إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام وحدود الطواف بالبيت العتيق

 

إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام

 

وحدود الطواف بالبيت العتيق

[مستند الحكم]

 

روى الكليني (قدس الله سره) في الكافي عن:

 

“مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ وَ غَيْرُهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:

 

سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ؟

 

قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلى‏ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَ الْمَقَامِ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ تَطُوفُونَ مَا  بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ الْحَدُّ مَوْضِعَ الْمَقَامِ الْيَوْمَ، فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “.

 

[طريق الحديث]

 

وهذا الحديث اعتمده لوحده الشيخ في التهذيب وقال قبله:

 

“وَ حَدُّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ وَ لَا طَوَافَ لَهُ هُوَ أَنْ يَطُوفَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ الْبَيْتِ فَمَنْ جَازَهُ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُ فَلَيْسَ طَوَافُهُ بِشَيْ‏ءٍ رَوَى ذَلِك‏”.

 

ثم ذكر طريقه قال:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفيه شبهة تحريف أو تصحيف في السند من جهة من يروي عنه محمد بن يحيى، واختلاف في تعيينه في تهذيب الشيخ رحمه الله، إلا أنه عندنا ليس بذي بال وخطر.

 

إلا أننا نقول: في التهذيب: ” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفي هامش الكافي المطبوع في الحديث 7436:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيىٰ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسىٰ ، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ:سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّٰهِ عليه السلام عَنْ قِيمَةِ مَا فِي الْقُمْرِيِّ ” الحديث.

 

 علق في الهامش:”لم نجد توسّط أحمد بن محمّد بن عيسى بين محمّد بن يحيى وياسين الضرير في موضع. بل يروي محمّدبن يحيى عن ياسين الضرير بتوسّط محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى [بن عبيد]. كما في الكافي، ح 7538 و 7800 و 7910 و 8676 و 14629 والظاهر أنّ «أحمد بن محمّد بن عيسى» في سندنا هذا محرّف من «محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى».ويؤيّد ذلك أنّ الخبر رواه الشيخ الطوسي في التهذيب، ج 5، ص 371، ح 1293 بسنده عن محمّد بن عيسى عن ياسين الضرير”.

 

أقول: يقوي احتمال التصحيف أن طرق المشايخ كالنجاشي([1]) والشيخ([2]) إلى كتابه منحصرة برواية محمد بن عيسى بن عبيد، والصحيح عندي -كما ذكروه- الذي يقتضيه التتبع أنه محرف عن “محمد يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن محمد بن عيسى بن عبيد عن ياسين الضرير”.

 

وأما ياسين الضرير، فالظاهر شهرة كتابه بين المشايخ وتسليمهم لروايته في كتب الأخبار، وهذا كاف في الركون لخبره.

 

 [الدلالة]

 

وأما الدلالة: فالذي يفهم منها أن العبرة بكونه طائفا بالبيت عرفا لخصوصية تميزه، لا به وبغيره فلا يقع الطواف المخصوص بدائرة أوسع من مطاف البيت بنظر العرف، ولم يعين في كلامه عليه السلام الحد السابق -قبل تغيير موضع المقام- لمطاف البيت الشريف، بل صرح عليه السلام أن موضع المقام صار أو وضع على حد المطاف -كما في جملة كثيرة من النقولات أن عمر أخره عن محل الطواف إلى هذا المحل، وأصر على إرجاعه لما أزاله السيل وثبته في موضعه الذي غيره وهو محله اليوم بلا ريب- ولا جعل الحد الذي كان عصره عليه السلام هو الذي يجب أن يكون عليه في بقية العصور، فالعبرة بصدق الطواف بالبيت، لا بالمسافة بين البيت والمقام.

 

[معارضته بما رواه الصدوق]

 

وقد تعارض الضابطة المروية السابقة بما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله صحيحا، قال:

 

” رَوَى أَبَانٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ:

 

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ؟

 

قَالَ: مَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَ مَا أَرَى بِهِ بَأْساً، فَلَا تَفْعَلْهُ إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مِنْهُ بُدّاً “.

 

وأبان هو ابن عثمان، الذي روى عنه أجلة المشايخ وأخذوا حديثه عن سماع لا من كتاب غالبا، مع أن جملة ممن روى عنه مغموز فيه، والمرجع للرواة عنه وما يمكن الاحاطة به من مؤيدات.

 

قال الشيخ يوسف طيب الله ثراه:

 

” و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم وجه يحضرني الآن في الجمع بين الخبرين المذكورين. و الاحتياط لا يخفى “.

 

 

أقول:

أقول: أسلوب رواية الحلبي عن الصادق عليه السلام كثير في الأخبار، مجمل الدلالة بنحو تام في بعضها، وظاهر في بعضها الآخر، يمكن الاعتماد على شرحها بما سبق في الصحيح -على الأقوى- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام، وكذت بما سيأتي من قرائن تاريخية من زمن النص وتقريبات عرفية

فالأظهر فيها أنها على نحو اللف والنشر المرتب التشريحي، فجملة (فلا تفعله إلا أن لا تجد منه بدا) وقعت شرحا لقوله عليه السلام المؤلف من مقطعين: (ما أحب ذلك وما أرى فيه بأسا).

 

وبهذا تكون دالة على عدم إجزاء الطواف خلف المقام لا كراهتة.

 

والضرورة هنا لعلها لأمر التقية لا للزحام وغيره؛ لما أفتى به غير واحد من العامة بجواز الطواف حول الكعبة ولو من خلف حائل ولو ابتعد عن البيت ككونه تحت المسقفات البعيدة عن البيت أو عند أبوابه التي كانت خارج المطاف، لكنه وجه يفتقر للتأييد الذي تسكن معه النفس خاصة أن مثل هذا القول حكي عن الشافعي المتأخر عن الصادق عليه السلام زمانا، مع أنه لا مانع من وجود قائل غيره، فلا يحاد عن تسويغ مطلق عدم المندوحة للطواف خلف المقام، سواء كان للتقية أو للزحام الذي لا يخلو عنه موسم ولا يتسع الزمان للصبر لأدائه.

 

فليس بين رواية الحلبي -هذه- والرواية -الأولى- السابقة لمحمد بن مسلم إلا تمام التلاؤم، إذ في الأولى وضع الإمام عليه السلام الضابطة الكلية وصرح بأن الحد في زمنه هو الحد قبل هذا الزمن، وهنا طبق تلك القاعدة التي أفادها عليه السلام.

 

وأما التمسك بالعموم أو الإطلاق في قوله عليه السلام (ما أحب ذلك) لفرض التعارض بينها وبين مفاد الجواز في صحيحة محمد بن مسلم، فغير سالم عن الإيراد؛ إذ الصحيح في التمسك بالعموم التيقن أولا بدلالته عليه، ولا يمكن إثبات إطلاق أو عموم للفظ إلا بعد الاطمئنان بكونه في هذا المقام من البيان، وهذا وإن ذكره أغلب الأصوليون إلا أنهم قلما يجرون عليه كقاعدة، وكثيرا ما يثبتون الإطلاق للفظ أو العموم مع أن الشك في نفس الدلالة، وتفصيل الكلام في محله.

 

وعلى أي حال، فإن القاعدة لدينا: هي إرجاع المجملات -أي ما كان من المتشابه- من كلامهم عليهم السلام للمحكم من الأخبار -أي المبين الواضح- في حدود ما وقع عليه البيان، وقد تقدم نتيجته.

 

والحاصل: عدم جواز الخروج عن حدود المطاف، تضيق أو توسع، وأنه بالتوسعة الأخيرة دخل المقام في المطاف بعدما كان على حدوده، وتسوغ الضرورة وعدم المندوحة الطواف خارج المطاف.

 

ولأنه لابد من تشخيص موضوع الحكم ليقارب ما استظهرناه من الروايتين السابقتين، استدعى البحث عن تاريخ المطاف والمقام بصورة موجزة وافية.

