مسائل في طرق إثبات الأهلة بأدلة الشارع

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على رسوله الأمين محمد وآله الغر الميامين

فهذه رسالة موجزة في بعض المهمات من مسائل طرق ثبوت الهلال، ألحقت بين سطورها وطياتها ما يكاد لا يخفى على الفاضل وقد يسهو عنه الغافل ويعين المتعلم ويرشد الجاهل

 [يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان وهو أول العام القمري لا الهجري]

◄ يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان، وهو أول العام القمري لا الهجري بما رواه الكليني عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّوْفَلِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ رَفَعَهُ قَالَ:

“قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع:

إِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَلَا تَبْرَحْ وَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَ نُورَهُ وَ نَصْرَهُ وَ بَرَكَتَهُ وَ طَهُورَهُ وَ رِزْقَهُ وَ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِيهِ وَ خَيْرَ مَا بَعْدَهُ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَ شَرِّ مَا بَعْدَهُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَ الْإِيمَانِ وَ السَّلَامَةِ وَ الْإِسْلَامِ وَ الْبَرَكَةِ وَ التَّقْوَى وَ التَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَ تَرْضَى”.

[يثبت الهلال بالعلم الحسي أو الشياع ولا يكفي إخبار الواحد]

◄ يثبت الشهر بالعلم بوجود الهلال في الأفق، ولا يكفي الظن، ولا شهادة الواحد مخبرا عن نفسه، بل لابد من الرؤية الحسية أو الشياع، ويدل عليه مجموعة من النصوص، منها:

ما رواه الشيخ بسند صحيح عن علي بن مهزيار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ:

” إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا وَ لَيْسَ بِالرَّأْيِ وَ لَا بِالتَّظَنِّي وَ لَكِنْ بِالرُّؤْيَةِ وَ الرُّؤْيَةُ لَيْسَ أَنْ يَقُومَ عَشَرَةٌ فَيَنْظُرُوا فَيَقُولَ وَاحِدٌ هُوَ ذَا هُوَ وَ يَنْظُرُ تِسْعَةٌ فَلَا يَرَوْنَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ [عَشَرَةٌ]([1]) وَ أَلْفٌ وَ إِذَا كَانَتْ عِلَّةٌ فَأَتِمَّ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَ زَادَ حَمَّادٌ فِيهِ وَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ هُوَ ذَا هُوَ لَا أَعْلَمُ إِلَّا قَالَ وَ لَا خَمْسُونَ”.

والتعبير فيها وفي روايات متكثرة جدا بالرؤية -في قبال الظن والرأي- قُصدَ به طرق الثبوت الحسية المورثة للعلم، ومن أقواها الرؤية العينية، بل هي الوحيدة التي لا يداخلها الريب في أمثال المقام، وفي الخبر عن ْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَالَ:

“إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي”.

[يثبت الشهر بالرؤية الشخصية]

◄ ويثبت بالرؤية للشخص الواحد بالنسبة لنفسه ولو لم يرتب عليه الآخرون أثرا، إذا كان غير متوهم ولا شاك فيما رآه، يدل عليه ما رواه الصدوق والشيخ والحميري -بتفاوت يسير- بأسانيدهم عن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع:

“عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْهِلَالَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ لَا يُبْصِرُهُ غَيْرُهُ أَ لَهُ أَنْ يَصُومَ قَالَ إِذَا لَمْ يَشُكَّ فَلْيُفْطِرْ وَ إِلَّا فَلْيَصُمْ مَعَ النَّاسِ”.

[يثبت الشهر بشاهدة رجلين مرضيين وبحكم إمام البلد]

◄ ويثبت برؤية شاهدين -رجلين- عادلين مرضيين مأمونين ملتفتين سليمي الحواس يركن لقولهما مع عدم المعارض المعتبر، إذا لم يكونا ضمن المستهلين -المتشابهين في الظروف وقت الاستهلال داخل البلد- الذين لم يروه، فلو كانا في جهة من البلد خالية عن المانع قُبل قولهما، أو كانا في جملة المستهلين وهما أقوى بصرا أو أعرف بالهلال من باقي المستهلين، فإن المانع عن رؤية الجمع ضعف بصرهم أو جهلهم بمنازل الهلال وجهته مثلا.

◄ ويثبت بإقامتها عند الحاكم، ولو لم يحضر أحد مجلسه ولم يسمع الشهادة غيره، ولم يعارض شهادتهما استهلال كثير من أهل الصقع الواحد متساوي الصفات والمكان ولم تتحقق لهم الرؤية؛ فإنهم كالمنكر في قبال تلك البينة.

ويدل عليه -إضافة للسابق الدال على أن ثبوته ليس بالظن ولا بالرأي ولم يرخص لنا العمل بهما مطلقا، فلابد في ثبوت الرؤية من تحقق العلم وأن يكون عاما في حال الاشتراك في ظروف الرؤية- أخبار كثر، منها:

ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنِ الْحَسَنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ:

” صُمْ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ شَاهِدَانِ مَرْضِيَّانِ بِأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فَاقْضِه‏ “.

ومنها:ما رواه الصدوق والشيخ بسنديهما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال سمعته يقول:

“لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل”.

ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله ع قال:

“إن عليا ع كان يقول لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين”.

وتخصيص الشهادة بالرجال دون النساء لما يدخل على نوع النساء من التوهم وتزلزل القول في مثل هذه الأمور.

[يسري حكم الحاكم على كل البلدان المشتركة في الليلة]

◄للحاكم الحكم بثبوت الرؤية عند خلو الدعوى عن المعارض المساوي المسقط لحجيَّة الدعوى أو ما يصلح للمعارضة حكما، ويجب على باقي المكلفين الإفطار إلا إذا علم عدم صحة الحكم، ولا يكفي ظن الخلاف في رد دعوى الرؤية وإن علا هذا الظن إلا إذا سلب الوثوق.

◄ ولو أثبتها الحاكم الإمام المرضي المقدَّم، وجب على أهل البلد وما بحكمها العمل بحكمه، بل وجب الإفطار على المكلفين في بقية البلدان المشتركة في خصوص الليلة، إلا إذا علم اشتباه حكمه أو مبناه.

[تحصيل الشهادات والحكم فيها من وظائف الحاكم الإمام]

◄ الحكم بثبوت الهلال من وظائف الحاكم المقررة شرعا، ولا شك أن مما يكون محلا للشهادة الشرعية -خاليا عن منكر قائم بشخصه- هو ادعاء رؤية الهلال، وللحاكم المرضي المقدم في الفصل والخصومات -والهلال منها- البت فيها بعد التبين وفحص صدقها، وهي من وظائفه المنصوصة، يدل عليه وعلى ما تقدم:

ما رواه الكليني في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ:

«إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْهِلَالَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ يَوْماً، أَمَرَ الْإمَامُ بِالْإِفْطَارِ، وَ صَلّى‏ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِذَا كَانَا شَهِدَا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، فَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، أَمَرَ الْإِمَامُ بِإِفْطَارِ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إِلَى الْغَدِ، فَصَلّى‏ بِهِمْ».

[من هو الحاكم ؟]

والإمام هنا: هو المقدم في قومه لإمامتهم في أمور دينهم تقدم الفاضل على المفضول والعالم على الجاهل، ويحصر في عالم البلد المطاع بل في فقيهها الذي تنقاد إليه أكثر الناس وترجع له في أمور دينها وفصل القضاء والخصومات، وهو المصداق الأوضح للإمامة فيهم، فلو تقدم لم ينازعه أحد في قضائه؛ وإلا لم تكن ثمرة لأمره -المذكور في كلامه عليه السلام- للناس بالإفطار.

يدلنا عليه ما تكثر من لفظ الإمام في الروايات منها ما رواه الشيخ بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: “مَنْ قَتَلَهُ الْقِصَاصُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَلَا دِيَةَ لَهُ فِي قَتْلٍ وَ لَا جِرَاحَةٍ”.

وليس الحاكم الإمام هنا هم الفقاء ولو تباعدوا وتعددوا مكانا؛ لأنه لم يقم الدليل على ولاية للفقيه في أحكامه بحسب منصبه أزيد مما حددته النصوص بتحميلهم أمانة تبليغ وتطبيق  دلالات الروايات والحكم بالوارد عنهم فيها في بلدانهم، وتقدمهم في أمور الدين بنحو الأولوية من باقي المؤمنين ووجوب طاعتهم في ما بلغوه خاصة، فليس أمر الحاكم الإمام في الهلال بمولوي نفسي ليسري على كل المكلفين حتى فقهاء وحكام البلدان، فإن تقدم أحدهم للتصدي لشؤون الحكم والقضاء في بلد لم يعارضه تقدم آخر في بلاد أخرى، وليس للآخر إجراء ما يرى -في الأدلة وغيرها- على غيره من أئمة الأمصار وحكامهم وعوامهم، وبسط البحث في موضع آخر.

[تعدد المتصدين للحكم]

◄ لو تعدد المتصدون في البلد الواحد للحكم في الشهادات على رؤية الهلال اتبع أوفرهم علما وطاعة؛ للوجه السابق، بل لا تتحقق إمامة غير واحد في المجموع على نحو التعين.

ولو اشتبه على المكلف من هو الحاكم الذي يرجع له بينهم ولم يُعلم، اتبع حكم المثبت منهم دائما، ولا أثر لغير المثبت، إلا أن يعلم خطأ الأول.

ويدل عليه وعلى ما قبله: ظاهر لفظ (الإمام) في إرادة الأوحدي بين الناس بين صنف الفقهاء في البلد الذي يحكم فيه بقضائه.

[لو خلا الحاكم عن الشهود]

◄ولو خلا الحاكم عن الشهود أو ردَّ دعوى الرؤية لمعارض مساو أو أقوى، لم يجب على المسلمين ترتيب أثر عليه في حرمة الصيام أوالإفطار يوم الشك ؛ إنما عليهم ما وجدوه من المثبتات، وحكم إمام القوم وحاكمهم أحدها، فإن فقد صير لباقي مثبتات الرؤية، وكان عدم ثبوته لدى الحاكم الحاضرة لديه الشهادات من جملة القرائن النافية.

[تنجز الشهادة]

◄ يشترط في الشهود العدالة في القول والصحة في الإخبار عن حس دون وجود المعارض الأقوى أو المساوي، وذلك لمِا كان النص المُحكَم في حجية الرؤية هو العلم لا غير، فلا تتنجز الدعوى إلا مع تحقق العلم بالمُدَّعى.

[الشهود من خارج البلد]

◄ يثبت الهلال بشهادة رجلين عادلين على الرؤية أو الشياع في بلد آخر.

يدل عليه: ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده عن سَعْد بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ وَ كَانَ بِالْمِصْرِ عِلَّةٌ فَأَخْبَرَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَ أَخْبَرَا عَنْ قَوْمٍ صَامُوا لِلرُّؤْيَةِ”.

وكذا ما عنه عن سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“قُلْتُ لَهُ كَمْ يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَالَ إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي وَ لَيْسَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ أَنْ يَقُومَ عِدَّةٌ فَيَقُولَ وَاحِدٌ قَدْ رَأَيْتُهُ وَ يَقُولَ الْآخَرُونَ لَمْ نَرَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ مِائَةٌ وَ إِذَا رَآهُ مِائَةٌ رَآهُ أَلْفٌ وَ لَا يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ خَمْسِينَ وَ إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

فإنه محمول على اشتراك أهل البلد في أسباب الرؤية مكانا ووضوحا فلا تقبل البينة لوجود ما يصلح للمعارضة حينها، ولا يكفي إلا الشياع مؤثرا في ركون النفس والتصديق بالرؤية، ومع عدم الشياع أيضا فلا طريق إلا الإخبار بالرؤية من خارج المصر -المشترك في ليلة واحدة معه- إما على نحو البينة أو الإخبار بالشياع في ذلك البلد.

فاتضح أن التعبير بـ (وكان بالمصر علة) أو (وكانت بالسماء علة) ناظر إلى المانع من الأخذ بالبينة في البلد مع تساوي ظروف وأحوال المستهلين جميعا، فتسقط دعوى الرؤية للمانع الذي هو بحكم المعارض المنكر لها.

[يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية]

◄ يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية، ولا يضر توسط الآلات المكبرة والمقربة إذا كان ما ترصده في أفق البلدان المشتركة في الليل، وعلى ارتفاع لا يخرجها عن حد أفقها جميعا.

يدل عليه: صحة إطلاق الرؤية عليها، وتحقق العلم بثبوته، مع عدم ظهور ملزم في الأخبار باشتراط غير هذا.

[يثبت الهلال بالشهادة أو شياع الرؤية في البلدان المتفقة الليلة]

◄ يثبت الهلال -تعبدا- برؤيته في أي بلد كان -شرقيا أو غربيا- بشرط اشتراكهما في ليلة واحدة، وإن كان بحسب طبيعة دورته قد يطلع في بلد ولا يطلع في آخر، ولا اعتبار بوحدة الأفق الواحد ذو المطلع الواحد للبلدان المتقاربة، بل الآفاق التي تطلع عليها ليلة واحدة يكفي في ثبوته في بلد ثبوته في أحد أمصار تلك الآفاق كافة، تسهيلا على الناس أو إمضاء لما اعتبروه قبل التشريع.

يدل عليه:

ما روي عن صوم سنة 232 يوم الخميس([2]) مع تباعد المدينة وبغداد وعدم اتحادهما أفقا، وهو ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ وَ صَامَ أَهْلُ بَغْدَادَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَخْبَرُونِي أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَ لَمْ يَغِبْ إِلَّا بَعْدَ الشَّفَقِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ قَالَ فَاعْتَقَدْتُ أَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَنَّ الشَّهْرَ [الشك]([3]) كَانَ عِنْدَنَا بِبَغْدَادَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيَّ: “زَادَكَ اللَّهُ تَوْفِيقاً فَقَدْ صُمْتَ بِصِيَامِنَا”، قَالَ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: “أَ وَ لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكَ أَنَّمَا صُمْتُ الْخَمِيسَ، وَ لَا تَصُمْ إِلَّا لِلرُّؤْيَةِ”.

ولا شك ولا ريب في وثاقة وركون النفس لأحمد بن محمد بن الوليد، وصحة سلسلة السند.

ومع التوجه لكون السؤال ذا شقين -عن صحة وقوع الصوم يوم الخميس وأنه كان أول الشهر، وعن حجية إخبارهم عن غيبوبة الهلال بعد الشفق أو عن كون هذا الغروب دليلا كافيا على أن الهلال ليلتين- وأنه ليس بين بغداد والمدينة المشرفة وحدة أفق أو مطلع واحد للهلال، يثبت أن لا اعتبار بوحدة أفق بلدان المصر، بل اتحاد آفاق كل البلدان بالنسبة لليلة المشتركة، وأن رؤية هلال جديد في بلد كاف للحكم به في بقية البلدان.

وما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنْ حَمَّادٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْيَوْمِ الَّذِي يُقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَقْضِهِ إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ مَتَى كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَ قَالَ لَا تَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقْضَى إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ”.

وفي خبر عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عن أبي عبد الله عليه السلام:

“لَا تَصُمْ إِلَّا أَنْ تَرَاهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فَاقْضِهِ”.

وفي صحيح ْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ قَالَ:

“إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلَاثِينَ عَلَى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً”.

ويدل عليها أيضا الأخبار المجيزة لشهادة البينة من خارج المصر، منها ما روي عن أَبي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ”.

وفي ما رواه الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

ولا يعقل انصراف المصر والبلد فيها للبلدان القريبة أو المتحدة الأفق مع البلد؛ فإنه وإن كان بحسب علم الأهلة صحيحا؛ إلا أن النصوص تأبى الحمل عليه، فضلا عن عدم الإشارة له في أي مورد، وأن العرف ما كان يعرف هذه الحسابات، وأوضح بطلانا منه حمل الإطلاق في هذه النصوص على بلدان العالم الإسلامي القديم حينها؛ ويكفي التوجه لكثرة النصوص المطلقة ليتضح تكلف هذا القول.

وكذا ما يشعر به الذي رواه أَبِو الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْعَبْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ع يَقُولُ:

“صُمْ حِينَ يَصُومُ النَّاسُ وَ أَفْطِرْ حِينَ يُفْطِرُ النَّاسُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ”.

ومن البعيد حملها على التقية؛ وذيلها إرشاد عام لجعل الأهلة التي يهل بها الناس كلهم مواقيت، فلا يتخلف الحكم عن أحد منهم، ويحتمل أن يكون الإمام عليه السلام في مقام تفسير آية المواقيت كما في غير خبر، منه ما رواه الشيخ بسنده عن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ قَالَ: “لِصَوْمِهِمْ وَ فِطْرِهِمْ وَ حَجِّهِمْ”، مع أن هذا الأخير فيه شهادة على أن صيام الناس واحد بتاريخ واحد.

وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

فغير دال على تقريره عليه السلام إمكان اختلاف الأمصار في الهلال إذا حصلت الرؤية في بلد منها، بل النفي منصب على الاعتماد على غير الطرق العلمية الحسية لإثبات الهلال، ويدلك عليه أسلوب الكتاب الذي صدره الإمام عليه السلام بقوله: (لا تصم الشك).

والمسألة -القول بثبوته في البلدان المتقاربة ذات المطلع والأفق الواحد- منسوبة لأبي حنيفة وأبي الليث المصري وجماعة من العامة، المعاصرين للصادقين وغيرهم من المعصومين عليهم السلام، ومع هذا فلا أثر لها في فقه الأحاديث المعصومة، بل يمكن أن يقال أن في عدم التنصيص عليها بالخصوص وشهرة أخبار عموم الحكم لكل الأفاق كان على نحو التعريض بقولهم.

