية لم يصح التمسك بدلالتها أيضا]

وأما التمسك بالتعليل فيها ( طلب الإصلاح ) وأنه سيرة النبي صلى الله عليه وآله وعلي والحسن عليهم السلام، ليكون مبررا للخروج مطلقا حتى مع عدم توفر دواعي النصر، فلو سلمنا صحة الرواية وسلامة متنها – وهو ما لا يمكن التسليم به كما أسلفنا آنفا – لم يصح معناه؛ لأن خروجه لو حمل على أنه للمسير من مكة إلى المدينة لم يكن مرادفا لمعنى القيام، والحال أن المستدل ممن ينتصر لجواز القيام أو وجوبه.

ولو حمل على الخروج لجهاد يزيد في مكة قبل بيعة الناس فهذا ليس بخروج وقيام، بل مقامٌ في مكة وتحصن فيها بأهلها بغير دعوة دعى لنفسه فيهم كما هو المتفق عليه، وإنما كان ذاك من عبد الله بن الزبير بعد ذاك، فلا ينفع المدعي أيضا.

ولو سلم أنه خروج للجهاد من أوله تمهيدا ثم تنفيذا، قلنا: أنه لم يكن هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ولا سيرة علي ولا الحسن عليهما السلام التي ذكرت في ذيل الوصية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ما جاهد الكفار إلا أمرا ووحيا بعد الصبر العظيم واجتماع الأسباب والقدرة وما انفرد خارجا لحرب أحد ولا سلك سبل الثائرين كما في هذا العصر، وإن عليا عليه السلام هو كذلك، ما قام في الناس ثائرا ولم يمسك بزمام الخلافة إلا بعد بيعة الناس له وعلمه بصيرورة الأمور إليه، ودونك خطبته الشقشقية، وأن أبا محمد الحسن عليه السلام دام على خطى أبيه، ومن سيرته المهادنة لما خلت الأسباب وترجح الفسادُ على الصلاح بين الأتباع، كل هذا مع ما ثبت من سيرة الحسين عليه السلام، وهو بقاؤه في مكة ثم قدوم أهل الكوفة بكتبهم يطلبون قدومه ليبايعوه كسيرة أبيه عليه السلام، ثم سار لهم سير غير المتحصن بعسكر ولا المترئس لجيش دون تبييت نية لمواجهة أو قيام كما أثبتناه في غير موضع من هذا الكتاب.

فكيف يكون خروجه عليه السلام من مكة بداية قيام وثورة!، وكيف يمكن الاستدلال بسيرة من لا يوافقون الثورة والقيام المدعى لا في المبدأ ولا الأسباب كالنبي وآله الأطياب !، فلم يقم ويخرج رسول الله صلى الله عليه وآله كخروج الثوار والقائمين، وكذا لم يفعل علي ولا ابنه الحسن عليهما السلام، فانتفى المعلل (القيام) لبطلانه، ولم يصح التعليل (طلب الإصلاح) لانتفائه، وهذا مضعف آخر للرواية، وعلى مدعي دلالتها الإتيان بوجه صحيح تام، وحيث لم يكن فلا محيص عن رفع اليد عنها.

ولرب قائل أن يقول: أنه عليه السلام بامتناعه عن بيعة يزيد قد شرع في المعارضة والقيام، فنقول: إنا نسلم أصل المعارضة منه عليه السلام ليزيد ولا ينكره أحد أبدا، لكنا ننكر أنه قام بلا اهتمام لدماء الناس ولا رعاية لمصلحة الإسلام كالثوار والخارجين وكما يريد أن يصوره المستدل، ويكفي أن تلاحظ سيرته سلام الله عليه ليبان لك الفارق البين، مع عدم صحة القياس والاستدلال مطلقا بامتناع الحسين عليه السلام عن البيعة، كما مر عليك ويأتيك من تفصيل أكثر.

[لا يدل الخبر على جواز المعارضة السلمية مع احتمال الضرر]

ومن هنا يعلم، أن الاستدلال بها على جواز المعارضة مع احتمال الضرر بشرط سماه بعض منهم ( سلمية المعارضة )، تبرع بالدلالة والشرط؛ فقد علمت عدم صلاحيتها للاستدلال لضعف مستندها ومتنها، ولو دلت على جواز أو وجوب الخروج على الحكام في كل عصر مطلقا، لما احتجنا لاشتراط سلمية الخروج !؛ لأن الغرض يطلب تحققه بأي نحو ولو بسفك المهج تمسكا بإطلاق الدليل كما توهموا، بل يلزم من هذا تخصيص أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا العنوان المبتدع !.