 

 

[تاريخ المقام والمطاف]

 

فمن طرقنا في تاريخ المقام ما رواه الصدوق في العلل في باب (علة تأثير قدمي إبراهيم ع في المقام و علة تحويل المقام من مكانه إلى حيث هو الساعة) قال:

 

” أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ وَ عَلِيٌّ ابْنَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ ابْنِ أَخِي عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَوْ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

 

لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ ع أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَ هُوَ الْمَقَامُ فَوَضَعَهُ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ لَاصِقاً بِالْبَيْتِ بِحِيَالِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَلَمَّا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ لَمْ يَحْتَمِلْهُ الْحَجَرُ فَغَرِقَتْ رِجْلَاهُ فِيهِ فَقَلَعَ إِبْرَاهِيمُ ع رِجْلَيْهِ مِنَ الْحَجَرِ قَلْعاً فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَ صَارُوا إِلَى الشَّرِّ وَ الْبَلَاءِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَرَأَوْا أَنْ يَضَعُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ لِيَخْلُوَ الْمَطَافُ لِمَنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّداً ص رَدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ع فَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَ أَوَّلِ وِلَايَةِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ قَدِ ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فَأَيُّكُمْ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا أَخَذْتُ قَدْرَهُ بِقَدَرٍ قَالَ وَ الْقَدَرُ عِنْدَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَائْتِ بِهِ فَجَاءَ بِهِ فَأَمَرَ بِالْمَقَامِ فَحُمِلَ وَ رُدَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ السَّاعَة “([3]).

 

ووقع في أصل عاصم بن حميد المطبوع ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بها-  نحوه، قال:

 

“عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ:

 

كَانَ الْمَقَامُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَكَّةَ رَأَى أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَحَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَ الرُّكْنِ، وَ كَانَ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ إِمَارَةَ أَبِي بَكْرٍ وَ بَعْضَ إِمَارَةِ عُمَرَ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: إِنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ عَنْ طَوَافِهِمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! مَنْ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: فَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَمَدْتُ إِلَى أَدِيمٍ فَقَدَدْتُهُ وَ أَخَذْتُ قِيَاسَهُ، فَهُوَ فِي حُقٍّ عِنْدَ فُلَانَةَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَأَخَذَ خَاتَمَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَجَاءَ بِهِ، فَقَاسَهُ، ثُمَّ حَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ”([4]).

 

وروى في المسترشد نحوه عن غير عاصم بن حميد([5]).

 

ولذا -أي أن المقام واقع على حد المطاف الخارجي- اجتزي بالمشي قبله لمن نذر المشي للبيت من غير تعيين للمبدأ، رواه الصدوق في الفقيه قال:

 

” وَ رُوِيَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِياً مَشَى فَإِذَا تَعِبَ رَكِبَ.

 

وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ خَلْفِ الْمَقَامِ “.

 

أي قبل المقام متوجها للبيت زاده الله شرفا.

 

 

وقد بقي المقام على حد الطواف بالبيت سنين طويلة -ملاصقا للبيوت المحيطة به غابرا أو على حدود المطاف لا يتجاوزه الطائف، قد قيل أن عمر هو أول من أحاط المطاف بحائط لما اشترى البيوت اللصيقة به- رغم التوسعات الكثيرة التي طرأت على المسجد، لم تتغير فيها سعة المطاف، وكان من شدة حرصهم على تحديده أحاطوه بأعمدة وأساطين لتمييزه وحصره، وكان المقام شاخصا على حدوده وكذا باب بني شيبة وسقاية العباس البارزه المسقفة على بئر زمزم، وهذا ما تحكيه الأوصاف في كتب المؤرخين ورسوم بعضهم والصور القديمة.

 

قال الفاسي : « المطاف المذكور في كتب الفقهاء وهو ما بين الكعبة ومقام إبراهيم عليه السلام ، وما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة » .

 

وقال الجويني: « المطاف المعتاد الذي يستنكر ويستبعد مجاورته هو ما بين الكعبة والمقام ، وفي كل جانب في العادة أمارات منصوبة لا يكاد الناس يخرجون عنها ».

 

وقد كان المطاف غير مستدير بصورة هندسية كاملة، فقد ذرعه الكثير من المأرخين منهم المؤرخ محمد طاهر كردي، قال:

 

« وإليك بيان طول المطاف القديم من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا منبطًا تامًّا بالأمتار : (11.50م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي فيه الباب من جهة الشرق إلى أول مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام . (16.65م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من ظهرها أي من الجهة الغربية . (22.3م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من تحت ميزابها أي من الجهة الشمالية ، بما فيه حجر إسماعيل وسمك جداره . (15.20م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي بين الركنين من الجهة الجنوبية ” انتهى.

 

ثم توالت التوسعات حتى وسع المطاف ليأخذ شكله الدائري الكامل اليوم، جاء في موقع بوابة الحرمين التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي -في التعريف بالمطاف-:

 

“هذا الشكل الدائري من عمل المهندسين المصريين الذي أشرفوا على توسعة المطاف . وإليك بيان طول هذا المطاف الجديد من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا تامًّا بالأمتار : (15.30م) طول المطاف الجديد من الجهة الشرقية للكعبة ، أي من مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام (10.75 م) طول المطاف الجديد من الجهة الغربية ، أي من جهة ظهر الكعبة (4.65 م) طول المطاف الجديد من الجهة الشمالية ، أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام . (11.50م) طول المطاف الجديد من الجهة الجنوبية ، أي من جهة الركنين الأسود واليماني.

 

هذا هو قياس طول المطاف الجديد بالأمتار ، وهو قياس محرر مضبوط لا يحتمل الشك ؛ لأننا أخذناه من نفس المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف في زماننا سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين من الهجرة . وبإضافة مقدار المطاف القديم على المطاف الجديد ، يظهر مقدار كامل المطافين .

 

ولقد قسمنا هذه الدائرة إلى أربعة أقسام متساوية، كما هو ظاهر في الرسم التالي، لنبين مقدار طول الطواف القديم، وطول المطاف الجديد من الجهات الأربع وهو رسم صحيح مضبوط مطابق للحقيقة ، أخذناه من المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف من أواخر شهر شعبان إلى أوائل شهر شوال من سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين هجرية .

 

وإليك رسم المطافين :

 

المطافان

 

وفي العهد السعودي الزاهر بعد توسعة سنة 1388هـ للمطاف أصبح قطر المطاف (64.8 م) على اعتبار أن الكعبة مركز القطر ، ويحيط به ممران متجاوران على محيط المطاف عرض كل منهما 2.5م ، وعلى ارتفاع 20سم . وقد أصبحت مساحة المطاف (3058 م2) حول الكعبة .

 

وفي توسعة عام 1399هـ ألغيت الحصاوي والمشايات ونقل المنبر والمكبرية وخفضت فوهة بئر زمزم أسفل المطاف بالقرب من المحيط الخارجي لدائرة المطاف ، فأصبحت سعة المطاف إلى حدود الحرم القديم بقطر (95.2م)، وأصبحت مساحة المطاف (8500 م2).

 

وفي عام 1424هـ تم تغطية مداخل قبو زمزم للاستفادة القصوى من صحن المطاف الذي يئن في فترات الزحام بالمعتمرين والحجاج ، وذلك بتسقيف مداخل القبو المؤدي للبئر ، وترحيل نوافير الشرب إلى جانب صحن المطاف ، حيث أدت هذه الأعمال إلى زيادة صحن المطاف بمقدار (400) متر مربع”.

 

فأول توسعة عليه وقعت سنة 1379هـ الموافق لسنة 1959م ، وصار على هيئته التي نشاهدها اليوم، ثم استحدث هذا العام وهو 1433هـ توسعة جديدة على المطاف أيضا.

 

 

[مقدار التباعد عن البيت من جهة الحجر]

لا يخفى أن القائل بعدم جواز التباعد أزيد من بعد المقام من جميع الجهات المستديرة حول الكعبة ولو بمقدار يسير، يُبطل الاعتماد على هذه القياسات رغم كونها متقاربة؛ لكنه قول ضعيف لم يأخذ في الاعتبار سيرة الطائفين يومها من عدم اعتبار هذه الدقة، كما أن قوله عليه السلام: ” فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “، إمضاء لهذا العمل الذي عليه الناس.