[جذور مسألة اتحاد واختلاف الأفق أو الآفاق]

وأول القائلين به منا الشيخ رحمه الله في المبسوط، وهو كتاب لا يخفى على قارئه أسلوب الشيخ في التفريع، ولا يهمل مطالعه ما ذكره الشيخ في مقدمته من أنه رد على القائل بقلة فقه التفريع والفرضيات الفقهية خارج النص لدى الإمامية، فإن أحسن الشيخ قدس الله سره في كثير من مواضع الكتاب، فإنه أغرب في أخرى، فغير فيه كثيرا مما ذهب إليه في التهذيب والنهاية، وكأن تأليفه رحمه الله للكتاب وقع ارتجالا بغرض المعارضة أكثر من وقوعه تحقيقا ومذهبا، وكذا ضرب أدلة الإمامية باستدلال غيرهم لإنتاج وجوه جديدة، صارت بعينها سببا في اختلاف فقهاء الشيعة من بعده، بل تعامل معها علماء كثر كمسلمات منصوصة وأفرد لها مباحث طال ذيلها، ومنها ما بحثناه حول المحاذات في المواقيت، ومنها هذا الفرع الحاضر.

قال رحمه الله في المبسوط:

” ومتى لم ير الهلال في البلد ورأي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رأي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مضحية والموانع مرتفعة لرأي في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها تقاربها مثل بغداد وأوسط والكوفة وتكريت والموصل فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان ، وبغداد ومصر فإن لكل بلد حكم نفسه . ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر”.

وقال العلامة في التذكرة:

” مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلد ، ولم يره أهل بلد آخر ، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة ، كان حكمها واحدا : يجب الصوم عليهما معا ، وكذا الإفطار وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق ، فلكل بلد حكم نفسه ، قاله الشيخ رحمه الله ، وهو المعتمد ، وبه قال أبو حنيفة ، وهو قول بعض الشافعية ، ومذهب القاسم وسالم وإسحاق ، لما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام ، قال قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهل علي رمضان ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس فذكر الهلال، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : ليلة الجمعة ، فقال أنت رأيته ؟ قلت : نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ قال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله. ولأن البلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة ، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر ، لأن حدبة الأرض مانعة من رؤيته ، وقد رصد أهل المعرفة ، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جد في السير نحو المشرق وبالعكس . وقال بعض الشافعية : حكم البلاد كلها واحد ، متى رؤي الهلال في بلد وحكم بأنه أول الشهر ، كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض ، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت ، اختلف مطالعها أو لا – وبه قال أحمد بن حنبل والليث بن سعد ، وبعض علمائنا – لأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية ، وفي الباقي بالشهادة ، فيجب صومه ، لقوله تعالى : ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” . وقوله عليه السلام : ” فرض الله صوم شهر رمضان ” وقد ثبت أن هذا اليوم منه . ولأن الدين يحل به ، ويقع به النذر المعلق عليه . ولقول الصادق عليه السلام : ” فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه ” ، وقال عليه السلام في من صام تسعة وعشرين ، قال : ” إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية ، قضى يوما “. ولأن الأرض مسطحة ، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيره شئ عارض ، لأن الهلال ليس بمحل الرؤية .

ونمنع كونه يوما من رمضان في حق الجميع ، فإنه المتنازع ، ولا نسلم التعبد بمثل هذه الشهادة، فإنه أول المسألة . وقول الصادق عليه السلام محمول على البلد المقارب ، لبلد الرؤية ، جمعا بين الأدلة ” انتهى كلامه علا مقامه.

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: ” وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره ، فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد ؟ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر ، أم لكل بلد رؤية ؟ فيه خلاف ، فأما مالك ، فإن ابن القاسم ، والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه ، وصامه غيرهم ، وبه قال الشافعي ، وأحمد . وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية ، إلا أن يكون الامام يحمل الناس على ذلك ، وبه قال ابن الماجشون ، والمغيرة من أصحاب مالك . وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس ، والحجاز . والسبب في هذا الخلاف : تعارض الأثر ، والنظر ، أما النظر” إلى أخر كلامه.

وما ذكره العلامة عن العامة صياغة وكذا دليلا نقله ابن قدامة في المغني.

ولم يذكر قولا للشيعة في الاختلاف وتخصيص الحكم بالبلدان المتقاربة سوى ما أسلف من الشيخ في المبسوط -وتبع الشيخ ابن براج وغيره بنفس الألفاظ – ونسب القول لبعض الشيعة بعموم الحكم للبلدان، تقليلا للقائلين وهو غريب منه رحمه الله، ثم نقل فروعا على مختاره منقولة عن العامة، وقد عرفت ما فيه.

 [تحديد المقصود بوحدة الأفق]

الأفق هو حد الأرض المستعرض الذي يعلوه موضع طلوع الشمس شرقا أو القمر غربا، ووحدته -أعني الأفق- اتحاد الطلوع في زمن واحد عرفا، بحث لا يضر اختلاف توقيت المنطقة عن الأخرى عندهم وعدهم المناطق كلها صقعا واحدا، ومن الواضح أن الهلال -كالشمس- يتدرج في خروجه وسقوط شعاعه على البسيطة، فإن سقط على موضع مشترك كان لهم أفق واحد، مختلف عن باقي المواضع على الأرض، فتعدُّدِ الأفاق بحسب الفلك والجغرافيا قطعي معلوم، لكنه بحسب الشرع وما أمضاه من عرف أصحاب التاريخ القمري على العكس، فكل أرض اشتركت مع أخرى في ليلها كان لهم حكم الهلال الواحد، وإن تعدد آفاقهما فلكيا.

[أفق المناطق المرتفعة والمنخفضة]

وللتمييز بين المناطق المرتفعة والمنخفضة في الحكم -على القول بوحدة آفاق المتقاربة، واختلاف المتباعدة- مجال مثمر؛ فإن المرتفعة الشاهقة يسبق أفق طلوع الشمس والقمر فيها ما دونها من المناطق، فلو رصد الهلال في الشاهق بالرؤية فهل يختلف حكمه عن الأرض المنخفضة عنه كثيرا ؟، يحتمل قويا التفريق إذا كان الاختلاف في التوقيت فاحشا جدا، دون من يكون متقاربا في الزمان.

نعم، ما يراه من يعلوا كثيرا في الهواء كركاب الطائرات، لا يكون حجة على من هم أسفلهم قطعا؛ لعدم وحدة أفقهم عرفا، إلا أن يكون ارتفاعهم ليس بشاهق كما أسلفنا.

فما يعمل من رصد للهلال فوق الجبال الشاهقة وبالمناظير المتطورة محل إشكال إن كان الموضع المرصود منه لا يوافق أفق البلاد تحته، لكنه فرد نادر وفي حكم المحل الواحد عادة، وأما من كان في الطائرة فوق ارتفاع كبير جدا فرصده للهلال غير معتبر بأي وجه، سواء قلنا بوحدة مطالع المتقاربة أو ميزنا بين حكم التكوين في المطالع وبين حكم الشرع في الليالي واعتبرنا الثاني كما هو الصحيح، لكن الاستفادة منه في تعيين الموضع في السماء غير منكرة، بل التسمك بها كقرينة نفي أو إثبات بالنسبة لأفق بلد طلوعه مفيد عند إمكانه.

ويشعر بما ذكرنا ما رواه  الصدوق في الفقيه والمجالس قال:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ:

 “صَعِدْتُ مَرَّةً جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فَرَأَيْتُ الشَّمْسَ لَمْ تَغِبْ وَ إِنَّمَا تَوَارَتْ خَلْفَ الْجَبَلِ عَنِ النَّاسِ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ ع فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي وَ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِنَّمَا تُصَلِّيهَا إِذَا لَمْ تَرَهَا -خَلْفَ جَبَلٍ غَابَتْ أَوْ غَارَتْ- مَا لَمْ يَتَجَلَّاهَا [يَتَجَلَّلْهَا] سَحَابٌ أَوْ ظُلْمَةٌ تُظِلُّهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَشْرِقُكَ وَ مَغْرِبُكَ وَ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَبْحَثُوا”([4]).

 [لا يثبت الهلال بدعوى الفلكيين رؤيته في بلدين]

◄ لا يثبت الهلال بإثبات الفلكيين رؤيته في بلد شرقي مختلف أو متفق الأفق والمطلع مع آخر غربي، وإن اتحدا في خط مسير الهلال، ولا عبرة بحكم أهل الفلك والجغرافيا بتلازم الرؤيتين، وإن كان الصحيح أنه لو علم على نحو لا يداخله الشك ولا تطرؤ عليه الحوادث المغيرة في آناته لكان التلازم قطعيا، فإن حساباتهم مخدوشة معتمدة على المراقبة والمعادلات الظنية، والحوادث العارضة المغيرة لا يمكن التنبؤ بها على وجه القطع، كما ذكرنا ولما يأتي.

[لا يلزم من توازي بلدين طولا أو عرضا اتحاد أفقهما]

◄ لا يلزم من توازي بلدين طولا -واتفاق توقيتهما- أو عرضا اتحاد أفقهما ومطلع الهلال فيهما دائما، إلا أن يكونا متقاربين بالنسبة لمحيط الأفق الطالع فيه الهلال، فلا يلزم من رؤيته في أحدهما ثبوته في الآخر لا فلكا ولا شرعا.

ويدل عليه إضافة لظنية الحكم كما سبق، ما تشعر به روايات حجية قول البينة والشياع على الرؤية من خارج البلد، فإنه لا يكتفى بغيرهما.

[هلال البلدان الشرقية والغربية]

للقمر حركة غير مستوية المدار مع الأرض، تميل عن محور دوران الأرض حول الشمس بمقدار 5 درجات، والأرض كذلك مائلة عن محورها بـ 23.5 درجة مع دوران غير مستو حول الشمس بما يسبب الفصول الأربعة؛ وبضم هذه الحسابات يعلم أن مطالع القمر بالنسبة لبقاع الأرض الطولية مختلفة، وإن اتحدت في التوقيت، فقد يراه أهل استراليا ولا يطلع ولا يراه أهل أندوسيا مع توازيهما، وقد يراه أهل اليمن ولا يراه أهل الشام، مع وحدة التوقيت العالمي الوضعي، فينتج أنه ليس من اتحاد الأفق اتحاد التوقيت الموضوع بحسب خطوط الطول، ومن غير اللازم أن يطلع الهلال في البلدان الواقعة على خط طولي واحد أو خط عرضي متساو وإن اتحد الجميع في ليلة واحدة.

 

[التاريخ القمري]

يبدأ التاريخ الفلكي الحسابي للأشهر الشمسية بخروج الشمس وارتفاعها عن أفق الأرض أول كل يوم منه، كما يبدأ التاريخ القمري بخروج القمر في أفق البلد وما بحكمها من البلدان المتقاربة، وليس للموقع الجغرافي علاقة أكيدة ببداية كل شهر أو يوم من التاريخ القمري الفلكي، فقد يبتديء التاريخ بالنسبة لبلد ما في البلدان الشرقية له وقد يبدأ فيه وقد يبدأ في البلدان الغربية له، مع اشتراك الكل في تعاقب ظلمة الليل عليهم، وهذا بخلاف التاريخ الشمسي، فإنه لبعد الشمس ومركزيتها بالنسبة للأرض وقوة شعاعها يطلع على مساحة واسعة من الأرض منتظمة بعدد ساعات محدد كل عام، ولما كان هذا مفقودا في القمر الذي يتخذ الأرض مركزا، كان طلوعه وغيابه غير منتظم، فقد يكون أول طلوعه على الأرض في بقعة وغروبه الذي يتم به دورته في أخرى.

والحاصل: أن القول بأن للقمر مطلعا واحدا على الأرض فلا يتخلف موضع منها عن أول الشهر الفلكي الحسابي، قياس في غير محله وغفلة عن خصائص القمر وحركته.

غير أن التاريخ القمري الذي تعبدنا به الشارع لا يناط بما عليه أهل الفلك والحساب اليوم، فإنه -إضافة لأخبار الأهلة التي عرضناها المتعقلة بالليلة لا بمطالع القمر- من الواضح إمضاء الشارع لما كان عليه العرف لا أهل الحساب، وليس بين يدينا ما يدل على تغيير طرأ على سنتهم بتصرف الشارع، ولم ينقل أثر في النهي عنها معه أهمية الحكم المترتب عليه، ولم يعلم أن لأهل الفلك والحساب موضعا من الاعتماد عند الناس يومها، وأغلبهم لا يعرفون تلك الأمور الدقيقة كولادة الهلال ومحل طلوعه ولا يفرقون بين مطالعه، بل الرؤية له ميقاتهم أجمع، وأما ما روي -ويأتي ذكره- في خبر صوم معاوية واختلاف أهل المدينة معه، فلا ريب -إن صح- أنه أمر حادث منشؤه توهم دلالة الدليل.

[من الظن إخبار أهل الفلك]

◄ من الظن: الحساب الفلكي بالمعادلات التي وضعها أهل الفلك والجغرافيا، سواء كان تحديدهم لوجوده أو لنفيه، أو لإمكان رؤيته أو لنفيه، أو مسيره على البلدان؛ فإنها لا ترقى للقطع بوجود الهلال فعلا؛ يدل على نفي حجية هذا الظن ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

[ظنية أحكام الفلكيين في الواقع التجريبي]

وهنا أيضا جهات -تكوينية- لابد من أخذها بعين الاعتبار في البرهنة على ظنية أحكام الفلكيين وأهل الحساب:

الأول: عدم قطعية العلوم الفلكية وحساباتها التجريبية بشواهد الخطأ والاختلاف بينهم حسابا وتطبيقا ونتائجا، وهذا أمر وجداني سجلته الوقائع، ويرجع لما سوف نذكره في النقاط التالية على فرض الإصرار على القول بقطعيتها.

الثاني: طبيعة القمر: الذي يكون دائما في معرض التغير الخارج عن إرادة البشر، فقد يميل فلكه أو محوره أو تتغير طبيعة سطحه، وهو أمر محتمل الحصول دائما ولو كان قليل المقدار، الأمر الذي لا يعلم به الفلكيون ليأخذوه في اعتبارهم، أظف إليه أنهم يعاملون القمر معاملة الأجسام الهندسية في حركته وسطحه، مع أنهم يفتقدون للعلم بحالاته وما يمكن أن يعرض عليه في لحظات الاستهلال من أمور لا يعلمها إلا الله.

الثالث: طبيعة الأرض: التي لا تختلف مع القمر كجسم له فلك وسطوح، فكيف يمكن إعطاء ضابطة حسابية لكل الأرض مع اختلاف سطوحها ارتفاعا وانخفاضا بل واحتمال تغير ظروف كل بقعة ونقطة منها في كل آن، ويكفيك شاهدا أن زلزالا كالذي أصاب المحيط الهادي سنة 2009 للميلاد حرف محور الأرض لدرجات ولم يدرج هذا الرقم في حسابات الفلكيين إلا متأخرا !، فلا يمكن الاطمئنان للمعادلات الحسابية الفلكية لعدم قدرة واضعها على التحكم بكل تلك الظروف التي لا يقدرها ويجريها إلا الخالق المتعال.

الرابع: الجو الفاصل بين القمر والأرض: وهذا بالنسبة لمدعي امكانية الاعتماد على قول الفلكي في إمكانية الرؤية، ولا علم أيضا للفلكي بظروف الغلاف على نحو الكلية، وإن حدده وقت الاستهلال كان ظنا أيضا؛ فإن هذا المجال الفاصل بين الأرض والقمر له من حالات الرقة والغلظة ما تسمح لضوء القمر وشعاعه بالوصول للرائي على الأرض وقد تمنع منه كلية، كما أن الواقف على مستوى مواز لسطح البحر لا تقارن ظروف رؤيته بالواقف على سطح جبل شاهق، ومن الأمور الخارجة عن قدرة الفلكي أيضا تحديد درجة سطوع القمر وقت الاستهلال؛ فسطوح القمر مختلفة في قابلية عكس ضوء الشمس، فمنها الصقيل العاكس ومنها غيره، وكم من عاصفة أو غبار أو أمر غير هذا قد يعرض لسطح القمر المقابل للأرض حين الاستهلال فلا يرى له نور أصلا، والقول بثبوت الشهر بالتولد -وإن كان من الظنون- أكثر قبولا من هذا القول الضعيف،  وكلاهما من الظنون التي لا يركن لها في شرع ولا دين.

نعم، لا شك أن قول الفلكي قرينة مؤيد أو مضعفة للشهادة على الرؤية، ولا تقصر أماريته -الظنية- عن رؤية الهلال قبل الزوال أو تطوقه أو كبر ضوئه أو حساب الخمسة من السنة وغيرها مما يأتي .

[لا عبرة برؤية الهلال قبل الزوال أو بعد الزوال]

◄ لا يثبت هلال أول الشهر برؤيته قبل الزوال ولا بعده، لكنه من القرائن المعينة في تقييم الشهادات.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ عن عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ كَتَبْتُ إِلَيْهِ ع جُعِلْتُ فِدَاكَ رُبَّمَا غُمَّ عَلَيْنَا الْهِلَالُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَرَى مِنَ الْغَدِ الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ رُبَّمَا رَأَيْنَاهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَتَرَى أَنْ نُفْطِرَ قَبْلَ الزَّوَالِ إِذَا رَأَيْنَاهُ أَمْ لَا وَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ ع:

“تُتِمُّ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ تَامّاً رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ”.

وعَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَفْطِرُوا أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَدْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ فَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا

وعن الشيخ بسنده عن الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ بِنَهَارٍ فِي رَمَضَانَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ”.