ولو قيل: أن مرادهم بالشرط مشروعية المعارضة السلمية على نحو الاتفاق؛ إذ لا حمل فيها للسلاح ولا تشابك في عراك، ، فهو مردود؛ بأنه لا يوافق القائلين بالحرمة ولا الجواز، إذ لا رواية ولا قول في الشريعة بتخصيص جواز القيام إذا كان دون حمل سلاح بعد صدق مسمى الخروج المتمثل بالمعارضة كما بيناه، ولا مستند لتخصيص حكم الجواز أو الوجوب المطلق عند المتوهمين لهذا الحكم، فهو خرق للإجماع المركب.

وكذا فإنه لا معنى لسلمية الخروج على الحاكم في الواقع فضلا عن لغوية اشتراطها شرعا؛ لأن السلامة لا تتحقق بمجرد الامتناع عن حمل السلاح في قبال الحكام، بل في أن يؤمن الفتنة بين الأنام والضرر من جانب السلطان حتى لو علق الزهر مكان السنان، وهو –أي السلطان- الذي يقرر كيف يشاء سلميتها إذا تحقق بها السلم أو عدم سلميتها إذا تحقق بها الضرر له ولملك دولته، فالسلمية وعدمها عنوان واقعي ينتزع من سلامة الطرفين المتنازعين في الفرض، وليس لها محل في عالم الاعتبار، فمتى أجاز الحاكم المعارضة أو قل لم تكن بالنسبة له وفي نظره معارضة لحكمه ومنازعة له في ملكه، فقد ارتفع المحذور بالكلية على ما بينها في غير موضع.

[الحاصل]

والحاصل: أن نسبة هذا الحكم – وهو جواز المعارضة السلمية لإسقاط السلاطين والحكام – وصولا للحكم أو المشاركة فيه –مغالبة ومحاصصة- في عصر المهادنة بين بني الإسلام والمسالمة مع بقية الأنام، نسبة باطلة للشارع المقدس، كما أن توهم أو إيهام المكلفين بأن تغيير الألفاظ والأوصاف عن واقعها يبيح لهم ارتكاب الحرام، بطلانه من أوضح الواضحات، تنَزَّهَ الشرعُ الحنيفُ عن هذا اللعب بالدين وخلطِ الوهمِ باليَقين.


[1] مستلتان من كتابنا ( حرمة القيام ).

([2]) اللهوف على قتلى الطفوف: 60-61.

([3]) قال المصنف في أول الكتاب ص 9: “حذفت الأسانيد حتى لا يخرج الكتاب عن الغرض المقصود في الاختصار”

([4]) نزهة الناظر: 86.

([5]) مثير الأحزان: 30.

[6] في معجم الرجال: ” أحمد بن إبراهيم بن أحمد: السيد أبو العباس الحسيني (الحسني): فاضل، ثقة. الفهرست للشيخ منتجب الدين”. وقيل أنه كان إماميا ثم تزيد، دخل الري لطلب الحديث وصار إمامهم، وبرروا له عدم قيامه بكثرة الموانع عنه !. انظر مقدمة محقق كتابه المصابيح.

[7] المصابيح في السيرة والتاريخ: 335/ ح 187.

[8] له كتاب الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، من كتب الزيدية التي عليها معتمدهم.

[9] في غير مصدر بدون أبي، ولعلها زائدة.

[10] تيسير المطالب في أمالي أبي طالب (ترتيب الأمالي): 345-346.

[11] مقتل الخوارزمي: 208.

[12] حيدر حب الله.

[13] أنصار الحسين: 38.

[14] أمالي الطوسي 1: 381.

[15] أمالي الطوسي 1: 371.

[16] الفتوح : ج ۵ ص ۲۱ ، عنه مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ۱ ص ۱۸۸.

[17] نوادر المعجزات: 62، ب1 ح27.

[18] معجم الأدباء 2: 230-231، ر29.

[19] قاموس الرجال 12: 90، ر231.

[20] يحتمل أنها مصحفة عن الحسن، فهو الثقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار.

[21] فهرست النجاشي: 354، ر948.

[22] بصائر الدرجات : 481 ح 5 ، اللهوف : 28 ، المناقب لابن شهر آشوب 4 : 76 ، مثير الأحزان : 39 ، الخرائج الجرائح 2 : 771 ، بحار الأنوار 44 : 330 و 45 : 84 و 42 : 81 ح 12 ، العوالم 17 : 179 .