 

وقد يشكل فيقال: أنه إذا كان بين جدار البيت المشرف ورأس قوس الحجر 12 مترا (وهي 24 ذراعا تقريبا) كما ذكر إبراهيم باشا في مرآة الحرمين وغيره، فهذا يعني أن المطاف يتضيق بمقدار المسافة الباقية الموازية لبُعد المقام عن البيت وهي 11.5 م، وتكون المسافة المتبقية من المطاف القديم جهة الحجر [ 22.3 (من البيت إلى حد المطاف القديم) – 12 = ] 10.3 م من وراء الحجر، فالمتبقي بمسافة توازي المقام [ 11.50 (من البيت إلى المقام) – 10.3 = ] 1.20 م وهي خمسة أشبار تقريبا كما ذكره جدنا العلامة المبرور الشيخ حسين العصفور رحمه الله.

 

قال قدس الله نفسه في السداد بعد أن ذكر صحيحة محمد بن مسلم السابقة:

 

” و مقتضاها مراعاة قدر البعد بين البيت و المقام في سائر جوانب البيت، و هو خلاف الظاهر من كلام الأصحاب، و على هذا فتقلّ المسافة من جانب الحجر جدّا، و لا يبقى إلا مقدار خمسة أشبار، فلا يتباعد عن جداره بأكثر من ذلك، لأنّه ليس من البيت، و على المشهور فالمسافة كثيرة جدّا، و لكنّ الأخبار تنادي بخلاف ذلك”.

 

والصحيح أن المسافة التي حدها عليه السلام من جوانب البيت كله هي جملة ما يطاف حوله؛ ولابد من ارتكاب هذا التأويل؛ فإنه عليه السلام في مقام بيان جملة المطوف به وحد المطاف لا ما استثني من البيت كالحجر، والتعبير بالبيت للغلبة بذريعة المقصود من الطواف، وعليه فكل نواحي البيت هي تحديد للمطاف لا للبعد من جدارن البيت، وعبارة ” مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا” مقرونة سياقا وغرضا بحد المطاف بما يدخل فيه جملة المطوف وفيه الحجر.

 

بل إن من المقطوع به أن الطواف في المسافة الباقية على القول بدخول الحجر في المسافة غير معقول ومقطوع الفساد تاريخيا.

 

أما عدم تعقله: فلأنه لا يخلو موسم من الزحام الذي لا يتيسر معه طواف الحجاج كلهم في هذا المقدار، ولو كان الحكم كما ذكروا لبان في تكثر الأسئلة عنه وتنبيه الأئمة له، بل كيف يعقل طوافهم فيه وهم على الدواب والجمال كما طاف رسول الله صلى الله عليه وآله، بل إن الالتزام به خروج عن الحكم نفسه؛ لعدم القدرة العادية على تحققه لجل الناس، وقد عرفنا أن الأحكام لا تناط بالفرد النادر إلا أن ينص عليه في أخبارهم عليهم السلام.

 

وأما تاريخيا: فقد مر عليك إطباق المؤرخين على تحديد المطاف من العصر الأول، ونصهم على أنه لم يغير حده إلى أن أحدث فيه من توسعة في هذا العصر.

 

[جذور المسألة]

 

ويظهر لي أن المسألة قد طرأت كوجه محتمل عند بعض متأخري علمائنا رحمهم الله، ويبدو أن أول من ذكرها وتبناها الشهيد الثاني في مسالكه، قال رحمه الله: “وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات، فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه”.

 

وربطت بمسألة دخول الحجر في البيت أو خروجه منه، ثم بني على أن الخارج من البيت -أي الحجر- لا يدخل فيما يجب الطواف به، قال في المسالك في مستند الحكم بإدخال الحجر في الطواف:

 

” مستند ذلك الأخبار الصحيحة، و التأسي بالنبيّ و الأئمّة صلوات اللّه عليهم. و ليس عندنا معلّلا بكونه من البيت، بل لما قلناه.

 

و في بعض أخبارنا تعليل ذلك بكون أمّ إسماعيل عليهما السلام مدفونة فيه، و فيه قبور أنبياء.

 

و روى الصدوق في الفقيه و العلل: «أنّه ليس في الحجر شي‌ء من البيت و لا قلامة ظفر»، و رواه زرارة عن الصادق عليه السلام.

 

و روى العامة عن عائشة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها: «أنّ من الحجر ستّة أذرع متصلة بالبيت منه»، فمنعوا من سلوك ذلك، و اختلفوا فيما زاد.

 

و على كلّ حال، فالإجماع واقع من المسلمين على أنّه ليس خارج الحجر شي‌ء آخر يجب الخروج عنه فيجوز الطواف خلفه ملاصقا بحائطه من جميع الجهات. و إنّما نبّهنا على ذلك، لأنّه قد اشتهر بين العامّة هناك اجتناب محلّ لا أصل له في الدين”.

 

ولا ملازمة بين كون الحجر خارجا من البيت واحتساب المسافة التي يطاف بها خلفه، فإن الأخبار التي قدمنها وما ذكرناه من التقريبات وقطعيات التاريخ كافية للحكم بالاجتزاء بالطواف خلف الحجر بما يعده الناس طوافا حول الكعبة.

 

 

[الخروج عن دائرة المطاف المرسومة اليوم]

وبما قدمناه يتبين حكم الخروج عن دائرة المطاف المرسوم اليوم، فالموضوعية لصدق الطواف بالبيت وما هو بمنزلته كالحجر، وهذا لا يقع بتعيين معين له؛ لكونه أمرا يتعين في الخارج بنفسه وحسب مطابقة مسمى الطواف به مع الخارج، فلما كان -قديما في العصر الأول للإسلام- تحيط الدور بالبيت من كل جانب تعين المطاف بتلك السعة حوله، ولما حصر الناس في دائرة أوسع بجعل جدار أو أعمدة حولة كان المطاف ما حواه وكان الطائف من خلفه بمنزلة الطائف بالحرم، واستمر إلى زمن ليس ببعيد حتى تمت توسعته قبل خمسين عاما، ولا شك أن صدق طواف الناس بالبيت اليوم وبعد إزالة الأعمدة والمرافق المحيطة به في كامل الدائرة المرسومة والساحة حتى أعتباب الأبواب لا تنكر من مستقيي السليقة.

 

وأما الطواف خلف الأعمدة والمسقف من الحرم، وكذا الطواف من الطوابق العلوية التي لا تتأخر عن المطاف تحتها بل يفصل بينها وبين فضاء المطاف حواجز وأعمدة كثيرة، فلا يختلط الريب في خروجه عن حقيقة الطواف بالبيت.

 

نعم، استثني الاضطرار في الطواف خارجه، الشامل هذا الاطرار لحالة التقية أو الزاحم الشديد مع عدم المندوحة الكافية للاتيان به في وقته.

وكتبه

محمد علي العريبي المعاميري

ظهيرة 28 من شوال 1433هـ

والحمد لله رب العالمين

ملحقات

 

ملحق 1: رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات.

 

رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات

 

 

 


([1]) فهرست النجاشي: 453/  ر1227.

 

([2]) فهرست الشيخ: 514/ ر819.

 

([3]) علل الشرائع 2: 423.

 

([4]) الأصول الستة عشر (ط دار الحديث): 149.

 

([5]) المسترشد: 521.

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

بسمه الله الرحمن الرحيم

وصلاة الحكيم على المبعوث الأمين محمد وآله الغر الميامين، وله الحمد في العالمين.

فهذه مقالة مبسوطة في أخبار التخيير في الصلاة بين القصر والإتمام في المواضع الأربعة المشرفة، مكة والمدينة والكوفة والحائر، عرضنا فيها أخبار المسألة، وأشبعناها استنطاقا، وطعمناها بنكات رجالية وسندية لا يسع المقام تركها؛ إذ لا تذكر إلا نادرا في الأبحاث المتداولة، وقد اتفق حضورنا بحث السيد الزنجاني حفظه الله هذا العام وطرحه لهذه المسألة تفصيلا، مع إلماح الفاضل الشيخ علي الصددي وفقه الله لفتوى السيد بوجوب القصر موافقا للصدوق من المتقدمين وللسيد الشهيد الصدر من المعاصرين ومخالفا لما عليه المشهور، وباجتماع تلك الدواعي صارت النفس تواقة لتحرير المسألة وتحقيقها بأسلوب المحدثين، وهي بمعرض المشتغلين وبين أيدي الناظرين، ونسأله تعالى إخلاص النية لوجهه الكريم بدءا وختاما.