فَأَمَّا مَا الكليني في الكافي والشيخ عنه في التهذيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَ إِذَا رَأَوْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ”

وعن الشيخ بسنده عن سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَوَّالٍ وَ إِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ”.

فيحتمل إرادة زوال الشمس بمعنى غروبها، فلا تعتبر الرؤية قبل الغروب، وفيه بعد، أو أنه من قرائن الخطأ -الظني والمحتمل- في تحديد الشهور، وليس في الأخبار هذه وجوب التعبد به، لكنه مؤثر في الإطمئنان بشهادات الرؤية، وقد يقترن بغيره من القرائن التي يكون مجموعها معارضا مقويا أو مضعفا لتلك الشهادات، حاله كحال أمارة التطوق التي يأتي الكلام فيها.

والأرجح حمله على التقية؛ لأنه أحد قوليهم المعروفين، وشبيه بكلامهم بلا ريب، وعليه دلت صحيحة ْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “مَا سَمِعْتَ مِنِّي يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فِيهِ التَّقِيَّةُ، وَ مَا سَمِعْتَ مِنِّي لَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فَلَا تَقِيَّةَ فِيهِ”.

قال الجصاص في أحكام القرآن:

” وقد اختلف في الهلال يرى نهارا فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي: إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم بين رؤيته قبل الزوال وبعده وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبدالله بن مسعود وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعطاء وجابر بن زيد وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان إحداهما أنه إذا رأى الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة وبه أخذ أبو يوسف والثوري وروى سفيان الثوري عن الركين بن الربيع عن أبيه قال كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت الهلال ضحى فأخبرته فجاء فقام تحت شجرة فنظر إليه فلما رآه أمر الناس أن يفطروا”.

وقال ابن قدامة في المغني:

“وإذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة وجملة ذلك أن المشهور عن أحمد أن الهلال إذا رؤي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود و ابن عمر و أنس و الأوزاعي و مالك و الليث و الشافعي و إسحاق و أبي حنيفة وقال الثوري وأبو يوسف إن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد”.

[لا عبرة بغيبوبته بعد الشفق]

◄ لا يثبت الهلال بغيبوبته بعد الشفق.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ ” الحديث وقد تقدم بتمامه.

فظاهره أن عامة الناس قد اعتبروا غيبوبة الهلال بعد الشفق دلالة على أنه لليلتين وأن يوم الأربعاء كان هو أول الشهر، وجوابه عليه السلام نص على أن الحق كان في صيام الخميس وأنه أول الشهر، وأن لا عبرة إلا بالرؤية.

وهل سبب عدم صحة اعتبار يوم الأربعاء اليوم الأول هو عدم كاشفية غيبوبة الهلال بعد الشفق للدلالة على أن الهلال ليومين، أو أن الإخبار لم يصل للشياع المورث للعلم ؟، والحق أن ليس في الرواية ما يعين أيا من الاحتمالين، لكنه مما جرى عليه أهل ذلك الزمان من العامة، والأرجح الأول.

أما ما رواه الكليني بسنده عن الخزاز [الخراز] والكليني والصدوق والشيخ بسند آخر عن إسماعيل بن الحر، رواه الشيخ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ”.

ورواه ابن طاووس في الاقبال عن ُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِلَى ابْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن‏”.

ثم قال: أَقُولُ وَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ لِشَهْرَدَارِ بْنِ شِيرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيِّ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ فِي أَوَاخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ قَبْلَ الْهِلَالِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِذَا غَابَ الْقَمَرُ فِي الْحُمْرَةِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ [لليلة] وَ إِذَا غَابَ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن”‏. اه

ورواه ابن الجوزي في الموضوعات في (باب حكم الهلال إذا غاب قبل الشفق): أنبأنا محمد بن أبى طاهر أنبأنا الحسن بن على عن على بن عمر الحافظ عن أبى حاتم بن حبان أنبأنا الفضل بن محمد العطار حدثنا إبراهيم بن موسى النجار حدثنا حماد بن الوليد عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” إذا غاب الهلال عن الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين “.

ثم قال: ” قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له.

وحماد بن الوليد كان يسرق ويلزق بالثقاة ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال.

قال: وقد روى هذا الحديث عن عبيدالله الوليد بن سلمة.

والوليد يسرق الحديث أيضا.

قال المصنف قلت: وقد رواه رشدين بن سعد عن يونس بن يزيد عن

نافع.

قال يحيى: رشدين ليس بشئ، وقال النسائي: متروك “.

بل رووا فيه أخبارا منها ما هو غريب، فمنها حديث:

“إن العرش لمطوية بحية إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين”.

ونسب القول به لأبي حنيفة، قال السبكي في فتاويه:

” حكي عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الهلال إذا غاب بعد العشاء فهو ابن ليلتين .

وهذا إذا صح عن أبي حنيفة يحمل إما على وقت خاص أو على الغالب ، ولا ينبغي أن يحمل على العموم؛ لأن الهلال إذا فارق الشمس وكان على خمس درج عند الغروب ليلة الثلاثين لا يرى ولا يترتب عليه الحكم في الشرع فإذا حسب ذلك مع سيره يوما وليلة يقيم إلى بعد العشاء ، وقد يكون أبو حنيفة رضي الله عنه من ذلك على أن الشفق عنده البياض وهو يتأخر”.

وعلى أي حال فخبر الشفق شاذ عندنا مشهور الرواية عند العامة، وحمله على التقية صحيح لهذا، ولأن كلامه عليه السلام يشبه كلامهم كما تقتضيه القواعد الشرعية المروية، ويحتمل أن يكون واردا مورد القرينة على عمر الهلال ليستدل به على صدق الشهود، لا للتعبد به.

[لا عبرة بصيام يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية ولا غيره من الحسابات]

◄ لا عبرة بحساب الخمسة أيام من السنة الماضية ولا غيره من الحسابات في تحديد أول الشهور، ويمكن الاستدلال به على يوم الشك ويرشد لصدق الشهود، وحاله حال التقاويم الموضوعة المتداولة بين الناس اليوم.

وقد رويت أخبار في هذا الحساب، منها:

ما رواه الكليني عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيِّ [المدني] عَنْ عمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ السَّمَاءَ تُطْبِقُ عَلَيْنَا بِالْعِرَاقِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ صُمْ يَوْمَ الْخَامِس”.

ورواه بلفظ آخر عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَحْوَلِ عَنْ عِمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّا نَمْكُثُ فِي الشِّتَاءِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ لَا نَرَى شَمْساً وَ لَا نَجْماً فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ عُدَّ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَ صُمِ الْيَوْمَ الْخَامِسَ”.

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْخُدْرِيِّ، عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ:

«صُمْ فِي الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ يَوْمَ الْخَامِسِ مِنْ يَوْمٍ صُمْتَ فِيهِ عَامَ أَوَّلَ».

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ السَّيَّارِيِّ، قَالَ:

كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ عليه السلام يَسْأَ لُهُ عَمَّا رُوِيَ مِنَ الْحِسَابِ فِي الصَّوْمِ عَنْ آبَائِكَ فِي عَدِّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بَيْنَ أَوَّلِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَأْتِي؟

فَكَتَبَ: «صَحِيحٌ، وَ لكِنْ عُدَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِ سِنِينَ خَمْساً، وَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ سِتّاً فِيمَا بَيْنَ الْأُولى وَ الْحَادِثِ، وَ مَا سِوى‏ ذلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ خَمْسَةٌ خَمْسَةٌ».

قَالَ السَّيَّارِيُّ: وَ هذِهِ مِنْ جِهَةِ الْكَبِيسَةِ ، قَالَ: وَ قَدْ حَسَبَهُ أَصْحَابُنَا، فَوَجَدُوهُ صَحِيحاً.

قَالَ: وَ كَتَبَ  إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ: هذَا الْحِسَابُ  لَايَتَهَيَّأُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ  يَعْمَلَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هذَا لِمَنْ يَعْرِفُ السِّنِينَ، وَ مَنْ يَعْلَمُ مَتى‏ كَانَتِ السَّنَةُ الْكَبِيسَةُ ، ثُمَّ يَصِحُّ لَهُ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا صَح‏ لَهُ الْهِلَالُ لِلَيْلَتِهِ وَ عَرَفَ السِّنِينَ، صَحَّ لَهُ ذلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: قال عليه السلام:

«إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام و صم اليوم الخامس».

وفي إقبال السيد ابن طاووس:

” وَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ لِإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِّ الثِّقَةِ مِنْ نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ عِنْدَنَا الْآنَ مَلِيحَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ قَالَ لِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع:

“عُدُّوا الْيَوْمَ الَّذِي تَصُومُونَ فِيهِ وَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَ صُومُوا يَوْمَ الْخَامِسِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تُخْطِئُوا”.

قال أحمد بن عبد الرحمن: قد ذكرت ذلك للعباس بن موسى بن جعفر فقال: أنا عليه، ما أنظر إلى كلام الناس و الرواية.

قال أحمد و حدثني غياث قال أظنه ابن أعين عن جعفر بن محمد مثله.

أقول: و قد ذكر الشيخ محمد بن الجنيد في الجزء الأول من مختصر كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة فقال في كتاب الصوم ما هذا لفظه: و الحساب الذي يصام به يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية يصح إن لم تكن السنة كبيسة، فإنه يكون فيها من اليوم السادس، و الكبيس يكون في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما مرة في السنة الثالثة و مرة في السنة الثانية أقول و ذكر الشيخ العالم العابد هبة الله بن سعيد الراوندي رحمة الله عليه في كتاب شرح النهاية في كتاب الصيام في باب علامات شهر رمضان ما هذا لفظه:

و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين و ذلك محمول على أنه يصوم ذلك بنية شعبان استظهارا فأما بنية أنه من شهر رمضان فلا يجوز على حال و قال أبو جعفر الطوسي يجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام و يصوم يوم الخامس لأن من المعلوم أنه لا يكون الشهور كلها تامة و أما إذا رأى الهلال و قد تطوق أو رأى ظل الرأس فيه أو غاب بعد الشفق فإن جميع ذلك لا اعتبار به و يجب العمل بالرؤية لأن ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع و العروض و هذا آخر ما حكاه الراوندي في معناه‏” إنتهى.

أقول: بغض النظر عن ضعف أسانيد هذه الأخبار رغم شهرة معناها، والاعتماد على الاستهلال من صدر التشريع، وعدم العامل عليها بين مشاهير الطائفة إلا ما ندر، فهذه الضابطة من الحساب عامة في كل عام إلا الكبيسة التي يزاد يوم على أيامها، ونحن نطرح من كل عام ميلادي شمسي أحد عشر يوما ليوافق التاريخ الهجري لكل الشهور، لا لشهر رمضان فقط، وهو بعينه زيادة خمسة أيام من الأسبوع على يوم العام الماضي إلا السنة الكبيسة، وتعرف الكبيسة بقابلية أعدادها القسمة الصحيحة على أربعة، كما في هذه الأخبار.

والحق أن الرؤية بهذا الحساب كثيرا ما تصدق، بل قد يغلب الظن القوي أنه أول الشهر لو علم بالقطع تاريخ أوله من العام الماضي، كما رواه الصدوق فيما قدمنا في قوله عليه السلام: ” في يوم معلوم “، فيرى الهلال في موضع من البقاع، ويثبت في موضع آخر، لكنه صيام ظني لا يسوغ حسابه من شهر رمضان، وهو -أي الحساب- ما عليه تقاويم هذه السنوات في تقاويمهم، نرجع لها للمعرفة التقريبية وتحديد يوم الشك، لا يوم الصيام والإفطار على نحو القطع واليقين، فإن ثبت بعدها أنه منه اجتزي به، لذا وقع السؤال عنها في خبر الزعفراني بعد فرض إطباق الزمان لا مع صحوه، ولم يرو هذا المعنى في أخبار صحو الجو مع أنها في مقام بيان الضابطة الكلية لأوائل الشهور.

[حساب آخر لمعرفة أول الشهر]

وذكرت طرق أخرى في حساب أول الشهر، منها:

ما مضى أخيرا في نقل السيد عن الراوندي قوله:

” و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين”

وما ذكره  السيد أيضا في الإقبال، حيث قال:

” فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَجَدْتُهُ مَرْوِيّاً عَنْ جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي رَمْثَةَ مِنْ أَهْلِ كَفَرْتُوثَا بِنَصِيبِينَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ دَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ النَّاسُ بَيْنَ مُتَيَقَّنٍ وَ شَاكٍّ فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ فِي أَيِّ الْحِزْبَيْنِ أَنْتَ فِي يَوْمِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي إِنِّي فِي هَذَا قَصَدْتُ قَالَ فَإِنِّي أُعْطِيكَ أَصْلًا إِذَا ضَبَطْتَهُ لَمْ تَشُكَّ بَعْدَ هَذَا أَبَداً قُلْتُ يَا مَوْلَايَ مُنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعْرِفُ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَهُ كُفِيتَ طَلَبَ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قُلْتُ وَ كَيْفَ يُجْزِي مَعْرِفَةُ هِلَالِ مُحَرَّمٍ عَنْ طَلَبِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّهُ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ قُلْتُ بَيِّنْ لِي يَا سَيِّدِي كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ فَانْتَظِرْ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْأَحَدَ فَخُذْ وَاحِداً وَ إِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْإِثْنَيْنِ فَخُذْ اثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ الثَّلَاثَاءَ فَخُذْ ثَلَاثَةً وَ إِنْ كَانَ الْأَرْبِعَاءَ فَخُذْ أَرْبَعَةً وَ إِنْ كَانَ الْخَمِيسَ فَخُذْ خَمْسَةً وَ إِنْ كَانَ الْجُمُعَةَ فَخُذْ سِتَّةً وَ إِنْ كَانَ السَّبْتَ فَخُذْ سَبْعَةً ثُمَّ احْفَظْ مَا يَكُونُ وَ زِدْ عَلَيْهِ عَدَدَ أَئِمَّتِكَ وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ ثُمَّ اطْرَحْ مِمَّا مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً فَمَا بَقِيَ مِمَّا لَا يُتِمُّ سَبْعَةً فَانْظُرْ كَمْ هُوَ فَإِنْ كَانَ سَبْعَةً فَالصَّوْمُ السَّبْتُ وَ إِنْ كَانَ السِّتَّةَ فَالصَّوْمُ الْجُمُعَةُ وَ إِنْ كَانَ خَمْسَةً فَالصَّوْمُ الْخَمِيسِ وَ إِنْ كَانَ أَرْبَعاً فَالصَّوْمُ الْأَرْبِعَاءُ وَ إِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَالصَّوْمُ الثَّلَاثَاءُ وَ إِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَالصَّوْمُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ وَاحِداً فَالصَّوْمُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ عَلَى هَذَا فَابْنِ حِسَابَكَ تُصِبْهُ مُوَافِقاً لِلْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏

أقول ربما كان قول الراوي فما بقي مما لا يتم سبعة من زيادة أحد الرواة أو من الناسخين لأنه قد ذكر فيه فإن كان سبعة فالصوم السبت و لأنه إذا كان أول المحرم مثلا يوم الإثنين و ضم الاثنين إلى عدد الأئمة ع و هو اثنا عشر صار العدد أربعة عشر فإذا عد سبعة و سبعة ما يبقى عدد ينقص عن سبعة أقول و لعل هذه الرواية تختص بوقت دون وقت و على حال دون حال و لإنسان دون إنسان‏

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ مِنْ كِتَابِ الْكَافِي وَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ مِنْ كِتَابِهِ كِتَابِ الصِّيَامِ بِإِسْنَادِهِمَا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ إِذَا عَرَفْتَ هِلَالَ رَجَبٍ فَعُدَّ تِسْعَةً وَ خَمْسِينَ يَوْماً ثُمَّ صُمْ يَوْمَ سِتِّينَ‏

أقول و هذا الحديث كان ظاهره يقتضي أن رجبا و شعبان لا بد أن يكون أحدهما ناقصا عن ثلاثين يوما فإن وجدت في وقت هذين الشهرين تامين فلعل المراد بتلك [بهذه‏] الرواية تلك السنة المعينة أو سنة مثلها أو غير ذلك” انتهى.

والإعتماد عليها مخدوش بما دل على النهي عن الاعتماد على التظني وحصر الحكم في العلم بالرؤية والشياع.

بل هو حساب غريب غير مضبوط لا بحساب التقاويم ولا بالشرع، وروايته ضعيفة شاذة، أقصى ما تدل تدل عليه لو صحت هو الارشاد ليوم الشك من أول الشهر والاحتياط لأوله تجنبا لقضائه خارج الشهر الفضيل.

[لا عبرة بتطوق الهلال ورؤية ظل الرأس فيه واتفاق الأنظار أنه لليلتين ]

◄ يجوز معارضة الشهادة -لا إسقاطها- بقرائن ظنية: بالرؤية أوائل الشهور برؤية الهلال مطوقا أول الشهر الماضي أو وضوحه وكبره واتفاق الأنظار على أنه لليلتين أو أكثر، بل كل أمارة تورث ظنا قويا، حتى حساب الفلكي، تكون صالحة للتأثير في الوثوق بشهادات الرؤية، ولا حجية لها في إثبات الشهر أو نفيه.

يدل عليه:

ما رواه الكليني في الصحيح عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا تَطَوَّقَ الْهِلَالُ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ إِذَا رَأَيْتَ ظِلَّ رَأْسِكَ فِيهِ فَهُوَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ”.

ورواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى محمد بن مرازم، ورواه الشيخ بسنده إلى سعد بن عبد الله عنهم مثله.