تحقيق كتاب: مشارق الشموس الدرية في أحقية مذهب الأخبارية للسيد عدنان القاروني البحراني رحمه الله ( ت 1348 هـ )

تحقيق كتاب: مشارق الشموس الدرية في أحقية مذهب الأخبارية للسيد عدنان القاروني البحراني رحمه الله ( ت 1348 هـ )

 مشارق الشموس الدرية - الغلاف

مشارق الشموس - مقدمة التحقيقمشارق الشموس - التحقيق ص3مشارق الشموس - التحقيق ص4

مشارق الشموس - الخاتمة 426مشارق الشموس - الخاتمة 427روابط التحميل:

ملف مصور:

http://www.4shared.com/office/_cZCQTfH/___-____-_.html

ملف يحتاج للخطوط:

السجود على القرطاس والكاغذ

السجود على القرطاس والكاغذ

قال المحدث البحراني في حدائقه:

المشهور بين الأصحاب ( رضوان الله عليهم ) أنه لا يجوزالسجود اختيارا إلا على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس عادة ، ولم يستثنوامن هذه القاعدة إلا القرطاس ، ونقل عن المرتضى في المسائل الموصلية كراهةالسجود على ثياب القطن والكتان وفي المصباح وافق الأصحاب[1].

والنصوص متكثرة المعنى في حصر المسجود عليه بالأرض وما أنبتت، منها: ما عن هشام بن الحكم في الصحيح عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال له :

” أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال: السجود لا يجوز إلا على الأرض أوعلى ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس ” .

وروى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن هشام بن الحكم قال : ” قلتلأبي عبد الله ( عليه السلام ): أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال السجودلا يجوز إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس . فقلت له:  جعلتفداك ما العلة في ذلك ؟ قال: لأن السجود هو الخضوع لله عز وجل فلا ينبغي أن يكونعلى ما يؤكل ويلبس؛ لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده فيعبادة الله عز وجل فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروابغرورها، والسجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله عز وجل “.

إلى غيرها من الأخبار النصية.

ولابد من تقديم الكلام عن حكم السجود عما قيل باستثنائه كالقطن والكتان والورق.

 

[عدم أجزاء السجود على القطن والكتان وما يلبس من النبات]

 

ففي خبر الأعمش عن الصادق ( عليه السلام ) قال : ” لا يسجد إلا على الأرضأو ما أنبتت الأرض إلا المأكول والقطن والكتان ” .

ومن الأخبار الخالية عن ذكر المأكول ما عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد ، والحسين بن سعيد جميعا ، عن القاسم بن عروة ، عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : “لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا القطن والكتان” .

وكونها مع غيرها نصا في الحصر لا ينكر، وهي محكمة.

 

وخرج عن عدم جواز السجود عليها ما كان في حال الاضطرار والتقية، كرواية علي بن جعفر فيكتابه والحميري في قرب الإسناد عنه عن أخيه موسى ( عليه السلام ) قال : ” سألتهعن الرجل يؤذيه حر الأرض في الصلاة ولا يقدر على السجود هل يصلح له أن يضعثوبه إذا كان قطنا أو كتانا ؟ قال إذا كان مضطرا فليفعل “.

وما رواه الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عنالمثنى الحناط عن عيينة بياع القصب قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أدخل المسجدفي اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى فابسط ثوبي فاسجد عليه ؟ فقال : نعم، ليس به بأس”. وهو محمول على الحر الذي يمنع عن السجود، لا مطلق العسر.

لكن رواية عيينة عن الصادق عليه السلام بلا واسطة نادرة، وشبيهة بها ما رواه الشيخ رحمه الله عن عيينة بياع القصب عن إبراهيم بن ميمون قال : “قلت لأبي عبد الله عليه السلام: نخرج إلى الأهواز في السفن فنجمع فيها الصلاة ؟ قال : نعم ليس به بأس ، قلت : ونسجد على ما فيها وعلى القير ؟ قال : لا بأس”. وهو محمول على التقية كما هو واضح.

 

نعم في النصوص ما لم يعلق فيه الجواز على حال كالاضطرار أو شرط كالتقية، كصريح رواية الشيخ عن داود الصرمي  قال : ” سألت أبا الحسن الثالث( عليه السلام ) هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية ؟ فقال جائز ” .

وداود الصرمي له كتاب مسائل في الصلاة معروف، نقل عنه ابن إدريس في مستطرفاته.

وهو الذي روى في مسائله تلك عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنه قال له: “يا داود لو قلت لك إنّ تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا“. على ما رواه ابن إدريس في مستطرفاته.

وكذا روى ابن شعبة في تحف العقول في قصارى كلمات أبي الحسن الثالث عليه السلام، قال: ” وقال داود الصرمي : أمرني سيدي بحوائج كثيرة ، فقال عليه السلام لي : قل : كيفتقول ؟ فلم أحفظ مثل ما قال لي ، فمد الدواة وكتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكرهإن شاء الله والأمر بيد الله ، فتبسمت ، فقال عليه السلام : مالك ؟ قلت : خير ، فقال : أخبرني ؟قلت : جعلت فداك ذكرت حديثا حدثني به رجل من أصحابنا عن جدك الرضا عليه السلامإذا أمر بحاجة كتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكر إن شاء الله ، فتبسمت ، فقال عليه السلاملي : يا داود ولو قلت : إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا”.