فنقول وعليه جل اسمه نتكل:

الأخبار في المسألة كثيرة جدا، استقصى أكثرها صاحب الحدائق رحمه الله في حدائقه، ولا يمكن الإقتصار على بعضها مما صح سنده وإهمال الأخريات مما ضعف سندا أو أجمل دلالة، وظني أن جملة مما أهمله القائلون بحجية خبر الواحد لم ينله ما هو حقيق من التحقيق، وجملة أخرى مما أهمل من الدلالات لم تستظهر بما هو أظهر، بل كلها تحمل قرائن هامة، وفي أغلبها إشارات وتصريحات بما يشرح معنى في غيرها، وسيمر عليك أمثلتها.

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

للتحميل:

تحقيق حول مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة

بسم الله الرحمن الرحيم

تحقيق حول

مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة([1])

روى الكليني عن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"مَنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ شَهْراً وَ هُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ فَلْيَكُنْ إِحْرَامُهُ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُحْرِمُ مِنَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ أَيَّ طَرِيقٍ شَاءَ"([2]).

ورواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الكليني وترك ذيل الخبر " فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ "([3])، ورواه الصدوق في الفقيه  عن الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ إلا أنه قال: "شَهْراً أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا كَانَ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ وَ الْبَيْدَاءِ مَسِيرَةَ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَلْيُحْرِمْ مِنْهَا"([4])([5]).

وهو خبر مفرد لم يرد له شبيه، استدل به بعض فقهائنا على جواز الإحرام بمحاذاة المواقيت، ميسرتها وميمنتها مطلقا.

وفي مبسوط الشيخ -وهو أول من ذكر هذا الفرع فيما بين أيدينا من الكتب- : " كل من مر على ميقات وجب عليه أن يهل منه ، ولا يلزمه ميقات أهل بلده بلا خلاف فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظرا إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه"([6])، وقال العلامة في المختلف: " مسألة : قال ابن إدريس : ميقات أهل مصر ومن صعد من البحر جدة. وقال ابن الجنيد: ومن سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمر فيه على هذه المواقيت كان إحرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها [ فيحرم ] منه . وقال الشيخ في المبسوط : فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظر إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه . فإن كان الموضع الذي ذكره ابن إدريس يحاذي أحد المواقيت صح وإلا فلا ، فإنه ليس في شئ من الأحاديث ذلك ، والذي ورد في ميقات أهل مصر الجحفة ، وأهل السند من ميقات أهل البصرة"([7]).

وكتاب المبسوط فقه تفريعي ألفه الشيخ ردا على بعض العامة ممن عير الشيعة بقلة فروعهم الفقهية، ويظهر منه أنه على نمط بعض مؤلفات الشافعية كما ذكر شيخنا السيد المددي، وأكثره ارتجالي خال عن الدليل الصريح، وحكي هذا القول عن ابن الجنيد قبل الشيخ رحمهما الله.

وأول من وجدته -فيما بين يدي من مصادر- قد استدل بصحيح عبد الله بن سنان، العلامة رحمه الله في التذكرة، قاسها على نحو محاذاة ذات عرق لقرن المنازل عند العامة، قال قدس الله سره: " مسألة 157 : لو سلك طريقا لا يؤدي إلى شئ من المواقيت ، روى العامة عن عمر لما قالوا له : وقت لأهل المشرق ، قال : ما حيال طريقهم ؟ قالوا : قرن المنازل ، قال : قيسوا عليه ، فقال قوم : بطن العقيق([8]) ، وقال قوم : ذات عرق ، فوقت عمر ذات عرق. ومن طريق الخاصة : ما رواه عبد الله بن سنان – في الصحيح – عن الصادق عليه السلام ، قال : " من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال فليحرم منها ". ولو لم يعرف محاذاة الميقات المقارب لطريقه ، احتاط وأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما ، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه أو يغلب على ظنه ذلك ، لأن الأصل عدم الوجوب ، فلا يجب بالشك . ولو أحرم بغلبة الظن بالمحاذاة ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من الميقات غير محرم ، الأقرب : عدم وجوب الرجوع ، لأنه فعل ما كلف به من اتباع الظن ، فكان مجزئا . ولو مر على طريق لم يحاذ ميقاتا ولا جاز به ، قال بعض الجمهور : يحرم من مرحلتين ، فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق. ويحتمل أنه يحرم من أدنى الحل"([9]).

والذي يظهر لي -جليا- أن البيداء المقصودة هي الأرض المرتفع أولها بعد الشجرة في آخر وادي ذا الحليفة، والتي ورد فيها استحباب رفع التلبية إذا استوت به البيداء في موضع الخسف بالجيش وسطها، وهي على مسير طريق المدنيين إلى مكة، ليست على جوانبها، فالمحاذاة هنا هي الإستواء في جهة الطريق، لا على جوانبه، وليس على جوانب ذي الحليفة بيداء معروفة، وهذا الثاني مذهب كثير، وهو ظاهر الاشتباه.

 

[طرق المدنيين إلى مكة]

وطرق المدنيين إلى مكة بعضها متعارفة، كطريق الشجرة المسمى بأبيار علي غرب جبل عير في ظهره، وهو حد حرم المدينة الجنوبي -عندنا- أول وادي ذا الحليفة أحد أودية عقيق المدينة الكبير، وطرق أخرى نادرة تمر بالثنيات جنوبا وشمالا، غير محصورة، منها -كما قيل- ثنية الوداع الشمالية قبل مسجد الراية للذاهب شمالا -والتي درست آثارها اليوم وأزيلت تلتها المعروفة- وهي طريق المدنيين إلى الشام شمالا أو إلى مكة غربا فجنوبا فيستديرون على بين ثنايا حرة المدينة الغربية وجبل سلع -وهو حد المدينة الغربي- حتى يلتقي بآخر وادي ذا الحليفة عند أول البيداء على الطريق المتعارف للمدنيين، وقد أوقع هذا خلافا في تحديد ثَنِيَّة الوداع المشهورة.

بل إن فرض طرق أخرى كهذا وغيره هو أصل مفاد الخبر وإطلاقه، فمن أخذ طريقا غير متعارف ومر بالميقات ميقات أهل المدينة وجب عليه الإحرام منه ولا يتجاوزه، حتى لو كان آخر أجزائه، فهو لا ينافي الحكم الأولي من وجوب الإحرام من ميقات المدينة أو غيره من المواقيت لمن مر عليها.

ويؤيد كلامنا هذا في تعدد الطرق، ما ذكره الجاسر في هامش كتاب الغانم المطابة في معالم طابة، قال: "كما يفهم من كلام السمهودي … وأن للمدينة إلى ذي الحليفة طريقين؛ طريق الشجرة، الطريق التي كانت معروفة وتُسلَكُ في ذلك العهد، وطريق المُعرَّس"([10]).

بل في البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى اللّه عليه و آله «كان يخرج من طريق الشجرة، و يدخل من طريق المعرس» و أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله «كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، و إذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي و بات حتى يصبح»([11]).

والمعرَّس موضع عرَّس فيه النبي صلى الله عليه وآله في بطن وادي ذي الحليفة جوار مسجد الشجرة، على طريق القادم للمدينة للداخل إليها.

وروى الشيخ الكليني قدس الله سره في الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى ، وابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : "إذا انصرفت من مكة إلى المدينة وانتهيت إلى ذي الحليفة وأنت راجع إلى المدينة من مكة فائت معرس النبي ( صلى الله عليه وآله )، فإن كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلا؛ فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد كان يعرس فيه ويصلي"([12]).

 

وأما التقييد بالمقام شهرا ونحوه، فلفرض كونه من أهل المدينة الذين يلزمهم المرور بميقاتهم -وهو المعتاد من طريقتهم- فليس لهم العدول عنه إلى غيره من المواقيت كالعقيق والجحفة، إلا لمرض أو ضرورة.