فإنه بضميمة ما استفاض من حصر الحجية للرؤية والعلم، وعدم العمل بهذه الأمارة لإثبات أوائل الشهور شرعا، يدل على أن تطوقه أو تأثيره للظل على الأرض كاشف ظني على كونه لليلتين أو لثلاث، وفائدته تظهر في آخر الشهر وتؤثر في الوثوق بشهادة الشهود على الرؤية.

وهو خبر مفرد ليس فيه ما يدل على التعبد بهذه الأمارة، ولم يقترن بما يعين على استظهار وجوب الأخذ بها.

وروى الصدوق في الفقيه: سَأَلَهُ الْعِيصُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْهِلَالِ إِذَا رَآهُ الْقَوْمُ جَمِيعاً فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لِلَيْلَتَيْنِ أَ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ.

وهو كأمثاله من الأمارات الظنية؛ فإنه يجوز أن يصدق حدسهم وظنهم خاصة مع اتفاق أنظارهم، فيؤثر في اعتبار شهادة الشهود ولا تقبل إلا بتحر زائد عما لو كانت خالية عن المعارضة بقرائن مخالفة ككبر الهلال أول الشهر وغيره.

وهو كسابقه مما تفرد بروايته الرواة ولم يقترن بما يؤيده، ولم يظهر بهذا وجه دلالته على وجوب اعتبار هذه الأمارة.


 

والحمد لله رب العالمين

وصلاته وسلامه على النبي الطاهر الأمين وآله الغر المنتجبين

وكتبه

محمد علي حسين العريبي البحراني مولدا ونشأة

في

صبيحة الأحد الثامن من شهر شوال لسنة 1433 للهجرة النبوية على مهاجرها وآله سلام الله والتحية

الموافق لذكرى هدم قباب الأئمة الشرفا أمام ناظري سيد النقبا ولله المشتكى وله الآخرة والأولى.


([1]) ليس في رواية الكافي.

([2]) وهي السنة التي ولد فيها أبو محمد العسكري عليه السلام في المدينة، وأشخص الهادي عليه السلام في السنة التي تلتها إلى سر من رأى.

([3]) كذا في الوافي.

([4]) الأمالي (المجالس): 80، الفقيه 1: 220/ ح 662.

تعقيب على مقال [تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره]

وردنا هذا الرد على مقال:

تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره

ونصه:

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربِّ العالمين ؛ وصلى الله على محمَّدٍ وآلِهِ الطاهرين ؛ وبعد :
جناب الشَّيخ محمَّد صالح العُريبيِّ ـ وفَّقهُ اللهُ ورعاهُ ومدَّ في بقاهُ ـ
السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاتهُ ؛ وبعدُ :
قد وقفنا في ( مدونة تحقيقات ) الخاصَّة بجنابكم على تحقيقٍ لكم حول نسبة كتاب الإحياءِ المطبوع باسم الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشَّيخ إبراهيم آل عصفور ؛ وقد توصلتم في نِهايتِهِ أن كتاب الإحياءِ لحفيدِهِ ؛ إلا أنَّهُ بعد تتبعٍ وتأملٍ ثبت لدينا أنَّ الكتابَ في الواقع هوَ للشيخِ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم أحد أخوة صاحب الحدائق لا حفيدهِ ؛ ولدينا على ذلك شواهد ؛ وتعليق على بعض ما ذكرتموهُ من شواهد وقرائن وإن كان أهمه نقطتانِ نبدأ بِهما وبالله التوفيق :
النقطة الأولى : قولكم : (( ولم أعثر له على ترجمة وافية، فالتبس على الشيخ صاحب الجواهر الاسم فنسبه لجده، وسار على هذا من تبعه إلى يومنا الحاضر، ثم إني ما وجدت -بعد بحث لا بأس به- من نسب للشيخ عبد علي كتابا باسم (الإحياء) قبل صاجب الجواهر رحمه الله، ولا يمكن معرفة اسم الكتاب من مقدمته لخلوها عنه أو لمحوها بتغاير الزمان على ورقه كما لاحظت )) .
نقولُ : إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك ؛ ونحن نذكر أمثلة :
قال في المسألة الثانية من المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية ـ عند ذكر شرائط الفقيه وهل يشترط فيه معرفته لكل الأحكام أم يكفي التجزئ ـ : ((فالاعتماد على القول الثاني ؛ وهو القول بالتجزئ ـ وإن لم يكن مشهوراً كما اعتمده الشيخان الأعظمان من مشايخنا في كتابيهما الدرر النجفية وإحياء العلوم الشرعية )) .
وقال في فضل التعريف في أجوبة مسائل السيد علي بن السيد عبد اللطيف ـ المطبوع ضمن مجموعة فتاوى متفرقة : ص106 ـ في جواب المسألة الأولى ( هل يجوز الصلاة خلف من سبح في الأخيرتين أم لا … ) : (( حتى انتهت النوبة لشيخنا المعظم المحيي بإحياء علومه من دثر [ هكذا في المطبوع ، ولعلَّهَا : ” ما دثر ” أو ما اندثر ” ] من أخبار أهل البيت أ عليهم السلام ـ وأحكامهم ، والناشر من رايات أهل البيت لأرفع أعلامهم ؛ فنظر فيما قرروه في هذه المسألة فإذا هو كالسراب اللامع ؛ فأجال النظر في أخبار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ والدليل القاطع ؛ فرآه لا ينطبق على مذهبهم في الإخفات إلا في القراءة دون التسبيح …. )) ، ففي العبارة أشار إلى كتابه وإلى رأيه في التسبيح أيضاً .
وقالَ في إجازتِهِ لتلميذِهِ الشَّيخ مررزق الشُّويكي ـ وقد نقلها الدكتور الشيخ علي محمد محسن العصفور في كتابه بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر :ج1 : ص61 عند ذكر ترجمته ـ : (( وكذلكَ جميعُ ما صنَّفَهُ مشايخي من الكتب والرسائلِ المبسوطة ككتاب الحدائق لشيخنا المتقدم ذكره ، وكتاب الإحياء لعمي العلامة الشيخ عبد علي … )) .
وقال في إجازته للشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ يوسف صاحب الحدائق ـ وقد نقلها أيضاً صاحب بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر : ج1 : ص101 في ترجمة الشيخ موسى المذكور ـ : (( وشيخي ؛ بل والدي الروحاني ومن قربني وأدناني ورباني وخصني بما غذاني به من العلوم والمعاني محيي الشريعة بإحياء علومها ذي المقام العالي العلامة الأوحد الشيخ عبد علي )) .
وما قوله ( شيخنا في الإحياء ) ؛ فهي من الكثرة بحيث يضيق المقام بذكرها ؛ فمثلاً في الأنوار اللوامع ج2 : ص229 في سنن التخلي عند ذكر الاستبراء من البول ؛ فقال : (( وبالغ شيخنا في الإحياء ؛ فقصر الرجحان على حالة فقد الماء …. )) ألخ ، وقال في الرواشح أيضاً : ((إنَّ المعروفَ بينَ الأصحابِ قديماً وحديثاً رجحان هذا الاستبراء مطلقاً سواء كان الماء موجوداً أو معدوماً ؛ والظَّاهر من كثيرٍ منها [ أي الأخبار ] قصر رجحانِهِ على فقدِ الماءِ كما اختارَهُ شيخنا في الإحياءِ )) .
وقد ذكر ذلك في الإحياء المطبوع : ج1 : ص287 عند ذكر الاستبراء : (( نعم لا يبعد القول بالوجوب مع عدم الماء لعدم المعارض لأخباره الصحيحة )) .
قولكم : ((ينقل رأي والده في مسألة الترتيب في الغسل من المجلد الثاني، قال: “نعم، قال والدي قدس روحه ونور ضريحه: قد يستدل بوجوبه على الأخبار الواردة في غسل الميت …”وليس بين يدينا مؤلفات الشيخ أحمد بن إبراهيم -والد الشيخ عبد علي والشيخ يوسف- للتأكد بمراجعتها )) .
قلتُ :
أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن ؛ فقال : (( ومن هنا استظهر المحدث الصالح المقدس الشيخ عبد الله السماهيجي خروجها عن الرأس ؛ لكنه مع ذلك جعلها من المتشابهات ؛ فعين الاحتياط بغسلها مع الرأس والبدن . واعترضه والدي ـ قدس الله روحه ـ في رسالته الموضوعة في المسألة ؛ فقال ـ بعد كلام طويناه على غرة ـ : ” ومما يمكن أن يستدل به على دخول الرقبة في حكم الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفاً … )) ونقل كلام والده إلى أن وصل في نقله عنه : (( والعجب منه سلمه [ الله ” لفظ الجلالة وردت في الحدائق ] أنَّهُ جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها كما فسره جماعة من الأخباريين ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي ؛ بحيث لم يعلم وجهه ؛ ولذا عين فيها الاحتياط …. )) وساق كلام والده ثم قال : (( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ))
والذي لا يختلجه الشك ولا يمتريه الريب أن الشيخ أحمد المتوفى 1131هـ والد صاحب الحدائق هو المعاصر للشيخ السماهيجي المتوفى 1135هـ
ثانياً : هذا الذي نقله في الإحياء عن والده في مسألة غسل الرقبة في غسل الجنابة وما اعترضه على الشيخ السماهيجي نقله أخوه الشيخ يوسف في الحدائق : ج3 : ص68 في كيفية الغسل الترتيبي ؛ فقال : (( وقد وقع مثل ذلك لشيخنا المعاصر المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني ـ طيب الله مرقده ـ فاستشكل في المسألة وجعلها من المتشابهات …. )) إلى أن قال : (( وقد أجاب الوالد ـ نور الله ضريحه وطيب ريحه ـ …. )) ونقل كلامه إلى أن قال : (( والعجب منه ـ سلمه الله ـ أنه جعل المسألة من المتشابهات …. )) إلى آخره .
ثالثاً : قد أشار إلى هذه الرسالة الشيخ يوسف في لولؤة البحرين الذي فرغ منه 1182هـ فقال في ترجمة والده الشيخ أحمد ص92 : (( ورسالة في دحول الرقبة في الرأس في الغسل ، وقد كان الشيخ عبد الله بن صالح كتب رسالة في عدم دخولها )) .
قلتم ـ سلمكم الله ـ تحت عنوان فتاوى غير مشهورة ـ (( يفتي رحمه الله بحرمة التكلم على الخلاء إلا بذكر الله، قال رحمه الله في المسألة السادسة من مقدمات الوضوء: “المعروف من متأخرينا كراهة الكلام في الخلاء بغير ما استثني، وقال الصدوق في الفقيه: “ولا يجوز الكلام في الخلاء ؛ لنهي النبي عن ذلك “، وظاهره التحريم ، وهو الأقوى )) .
نقول :
أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات .
ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع عند ذكر مكروهات الخلاء : ج2 : ص247 ، 248 : (( ومنها التكلم من الخلاء بأي كلام إلا للضرورة ـ لو ما كان من الذكر ومنه حكاية الأذان ـ وأما قراءة القرآن فالأخبار فيه متعارضة ، والأحوط الاقتصار على آية الكرسي ـ وسيجيء تحديدها ـ وآية الحمد لله رب العالمين . وذهب جاعة من القدماء إلى أنه محرم إلا ما استثني واختاره شيخنا في الإحياء )) .
قولكم : (( قال في بحث كيفية التيمم: “فالاقتصار على الأصابع -كما أفتى به المحدث البحراني في شرح المختصر – غير بعيد”، وخرجه محقق الكتاب على شرح الرسالة الصلاتية للشيخ يوسف رحمه الله، مع أن الظاهر منه هو شرح المختصر النافع، وهذا أعجب من سابقه؛ إذ لم يستقر هذا اللقب للشيخ -بحسب العادة أيضا- إلا بعد وفاته رحمه الله، فكيف والشيخ عبد علي توفي قبل أخيه بسنوات في بلدة الفلاحية، بل لم نقف على تعظيم يتبع اسم الشيخ يوسف أو دعاء بمد عمر، أو وصفه بالمعاصر على أقل التقادير الممكنة كما وصف به غيره )) ،
نقولُ :
أولاً : عند الشيخ عبد علي وعند الشيخ يوسف وكذا أبيهما وأبن أخيهم إذا أطلقوا المحدث البحرانِي أرادوا به الشيخ عبد الله السماهيجي ؛ وأيضاً إذا قالوا ( المحدِّث الصالح ) ؛ وإطلاقه على الشيخ يوسف صار بعد وفاته ؛ فتوقفكم في كون المراد به الشيخ يوسف في محله ؛
ثانياً : وأيضاً قولكم أنَّه ليسَ المراد به بشرح المختصر شرح الرسالة الصَّلاتيَّةِ كما ذهب إليه المحقق الشيخ حسن ؛ مع أن الشيخ يوسف انتصر للمذهب المشهور إلة من الزند إلى أطراف الأصابع حيث قال في الحدائق : ج4 : ص 349 ـ ما يجب مسحه من اليدين في التيمم ـ : (( المقام الرابع : في مسح الكفين وهو المشهور بين الأصحاب وحدهما من الزند إلى أطراف الأصابع … )) إلى أن قال : (( ويدل على القول المشهور ـ وهو المؤيد المنصور ـ الأخبار الكثيرة المؤيدة بظاهر الآية … ))
وأما قولكم أن المراد به شرح المختصر يظهـر ذلك من الإطلاق فإنه إذا أطلق ( المختصر ) انصرف للمختصر النافع للمحقق الشيخ جعفر الحلي ، ولكن يمكن أن يكون غيره.
ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) .
قولكم : (( قال في بحث وقت التيمم: “وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان، حتى وقفت عليه قولا لبعض معاصرينا الأعيان”، وخرجه محقق الكتاب دام عزه على رياض المسائل (12/ 31)، لكن بعد المراجعة لن نجد للسيد صاحب الرياض قولا بهذا الوجه، هذا فضلا عن أن يكون السيد صاحب الرياض معاصرا للشيخ عبد علي أو في طبقته كمؤلف، نعم وجدنا لمعاصر السيد وهو الشيخ النراقي رحمه الله في مستنده قولا مشابها، قال: “هذا، مع أن المذكور في بعض أخبار المواسعة … وهو دال على القلة”، والنراقي متوفى سنة 1245، أي بعد وفاة الشيخ عبد علي (ت 1177 هـ) بـ 68 سنة، فكيف يكون صاحب هذا الكتاب هو الشيخ عبد علي رحمه الله ! )) .
نقول :
أولاً : عبارة الإحياء كاملة ـ وهي تتعلق بوقت التيم ـ : (( مع أن هذا التعارض إنما نشأ من أخذ معنى الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه متأخرو الأصحاب ، أما مع تعدده وإرادة وقت الاختيار في المضيقة والمعيدة كما هو المتبادر من إطلاقه وتعريفه ؛ ووقت الاضطرار في غير المعيدة كما يفيده تكثيره وتقليله [ ولعلهما : تنكيره وتعليله ” ] في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذ المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار ، ووجوب إعادتها لو وجد الماء فيه لا ينافي جوازها في سعة وقت الاضطرار وأوله فضلاً عن عدم وجوب إعادتها في آخره ، وحينئذ يرتفع التنافر والاضطرار عن جملة أخبار الباب . وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان ؛ حتى وقفت عليه قولاً لبعض معاصرينا الأعيان ويؤيده استفاضة الأخبار بالصلاة في وقت الاختيار وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار لغير ذوي الأعذار )) .
ثانياً : قال الشيخ حسين في السوانح : (( على أن التعارض إنما نشأ من أخذ أول الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه أكثر الأصحاب ، أما مع احتمال تعدده واختلافه فيها بأن يراد بالوقت الذي تيمم في آخره هو وقت الفضيلة والاختيار لأنه المتبادر من إطلاق الأخبار وأما الوقت الباقي بعد الفراغ من الصلاة فوقت الإجزاء الاضطرار كما يفيده التنكير في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذن بين المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار وبين بقاء وقت بعد الفراغ ؛ لأنه أمر ثابت لا إشكال فيه عند ذوي الاعتبار ، وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))
ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي .
قولكم : (( وما أورده عليه صاحب الأصول الغروية من قلة فائدة هذا المعنى ومخالفته لما فهمه أولئك الأجلاء، ففيه … ))
قلنا : نقل هذه القاعدة عنه تلميذه في مقدمة الأنوار اللوامع : ج1 : ص53 ـ 55 قال : (( وقد اشتهر على لسان متأخرو الأصحاب ما أشار إليه المصنف هنا من جواز التساهل في أدلة السنن والآداب … )) وساق الكلام إلى أن قال : (( وأما ما أورده صاحب الأصول الغروية على هذا التأويل والمعنى من أنه قليل الفائدة …. )) ألخ .
والواقع أني قد حرت هنا ولكم يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية فصاحب الأصول الغروية الشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الطهراني متوفى 1250هـ كما في الأصول المطبوع ؛ وذكر الحسيني في تراجم الرجال عن تلميذه السيد عبد الوهاب الهمداني أنه الاثنين عاشر جمادى الأولى سنة 1255هـ وذكر صاحب الذريعة كما ذكرتم أن فراغه منه الجمعة تاسع عشر من ذي الحجة سنة 1232هـ ؛
والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر : (( فصل قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلة السنن والمكروهات بإثباتهما بالروايات الضعيفة الغير المنجبرة وحمل الاخبار المقيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند و عدم الجابر وخالف في ذلك بعض متأخري المتأخرين فمنع من إثبات الاستحباب والكراهة إلا بما يمكن إثبات الوجوب والتحريم به من الأخبار المعتبرة وربما يظهر من الصدوق وشيخه ابن الوليد ذلك قال الصدوق في كتاب الصوم من الفقيه وأما خبر صلاة غدير خم والثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد لا يصححه ويقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة وكلما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى ))
ثم قال : (( والمذهب المشهور هو المنصور )) فهو أشار إلى المانعين من ذلك وأيد المشهور القائلين بسريان القاعدة ؛ نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلان الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل رجحانا ظاهريا بالضرورة ولا ينافيه احتمال التشريع المحرم لأنه إن قيس الفعل بالنسبة إلى جهة الواقعية فلا إدخال إذ نسبة التشريع إلى الحكم و الفعل سواء فكما أن احتمالنا لدخول شئ في الدين عند الشك في دخوله فيه ليس تشريعا كذلك إتياننا به لذلك الاحتمال ليس تشريعا وإنما التشريع هو الحكم بالدخول أو الاتيان به على أنه داخل وإن كان بالقياس إلى الظاهر فقد عرفت أن العقل قاطع برجحانه الظاهري حينئذ فالادخال بهذا الاعتبار متحقق لكن بعد ثبوت كونه من الدين بدلالة العقل فلا يكون تشريعا أيضا وأما الثاني فلما سيأتي في محله من قوله عليه السلام احتط لدينك وغيره وكما يصدق الاحتياط على المحافظة على فعل الواجب وترك المحرم كذلك يصدق على المحافظة على فعل المندوب وترك المكروه ولو سلم عدم الشمول أمكن تمام القول بعدم الفارق مضافا إلى شمول سائر الأدلة له الثاني وهو المعروف الاخبار منها الصحيح المروي في المحاسن وثواب الأعمال عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله أنه قال من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله … ))
فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم .
شواهد أخرى ـ للتمثيل لا الحصر ـ زيادة على تقطع بكون المؤلف الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم لا حفيده ؛ قد قمنا بتتبع مصنفات الشيخ حسين ـ سيما الفرحة ـ ؛ فوجدنا تطابق ما ينقله الشيخ عن شيخه في الإحياء مع الإحياء المطبوع
1ـ قال في الفرحة : ج1 : ص13 : (( وَأمَّا ما قالَهُ شيخُـنَا في ( الإحياءِ ) ـ هرباً عَمَّـا يـردُ عليهَـا فِي تعـاريفِهم ـ بأنَّهَا : ( استعمالُ الماءِ أو بدلِهِ عَلى الوجهِ المأمورِ بهِ [ في نسخة زاد ” متقرباً إلى اللهِ تعالى ” ) وجعلَ قولَهُ : (( على [ الـ]ـوجهِ المأمورِ بهِ ‏)) ؛ مُغنِياً عن تلكَ القيودِ الَّتِي ذكرُوهَا في الرَّدِّ )).
وفي الإحياء المطبوع : ج1 : ص191 : (( وشرعاً : استعمال الماء أو بدله على الوجه المأمور به )) .
2ـ قال في الفرحة : ج1 : ص14 ففيه : (( وإن كان قد وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها بمعنى أن وجوبها …. )) إلى قوله : (( فيكون غيرياً بمتابعتها لغيرها ))
وقد ورد هذا في الإحياء المطبوع ص193 : (( وإنما وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها … )) إلى قوله : ((( ووافقوا المشهور في غيره )) .
3ـ قال في الفرحة : ج1 : ص59 ، 60 : ((والعَجَب من شيخنا في الأحياءِ حيثُ قالَ ـ بعدَ نقلِهِ لهذهِ الأخبارِ للاحتجاجِ على جوازِ النَّكسِ في مسحِ الرَّأسِ والرِّجلَينِ ـ : (( [ و] لا بأسَ بما قالوهُ في مسحِ الرَّأسِ ؛ لإطلاقِ الآيةِ والأخبارِ البيانيَّةِ ، أمَّا في الرِّجلَينِ فمشكلٌ ؛ لصراحةِ صحيحِ البزنطيِّ في الابتداءِ بالأصابعِ ؛ لقولِهِ فيهِ ـ نقلاً عن الرِّضا ( عليهِ السَّلامُ ‏) في بيانِ كيفيَّةِ المسحِ : ” فوضعَ كفَّهُ على الأصابعِ فمسحَهَا إلى الكعبَينِ ” وهذِهِ الأخبارُ غيرُ صريحةٍ في المُدَّعى ؛ بل ولا ظاهرة لجوازِ كونِ المراد المسح مُقبلاً ومدبراً [ معاً ] ؛ بل هذا هوَ الظَّاهرٌ منها بدلالةِ الواوِ المفيدةِ للجمعِ وزيادة خبرِ يونسَ ؛ وإن كانَ صريحاً في المُدَّعى لكن لضعفهِ بالإرسالِ واحتمالِ كونِهَا من كلامِ يونسَ نقلَهَا عنهُ الرَّاوي أو الكلينيُّ ن قري يقول بالياء او من كلام الكليني نفسه إن قُرئَ [ ” يقولُ ” بالياءِ أو من كلامِ الكلينيِّ نفسِهِ إن قُرِئَ ] بالنُّونِ ؛ ولذلكَ نقلَ الشَّيخُ الخبرَ بدونِهَا ؛ بل نقلَهُ الحميريُّ أيضاً في قربِ الإسنادِ بدونِهَا ؛ فلا تصلح لمعارضةِ صحيحِ البزنطيِّ ))
وهذه العبارة بعينها وردت في الإحياء المطبوع : ج2: ص410 : (( ولا بأس بما قالوه … )) إلى قوله : (( لا تصلح لمعارضة صحيح البزنطي ))
4ـ قال في الرواشح : (( ومن مكروهاتِ الخلاءِ أيضاً في الجلوسِ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا من أيِّ جهةٍ كانت إذا لَم يكن ثمة حائلٍ ، وهذا الحكم مشهورٌ بينَ الأصحابِ ، وذهبَ المفيدُ إلى التَّحريمِ ؛ واختارهُ بعضُ مشايخِنَا في الإحياءِ )) وقال في السوانح : ((كذلكَ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا وفاقاً لشيخنا في الإحياءِ وظاهرُ المفيدِ وجماعةٍ من القدماء ))
وقد ذكر في الإحياء المطبوع جملة أخبارمنها : ج1 : ص276 مرفوعة ابن يحيى عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ ( لا تستقبل الريح ولا استدبرها ) وكذا مرفوعة عبد الحميد عن أبي الحسن ثم ذكر أخبار أخرى ثم قال : (( المفهوم من متأخري الأصحاب حمل هذه الأخبار على الكراهة ؛ وهو مشكل لعدم المعارض ؛ فالاحتياط في التحريم كما هو ظاهر المفيد )) .
وفي هذه الأمثلة كفاية .
وأخيراً جاء في الهامش الذي أعددتموه في أنوار البدرين ص204: أن تاريخ وفاته 1122، وفي تاريخ البحرين : “قال ابنه العلاّمة الشيخ خلف: إن أبي طاب ثراه هجّر من هجر سنة التسعين والمائة بعد الألف، ونزل في الفلاحية، وتصدر للإفتاء في تلك الناحية، ومات في السنة العاشرة بعد المائتين والألف”، وزاد الشيح حسن في هامش الكتاب المطبوع (الاحياء) ص11: “وقيل في عام وفاته أقوال شاذة، وهي: 1210، 1190، والصحيح ما أثبتناه كما لا يخفى” وقصد سنة 1177 هـ، )) .
قلتُ : الشيخ عبد علي قطعاً توفي قبل سنة 1182هـ وهي سنة فراغ أخوه الشيخ يوسف ؛ من لؤلؤة البحرين وقد عبر عنه في بدايتهم عند ذكر ابني أخويه : (( وخلف بن أخي المقدس المبرور الشيخ عبد علي )) .
ونعتذر إن حصلت أخطاء لغوية أو إملائية ؛ لأننا حررناه في عجالة
وقد وقع الفراغ منه في يوم وليلة ( 22 / 8 / 1433هـ ) ؛ ونسأله أن تكون في العمل المقبول ؛ وصلى الله على محمد وآله عند طلول الشمس وعند الأفلول ، والحمد لله غاية كل مأمول .