وفي مروياته ما هو واضح في التقية كقوله: “كنت عند أبي الحسن الثالثعليه السلام يوما فجلس يحدث حتى غابت الشمس، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدث، فلماخرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب ، ثم دعا بالماءفتوضأ وصلى”، الموافق للخطابية، ولا ضرورة تستدعي التأخير، فحملت على التقية.

وأوضح منها روايته: “سأل الرجل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب ، فكتب: يجوز

ذلك”.

قال الصدوق في الفقيه: ” وهذه رخصة الآخذ بها مأجور ورادها مأثوم والأصل ما ذكره أبي رحمه اللهفي رسالته إلي : وصل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب ، وقال فيها : ولا تصلفي ديباج ولا حرير ولا وشي ولا في شئ من إبريسم محض إلا أيكون ثوبا سداهإبريسم ولحمته قطن أو كتان”. بناء على التخيير، وقد يعرف من مسلكه رحمه الله قلة الحمل على التقية.

ولا نقول أن هذا يسري لكل مروياته القليلة في عددها، لكنه مما يؤيد احتمال التقية فيها، ولا يحقق الوثوق بمضمونها.

وكذا ما رواه الشيخ بسنده عن عبد الله بن جعفر، عن الحسين بن علي بن كيسانالصنعاني قال: “كتبت إلى أبي الحسن الثالث ( عليه السلام ) أسأله عنالسجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة ، فكتب إلي: ذلك جائز”.

ذهب السيد الخوئي في معجمه إلى اتحاد الحسين بن علي بن كيسان –وهو ممن روى عن الكاظم عليه السلام- مع الحسن بن علي بن كيسان؛ لرواية عبد الله بن جعفر عنه ولروايته عن أبي الحسن الثالث عليه السلام، ولا وجود لرواية أخرى يرويها الحسين إلا هذه، وهو قريب جدا.

وجمع الشيخ تلك الروايات المجيزة عند الضرورة والتقية مع هذه بقوله:

لأنه يجوز أن يكون إنما أجاز مع نفي ضرورة تبلغ هلاك النفس ، وإن كان هناكضرورة دون ذلك من حر أو برد وما أشبه ذلك على ما بيناه”، لكن فيه وتكلف ظاهر وتقدير كثير لا معين له، والصحيح الحمل على التقية، أو أنها وما سبقها مما شذت روايته ورواته، وهو متروك لما اشتهر واعتضد بعضه ببعض.

وأما ما رواه الشيخ عن  ياسر الخادم قال : ” مر بي أبو الحسن ( عليه السلام ) وأنا أصلي علىالطبري وقد ألقيت عليه شيئا أسجد عليه، فقال لي: ما لك لا تسجد عليه أليس هو مننبات الأرض ؟ “.

قال الطريحي لعل الطبري هو الكتان المنسوب لطبرسان ، وقال النوري هو الحصير المسنوج في طبرستان، والأول أرجح ولعله مصحف خيبري، وحمله الشيخ على التقية، فيوافقه التفسير الأول، وعلى أي حال فهو مجمل المعنى في الخبر، وراويه ليس من المعروفين بالضبط في الرواية، عدا أنه شاذ محتمل للتقية كسابقه.

لكن يؤيده ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في ( تحف العقول ) مرسلا عن الصادق ( عليهالسلام ) – في حديث – قال : “وكل شئ يكون غذاء الانسان في مطعمه أومشربه أو ملبسة فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود إلا ما كان من نبات الأرضمن غير ثمر ، قبل أن يصير مغزولا ، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه إلافي حال ضرورة”.

إلا أن هذا الكتاب لم يتضح حال مصنفه وحاله على وجه بين، وما أميل إليه وأقويه أنه من تصانيف بعض المتأخرين زمانا عن مشايخ الحديث المعروفين، وقد احتوى -على ما صرح به- على غريب الأخبار وما لم يذكر في المصنفات المعروفة، كمن يستدرك على ما ذكروه من مصادر وصلته، وهذا أمارة الضعف خاصة مع إرسال أخبار الكتاب، وأنت إن تتبعت أخباره وجدت بعضها رويت في المصادر الأخر وبعضها شاذ مضمونا وكثير منها تفرد بها صاحب الكتاب، كما أن أخباره الطوال فيها من صياغة الألفاظ ما لم يعتد من الأئمة عليهم السلام شبيهة بلغة الفقهاء من بعد القرن الرابع، وهذا يدركه المتتبع، وقد صرح في مقدمة كتابه بأنه وجد ما اعتقد غفلة المشايخ عنه أو عدم وصوله لهم، ويحتمل راجحا أنه بعض كتب النميرية الخصيبية، إذ طالما اعتمدوا عليه وقدموه على بقية الكتب، وأهمل بين أصحابنا ولم يعرف له أثر حتى السنين المتأخرة، ووقع ابن شعبة في بعض كتبهم المعروفة.