وأما المحاذاة، فهي من المفاهيم الواضحة، ولا يحتاج الاستدلال بكلام أهل المعاجم إلا تأييدا، وهي المسامتة بحسب اعتبار الناظر، فمعناها إضافي نسبي، والمراد الاستعمالي منها يتعين بالقرائن، ولك في استعمالها في مثل أدلة صلاة المأموم والتعبير بمحاذاة المأموم للإمام خير شاهد، حتى أن الشيخ رحمه الله في الخلاف قال في مسألة تقدم موقف المرأة أمام الرجال ورأي العامة فيها: "قال: فان صلت أمام الرجال بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها ولم تبطل صلاة من يحاذي من يحاذيها، وهذه المسألة يسمونها مسألة المحاذاة"([13]).

وبهذا يتبين أن هذا الخبر الصحيح مع انفراده، غير مناف أو شاذ في معناه مع مفاد أخبار المواقيت، وليس مما يدل على جواز الإحرام بالمحاذاة على الجوانب -لمن يمر بميقات المدينة ولا غيره من المواقيت- في شيء، فالأصل هو وجوب الإحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، وما هذه الصحيحة إلا تأكيد على جواز الإحرام في كل وادي الميقات -سواء أوله وهو مسجد الشجرة أو آخره وهو أول البيداء على طريق الذاهب لمكة- حتى للداخل فيه من غير الطرق المتعارفة.

فقول المحقق -وغيره- في الشرايع : "ولو سلك ما لا يفضي إلى أحدها أحرم عند ظن المحاذاة لأحدها"، يرده أن الخبر في الإفضاء إلى ميقات أهل المدينة نفسه، ولكنه على غير الطريق المتعارف.

 

تذييل فيه تحقيق حدود طريق الشجرة وموضع البيداء

 

ونتحققها بكشف معالم طرق المدينة، وهي خفية في الغالب؛ فإن أكثرها قد رسمت آثاره، حتى مسجد الشجرة كادت أن تمحى حدوده، بل محي محل محرابه، ولما جدد أقيم على حدوده الباقية، وكذا مسجد المعرس؛ فليس له من الأثر إلا مسمى البقعة، وأجر في الحكم غيرها من معالم الطريق المدني القديم المسمى بطريق ينبع.

قال في وفاء الوفا في وصف مسجد الشجرة:

"قال المطري: و هذا المسجد هو المسجد الكبير الذي هناك، و كان فيه عقود في قبلته([14])، و منارة في ركنه الغربي الشمالي، فتهدمت على طول الزمان.

قال المجد: و لم يبق منه إلا بعض الجدران و حجارة متراكمة.

قلت: جدد المقر الزيني زين الدين الاستدار بالمملكة المصرية تغمده الله برحمته هذا الجدار الدائر عليه اليوم، لما كان بالمدينة معزولا عام أحد و ستين و ثمانمائة، و بناه على أساسه القديم، و موضع المنارة في الركن الغربي باق على حاله، و جعل له ثلاث درجات من المشرق و المغرب و الشام، في كل جهة منها درجة مرتفعة، حفظا له عن الدواب، و لم يوجد لمحرابه الأول أثر لانهدامه، فجعل المحراب في وسط جدار القبلة، و لعله كان كذلك، و اتخذ أيضا الدرج التي للآبار التي هناك ينزل عليها من يريد الاستقاء.

و طول هذا المسجد من القبلة إلى الشام اثنان و خمسون ذراعا، و من المشرق إلى المغرب مثل ذلك"([15]).

والذي يقع محل اهتمامنا هي قطعة الطريق من الحليفة حتى آخر البيداء.

 

[مسجد الشجرة والمعرس وحدود ذي الحليفة]

لم يرد تحديد لأول ذي الحليفة وآخرها، عند المتقدمين، عدا ذكر مسجديها المعروفين، مسجد الشجرة للخارج من المدينة، ومسجد المعرس للقادم إليها، مع ذكر أنهما ستة أميال عن مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

 

[حدود ذي الحُليفة]

قال السمهودي في وفاء الوفا:

"كجُهينة تصغير الحَلَفَة بفتحات واحد الحلفاء و هو النبات المعروف، قال المجد: هي قرية بينها و بين المدينة ستة أميال، و هي ذو الحليفة، و ميقات أهل المدينة، و هو من مياه بني جشم بالجيم و الشين المعجمة، بينهم و بين بني خفاجة من عقيل، انتهى.

و هو تابع لعياض في ذلك، و زاد كونها قرية، و قد سبق أول الباب عند ذكر حدود وادي العقيق عن عياض أن بطن وادي ذي الحليفة من العقيق و أن العقيق من بلاد مزينة، و هذا هو المعروف، و ما ذكره هنا من نسبة ذي الحليفة إلى بني جشم إلى آخره غير معروف، و لعله اشتبه عليه بالحليفة التي من تهامة، و ما ذكره من المسافة موافق لتصحيح النووي كالغزالي أنها على ستة أميال، و يشهد له قول الشافعي كما في المعرفة: قد كان سعيد بن زيد و أبو هريرة يكونان بالشجرة على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة و يدعانها، و المراد بالشجرة ذو الحليفة، لما سبق في مسجد الشجرة بها، و بها أيضا مسجد المعرس.

و في سنن أبي داود: سمعت محمد بن إسحاق المديني قال: المعرس على ستة أميال من المدينة.

و سبق أن المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة([16])، فلا يخالف ما سبق عن الشافعي، و عليه يحمل ما رواه أحمد و الطبراني و البزار و اللفظ له عن أبي أروى قال: كنت أصلي مع النبي صلى اللّه عليه و سلم صلاة العصر بالمدينة ثم آتى ذا الحليفة قبل أن تغيب الشمس و هي على قدر فرسخين، و قال الرافعي كابن الصلاح: ذو الحليفة على ميل من المدينة، و هو مردود تدفعه المشاهدة، و لعلهما اعتبرا المسافة مما يلي قصور العقيق؛ لأنها عمارات ملحقة بالمدينة، و قال الأسنوي: الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ، و هو ثلاثة أميال أو نزيد قليلا، انتهى.

و ذكر ابن حزم أنها على أربعة أميال من المدينة، و قد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع و سبعمائة ذراع و اثنين و ثلاثين ذراعا و نصف ذراع بذراع اليد المتقدم تحديده في حدود الحرم، و ذلك خمسة أميال و ثلثا ميل ينقص مائة ذراع([17])، و كأن المسجد ليس أول ذي الحليفة؛ لأن أبا عبد الله الأسدي من المتقدمين قال:

الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة و هي الشجرة ومنها يحرم أهل المدينة، وهي على خمسة أميال و نصف، مكتوب على الميل الذي وراءها قريب من العلمين: ستة أميال من البريد، و من هذا الميل أهلّ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، انتهى؛ فالميل المذكور عند المسجد لأنه محل إهلاله صلى اللّه عليه و سلم([18])، و أول ذي الحليفة قبله بنصف ميل.

و قوله «قريب من العلمين» يحتمل أن يريد علمي مدخل ذي الحليفة لقوله في تعداد الأعلام «و على مدخل ذي الحليفة علمان» فيفيد ما تقدم من عدم التعرض لانتهاء الحليفة.

لكنه ذكر كما سبق في البيداء أن على مخرج ذي الحليفة علمين آخرين، و أن البيداء فوق علمي الحليفة إذا صعدت من الوادي، فيحتمل أن يريد بقوله «قريب من العالمين» علمي مخرج الحليفة([19])، فيفيد أن المسجد قرب آخر الحليفة، و هو الظاهر؛ لأن البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة و ذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم.

و قال العز بن جماعة: و بذي الحليفة البئر التي تسميها العوام بئر علي، و ينسبونها إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ لظنهم أنه قاتل الجن بها، و هو كذب، و نسبتها إليه غير معروفة عند أهل العلم، و لا يرمي بها حجر و لا غيره كما يفعل بعض الجهلة، انتهى.

و سبق في مسجد ذي الحليفة ذكر اتخاذ الدرج لآبارها، و سبق في خاتمة الفصل الرابع عن ابن شبة أن فوق ذي الحليفة التي هي الحرم في القبلة قبل حمراء الأسد موضعا من أعلى العقيق سمي بالحليفة العليا، فيكون المحرم الحليفة السفلى، و لم أره في كلام غيره و لعله الخليقة بالخاء المعجمة والقاف لما سيأتي فيها. و أما ذو الحليفة المحرَم فهي أيضا من وادي العقيق، و لذا روى أبو حنيفة كما في جامع مسانيده عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، من أين المهل؟ فقال: يهلّ أهل المدينة من العقيق، و يهلّ أهل الشام من الجحفة، و يهلّ أهل نجد من قرن، فأطلق على ذي الحليفة اسم العقيق"([20]).