فأجبناه ونحن له شاكرون:

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أخي -زاد الله في جده ونفعنا الله بتنبيهاته الرائقة-

قرأت ما جاد به يراعكم وتفضلتم به من لطيف عبائركم، وأقول وعليه وحده أتكل:

قولكم: ( إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك)

وهذا صحيح، وقد نبهنا أكثر من فاضل عليه، وما هذا إلا لقلة مطالعتي للمصادر حينها، وغفلتي عن كتب الشيخ حسين وتلميذه الشويكي، كيف وكتاب السداد بين أيدينا كنا نقرؤه وفيه رأي الشيخ عبد علي (صاحب الإحياء) في كتاب فقه الرضا، فكان سهوا وخطأ واضحا، وجزاكم وجزاهم الله خيرا على التصحيح.

لكن يبقى أن الكتاب قد خلى أوله من التصريح بمسماه، كما أن اسمه يتفاوت كثيرا عند الناقلين، وأتم اسم -كما نقلتم- هو ما ذكره الشيخ حسين رحمه الله في المحاسن: (إحياء العلوم الشرعية).

قلتم أيدكم الله:

(أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن)

أقول: قال الشيخ يوسف في حدائقه نقلا عن رسالة أبيه:

(ومما يمكن أن يستدل به من الأخبار على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفا حيث قال ( عليه السلام ) : ” . . . ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين وعلى منكبه الأيسر مرتين . . . ” فإن الخبر – كما ترى – ظاهر الدلالة بل صريح في دخول الرقبة في غسل الرأس ، إذ لا تدخل في المنكبين قطعا ، ولا تبقى متروكة بلا غسل قطعا ، ولا تغسل عضوا واحدا بانفرادها قطعا ، فتحتم دخولها في غسل الرأس وهو المطلوب ، سواء كان اسم الرأس شاملا لها حقيقة أم مجازا ، فلا يلتفت إذن إلى ما ذكره المعاصر ( سلمه الله ) واستظهره من خروج الرقبة عن الرأس كما عرفته [في الاحياء المطبوع والمخطوط: من خروج الرقبة عن الرأس وحكم غسل الرأس]، [واستناده – فيما استظهره إلى أنه المعروف في كتب اللغة والشرع – وهم ظاهر  … فلا مندوحة عن التزام دخوله في الرأس البتة كالتزام دخول الرقبة فيه في حسنة زرارة بل في سائر الأخبار . هذا (ليس في الاحياء]] والعجب منه ( سلمه الله ) أنه جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها – كما فسره جماعة من الأخباريين – ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي بحيث لم يعلم وجهه ولذا عين فيها الاحتياط ، والحال أنه استظهر خروج الرقبة عن حكم غسل الرأس كما هو صريح عبارته ، فإن كان هذا الاستظهار علم مأخذه من الأخبار [وظهر لديه صحته من الآثار (ليس في الإحياء)] ، فالواجب عليه العمل بمقتضاه وعدم الالتفات إلى ما سواه ، فمن أين يجب إذ ذاك الاحتياط ؟ ومن أين تكون المسألة من المتشابهات [التي حصل فيها الاشتباه ؟ إذ مع الاستظهار للخروج لا اشتباه في الحكم الشرعي عنده ، نعم الاحتياط أمر راجح للخروج عن عهدة التكليف على اليقين لكنه ليس بواجب على التعيين إلا مع عدم ظهور الحكم الشرعي واشتباهه ، وإن كان منشأ هذا(ليس في الإحياء)] [وإن كان منشأنه (من الإحياء] الاستظهار مجرد التخمين [والاعتبار من غير دليل واضح من الأخبار (ليس في الإحياء)]]، فهو خلاف ما يتفوه به ( سلمه الله ) من عدم تعدي الآثار [والوقوف على مقتضى ما ورد عن الأئمة الأطهار (ليس في الإحياء)].

 وبالجملة فالمسألة ليست [فليست المسألة (الإحياء)] من الشبهات [المتشابهات (الإحياء)] [كما ادعاه ( سلمه الله ) (ليس في الإحياء)]، أما عندنا فلحكمنا بل جزمنا بدخول الرقبة في حكم غسل الرأس كما حققناه [فيما سلف (ليس في الإحياء)]، وأما عنده فلتصريحه باستظهار خروجها عن غسل الرأس، والشبهة لا تجامع ظهور أحد الطرفين كما هو ظاهر ” انتهى كلام الوالد عطر الله مرقده [انتهى كلامه على في أعلى عليين مقامه (الإحياء)]

ثم قال الشيخ في حدائقه:

(وقد أخبرني بعض الثقات أنه بعد وقوف المحدث الصالح على كلام الوالد ( قدس سرهما ) رجع عما هو عليه إلى موافقة الأصحاب)

وقال في الإحياء المطبوع:

( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ).

ولتصحيح ما وقع من تصحيف في المطبوع نعززه بصورة المخطوط من الكتاب:

clip_image002

clip_image004

وقد أصبت -سلمك الله- في ما ذكرت، فصريح عبارته أن الرسالة لوالده، وليس غير الشيخ أحمد رحمه الله، مع تطابق العبائر والكلمات فيها، ولكن يختلج الشك أيضا في تفاوت بعض الكلمات -ولعله للاختصار- وكذا اتحاد ما ذكره صاحب الحدائق -من رجوع الشيخ السماهيجي عن رأية- مع ما ذكره مصنف الكتاب، وكأنه كان ينظر لكتاب الحدائق -لا العكس على ما أظن- وينقل عنه، وهو أمر يعرف بلحن الكلام !. ولست أهتدي لوجه صحيح هنا.

قولكم: ( أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات.

  ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع) .

أقول: هذا لا يخرجه عن الشذوذ في قبال المذهب المشهور، وقد صرح نفسه به، ذكرناه تنبيها على المسلك لا غير، إذ كثيرا ما تكون قرينة على شخص المؤلف.

قولكم: (ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) ).

هذا ايضا شاهد على أن الكتاب هو الإحياء للشيخ عبد علي.

قولكم:

(قال الشيخ حسين في السوانح : ((  وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))

    ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي).

أقول: يبقى هنا احتمال -ضعيف- وهو نقل صاحب هذا الكتاب المطبوع نفس ألفاظ الشيخ عبد علي، وهو كثير الوقوع عند علمائنا إذا ارتضوا القول، نقلوه بعينه أو بزيادة قليلة فيه، ومنهم الشيخ حسين في محاسنه والشيخ يوسف في حدائقه والشيخ الماحوزي في مناسكه والشهيدان وغيرهم في غيرها، إذ مجرد المطابقة لا تورث العلم بالاتحاد، فهذا الشيخ يوسف في حدائقه كثير الاقتباس عن كتاب كفاية الأحكام، وهذه كتب المعاصرين أيضا يستعيرون ألفاظ وعبارات سابقيهم بدون تحرج، وعلى هذا جرى المصنفون.

قولكم:

( والواقع أني قد حرت هنا ولكن يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية …

    والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر … نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلأن الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل… ))

    فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم ).

أقول: تقدم الشاهد على اختلاف نقل الشيخ يوسف لرسالة أبيه عما نقل في هذا الكتاب، وحملناه على الاختصار، وهو المحمل هنا أيضا، والتغاير محتمل أيضا.

ولذا قلت: (وأما خطأه في تسمية كتاب الفصول فهو مثيل غلطه الآخر عند حديثه في الطهارة الحدثية وقوله: “قال الفاضل البحراني في حياض دلائله: لولا الإجماع منا على تحريم العزائم ..” ، والمقصود هو الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف الخطي المقابي البحراني المتوفي سنة 1102 هـ مع أخويه في العراق بوباء الطاعون، صاحب كتاب: “رياض الدلائل وحياض المسائل”.

وهذا الأمر هو الذي دعاني للتوقف ملياً ثم التشكيك في نسبة الكتاب المطبوع للشيخ عبد علي رحمه الله، فليس المطبوع إحياء الشيخ عبد علي، ولا الكتاب من تصانيفه رحمه الله).

وأحتمل الآن أن الشيخ عبد علي رحمه الله قصد كتاب الفوائد الغروية للشريف ابي الحسن بن محمد طاهر الأصفهاني الغروي العاملي جد صاحب الجواهر، وصاحب المقدمة المطبوعة مع تفسير البرهان، قال السيد إعجاز رحمه الله: (الفوائد الغروية للفاضل الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي المجاور بالنجف الأشرف حيا وميتا لا يوجد منه الا ما يتعلق بأصول الفقه قال في أوله بعد الحمد والصلاة المقصد الثاني من الفوائد الغروية فيما يتعلق بأصول الفقه … وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الاخبار تشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة تشهد بعلو شانه في المعقول والمنقول وطول يده في الفروع والأصول وفراغه كان في السنة الثانية عشر بعد المائة والألف).