وعلى أي حال، فأخبار الكتاب ومنها هذا الخبر تصلح شاهدا ومؤيدا وقد تستقل إذا اقترنت بقرائن الصحة والوثوق، والنتيجة من هذه الرواية جواز السجود على القطن والكتان من نبات الأرض قبل غزله، وهي كما ترى كسابقاتها محتملة للتقية ضعيفة المصدر.

فلا يجوز السجود إلا على الأرض وما أنبتت من غير المأكول ولا الملبوس، وهو الذي نصت عليه صحيحة هشام أول البحث، وقلنا أنها من المحكمات.

 

[عدم استثناء القرطاس مما لا يصح السجود عليه]

روى الشيخ رحمه الله بسنده عن صفوان الجمال قال : رأيت أبا عبد الله ( عليهالسلام ) في المحمل يسجد على القرطاس وأكثر ذلك يومي إيماء .

ورواه البرقي في ( المحاسن ) عن علي بن الحكم عمن ذكره ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، مثله .

وهو محمول على الضرورة بقرينة الايماء وكونه في المحمل الذي يصعب السجود فيه، ولا إطلاق لمجرد الفعل في الجواز.

 

وفي الفقيه بإسناده قال: “وسأل داوود بن أبي يزيد أبا الحسن الثالث ( عليه السلام ) عن القراطيس والكواغذ المكتوبة عليها ، هل يجوزالسجود عليها أم لا ؟ فكتب : يجوز .

وأخذها عنه -بعينها وما قبلها وما بعدها بالترتيب واللفظ الذي في الفقيه- الشيخ في التهذيب في باب ما يجوز الصلاة فيه، ورواها مثلها في باب كيفية الصلاة وصفتها بسنده عن “أحمد بن محمد عن علي بن مهزيار قال: سأل داوود بن يزيد أبا الحسن عليه السلام” الحديث.

لكنه رواها في الاستبصار في باب السجود على القرطاس بسنده عن ” علي بن مهزيار قال: سأل داوود بن فرقد أبا الحسن عليه السلام” الحديث، وهو توهم من الشيخ أو من النساخ، والصحيح داود بن يزيد؛ لأن ابن فرقد لم يدرك زمان الهادي عليه السلام بحسب العادة في الأعمار وما وصل من أسانيد الأخبار.

  

وباسناده عن علي بن مهزيار قال : سأل داود بن فرقد أبا الحسن ( عليه السلام ) عن القراطيس والكواغذ المكتوبة عليها ، هل يجوزالسجود عليها أم لا ؟ فكتب : يجوز .

وباسناده عن أحمد بن محمد ، عن علي بن مهزيار ، مثله، وباسنادهعن داود بن يزيد ، مثله.ورواه الصدوق بإسناده عن داود بن أبي يزيد ، عن أبي الحسنالثالث ( عليه السلام ) ، مثله .

ولا معين في الرواية أن هذه القراطيس متخذة من أي شيء، وهل عولجت حتى خرجت عن حقيقة ما أنبتت الأرض، فلا يمكن التمسك بإطلاق لفظ القرطاس بعد الشك في ماهيته ومفهومه، والمتيقن منه هو ما كان يتخذ من البردى وورق الأشجار المضغوط كالقنب في تلك الأزمنة.

ومثل دلالته ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن جميل بندراج ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ): “أنه كره أن يسجد على قرطاس عليهكتابة”.

ورواه الكليني عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بنسعيد.

وفي كونها أجوبة لمسائل لا بدارا من الإمام في البيان إشعار قوي أن حكم الورق ليس استثناء من حصر جواز السجود على الأرض وما أنبتت من غير المأكول والملبوس.

وأما ما ذكره صاحب الحدائق رحمه الله من خروج الورق عن عنوان الأرض أو ما أنبتت خروجا تخصصيا، وأنه استثناء من حكم ما يجوز السجود عليه، ففيه ما ذكرنا، إضافة لكون التغير في صورته النباتية لا يوجب خروج مادته عنها خاصة إذا لم تكن المعالجة مغيرة له، كنا أنه لا دلالة في الأخبار على السابقة على التعبد بمسمى الورق ولا موضوعية له.