وفي رحلة ابن جبير:

" فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم، ويقال: أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قاتل الجن بها، وتعرف أيضاً بالروجاء. والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء لا يكاد يلحق قعرها، وهي معينة.

ورحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الأحد، وتمادى بنا السير إثر صلاة العشاء الآخرة، فنزلنا شعب علي، رضي الله عنه، وأقلعنا منه نصف الليل تربان، البيداء، ومنها تبصر المدينة المكرمة، فنزلنا ضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق، وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والمدينة من هذا الموضع على خمسة أميال".

 

[ المعرَّس ]

وأما المعرَّس:

ففي وفاء الوفا : "قال المطري: و في قبلته -أي مسجد الشجرة- مسجد آخر أصغر منه، ولا يبعد أن يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم صلّى فيه أيضا، بينهما مقدار رمية سهم أو أكثر قليلا، انتهى.

قلت: و يؤخذ مما سيأتي عن الأسدي أنه مسجد المعرّس، و الله أعلم".

ثم قال:

"و منها: مسجد المعرس- قال أبو عبد الله الأسدي في كتابة و هو من المتقدّمين يؤخذ من كلامه: أنه كان في المائة الثالثة بذي الحليفة عدة آبار و مسجدان لرسول الله صلى اللّه عليه و سلم، فالمسجد الكبير الذي يحرم الناس منه، و الآخر مسجد المعرّس، و هو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد، و فيه عرّس رسول الله صلى اللّه عليه و سلم منصرفه من مكة.

قلت: ليس هناك غير المسجد المتقدم ذكره في قبلة مسجد ذي الحليفة على نحو رمية سهم سبقي منه، و هو قديم البناء بالقصّة و الحجارة المطابقة؛ فهو المراد"([21]).

وقال في موضع آخر: "المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة"([22]).

فهو الذي في قبلة مسجد الشجرة، وقد أهمل بناؤه وذهب أثره حتى كشف عنه السيل كما قيل، وهو اليوم جدران مركومة أمام قبلة مسجد الشجرة على طريق فرعي، وتقدم أنه على طريق الداخل للمدينة، وأنه آخر الحليفة، لكن الصحيح أنه وسط الوادي بجوار الشجرة كما عليه الأخبار وهو المشهور.

فعن مُوسَى "بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَامِرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ لِي فِي الْمُعَرَّسِ- مُعَرَّسِ النَّبِيِّ ص إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمُرَّ بِهِ وَ انْزِلْ وَ أَنِخْ بِهِ وَ صَلِّ فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص فَعَلَ ذَلِكَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ صَلَاةٍ قَالَ فَأَقِمْ قُلْتُ لَا يُقِيمُونَ أَصْحَابِي قَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ امْضِهْ وَ قَالَ: إِنَّمَا الْمُعَرَّسُ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ إِذَا بَدَأْتَ"([23]).

 

وفي أصل محمد بن المثنى الحضرمي ضمن الأصول الستة عشر:

" قال و سألته عن معرس‏ رسول اللّه ص بذى الحليفة ؟ فقال: عند المسجد ببطن الوادى حيث يعرِّس الناس"([24])، أي يباتون.

 

[البيداء]

أما البيداء معرَّفَةً، فهي التي تنصرف إليها التسمية، معروفة، وتسمى -أو بعضها بنحو أضبط- ذات الجيش، على وزان تسمية ذي الحليفة بالشجرة بعلاقة الجزئية، وهي محل الخسف بجند السفياني بين مكة والمدينة، من المواضع التي يكره فيها الصلاة، فعنه عليه السلام قال: " تكره الصلاة في طريق مكة في ثلاثة مواضع أحدها البيداء ، والثاني ذات الصلاصل ، والثالث ضجنان".

وفي معجم البلدان: " البيداء : اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة ، وهي إلى مكة أقرب ، تعد من الشرف([25]) أمام ذي الحليفة ، وفي قول بعضهم : إن قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عز وجل جبرائيل فقال : يا بيداء أبيديهم"([26]).

والمحل المستوي منها المشار إليه في أخبارنا هو الموضع الأملس منها، فلا يدخل شرفها أعني مرتفعها، ومنه السَّيُّ وهو الموضع الأملس من البادية، قاله الفراهيدي([27]).

وروى النميري في تاريخ المدينة عن "موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ، أنبأنا علي بن زيد ، عن الحسن ، عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مضطجع في بيته إذ احتفز جالسا فجعل يتوجع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، مالك توجع ؟ قال: جيش من أمتي يجوز من قبل الشام يؤمون البيت لرجل منعه الله منهم ، حتى إذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم ، ومصادرهم شتى . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف يخسف بهم جميعا ومصادرهم شتى ؟ قال: إن منهم من جبر"([28]).

وفي وفاء الوفا للسمهودي -وهو أكثرهم تتبعا- :

" البيداء:

قال المطري فمن تبعه، هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى المغرب.

و قال الحافظ ابن حجر: البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري و غيره، انتهى.

فأول البيداء عند آخر ذي الحليفة، و كان هناك علمان للتمييز بينهما، و لذا قال الأسدي في تعداد أعلام الطريق: إن على مخرج المدينة علمين، و على مدخل ذي الحليفة علمين، و على مخرج ذي الحليفة علمين، و قال في موضع آخر:

و البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي([29])، و في أول البيداء بئر، انتهى. و كأن البيداء ما بين ذي الحليفة و ذات الجيش "([30]).

ومر قوله: "البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة، وذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم".

والعلمان أو الميلان -عندنا- ذكرا في رواية كتاب عاصم بن حميد الحناط ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بالركون لهذه الأصول لشهادة القرائن بصحتها في الجملة- بسنده قال: " َعنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحَنَّاطِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ حَيْثُ الْمِيلَيْنِ أُنِيخَتْ لَهُ نَاقَتُهُ، فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ لَبَّى بِأَرْبَعٍ، فَقَالَ:

لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَ النِّعْمَةَ لَكَ وَ الْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُ يُخْسَفُ بِالْأَخَابِثِ"([31]).

ورواها في قرب الإسناد وقال: "حيث الميل"([32])، وكذا في روايات عديدة.

وعن الحلبي في الفقيه: "رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلَبِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‏: الْإِحْرَامُ مِنْ مَوَاقِيتَ خَمْسَةٍ وَقَّتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَنْبَغِي لِحَاجٍّ وَ لَا مُعْتَمِرٍ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهَا وَ لَا بَعْدَهَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَ هُوَ مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَ يَفْرِضُ‏ الْحَجَ‏، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَسَارَ وَ اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءُ حِينَ يُحَاذِي الْمِيلَ الْأَوَّلَ أَحْرَمَ‏"([33]) الحديث، وفي المروي الآخر له: " فَامْشِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِيلَ وَ تَسْتَوِيَ بِكَ الْبَيْدَاء"([34]).

ومحل استواء البيداء هو محل الخسف بجيش السفياني المسماة بذات الجيش كما سيأتي.

 والمراد بالميل الأول هو علامة أول البيداء كما قال الكليني، قال: " وَ أَوَّلُ الْبَيْدَاءِ أَوَّلُ مِيلٍ يَلْقَاكَ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ"([35])، وهو المروي -بعده- في الكافي عن معاوية بن عمار قال: " وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتّى‏ تَصْعَدَ إِلى‏ أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلى‏ أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِك‏"([36]).

وكل أعلام وأميال الطريق المدني على يسار الطريق، بعكس أميال الطرق جنوب مكة، هكذا قال من شاهدها، وآثار كثير مما بقي موجودة إلا اليوم.