وفي الذريعة 16: 353 :

(( 1639 : الفوائد الغروية والدرر النجفية ) للمولى الشريف العدل ، أبى الحسن بن المولى محمد طاهر بن عبد الحميد بن موسى بن علي بن محمد بن معتوق بن عبد الحميد العاملي ، المتوفى 1138 كما بخط بعض أحفاده ، وهو أبو الحسن الشريف النباطي الفتوني ، ابن عمة الأمير محمد حسين الخواتون آبادي ، وجد صاحب ( الجواهر ) من طرف الام . مرتب على مقصدين أحدهما في أصول الدين ، في مجلد ، والاخر في أصول الفقه ، في مجلد آخر ، وكل مقصد على اثنى عشر فائدة ، أول المقصد الثاني الموجود نسخته بخط المصنف عند صاحب ( الروضات ) كما ذكره ، بعد الحمد والصلاة : المقصد الثاني من ( الفوائد الغروية ) فيما يتعلق بأصول الفقه . . وتاريخ فراغه سنة الثامنة بعد المائة والألف ، انتهى . وأول المقصد الأول الموجود أيضا بخط المؤلف [ رب اشرح لي صدري – الآية الحمد لله الذي تاهت في بيداء معرفة ذاته علوم العلماء وحارت في فيفاء ادراك كنه صفاته عقول العقلاء إلى قوله طلب منى بعض أهل العلم ان اكتب مختصرا في الأصولين مقتصرا على ما ورد من الأئمة المصطفين . . ] ورتبه على مقدمة فيما يجب على المكلف تحصيله من العلوم والمعارف ، ثم فيها فصول ، ذكر في ثاني الفصول مشايخه ، المولى محمد باقر المجلسي ، وخاله المير محمد صالح ، ثم جمع من المجيزين له ، الشيخ قاسم بن محمد الكاظمي ، الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني ، الشيخ صفي الدين الطريحي ، ثم المقصدين المرتب كل منهما على اثنى عشر فائدة . وفرغ منه في النجف في 1104 وهو موجود في النجف في خزانة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كشف الغطاء واستنسخه السيد جعفر بن باقر بن علي آل بحر العلوم بخطه ، عن نسخة الأصل بخط مؤلفه ، الموجودة في بيت آل الجواهر في النجف ، ورأيته عنه ( السماوي ) . ويظهر من ( اللؤلؤة ) غاية الثناء والمدح لمجلده الثاني الذي كان عنده ، قال : وتاريخ فراغه منه في 1112 ولعل اختلاف التاريخ لأجل فهم العبارة حيث إن لفظه [ ان الفراغ وقع في الثلث الثاني من اليوم الثاني من النصف الثاني من الثلث الثاني من الشهر الثاني من الثلث الثاني من السنة الثانية من بعد السنة الثانية من العشر الثاني من الألف الثاني ] والظاهر أنه ينطبق على سابع عشر جمادى الثانية من 1104 وفرغ من المقصد الأول في 1102 ليس فيها [ من بعد السنة الثانية ] وفى هامش الجزء الثاني من فهرس مكتبة مدرسة سپهسالار ، فسر العبارة بسنة 1131 قال : ومنه يظهر حياة المؤلف إلى هذا التاريخ . أقول : فراغه من أحد المقصدين في 1103 ومن الاخر في 1131 بعيد في الغاية ، ولا سيما مع تأليفه في حياة المولى محمد باقر المجلسي ، فإنه عند ذكر مشايخه في الفصل الثاني من المقدمة دعى له بالبقاء ، فيكون تأليف المقصد الأول في حياته جزما . ( 1640 : الفوائد الفخرية ) للشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي م 1085 هي فوائد مختلفة كتبها بمكة ، والنسخة بخط يده في خزانة بيت الطريحي في النجف . ومر للمؤلف في هذا الجزء ( غريب أحاديث الخاصة ) . انتهى.

وهو الذي رد عليه الشيخ يوسف في رسالته المعروفة في دفع القول بالتنزيل في الرضاع، وقال فيه في اللؤلؤة:

( الشيخ الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي

المجاور بالنجف الأشرف حيّاً وميتاً – قدس الله روحه ونوّر ضريحه – عن الملاّ محمد باقر المجلسي – رحمه الله تعالى – والشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي – رحمه الله تعالى – وغيرهما.

وكان الملاّ أبو الحسن المذكور محققاً مدققاً ثقة صالحاً عدلاً، اجتمع به الوالد – رحمه الله تعالى – لما تشرف بزيارة النجف الأشرف في السنة الخامسة عشرة بعد المائة والألف وكان بصحبته والده وولده وجمع من الرفقاء، وفي هذه السنة مات والده وقبر في جوار الكاظمين عليهما السلام، وقد وقع بين الوالد وبين المولى أبي الحسن المذكور بحث في مسائل جرت في البين.

له كتاب الفوائد الغروية، ولم أقف منه إلا على ما يتعلّق بأصول الفقه ، قال في أوله – بعد الحمد والصلاة – : «المقصد الثاني من الفوائد الغروية يتعلّق بأصول الفقه» وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الأخبار، يشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة، تشهد بعلوّ شأنه في المعقول والمنقول، وطول يده في الفروع والأصول، وهذا الكتاب عندي، وتاريخ فراغه من المجلد الذي في الأصول كما ذكره في آخره كان في السنة الثانية عشرة بعد المائة والألف، وله رسالة في الرضاع اختار فيها القول بالتنزيل، وقد تقدمه في ذلك القول المحقق الداماد، ولنا رسالة في الرد عليه ستأتي الاشارة اليها إن شاء الله تعالى عند تعداد مصنّفاتنا، وله شرح على الكفاية ابتدأ فيه من كتاب المتاجر اعتماداً على ما كتبه المصنّف في الذخيرة ممّا يتعلّق بالعبادات، رأيت منه قطعة من أول كتاب المتاجر، والظاهر أنه لم يخرج من التصنيف سواها، وشرح على المفاتيح سمّاه كتاب شريعة الشيعة ودلائل الشريعة، رأيت منه قطعة من أوله تشتمل على شرح الباب الأول، قال في آخره: هذا ما أردنا ايراده في الجزء الأول من كتاب شريعة الشيعة شرح الباب الأول من كتاب مفاتيح الشرائع، ويتلوه شرح الباب الثاني في مقدمات الصلاة إن شاء الله تعالى، وفرغت من تسويده في أول سنة تسع وعشرين بعد المائة والألف (انتهى) وهو يشهد بفضله وتحقيقه ودورانه مدار الأخبار، المأمونة العثار، في جليله ودقيقه، ولا أعلم هل برز منه غير هذا أم لا).

وهو مخطوط، يوجد منه لدي من مكتبة البروجردي صورة نسخة مقتصرة على القسم الأول منه في أصول الاعتقاد رقمها 520، ونسخة أخرى في مجلس الشورى الإيراني كاملة رقمها 477ط، وعليها حواش ختمت بعبارة (منه دام فضله) فهي من نسخ حياته المباركة، ويحتمل كونها مقروءة عليه.

ذكر هذا المبحث في ص218-220 من نسخة مكتبة الشورى.

clip_image006

clip_image008

clip_image009

وبهذا قطعت شكي بيقين أن المقصود بصاحب الأصول الغروية هو السيد الشريف الفتوني العاملي رحمه الله، وأن صاحب الفصول الغروية قد أخذ منه القول.

وصرت مائلا إلى القول بصحة نسبة الكتاب للشيخ عبد علي بن الشيخ بعد الشك فيه، فأدر الرأي ليعتدل المقال .

وفقنا الله وإياكم للصواب، وعصمنا من الزلل في الخطاب، بحق محمد وآله عليهم أفضل السلام والصلاة.

والحمد لله رب العالمين

محمد العريبي

قم المشرفة

24 شعبان 1433

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

بسمه الله الرحمن الرحيم

وصلاة الحكيم على المبعوث الأمين محمد وآله الغر الميامين، وله الحمد في العالمين.

فهذه مقالة مبسوطة في أخبار التخيير في الصلاة بين القصر والإتمام في المواضع الأربعة المشرفة، مكة والمدينة والكوفة والحائر، عرضنا فيها أخبار المسألة، وأشبعناها استنطاقا، وطعمناها بنكات رجالية وسندية لا يسع المقام تركها؛ إذ لا تذكر إلا نادرا في الأبحاث المتداولة، وقد اتفق حضورنا بحث السيد الزنجاني حفظه الله هذا العام وطرحه لهذه المسألة تفصيلا، مع إلماح الفاضل الشيخ علي الصددي وفقه الله لفتوى السيد بوجوب القصر موافقا للصدوق من المتقدمين وللسيد الشهيد الصدر من المعاصرين ومخالفا لما عليه المشهور، وباجتماع تلك الدواعي صارت النفس تواقة لتحرير المسألة وتحقيقها بأسلوب المحدثين، وهي بمعرض المشتغلين وبين أيدي الناظرين، ونسأله تعالى إخلاص النية لوجهه الكريم بدءا وختاما.

فنقول وعليه جل اسمه نتكل:

الأخبار في المسألة كثيرة جدا، استقصى أكثرها صاحب الحدائق رحمه الله في حدائقه، ولا يمكن الإقتصار على بعضها مما صح سنده وإهمال الأخريات مما ضعف سندا أو أجمل دلالة، وظني أن جملة مما أهمله القائلون بحجية خبر الواحد لم ينله ما هو حقيق من التحقيق، وجملة أخرى مما أهمل من الدلالات لم تستظهر بما هو أظهر، بل كلها تحمل قرائن هامة، وفي أغلبها إشارات وتصريحات بما يشرح معنى في غيرها، وسيمر عليك أمثلتها.

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

للتحميل:

تحقيق حول مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة

بسم الله الرحمن الرحيم

تحقيق حول

مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة([1])

روى الكليني عن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"مَنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ شَهْراً وَ هُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ فَلْيَكُنْ إِحْرَامُهُ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُحْرِمُ مِنَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ أَيَّ طَرِيقٍ شَاءَ"([2]).

ورواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الكليني وترك ذيل الخبر " فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ "([3])، ورواه الصدوق في الفقيه  عن الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ إلا أنه قال: "شَهْراً أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا كَانَ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ وَ الْبَيْدَاءِ مَسِيرَةَ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَلْيُحْرِمْ مِنْهَا"([4])([5]).

وهو خبر مفرد لم يرد له شبيه، استدل به بعض فقهائنا على جواز الإحرام بمحاذاة المواقيت، ميسرتها وميمنتها مطلقا.

وفي مبسوط الشيخ -وهو أول من ذكر هذا الفرع فيما بين أيدينا من الكتب- : " كل من مر على ميقات وجب عليه أن يهل منه ، ولا يلزمه ميقات أهل بلده بلا خلاف فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظرا إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه"([6])، وقال العلامة في المختلف: " مسألة : قال ابن إدريس : ميقات أهل مصر ومن صعد من البحر جدة. وقال ابن الجنيد: ومن سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمر فيه على هذه المواقيت كان إحرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها [ فيحرم ] منه . وقال الشيخ في المبسوط : فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظر إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه . فإن كان الموضع الذي ذكره ابن إدريس يحاذي أحد المواقيت صح وإلا فلا ، فإنه ليس في شئ من الأحاديث ذلك ، والذي ورد في ميقات أهل مصر الجحفة ، وأهل السند من ميقات أهل البصرة"([7]).

وكتاب المبسوط فقه تفريعي ألفه الشيخ ردا على بعض العامة ممن عير الشيعة بقلة فروعهم الفقهية، ويظهر منه أنه على نمط بعض مؤلفات الشافعية كما ذكر شيخنا السيد المددي، وأكثره ارتجالي خال عن الدليل الصريح، وحكي هذا القول عن ابن الجنيد قبل الشيخ رحمهما الله.

وأول من وجدته -فيما بين يدي من مصادر- قد استدل بصحيح عبد الله بن سنان، العلامة رحمه الله في التذكرة، قاسها على نحو محاذاة ذات عرق لقرن المنازل عند العامة، قال قدس الله سره: " مسألة 157 : لو سلك طريقا لا يؤدي إلى شئ من المواقيت ، روى العامة عن عمر لما قالوا له : وقت لأهل المشرق ، قال : ما حيال طريقهم ؟ قالوا : قرن المنازل ، قال : قيسوا عليه ، فقال قوم : بطن العقيق([8]) ، وقال قوم : ذات عرق ، فوقت عمر ذات عرق. ومن طريق الخاصة : ما رواه عبد الله بن سنان – في الصحيح – عن الصادق عليه السلام ، قال : " من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال فليحرم منها ". ولو لم يعرف محاذاة الميقات المقارب لطريقه ، احتاط وأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما ، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه أو يغلب على ظنه ذلك ، لأن الأصل عدم الوجوب ، فلا يجب بالشك . ولو أحرم بغلبة الظن بالمحاذاة ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من الميقات غير محرم ، الأقرب : عدم وجوب الرجوع ، لأنه فعل ما كلف به من اتباع الظن ، فكان مجزئا . ولو مر على طريق لم يحاذ ميقاتا ولا جاز به ، قال بعض الجمهور : يحرم من مرحلتين ، فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق. ويحتمل أنه يحرم من أدنى الحل"([9]).

والذي يظهر لي -جليا- أن البيداء المقصودة هي الأرض المرتفع أولها بعد الشجرة في آخر وادي ذا الحليفة، والتي ورد فيها استحباب رفع التلبية إذا استوت به البيداء في موضع الخسف بالجيش وسطها، وهي على مسير طريق المدنيين إلى مكة، ليست على جوانبها، فالمحاذاة هنا هي الإستواء في جهة الطريق، لا على جوانبه، وليس على جوانب ذي الحليفة بيداء معروفة، وهذا الثاني مذهب كثير، وهو ظاهر الاشتباه.

 

[طرق المدنيين إلى مكة]

وطرق المدنيين إلى مكة بعضها متعارفة، كطريق الشجرة المسمى بأبيار علي غرب جبل عير في ظهره، وهو حد حرم المدينة الجنوبي -عندنا- أول وادي ذا الحليفة أحد أودية عقيق المدينة الكبير، وطرق أخرى نادرة تمر بالثنيات جنوبا وشمالا، غير محصورة، منها -كما قيل- ثنية الوداع الشمالية قبل مسجد الراية للذاهب شمالا -والتي درست آثارها اليوم وأزيلت تلتها المعروفة- وهي طريق المدنيين إلى الشام شمالا أو إلى مكة غربا فجنوبا فيستديرون على بين ثنايا حرة المدينة الغربية وجبل سلع -وهو حد المدينة الغربي- حتى يلتقي بآخر وادي ذا الحليفة عند أول البيداء على الطريق المتعارف للمدنيين، وقد أوقع هذا خلافا في تحديد ثَنِيَّة الوداع المشهورة.

بل إن فرض طرق أخرى كهذا وغيره هو أصل مفاد الخبر وإطلاقه، فمن أخذ طريقا غير متعارف ومر بالميقات ميقات أهل المدينة وجب عليه الإحرام منه ولا يتجاوزه، حتى لو كان آخر أجزائه، فهو لا ينافي الحكم الأولي من وجوب الإحرام من ميقات المدينة أو غيره من المواقيت لمن مر عليها.

ويؤيد كلامنا هذا في تعدد الطرق، ما ذكره الجاسر في هامش كتاب الغانم المطابة في معالم طابة، قال: "كما يفهم من كلام السمهودي … وأن للمدينة إلى ذي الحليفة طريقين؛ طريق الشجرة، الطريق التي كانت معروفة وتُسلَكُ في ذلك العهد، وطريق المُعرَّس"([10]).

بل في البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى اللّه عليه و آله «كان يخرج من طريق الشجرة، و يدخل من طريق المعرس» و أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله «كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، و إذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي و بات حتى يصبح»([11]).

والمعرَّس موضع عرَّس فيه النبي صلى الله عليه وآله في بطن وادي ذي الحليفة جوار مسجد الشجرة، على طريق القادم للمدينة للداخل إليها.

وروى الشيخ الكليني قدس الله سره في الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى ، وابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : "إذا انصرفت من مكة إلى المدينة وانتهيت إلى ذي الحليفة وأنت راجع إلى المدينة من مكة فائت معرس النبي ( صلى الله عليه وآله )، فإن كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلا؛ فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد كان يعرس فيه ويصلي"([12]).

 

وأما التقييد بالمقام شهرا ونحوه، فلفرض كونه من أهل المدينة الذين يلزمهم المرور بميقاتهم -وهو المعتاد من طريقتهم- فليس لهم العدول عنه إلى غيره من المواقيت كالعقيق والجحفة، إلا لمرض أو ضرورة.

وأما المحاذاة، فهي من المفاهيم الواضحة، ولا يحتاج الاستدلال بكلام أهل المعاجم إلا تأييدا، وهي المسامتة بحسب اعتبار الناظر، فمعناها إضافي نسبي، والمراد الاستعمالي منها يتعين بالقرائن، ولك في استعمالها في مثل أدلة صلاة المأموم والتعبير بمحاذاة المأموم للإمام خير شاهد، حتى أن الشيخ رحمه الله في الخلاف قال في مسألة تقدم موقف المرأة أمام الرجال ورأي العامة فيها: "قال: فان صلت أمام الرجال بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها ولم تبطل صلاة من يحاذي من يحاذيها، وهذه المسألة يسمونها مسألة المحاذاة"([13]).

وبهذا يتبين أن هذا الخبر الصحيح مع انفراده، غير مناف أو شاذ في معناه مع مفاد أخبار المواقيت، وليس مما يدل على جواز الإحرام بالمحاذاة على الجوانب -لمن يمر بميقات المدينة ولا غيره من المواقيت- في شيء، فالأصل هو وجوب الإحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، وما هذه الصحيحة إلا تأكيد على جواز الإحرام في كل وادي الميقات -سواء أوله وهو مسجد الشجرة أو آخره وهو أول البيداء على طريق الذاهب لمكة- حتى للداخل فيه من غير الطرق المتعارفة.

فقول المحقق -وغيره- في الشرايع : "ولو سلك ما لا يفضي إلى أحدها أحرم عند ظن المحاذاة لأحدها"، يرده أن الخبر في الإفضاء إلى ميقات أهل المدينة نفسه، ولكنه على غير الطريق المتعارف.

 

تذييل فيه تحقيق حدود طريق الشجرة وموضع البيداء

 

ونتحققها بكشف معالم طرق المدينة، وهي خفية في الغالب؛ فإن أكثرها قد رسمت آثاره، حتى مسجد الشجرة كادت أن تمحى حدوده، بل محي محل محرابه، ولما جدد أقيم على حدوده الباقية، وكذا مسجد المعرس؛ فليس له من الأثر إلا مسمى البقعة، وأجر في الحكم غيرها من معالم الطريق المدني القديم المسمى بطريق ينبع.