نعم لو كان مراده رحمه الله أن له حقيقة أخرى بعد معالجته، وهو الذي كان في نفس الشهيد الأول منه شيء، حيث قال في الذكرى:

وفي النفس من القرطاس شئ ، من حيث اشتماله على النورةالمستحيلة ، الا ان نقول : الغالب جوهر القرطاس ، أو نقول : جمود النورة يردإليها اسم الأرض”.

ثم فرع فقال: “الأكثر اتخاذ القرطاس من القنب، فلو اتخذ من الإبريسم فالظاهرالمنع، الا أن يقال: ما اشتمل عليه من أخلاط النورة مجوز له، وفيه بعد،لاستحالتها عن اسم الأرض.ولو اتخذ من القطن أو الكتان، أمكن بناؤه على جواز السجود عليهما،وقد سلف . وأمكن ان [كان] المانع اللبس، حملا للقطن والكتان المطلقين علىلبسه، وعليه يخرج جواز السجود على ما لم يصلح للبس من القطن والكتان” انتهى.

وحق له رحمه الله أن يكون في نفسه شيء بل أن يجزم بعدم الجواز لخروجه بالمعالجة –كإضافة النورة وغيرها للنبات- أو بما اتخذ منه –كالقطن والكتان بل القماش من غيرها- عن مسمى الأرض أو ما أنبتت، وحاله حال الزجاج المعالج بإضافة غيره من معادن الأرض فيخرج عن مسمى الأرض بعدها؛ فإن المعروف أن صناعة الورق من حين اختراعه حتى مراحل تطور صنعته الحديثة قد مر بمراحل كثيرة، وكان اختراعه على يد الصينين سنة 105 للميلاد تاريخا فاصلا في صناعته، انتقلوا به من الكتابة على الحرير والقصب إلى الورق المعالج بمواد مجموعة مختلفة، ثم انتقلت الصنعة للعرب في زمن هارون حيث منع الناس من الكتابة على غيرها، واتخذت سمرقند الصدارة في صنعتها من بعض أهل الصين الأسرى كما قيل، ثم إلى غيرها من البلاد حتى تصدرت أوربا في القرون الأخيرة صناعته، وتطورت فصار الورق يتخذ من لحاء الشجر ولبه ويعالج بمواد كثيرة منها النورة والصمغ وغيرها، وقد يصنع من القماش كما في الورق اللماع المصقول، ولا يشك أن بينه الآن وبين الطريقة الأولى بونا شاسعا جدا من حيث التركيب، وتكفي مراجعة أي مصدر علمي للتحقق من صحة هذا القول.

بل يكفيك ما ذكره الشهيد رحمه الله أنه يخلط بالقنب – وهو ما يعمل به فتيل الحبال- بالنورة البيضاء لينتج خاما آخر يعجن ثم يصفح ليكون ورقا للكتابة يومها، ولولا أن الخبر قد جاء على التنصيص بجواز السجود على الورق لتحقق الجزم بعد صحة السجود على ما كان في زمنه رحمه الله ولا ما في زمننا هذا بأنواعه المختلفة، وقد عرفت ما في دلالة تلك الأخبار من عدم ظهورها في الاستثناء وأنها جارية مجرى التطبيق.

لكن الفاضل صاحب كشف اللثام علق على كلام الشهيد بقوله: ” قلت : المعروف أن النورة تجعل أولا في مادة القرطاس ثم تغسل حتىلا يبقى فيها شئ منها”.

أقول: وبهذا يمكن استثناء بعض أنواع الورق الذي يصدق اسم نبات الأرض عليها –ولا يضر تحول لونها شبيها بالحصير مثلا أو بزيادة البياض فيها- لكن تمييزه اليوم عسير جدا ونادر الوجود جدا، إلا أن يأتي عليه شاهد أو يقوم عليه علم، ويلاحظ أن ورق الكتب المخطوطة القديمة يختلف عن المتأخر عنها لونا وسمكا، وفيها المصقول وغيره أيضا، فلا تنحصر صناعته بما ذكره فاضل كشف اللثام.

والحاصل: أن الورق ليس مما استثني مما لا يجوز السجود عليه، ويجب تحصيل العلم بكونه غير معالج معالجة تخرجه عن مسمى نبات الأرض، وأن وجود غير المعالج في هذا الزمن نادر جدا، فلا يتخذ للسجود حتى يعلم أنه من نبات الأرض عرفا.