وليس في ما قال الكليني ولا رواية معاوية بن عمار أن البيداء على يسرة الطريق لتكون محاذاتها للشجرة عرضية لا على طول الطريق، بل نفس الميل المُعِّينُ لأول البيداء هو الذي على يسار الطريق للذاهب إلى مكة، وكل من التفت إليه تعين لديه أول البيداء، ولعل هذا التعبير -أعني عن يسارك- مع لفظ المحاذاة ومع ضم ما عليه أهل السنة من العمل بالمحاذاة والحيال، هو الذي أوجب تخيل المحاذاة العرضية من صحيح عبد الله بن سنان، نعم، الطريق مائل جهة الغرب بعد ذا الحليفة، لكنه لا يوازيه، والفيصل هو الواقع المشاهد.

وفی النفليّة: "البيداء موضع في طريق مكّة على سبعة أميال من المدينة أو على رأس ميل من ذى الحليفة"، وقد سمعت أن الحليفة آخرها على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وهي ميل امتدادا إلى علمي البيداء، ولعله قدس سره جعل حساب الستة أميال لأول ذي الحليفة، والمرجع للوثوق بالتحديدات أهل السير والبلدان.

 

[حد البيداء]

وروى صحيحا في الكافي ما نصه:

عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ ع: إِنَّا كُنَّا فِي الْبَيْدَاءِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَ اسْتَكْتُ وَ أَنَا أَهُمُّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ كَأَنَّهُ دَخَلَ قَلْبِي شَيْ‏ءٌ، فَهَلْ يُصَلَّى فِي الْبَيْدَاءِ فِي الْمَحْمِلِ ؟ فَقَالَ: لَا تُصَلِّ فِي الْبَيْدَاءِ، قُلْتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ، ثُمَّ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص، قُلْتُ: وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ فَقَالَ دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([37])، ومثله في التهذيب.

ورواه البرقي بزيادة في المحاسن بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: الْبَيْدَاءُ لَا يُصَلَّى فِيهَا، قلتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ قَالَ: أَ مَا رَأَيْتَ ذَلِكَ الرَّفْعَ وَالْخَفْضَ، قُلْتُ: إِنَّهُ كَثِيرٌ، فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ حَدُّهُ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص قُلْتُ وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ، قَالَ: دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([38]).

وفي ملاذ الأخيار قال المجلسي: " قوله عليه السلام: دون الحفيرة لعل المراد الأرض المنخفضة التي فيها مسجد الشجرة"([39])، والصحيح أن الحفيرة منطقة بعد ذات الجيش مرتفعة آخر البداء كما سوف يتضح، هذا للخراج من المدينة، وأما للداحل كما هو الخبر فقبل ذات الجيش.

والمراد بحد البيداء: حدودها من الجهتين ابتداء وانتهاء للقادم على الطريق، وهي تضم ذات الجيش التي هي قبل الحفيرة للذاهب لمكة على طريق ينبع القديم، وتسمى أيضا أولات الجيش.

وهذا هو المصرح به في صحيح معاوية بن عمار في قول الصادق عليه السلام: " تكره الصلاة في ثلاثة مواطن بالطريق : البيداء وهي ذات الجيش ، وذات الصلاصل ، وضجنان"([40]).

وبهذا يتضح أن أحد طرفي البيداء آخر ذي الحليفة عند العلمين آخر ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، هذا شمالا، وأن طرفها الآخر آخر ذات الجيش عند أول الحفيرة جنوب غرب طريق المدينة مكة وهو الآن طريق ينبع القديم.

 

[ذات الجيش]

وذات الجيش -كما يأتي- وسط البيداء، وليس في الخبر أنها أوله، وتحديدها بذات الجيش لتعيين موضع الكراهة من البيداء، فالمعنى على التقريب وبيان موضع الجد في المسير.

بل في صحيح المحاسن عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَ غَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "لَا تُصَلِّ فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا الْبَيْدَاءِ وَ لَا ضَجْنَانَ‏"، وهو شاهد على التغاير، ولا يمكن أن يتمسك به للدلالة على التباين الكلي، فإن من المؤكد وقوع ذات الجيش داخل البيداء.

وروى المجلسي عن كِتَابُ الْعِلَلِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: "لَا يُصَلَّى فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا فِي وَادِي مَجَنَّةَ وَ لَا فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ" -ثم قال المجلسي عن صاحب العلل- "ثم قال أما قوله: "لا يصلى في ذات الجيش"، فإنها أرض خارجة من ذي الحليفة على ميل، وهي خمسة أميال والعلة فيها أنه يكون فيها جيش السفياني فيخسف بهم‏"([41]).

فطول ذات الجيش خمسة أميال امتدادية.

وفي معجم البلدان: " الجيش : بالفتح ثم السكون ، ذات الجيش : جعلها بعضهم من العقيق بالمدينة ، وأنشد لعروة بن أذينة : كاد الهوى ، يوم ذات الجيش ، يقتلني لمنزل لم يهج للشوق من صقب، ويقال : إن قبر نزار بن معد وقبرانيه ربيعة بذات الجيش ، وقال بعضهم : أولات الجيش موضع قرب المدينة وهو واد بين ذي الحليفة وبرثان ، وهو أحد منازل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى بدر وإحدى مراحله عند منصرفه من غزاة بني المصطلق ، وهناك جيش رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ابتغاء عقد عائشة ونزلت آية التيمم "([42]).

وفي التعليقات والنوادر عن الهجري (القرن الثالث والرابع) بترتيب واختيار الجاسر:

"وذات الجَيْش شُعبة([43]) على يمين الخارج إلى مكة([44]) بحذاء([45]) الحَفِيَرة، قال: وصدر الحَفِيرَة وما قَبَلَ من الصُّلصُلين يدفع في بئر أبي عَاصِيَة، ثم يدفع في ذات الجَيْش، وما دَبَرَ منها يدفع في البَطْحَاء، ثم تدفع البطحاء من بين الجبلين في وادي العقيق، وذات الجَيْش تدفع في وادي أبي كَبِير، وهو فوق مسجد المَحْرَم والمُعَرَّس، وطَرَفُ أَعْظُمِ([46]) الغربي يدفع في ذات الجيش، وطَرَفُهُ الثاني يدفع في البَطْحَاء"([47]).

 

وفي وفاء الوفا للسمهودي شارحا حديث حدود حرم المدينة ومنها -عند بعضهم- ذات الجيش وعليها عَلَمٌ:

"قوله: «شرف ذات الجيش»، قال ابن زبالة: ذات الجيش: لقب ثنية الحفيرة من طريق مكة و المدينة، و قال المطري: هي وسط البيداء([48])، و البيداء هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب، و هي على جادة الطريق.

قلت: و يؤيده قول ياقوت: ذات الجيش موضع بعقيق المدينة، أراد بقربه، أو لأن سيلها يدفع فيه كما سيأتي، و قد رأيته يطلق ذلك على ما يدفع في العقيق و إن بعد عنه.

و قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسدي([49]) في وصف الطريق بين مكة و المدينة: إن من ذي الحليفة إلى الحفيرة ستة أميال، قال: و هي متعشا([50])، و بها بئر طيبة و حوض، و عمر بن عبد العزيز هو الذي حفر البئر، و بها أبيات و مسجد، اه. و مقتضاه أن يكون ثنية([51]) الحفيرة بعد البئر، فلعلها([52]) ثنية الجبل المسمى اليوم بمُفرِّح([53])، و هناك واد قبل وادي تربان يسمونه سهمان ينطبق عليه الوصف المذكور([54])، و هو موافق لقول من قال: ذات الجيش واد بين ذي الحليفة و تربان. فأطلق اسمها على الوادي التي هي فيه، و لقول عياض: ذات الجيش على بريد من المدينة، و هو ظاهر رواية الطبراني المتقدمة، لكنه مخالف لما سيأتي في معنى التحديد بالبريد، و هناك حبس النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في ابتغاء عِقدِ عائشة رضي الله عنها، و نزلت آية التيمم، و الترديد في حديث عائشة: «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش» كأن سببه قرب الموضعين، و هو ظاهر في المغايرة بينهما. و قال أبو علي الهجري -ثم ساق ما ذكرناه آنفا، حتى قال: – قلت: و أعظُم- و يقال عظم كما سيأتي- جبل معروف اليوم على جادة مكة، قال المطري: و هو في شامي ذات الجيش، و يشهد له ما سبق عن الهجري"([55]).