قال في وفاء الوفا في وصف مسجد الشجرة:

"قال المطري: و هذا المسجد هو المسجد الكبير الذي هناك، و كان فيه عقود في قبلته([14])، و منارة في ركنه الغربي الشمالي، فتهدمت على طول الزمان.

قال المجد: و لم يبق منه إلا بعض الجدران و حجارة متراكمة.

قلت: جدد المقر الزيني زين الدين الاستدار بالمملكة المصرية تغمده الله برحمته هذا الجدار الدائر عليه اليوم، لما كان بالمدينة معزولا عام أحد و ستين و ثمانمائة، و بناه على أساسه القديم، و موضع المنارة في الركن الغربي باق على حاله، و جعل له ثلاث درجات من المشرق و المغرب و الشام، في كل جهة منها درجة مرتفعة، حفظا له عن الدواب، و لم يوجد لمحرابه الأول أثر لانهدامه، فجعل المحراب في وسط جدار القبلة، و لعله كان كذلك، و اتخذ أيضا الدرج التي للآبار التي هناك ينزل عليها من يريد الاستقاء.

و طول هذا المسجد من القبلة إلى الشام اثنان و خمسون ذراعا، و من المشرق إلى المغرب مثل ذلك"([15]).

والذي يقع محل اهتمامنا هي قطعة الطريق من الحليفة حتى آخر البيداء.

 

[مسجد الشجرة والمعرس وحدود ذي الحليفة]

لم يرد تحديد لأول ذي الحليفة وآخرها، عند المتقدمين، عدا ذكر مسجديها المعروفين، مسجد الشجرة للخارج من المدينة، ومسجد المعرس للقادم إليها، مع ذكر أنهما ستة أميال عن مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

 

[حدود ذي الحُليفة]

قال السمهودي في وفاء الوفا:

"كجُهينة تصغير الحَلَفَة بفتحات واحد الحلفاء و هو النبات المعروف، قال المجد: هي قرية بينها و بين المدينة ستة أميال، و هي ذو الحليفة، و ميقات أهل المدينة، و هو من مياه بني جشم بالجيم و الشين المعجمة، بينهم و بين بني خفاجة من عقيل، انتهى.

و هو تابع لعياض في ذلك، و زاد كونها قرية، و قد سبق أول الباب عند ذكر حدود وادي العقيق عن عياض أن بطن وادي ذي الحليفة من العقيق و أن العقيق من بلاد مزينة، و هذا هو المعروف، و ما ذكره هنا من نسبة ذي الحليفة إلى بني جشم إلى آخره غير معروف، و لعله اشتبه عليه بالحليفة التي من تهامة، و ما ذكره من المسافة موافق لتصحيح النووي كالغزالي أنها على ستة أميال، و يشهد له قول الشافعي كما في المعرفة: قد كان سعيد بن زيد و أبو هريرة يكونان بالشجرة على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة و يدعانها، و المراد بالشجرة ذو الحليفة، لما سبق في مسجد الشجرة بها، و بها أيضا مسجد المعرس.

و في سنن أبي داود: سمعت محمد بن إسحاق المديني قال: المعرس على ستة أميال من المدينة.

و سبق أن المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة([16])، فلا يخالف ما سبق عن الشافعي، و عليه يحمل ما رواه أحمد و الطبراني و البزار و اللفظ له عن أبي أروى قال: كنت أصلي مع النبي صلى اللّه عليه و سلم صلاة العصر بالمدينة ثم آتى ذا الحليفة قبل أن تغيب الشمس و هي على قدر فرسخين، و قال الرافعي كابن الصلاح: ذو الحليفة على ميل من المدينة، و هو مردود تدفعه المشاهدة، و لعلهما اعتبرا المسافة مما يلي قصور العقيق؛ لأنها عمارات ملحقة بالمدينة، و قال الأسنوي: الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ، و هو ثلاثة أميال أو نزيد قليلا، انتهى.

و ذكر ابن حزم أنها على أربعة أميال من المدينة، و قد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع و سبعمائة ذراع و اثنين و ثلاثين ذراعا و نصف ذراع بذراع اليد المتقدم تحديده في حدود الحرم، و ذلك خمسة أميال و ثلثا ميل ينقص مائة ذراع([17])، و كأن المسجد ليس أول ذي الحليفة؛ لأن أبا عبد الله الأسدي من المتقدمين قال:

الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة و هي الشجرة ومنها يحرم أهل المدينة، وهي على خمسة أميال و نصف، مكتوب على الميل الذي وراءها قريب من العلمين: ستة أميال من البريد، و من هذا الميل أهلّ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، انتهى؛ فالميل المذكور عند المسجد لأنه محل إهلاله صلى اللّه عليه و سلم([18])، و أول ذي الحليفة قبله بنصف ميل.

و قوله «قريب من العلمين» يحتمل أن يريد علمي مدخل ذي الحليفة لقوله في تعداد الأعلام «و على مدخل ذي الحليفة علمان» فيفيد ما تقدم من عدم التعرض لانتهاء الحليفة.

لكنه ذكر كما سبق في البيداء أن على مخرج ذي الحليفة علمين آخرين، و أن البيداء فوق علمي الحليفة إذا صعدت من الوادي، فيحتمل أن يريد بقوله «قريب من العالمين» علمي مخرج الحليفة([19])، فيفيد أن المسجد قرب آخر الحليفة، و هو الظاهر؛ لأن البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة و ذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم.

و قال العز بن جماعة: و بذي الحليفة البئر التي تسميها العوام بئر علي، و ينسبونها إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ لظنهم أنه قاتل الجن بها، و هو كذب، و نسبتها إليه غير معروفة عند أهل العلم، و لا يرمي بها حجر و لا غيره كما يفعل بعض الجهلة، انتهى.

و سبق في مسجد ذي الحليفة ذكر اتخاذ الدرج لآبارها، و سبق في خاتمة الفصل الرابع عن ابن شبة أن فوق ذي الحليفة التي هي الحرم في القبلة قبل حمراء الأسد موضعا من أعلى العقيق سمي بالحليفة العليا، فيكون المحرم الحليفة السفلى، و لم أره في كلام غيره و لعله الخليقة بالخاء المعجمة والقاف لما سيأتي فيها. و أما ذو الحليفة المحرَم فهي أيضا من وادي العقيق، و لذا روى أبو حنيفة كما في جامع مسانيده عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، من أين المهل؟ فقال: يهلّ أهل المدينة من العقيق، و يهلّ أهل الشام من الجحفة، و يهلّ أهل نجد من قرن، فأطلق على ذي الحليفة اسم العقيق"([20]).

وفي رحلة ابن جبير:

" فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم، ويقال: أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قاتل الجن بها، وتعرف أيضاً بالروجاء. والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء لا يكاد يلحق قعرها، وهي معينة.

ورحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الأحد، وتمادى بنا السير إثر صلاة العشاء الآخرة، فنزلنا شعب علي، رضي الله عنه، وأقلعنا منه نصف الليل تربان، البيداء، ومنها تبصر المدينة المكرمة، فنزلنا ضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق، وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والمدينة من هذا الموضع على خمسة أميال".

 

[ المعرَّس ]

وأما المعرَّس:

ففي وفاء الوفا : "قال المطري: و في قبلته -أي مسجد الشجرة- مسجد آخر أصغر منه، ولا يبعد أن يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم صلّى فيه أيضا، بينهما مقدار رمية سهم أو أكثر قليلا، انتهى.

قلت: و يؤخذ مما سيأتي عن الأسدي أنه مسجد المعرّس، و الله أعلم".

ثم قال:

"و منها: مسجد المعرس- قال أبو عبد الله الأسدي في كتابة و هو من المتقدّمين يؤخذ من كلامه: أنه كان في المائة الثالثة بذي الحليفة عدة آبار و مسجدان لرسول الله صلى اللّه عليه و سلم، فالمسجد الكبير الذي يحرم الناس منه، و الآخر مسجد المعرّس، و هو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد، و فيه عرّس رسول الله صلى اللّه عليه و سلم منصرفه من مكة.

قلت: ليس هناك غير المسجد المتقدم ذكره في قبلة مسجد ذي الحليفة على نحو رمية سهم سبقي منه، و هو قديم البناء بالقصّة و الحجارة المطابقة؛ فهو المراد"([21]).

وقال في موضع آخر: "المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة"([22]).

فهو الذي في قبلة مسجد الشجرة، وقد أهمل بناؤه وذهب أثره حتى كشف عنه السيل كما قيل، وهو اليوم جدران مركومة أمام قبلة مسجد الشجرة على طريق فرعي، وتقدم أنه على طريق الداخل للمدينة، وأنه آخر الحليفة، لكن الصحيح أنه وسط الوادي بجوار الشجرة كما عليه الأخبار وهو المشهور.

فعن مُوسَى "بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَامِرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ لِي فِي الْمُعَرَّسِ- مُعَرَّسِ النَّبِيِّ ص إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمُرَّ بِهِ وَ انْزِلْ وَ أَنِخْ بِهِ وَ صَلِّ فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص فَعَلَ ذَلِكَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ صَلَاةٍ قَالَ فَأَقِمْ قُلْتُ لَا يُقِيمُونَ أَصْحَابِي قَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ امْضِهْ وَ قَالَ: إِنَّمَا الْمُعَرَّسُ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ إِذَا بَدَأْتَ"([23]).

 

وفي أصل محمد بن المثنى الحضرمي ضمن الأصول الستة عشر:

" قال و سألته عن معرس‏ رسول اللّه ص بذى الحليفة ؟ فقال: عند المسجد ببطن الوادى حيث يعرِّس الناس"([24])، أي يباتون.

 

[البيداء]

أما البيداء معرَّفَةً، فهي التي تنصرف إليها التسمية، معروفة، وتسمى -أو بعضها بنحو أضبط- ذات الجيش، على وزان تسمية ذي الحليفة بالشجرة بعلاقة الجزئية، وهي محل الخسف بجند السفياني بين مكة والمدينة، من المواضع التي يكره فيها الصلاة، فعنه عليه السلام قال: " تكره الصلاة في طريق مكة في ثلاثة مواضع أحدها البيداء ، والثاني ذات الصلاصل ، والثالث ضجنان".

وفي معجم البلدان: " البيداء : اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة ، وهي إلى مكة أقرب ، تعد من الشرف([25]) أمام ذي الحليفة ، وفي قول بعضهم : إن قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عز وجل جبرائيل فقال : يا بيداء أبيديهم"([26]).

والمحل المستوي منها المشار إليه في أخبارنا هو الموضع الأملس منها، فلا يدخل شرفها أعني مرتفعها، ومنه السَّيُّ وهو الموضع الأملس من البادية، قاله الفراهيدي([27]).

وروى النميري في تاريخ المدينة عن "موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ، أنبأنا علي بن زيد ، عن الحسن ، عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مضطجع في بيته إذ احتفز جالسا فجعل يتوجع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، مالك توجع ؟ قال: جيش من أمتي يجوز من قبل الشام يؤمون البيت لرجل منعه الله منهم ، حتى إذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم ، ومصادرهم شتى . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف يخسف بهم جميعا ومصادرهم شتى ؟ قال: إن منهم من جبر"([28]).

وفي وفاء الوفا للسمهودي -وهو أكثرهم تتبعا- :

" البيداء:

قال المطري فمن تبعه، هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى المغرب.

و قال الحافظ ابن حجر: البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري و غيره، انتهى.

فأول البيداء عند آخر ذي الحليفة، و كان هناك علمان للتمييز بينهما، و لذا قال الأسدي في تعداد أعلام الطريق: إن على مخرج المدينة علمين، و على مدخل ذي الحليفة علمين، و على مخرج ذي الحليفة علمين، و قال في موضع آخر:

و البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي([29])، و في أول البيداء بئر، انتهى. و كأن البيداء ما بين ذي الحليفة و ذات الجيش "([30]).

ومر قوله: "البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة، وذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم".

والعلمان أو الميلان -عندنا- ذكرا في رواية كتاب عاصم بن حميد الحناط ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بالركون لهذه الأصول لشهادة القرائن بصحتها في الجملة- بسنده قال: " َعنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحَنَّاطِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ حَيْثُ الْمِيلَيْنِ أُنِيخَتْ لَهُ نَاقَتُهُ، فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ لَبَّى بِأَرْبَعٍ، فَقَالَ:

لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَ النِّعْمَةَ لَكَ وَ الْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُ يُخْسَفُ بِالْأَخَابِثِ"([31]).

ورواها في قرب الإسناد وقال: "حيث الميل"([32])، وكذا في روايات عديدة.

وعن الحلبي في الفقيه: "رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلَبِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‏: الْإِحْرَامُ مِنْ مَوَاقِيتَ خَمْسَةٍ وَقَّتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَنْبَغِي لِحَاجٍّ وَ لَا مُعْتَمِرٍ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهَا وَ لَا بَعْدَهَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَ هُوَ مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَ يَفْرِضُ‏ الْحَجَ‏، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَسَارَ وَ اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءُ حِينَ يُحَاذِي الْمِيلَ الْأَوَّلَ أَحْرَمَ‏"([33]) الحديث، وفي المروي الآخر له: " فَامْشِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِيلَ وَ تَسْتَوِيَ بِكَ الْبَيْدَاء"([34]).

ومحل استواء البيداء هو محل الخسف بجيش السفياني المسماة بذات الجيش كما سيأتي.

 والمراد بالميل الأول هو علامة أول البيداء كما قال الكليني، قال: " وَ أَوَّلُ الْبَيْدَاءِ أَوَّلُ مِيلٍ يَلْقَاكَ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ"([35])، وهو المروي -بعده- في الكافي عن معاوية بن عمار قال: " وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتّى‏ تَصْعَدَ إِلى‏ أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلى‏ أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِك‏"([36]).

وكل أعلام وأميال الطريق المدني على يسار الطريق، بعكس أميال الطرق جنوب مكة، هكذا قال من شاهدها، وآثار كثير مما بقي موجودة إلا اليوم.

وليس في ما قال الكليني ولا رواية معاوية بن عمار أن البيداء على يسرة الطريق لتكون محاذاتها للشجرة عرضية لا على طول الطريق، بل نفس الميل المُعِّينُ لأول البيداء هو الذي على يسار الطريق للذاهب إلى مكة، وكل من التفت إليه تعين لديه أول البيداء، ولعل هذا التعبير -أعني عن يسارك- مع لفظ المحاذاة ومع ضم ما عليه أهل السنة من العمل بالمحاذاة والحيال، هو الذي أوجب تخيل المحاذاة العرضية من صحيح عبد الله بن سنان، نعم، الطريق مائل جهة الغرب بعد ذا الحليفة، لكنه لا يوازيه، والفيصل هو الواقع المشاهد.

وفی النفليّة: "البيداء موضع في طريق مكّة على سبعة أميال من المدينة أو على رأس ميل من ذى الحليفة"، وقد سمعت أن الحليفة آخرها على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وهي ميل امتدادا إلى علمي البيداء، ولعله قدس سره جعل حساب الستة أميال لأول ذي الحليفة، والمرجع للوثوق بالتحديدات أهل السير والبلدان.

 

[حد البيداء]

وروى صحيحا في الكافي ما نصه:

عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ ع: إِنَّا كُنَّا فِي الْبَيْدَاءِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَ اسْتَكْتُ وَ أَنَا أَهُمُّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ كَأَنَّهُ دَخَلَ قَلْبِي شَيْ‏ءٌ، فَهَلْ يُصَلَّى فِي الْبَيْدَاءِ فِي الْمَحْمِلِ ؟ فَقَالَ: لَا تُصَلِّ فِي الْبَيْدَاءِ، قُلْتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ، ثُمَّ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص، قُلْتُ: وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ فَقَالَ دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([37])، ومثله في التهذيب.

ورواه البرقي بزيادة في المحاسن بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: الْبَيْدَاءُ لَا يُصَلَّى فِيهَا، قلتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ قَالَ: أَ مَا رَأَيْتَ ذَلِكَ الرَّفْعَ وَالْخَفْضَ، قُلْتُ: إِنَّهُ كَثِيرٌ، فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ حَدُّهُ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص قُلْتُ وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ، قَالَ: دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([38]).

وفي ملاذ الأخيار قال المجلسي: " قوله عليه السلام: دون الحفيرة لعل المراد الأرض المنخفضة التي فيها مسجد الشجرة"([39])، والصحيح أن الحفيرة منطقة بعد ذات الجيش مرتفعة آخر البداء كما سوف يتضح، هذا للخراج من المدينة، وأما للداحل كما هو الخبر فقبل ذات الجيش.

والمراد بحد البيداء: حدودها من الجهتين ابتداء وانتهاء للقادم على الطريق، وهي تضم ذات الجيش التي هي قبل الحفيرة للذاهب لمكة على طريق ينبع القديم، وتسمى أيضا أولات الجيش.

وهذا هو المصرح به في صحيح معاوية بن عمار في قول الصادق عليه السلام: " تكره الصلاة في ثلاثة مواطن بالطريق : البيداء وهي ذات الجيش ، وذات الصلاصل ، وضجنان"([40]).

وبهذا يتضح أن أحد طرفي البيداء آخر ذي الحليفة عند العلمين آخر ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، هذا شمالا، وأن طرفها الآخر آخر ذات الجيش عند أول الحفيرة جنوب غرب طريق المدينة مكة وهو الآن طريق ينبع القديم.

 

[ذات الجيش]

وذات الجيش -كما يأتي- وسط البيداء، وليس في الخبر أنها أوله، وتحديدها بذات الجيش لتعيين موضع الكراهة من البيداء، فالمعنى على التقريب وبيان موضع الجد في المسير.