 

كتبه: محمد علي حسين العريبي

رجب 1434 هـ

بجوار الطاهر علي بن موسى الرضا – مشهد

—-

ملحق:

قال الفاسي في كتاب نظام الحكومة النبوية 1: 122:

“إن أهل الصين كانوا يكتبون في رق مصنوعة من الحشيش وعنهم أخذ الناس صناعة الورق، وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض والفرس يكتبون في الجلود المدبوغة من جلود الجواميس والبقر والغنم والوحوش وكذلك كانوا يكتبون في اللخاف بالخاء المعجمة، وهي حجارة بيض رقاق وفي النحاس والحديد ونحوهماوفي عسيب النخل وهي الجريد الذي لا خوص فيهوفي عظم أكتاف الإبل والغنم وعلى هذا الأسلوب كان العرب لقربهم منهم واستمر ذلك إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن والعرب على ذلك وربما كتب النبي صلى الله عليه وسلم بعض مكاتباته في الأدموأجمع الصحابة على كتابة القرآن في الرق لطول بقائه أو لأنه الموجود عندهم حينئذ إلى زمن الرشيد فأمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد”.‍

وفي قاموس الكتاب المقدس: 1023 :

أول نوع من الورق اكتشفهالمصريون القدماء وسموه ” فافرعا ” أي ” ملك فرعون “ومن الاسم المصري أخذ الاسم اليوناني ” بابيروس “وكانوا يصنعونه من نبات البردي وهو أشبه بالقصب . وفي سنة 105 بعد الميلاد اكتشف الصينيون صناعةالورق الحقيقي . ونشر العرب صناعته وتعلمها الإفرنجعنهم”.

وفي مجلة تراثنا العدد32: 120 :

صناعة الورق: المعروف أن الصينيين هم أول من اكتشف صناعة الورق قبل أكثر منألفي عام ، حيث كانوا قبل ذلك يعتمدون على سيقان نبات البامبو ( الخيزران ) المجوفة ، فقد كان هذا النبات ينمو بكثرة عند الصينيين ، ولذلك استخدمواشرائح ضيقة من سيقانه لا تتسع لأكثر من رمز كتابي واحد ، فطولها لا يتجاوز ( 20 ) سم ، في كتابتهم .

وكانت هذه الشرائح تثقب من الأعلى ، لتضم إلى بعضها بخيط ، حتىتستوعب مجتمعة الموضوع المطلوب تدوينه ، لذلك كانت عسيرة التناول ،صعبة الحفظ ، ثقيلة الحركة،وكذلك حاولوا أثناء هذه الفترة الكتابة على الحرير ، لكن ارتفاع ثمنالحرير ، منع من شيوع استخدامه على نطاق واسع في الكتابة ، فلم يحل محلشرائط البامبو ، التي ظلت مستعملة حتى عام 105 م عندما تمكن الوزيرالصيني تساي لون من اكتشاف طريقة لإنتاج الورق ، باستخدام مواد أرخصمن الحرير ، فقد ” استخدم لإنتاج الورق لحاء الشجر ، والحبال القديمة ،والخرق البالية ، وشبكات الصيد القديمة ، وقد عمد تساي لون إلى طحن هذهالمواد الأولية ، وإضافة الماء من حين لآخر ، حتى توفرت له عجينة ، ثم فرشهذه العجينة على شكل شريحة رقيقة فوق مصفاة ، وحين جف الماء ، أخذشريحة الورق ودقها لكي تجف تماما ، وبهذا الأسلوب توصل تساي لون إلىطبق رقيق ومتين من الورق “.

لقد نال هذا المخترع جائزة الإمبراطور كمكافأة على اختراعه الهامللورق ، الذي صار سببا للتوسع الكبير في استخدام الكتابة ، وانتشار تداولالكتاب ، وسهولة حفظه ، ونقله ، فضلا عن تيسير مطالعته والرجوع إليه فيمختلف الأوقات .

وشهدت حركة النسخ والتدوين باختراع الورق تطورا كبيرا في الصينوفي المناطق المتاخمة لها ، التي كانت تخضع لتأثيرها الثقافي بشكل مباشر ،” وهكذا فقد وصل الورق أولا إلى كوريا ، ثم عن طريق كوريا توصل اليابانيونإلى معرفة إنتاج الورق حوالي سنة 610 م ، وحتى ذلك الوقت كانت تقنية إنتاجالورق في الصين قد وصلت إلى قمتها ، حتى أن العرب والأوربيون لم يحتاجواإلى أن يضيفوا شيئا جوهريا إلى هذه التقنية “.

وقد وصلتنا بعض الوثائق من الورق ، يعود تأريخها إلى نحو عام 150 م ،اكتشفت في سور الصين ، ما أن أقدم وثيقة مؤرخة مكتوبة على الورق تحملتأريخا يقابل 264 م“.

“أدى توسع حركة الفتوحات الإسلامية شرقا ، إلى أن يصل الفاتحونالمسلمون إلى تخوم الصين ، التي كانت تمثل أقصى ديار الشرق يومذاك ، وفيإحدى المعارك في صيف عام 751 م أسر المسلمون مجموعة من الصينيين ،ممن كانوا خبراء في صناعة الورق ، فأسسوا بمساعدتهم أول مصنع للورق فيديار الإسلام في مدينة سمرقند ، وبعد فترة محدودة أضحت هذه المدينة مركزامعروفا لإنتاج الورق ، ومنها انتقلت صناعة الورق إلى بغداد ، التي كانت أعظمحاضرة إسلامية آنذاك ، حيث أسس الفضل بن يحيى البرمكي ، وزير هارونالرشيد ، أول مصنع للورق في بغداد عام 793 م.

وخلال فترة وجيزة انتشر استخدام الورق ، حيث كان للأمر الصادر منالخليفة في ألا تكتب الناس إلا في الكاغد ، لأن الجلود ونحوها تقبل المحووالتزوير بخلاف الورق، كان له أثر كبير في تعميم استخدام الورق فيالكتابة .

ثم انتقلت صناعة الورق من بغداد إلى دمشق ، ثم إلى طرابلس ،واليمن ، ومصر ، والمغرب العربي ، والأندلس .

وكان أول مصنع للورق أنشئ في مصر نحو عام 900 م ، وفي مراكشنحو عام 1100 م ، فيما كان أول مصنع للورق أسس في الأندلس في عام1150 م في مدينة شاطبة ، ومنها انتقلت صناعته إلى مدينة طليطلة منذ القرنالثاني عشر الميلادي. وقد انتشر استخدام الورق بشكل واسع وازدهرت صناعته في البلادالإسلامية ، حتى كان يوجد في المغرب العربي فقط مثلا عام 1200 م أربعمائةمعمل لصناعة الورق ، وكان لازدهار حركة التأليف والإبداع والترجمة ، وكثرة

المداس ودور العلم ، وازدياد عدد طلاب المعارف ، الأثر الأساسي في ازدهارصناعة الورق ، وزيادة استهلاكه ، حتى أصبح الورق من أكثر السلع وفرة فيالعالم الإسلامي ، فمثلا كانت مصر ” تنتج الورق لنفسها ، وكثر انتاجه لدرجة

أن الباعة في القاهرة كانوا يلفون به الخضر والتوابل “.هذا في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغرق في بحور من الظلماتوالانحطاط الفكري ، حتى أنه ” لم يزد ما قد يكون رآه بعض الأوربيين حينئذ منالورق على قطعة صغيرة متعفنة ، أحضرها معه أحد التجار من الشرق علىسبيل الطرافة . . . ولم يلق الورق رواجا في أوروبا لقلة عدد من يعرفونالكتابة “.ولم تظهر صناعة الورق في أوروبا ، حتى أواخر القرن الثالث عشرالميلادي ، فقد أنشئت للورق في إيطاليا عام 1276 م ، وأقيمأول مصنع للورق في مدينة تروا ( troyes ) شرقي فرنسا عام 1250 م ،ثم نمت صناعة الورق فيما بعد في أوروبا فأصبحت إيطاليا في القرنين الرابععشر والخامس عشر ، المركز الرئيسي لصناعة الورق.

ومما ينبغي الإشارة له أن صناعة الورق دخلت فرنسا من خلال الأندلس ،ومنها انتقلت تلك الصناعة إلى إنجلترا ، وأخيرا إلى هولندا حيث صار لها شأنكبير . هذا عرض سريع لرحلة إنتاج الورق ، تابعناها منذ الخطوة الأولى في

موطن ولادتها في الصين ، ثم سمرقند ، ثم بغداد ، ثم دمشق ، والقاهرة ، وأخيراشاطبة ، ثم طليطلة في الأندلس ، ومنها إلى فرنسا ، وبعدها إنجلترا ، وأخيراهولندا” إنتهى.

          يمكن البحث في الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” عن تاريخ الورق وصناعته الحديثة تحت عنوان “ورق”.

 



[1]الحدائق 7: 245.

كتاب: حرمة القيام في غيبة الإمام + الإصدار الثاني 2016

   حرمة القيام في غيبة الإمام - حرمة الثورات  حرمة القيام - ختام حرمة القيام - ختام2 وكتبه فهرس 1 الفهرس 2 الفهرس 3

الفهرس 4

الفهرس 5

الفهرس 6

الفهرس 7

ملاحظة:

يمكن تحميل

كتاب حرمة القيام في غيبة الإمام – الإصدار الثاني 2016

من الرابط

http://www.mediafire.com/…/%D8%AD%D8%B1%D9%85%D8%A9_%D8%A7%…

http://twitter.com/Moh_Aloraibi/status/690316653003980800

http://www.facebook.com/aloraibi.m/posts/968342609915821

http://www.goodreads.com/book/show/28599510-2016