بل في صحيح المحاسن عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَ غَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "لَا تُصَلِّ فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا الْبَيْدَاءِ وَ لَا ضَجْنَانَ‏"، وهو شاهد على التغاير، ولا يمكن أن يتمسك به للدلالة على التباين الكلي، فإن من المؤكد وقوع ذات الجيش داخل البيداء.

وروى المجلسي عن كِتَابُ الْعِلَلِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: "لَا يُصَلَّى فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا فِي وَادِي مَجَنَّةَ وَ لَا فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ" -ثم قال المجلسي عن صاحب العلل- "ثم قال أما قوله: "لا يصلى في ذات الجيش"، فإنها أرض خارجة من ذي الحليفة على ميل، وهي خمسة أميال والعلة فيها أنه يكون فيها جيش السفياني فيخسف بهم‏"([41]).

فطول ذات الجيش خمسة أميال امتدادية.

وفي معجم البلدان: " الجيش : بالفتح ثم السكون ، ذات الجيش : جعلها بعضهم من العقيق بالمدينة ، وأنشد لعروة بن أذينة : كاد الهوى ، يوم ذات الجيش ، يقتلني لمنزل لم يهج للشوق من صقب، ويقال : إن قبر نزار بن معد وقبرانيه ربيعة بذات الجيش ، وقال بعضهم : أولات الجيش موضع قرب المدينة وهو واد بين ذي الحليفة وبرثان ، وهو أحد منازل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى بدر وإحدى مراحله عند منصرفه من غزاة بني المصطلق ، وهناك جيش رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ابتغاء عقد عائشة ونزلت آية التيمم "([42]).

وفي التعليقات والنوادر عن الهجري (القرن الثالث والرابع) بترتيب واختيار الجاسر:

"وذات الجَيْش شُعبة([43]) على يمين الخارج إلى مكة([44]) بحذاء([45]) الحَفِيَرة، قال: وصدر الحَفِيرَة وما قَبَلَ من الصُّلصُلين يدفع في بئر أبي عَاصِيَة، ثم يدفع في ذات الجَيْش، وما دَبَرَ منها يدفع في البَطْحَاء، ثم تدفع البطحاء من بين الجبلين في وادي العقيق، وذات الجَيْش تدفع في وادي أبي كَبِير، وهو فوق مسجد المَحْرَم والمُعَرَّس، وطَرَفُ أَعْظُمِ([46]) الغربي يدفع في ذات الجيش، وطَرَفُهُ الثاني يدفع في البَطْحَاء"([47]).

 

وفي وفاء الوفا للسمهودي شارحا حديث حدود حرم المدينة ومنها -عند بعضهم- ذات الجيش وعليها عَلَمٌ:

"قوله: «شرف ذات الجيش»، قال ابن زبالة: ذات الجيش: لقب ثنية الحفيرة من طريق مكة و المدينة، و قال المطري: هي وسط البيداء([48])، و البيداء هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب، و هي على جادة الطريق.

قلت: و يؤيده قول ياقوت: ذات الجيش موضع بعقيق المدينة، أراد بقربه، أو لأن سيلها يدفع فيه كما سيأتي، و قد رأيته يطلق ذلك على ما يدفع في العقيق و إن بعد عنه.

و قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسدي([49]) في وصف الطريق بين مكة و المدينة: إن من ذي الحليفة إلى الحفيرة ستة أميال، قال: و هي متعشا([50])، و بها بئر طيبة و حوض، و عمر بن عبد العزيز هو الذي حفر البئر، و بها أبيات و مسجد، اه. و مقتضاه أن يكون ثنية([51]) الحفيرة بعد البئر، فلعلها([52]) ثنية الجبل المسمى اليوم بمُفرِّح([53])، و هناك واد قبل وادي تربان يسمونه سهمان ينطبق عليه الوصف المذكور([54])، و هو موافق لقول من قال: ذات الجيش واد بين ذي الحليفة و تربان. فأطلق اسمها على الوادي التي هي فيه، و لقول عياض: ذات الجيش على بريد من المدينة، و هو ظاهر رواية الطبراني المتقدمة، لكنه مخالف لما سيأتي في معنى التحديد بالبريد، و هناك حبس النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في ابتغاء عِقدِ عائشة رضي الله عنها، و نزلت آية التيمم، و الترديد في حديث عائشة: «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش» كأن سببه قرب الموضعين، و هو ظاهر في المغايرة بينهما. و قال أبو علي الهجري -ثم ساق ما ذكرناه آنفا، حتى قال: – قلت: و أعظُم- و يقال عظم كما سيأتي- جبل معروف اليوم على جادة مكة، قال المطري: و هو في شامي ذات الجيش، و يشهد له ما سبق عن الهجري"([55]).

وفي كتاب التعريف بما أنست الهجرة للمطري المصري (ت 741 هـ):

"فأما ذات الجيش فنقب([56]) ثنية الحفيرة من طريق مكة والمدينة"([57]).

وفي صريح ما رواه الشيخ في التهذيب عَنْ الحسين بن سعيد عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتَ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَلَا تُلَبِّ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ يُخْسَفُ بِالْجَيْشِ".

وليس في البيداء إلا ذات الجيش محل خسف جيش السفياني، فهي محل استواء البيداء وهي محل استحباب التلبية؛ إذ له أن يظهرها في المسجد.

 

[حفيرة]

وأما حفيرة فهي الحفير أيضا، وفي معجم البلدان في أحد معانيها: " الحُفَير : بلفظ التصغير : منزل بين ذي الحليفة وملل يسلكه الحاج "([58]).

 

ولأن أقوالهم في هذه المواضع كلها فيها نحو من الاضطربا، لم يحدد على وجه الدقة والاتفاق موضع البيداء على الطريق، ولا ذات الجيش ولا الحفيرة، إلا أن السمهودي أكثر ضبطا وتتبعا، وقد حددها أحد الباحثين أخيرا، وقيل أنه وجد أثر العلم الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله كعب بن مالك بجعله على ذات الجيش علما لحرم المدينة جنوبا، فوجدها قبل المفرّحات بحوالي 2كم، وعلى بعد 11,5 كم من ذي الحليفة، " والتلعة التي هي رأس الشعيب (شرف ذات الجيش كما هو اسمها الوارد في حديث كعب بن مالك) تُرى من الجسر رأي العين على بعد 3 كم، لذلك فإنه قد جانب الصواب من اعتبر ذات الجيش هي المفرّحات، فالمفرّحات اسمها التاريخي "ثنية الحفيرة"([59]).

ومر في الصحيح أن ذات الجيش وسط البيداء دون الحفيرة بثلاثة أميال، وكل ميل 1,8 كم -بحساب أن الميل الهاشمي الشرعي أربعة آلاف ذراع- فالمسافة بينهما 5,4 كم، لا كما قال 2كم، ولعله للاختلاف في الحساب من وسط الوادي أو حدوده.

[الحاصل]

والحاصل الذي يمكن الاطمئنان له:

أن من مسجد النبي صلى الله عليه وآله إلى مسجد الشجرة 5,5 أميال = 9كم تقريبا كما حسبها السمهودي في وفاء الوفا، وتؤيده الخرائط.

وأن طول ذي الحليفة ميل واحد = 1,6 كم، وسطها مسجد الشجرة والمعرَّس متقاربان على 800 متر من أول ذي الحليفة شمالا، و 800 متر إلى أول البيداء غرب الجنوب، ثم تنتهي عند علميها عند مصعد البيداء المشرفة على الوادي.

وأن البيداء بعد آخر ذي الحليفة على طريق مكة المسمى بطريق ينبع القديم، وطول مسيرها ستة أميال = 9,6 كم تقريبا، تتوسطها ذات الجيش قبلا وبعدا على ثلاثة أميال = 4,8 كم ، وعندها تستوي البيداء ويستحب تأخير التلبية إليها.

وتنتهي البيداء بثنية الحفيرة على رأس الستة أميال، وقبلها ذات الجيش بثلاثة أميال، وهو المشهود به في الخبر.

وآخر موضع يمكن الإحرام فيه للطارق غير السبيل المتعارف للمدنيين هو آخر البيداء، الذي تلتقي عنده أول الحفيرة على بعد ستة أميال -من آخر ذي الحليفة وأول البيداء- عند علم مخرج البيداء، محاذيا ومسامتا لذي الحليفة مع الطريق المعتاد لحاج المدينة على الشجرة، ولعله طريق المعرس للعائدين للمدينة أو التجار أو غيره من الطرق المفروضة، وهي متقاربة بعد البيداء.

وأن آخر البيداء عند الحفير هو آخر ما يمكن الإحرام منه ولا يجوز تجاوزه.

 

[الميقات ذو الحليفة والبيداء]

ولو قيل: أن انعقاد الإحرام فيه لكونه مع ذي الحليفة ميقاتا؛ دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وآله -بالتلبية- في أوله، والإحرام من آخره محاذيا للشجرة بالمعنى المتقدم، لا خصوص الحليفة أو مسجد الشجرة، فإنها محل الافتراض، لم يكن هذا القول بعيد، بل هو المؤيد والمختار.

فقد روى الشيخ في الصحيح عن مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يُؤَذِّنُوا بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ هَذَا، فَعَلِمَ بِهِ مَنْ حَضَرَ الْمَدِينَةَ وَ أَهْلُ الْعَوَالِي وَ الْأَعْرَابُ فَاجْتَمَعُوا فَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَ إِنَّمَا كَانُوا تَابِعِينَ يَنْتَظِرُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَصْنَعُونَهُ أَوْ يَصْنَعُ شَيْئاً فَيَصْنَعُونَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَزَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ الَّذِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَصَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ وَ عَزَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِداً، وَ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ عِنْدَ الْمِيلِ الْأَوَّلِ، فَصَفَّ النَّاسُ لَهُ سِمَاطَيْنِ فَلَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرِداً وَ سَاقَ الْهَدْيَ سِتّاً وَ سِتِّينَ أَوْ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ"([60]) الحديث.

وروى الكليني عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"صَلِّ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ أَحْرِمْ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْمُتْعَةِ وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتَّى تَصْعَدَ إِلَى أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلَى أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِكَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِكَ الْأَرْضُ رَاكِباً كُنْتَ أَوْ مَاشِياً فَلَبِّ، فَلَا يَضُرُّكَ لَيْلاً أَحْرَمْتَ أَوْ نَهَاراً، وَمَسْجِدُ ذِي الْحُلَيْفَةِ الَّذِي كَانَ خَارِجاً عَنِ السَّقَائِفِ عَنْ صَحْنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ الْيَوْمَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنَ السَّقَائِفِ مِنْهُ"([61]).

والإحرام هنا هو الافتراض بالاغتسال ولبس ثوبي الإحرام المعبر عنه في الروايات بعقد الإحرام، ولا يحرم بهذا محرم من المحرمات، كما دلت عليه أخبار عديدة، ولا يتم إحرامه الذي يدخل به النسك إلا بالتلبية، روى الشيخ في الصحيح عن حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع: أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَ عَقَدَ الْإِحْرَامَ ثُمَّ خَرَجَ فَأُتِيَ بِخَبِيصٍ فِيهِ زَعْفَرَانٌ فَأَكَلَ مِنْهُ"([62]).

والأعلام وكذا الأميال لها مواضع معروفة، بقى أثر الكثير منها حتى اليوم، صخور وحجارة مركومة، وعلى طريق المدينة شمالا للقادم مكة كلها على ميسرة الطريق، و جنوب مكة على ميمنته.

وروى أيضا في الصحيح عن الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ خَرَجَ فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ فَصَلَّى بِهَا ثُمَّ قَادَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَتَى الْبَيْدَاءَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا وَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَ أَحْرَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِالْحَجِّ لَا يَنْوُونَ عُمْرَةً وَ لَا يَدْرُونَ مَا الْمُتْعَة"([63]) الحديث.

وفي صحيح يونس بن يعقوب: " ثُمَّ انْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ فَلَبِّهْ"([64]).

وكلها رخصة في إظهار التلبية من مسجد الشجرة أو البيداء، ففي صحيحة بن سنان: " عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يُظْهِرَ التَّلْبِيَةَ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ ؟

فَقَالَ: نَعَمْ؛ إِنَّمَا لَبَّى النَّبِيُّ ص عَلَى الْبَيْدَاءِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ التَّلْبِيَةَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ التَّلْبِيَةُ"([65]).

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

 

وكتبه

محمد علي حسين العريبي المعاميري البحراني

وأتمه في صبحة يوم 19 ربيع الثاني 1433 هـ

مدينة قم المشرفة.

 

[الملاحق]

 

ملحق (1) :

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56):

 

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56): 

 

ملحق (2):

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

ملحق (3) :

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

ملحق (4) :

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.



([1]) مستل من كتابنا (الأخبار المفردة) وفقنا الله لإتمامه.

([2]) الكافي 4: 321/ ح9.

([3]) التهذيب 5: 57/ ح24.

([4]) الفقيه 2: 307/ ح2532.

([5])وروى الصدوق رحمه الله في المعاني عن أبيه رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ص قَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْإِحْرَامِ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ قَالَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ وَقْتُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَ لَوْ كَانَ فَضْلًا لَأَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْمَدِينَةِ وَ لَكِنَّ عَلِيّاً ص كَانَ يَقُولُ تَمَتَّعُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ إِلَى وَقْتِكُمْ".

فجعل بين المدينة وذا الحليفة ستة أميال، وهي بريد تقطعه الناقة في نصف نهار اليوم.

([6]) المبسوط 1: 313.

([7]) مختلف الشيعة 4: 43.

([8]) هو عقيق المدينة.

([9]) تذكرة الفقهاء 7: 203/ مسألة 157.

([10]) المغانم المطابة: 340.

([11]) صحيح البخاري 2: 556/ ح 1460.

([12]) الكافي 4: 565/ ب معرس النبي صلى الله عليه وآله، ح1.

([13]) الخلاف 1: 243/ كتاب الصلاة، مسألة 171.

([14]) لعلها السقائف التي ورد في الخبر أنها ليست من المسجد.

([15]) وفاء الوفا 3: 161/ في مسجد الشجرة، ط العلمية.

([16]) أي أن آخر ذي الحليفة على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

([17]) 19732,5 ذراع ÷ 3500 ذراع لكل ميل = 5,64 ميل = 9,024 كم.

([18]) بل محل إهلاله صلى الله عليه وآله ما بعد مصعد البيداء عند استوائها، فالميل المذكور بعد المسجد، فيكون أول البيداء كما هو ظاهر الوصف.

([19]) وهذا هو الصحيح، فالمسجد على خمسة أميال ونصف وسط الحليفة عن أوله بنصف ميل، والوراء يقصد به البعدية، فالميل بعد المسجد مكتوب عليه ستة أميال، وهو آخر ذي الحليفة.

([20]) وفاء الوفا 4: 244، ط الفرقان، أو 4: 62، ط العلمية.

([21]) وفاء الوفا 3: 424، تحقيق السامرائي، مؤسسة الفرقان ط1-2001م، وباقي التخريجات من ط المكتبة العلمية.

([22]) وفاء الوفا 4: 245، تح السامرائي.

([23]) التهذيب 6: 16/ باب 5 (تحريم المدينة …) ح16.

([24]) الأصول الستة عشر: 256، ط دار الحديث.

([25]) أي المرتفع المشرف.

([26]) معجم البلدان 1: 523.

([27]) كتاب العين 7: 327.

([28]) تاريخ المدينة 1: 310 (ذكر البيداء، بيداء المدينة).

([29]) أي وادي ذي الحليفة.

([30]) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 4: 35-36.

([31]) الصول الستة عشر: 147/ كتاب عاصم بن حميد ح1.

([32]) قرب الإسناد: 125.

([33]) الفقيه 2: 302/ ح2522.

([34]) الفقيه 2: 320/ ح2562.

([35]) الكافي 4: 334.

([36]) الكافي 4: 334/ ح14.

([37]) الكافي 3: 389/ ب (الصلاة في الكعبة وفوقها وفي البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها) ح7.

([38]) المحاسن 2: 366/ ب (الأمكنة التي لا يصلى فيها) ح14.

([39]) ملاذ الأخيار 4: 615.

([40]) الكافي 3: 390/

([41]) البحار 80: 327-328.

([42]) معجم البلدان 2: 200.

([43]) أي واد صغير.

([44]) على طريق الحاج المدني، وهو طريق ينبع القديم الآن، وليست موازية لذي الحليفة، بل بعدها على الطريق.

([45]) أي قبالها على نفس الطريق للذاهب مكة.

([46]) وهو جبل هناك.

([47]) التعليقات والنوادر: 1379.

([48]) وهو الصحيح، فبعد ذات الجيش بثلاثة أميال

([49]) وهو من المتقدمين من يعتمد قولهم.

([50]) أي على مسافة بريد، وهو كل موضع ينزل فيه وقت العشاء.

([51]) الثنية هي العقبة، وفي مجمع البحرين 1: 78 : "هي الطريق العالي من الجبل"، ومنه قولهم "طلاع الثنايا".

([52]) أي الحفيرة.

([53]) السماة اليوم المفرحات.

([54]) أي وصف يوافق ذات الجيش.

([55]) وفاء الوفا 1: 82.

([56]) في كتاب العين: "النقب: طريق ظاهر على رؤوس الجبال والآكام والروابي لا يزوغ عن الأبصار".

([57]) التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة: 183.

([58]) معجم البلدان

([60]) التهذيب 5: 455/ ح234.

([61]) الكافي 4: 334/ ح14.

([62]) التهذيب 5: 85/ ح83.

([63]) الكافي 4: 249/ ح6.

([64]) الكافي 4: 321/ ح1.

([65]) الكافي 4: 334/ ح12.