وفي كتاب التعريف بما أنست الهجرة للمطري المصري (ت 741 هـ):

"فأما ذات الجيش فنقب([56]) ثنية الحفيرة من طريق مكة والمدينة"([57]).

وفي صريح ما رواه الشيخ في التهذيب عَنْ الحسين بن سعيد عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتَ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَلَا تُلَبِّ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ يُخْسَفُ بِالْجَيْشِ".

وليس في البيداء إلا ذات الجيش محل خسف جيش السفياني، فهي محل استواء البيداء وهي محل استحباب التلبية؛ إذ له أن يظهرها في المسجد.

 

[حفيرة]

وأما حفيرة فهي الحفير أيضا، وفي معجم البلدان في أحد معانيها: " الحُفَير : بلفظ التصغير : منزل بين ذي الحليفة وملل يسلكه الحاج "([58]).

 

ولأن أقوالهم في هذه المواضع كلها فيها نحو من الاضطربا، لم يحدد على وجه الدقة والاتفاق موضع البيداء على الطريق، ولا ذات الجيش ولا الحفيرة، إلا أن السمهودي أكثر ضبطا وتتبعا، وقد حددها أحد الباحثين أخيرا، وقيل أنه وجد أثر العلم الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله كعب بن مالك بجعله على ذات الجيش علما لحرم المدينة جنوبا، فوجدها قبل المفرّحات بحوالي 2كم، وعلى بعد 11,5 كم من ذي الحليفة، " والتلعة التي هي رأس الشعيب (شرف ذات الجيش كما هو اسمها الوارد في حديث كعب بن مالك) تُرى من الجسر رأي العين على بعد 3 كم، لذلك فإنه قد جانب الصواب من اعتبر ذات الجيش هي المفرّحات، فالمفرّحات اسمها التاريخي "ثنية الحفيرة"([59]).

ومر في الصحيح أن ذات الجيش وسط البيداء دون الحفيرة بثلاثة أميال، وكل ميل 1,8 كم -بحساب أن الميل الهاشمي الشرعي أربعة آلاف ذراع- فالمسافة بينهما 5,4 كم، لا كما قال 2كم، ولعله للاختلاف في الحساب من وسط الوادي أو حدوده.

[الحاصل]

والحاصل الذي يمكن الاطمئنان له:

أن من مسجد النبي صلى الله عليه وآله إلى مسجد الشجرة 5,5 أميال = 9كم تقريبا كما حسبها السمهودي في وفاء الوفا، وتؤيده الخرائط.

وأن طول ذي الحليفة ميل واحد = 1,6 كم، وسطها مسجد الشجرة والمعرَّس متقاربان على 800 متر من أول ذي الحليفة شمالا، و 800 متر إلى أول البيداء غرب الجنوب، ثم تنتهي عند علميها عند مصعد البيداء المشرفة على الوادي.

وأن البيداء بعد آخر ذي الحليفة على طريق مكة المسمى بطريق ينبع القديم، وطول مسيرها ستة أميال = 9,6 كم تقريبا، تتوسطها ذات الجيش قبلا وبعدا على ثلاثة أميال = 4,8 كم ، وعندها تستوي البيداء ويستحب تأخير التلبية إليها.

وتنتهي البيداء بثنية الحفيرة على رأس الستة أميال، وقبلها ذات الجيش بثلاثة أميال، وهو المشهود به في الخبر.

وآخر موضع يمكن الإحرام فيه للطارق غير السبيل المتعارف للمدنيين هو آخر البيداء، الذي تلتقي عنده أول الحفيرة على بعد ستة أميال -من آخر ذي الحليفة وأول البيداء- عند علم مخرج البيداء، محاذيا ومسامتا لذي الحليفة مع الطريق المعتاد لحاج المدينة على الشجرة، ولعله طريق المعرس للعائدين للمدينة أو التجار أو غيره من الطرق المفروضة، وهي متقاربة بعد البيداء.

وأن آخر البيداء عند الحفير هو آخر ما يمكن الإحرام منه ولا يجوز تجاوزه.

 

[الميقات ذو الحليفة والبيداء]

ولو قيل: أن انعقاد الإحرام فيه لكونه مع ذي الحليفة ميقاتا؛ دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وآله -بالتلبية- في أوله، والإحرام من آخره محاذيا للشجرة بالمعنى المتقدم، لا خصوص الحليفة أو مسجد الشجرة، فإنها محل الافتراض، لم يكن هذا القول بعيد، بل هو المؤيد والمختار.

فقد روى الشيخ في الصحيح عن مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يُؤَذِّنُوا بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ هَذَا، فَعَلِمَ بِهِ مَنْ حَضَرَ الْمَدِينَةَ وَ أَهْلُ الْعَوَالِي وَ الْأَعْرَابُ فَاجْتَمَعُوا فَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَ إِنَّمَا كَانُوا تَابِعِينَ يَنْتَظِرُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَصْنَعُونَهُ أَوْ يَصْنَعُ شَيْئاً فَيَصْنَعُونَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَزَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ الَّذِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَصَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ وَ عَزَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِداً، وَ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ عِنْدَ الْمِيلِ الْأَوَّلِ، فَصَفَّ النَّاسُ لَهُ سِمَاطَيْنِ فَلَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرِداً وَ سَاقَ الْهَدْيَ سِتّاً وَ سِتِّينَ أَوْ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ"([60]) الحديث.

وروى الكليني عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"صَلِّ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ أَحْرِمْ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْمُتْعَةِ وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتَّى تَصْعَدَ إِلَى أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلَى أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِكَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِكَ الْأَرْضُ رَاكِباً كُنْتَ أَوْ مَاشِياً فَلَبِّ، فَلَا يَضُرُّكَ لَيْلاً أَحْرَمْتَ أَوْ نَهَاراً، وَمَسْجِدُ ذِي الْحُلَيْفَةِ الَّذِي كَانَ خَارِجاً عَنِ السَّقَائِفِ عَنْ صَحْنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ الْيَوْمَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنَ السَّقَائِفِ مِنْهُ"([61]).

والإحرام هنا هو الافتراض بالاغتسال ولبس ثوبي الإحرام المعبر عنه في الروايات بعقد الإحرام، ولا يحرم بهذا محرم من المحرمات، كما دلت عليه أخبار عديدة، ولا يتم إحرامه الذي يدخل به النسك إلا بالتلبية، روى الشيخ في الصحيح عن حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع: أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَ عَقَدَ الْإِحْرَامَ ثُمَّ خَرَجَ فَأُتِيَ بِخَبِيصٍ فِيهِ زَعْفَرَانٌ فَأَكَلَ مِنْهُ"([62]).

والأعلام وكذا الأميال لها مواضع معروفة، بقى أثر الكثير منها حتى اليوم، صخور وحجارة مركومة، وعلى طريق المدينة شمالا للقادم مكة كلها على ميسرة الطريق، و جنوب مكة على ميمنته.

وروى أيضا في الصحيح عن الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ خَرَجَ فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ فَصَلَّى بِهَا ثُمَّ قَادَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَتَى الْبَيْدَاءَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا وَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَ أَحْرَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِالْحَجِّ لَا يَنْوُونَ عُمْرَةً وَ لَا يَدْرُونَ مَا الْمُتْعَة"([63]) الحديث.

وفي صحيح يونس بن يعقوب: " ثُمَّ انْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ فَلَبِّهْ"([64]).

وكلها رخصة في إظهار التلبية من مسجد الشجرة أو البيداء، ففي صحيحة بن سنان: " عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يُظْهِرَ التَّلْبِيَةَ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ ؟

فَقَالَ: نَعَمْ؛ إِنَّمَا لَبَّى النَّبِيُّ ص عَلَى الْبَيْدَاءِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ التَّلْبِيَةَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ التَّلْبِيَةُ"([65]).

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

 

وكتبه

محمد علي حسين العريبي المعاميري البحراني

وأتمه في صبحة يوم 19 ربيع الثاني 1433 هـ

مدينة قم المشرفة.

 

[الملاحق]

 

ملحق (1) :

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56):

 

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56): 

 

ملحق (2):

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

ملحق (3) :

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

ملحق (4) :

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.



([1]) مستل من كتابنا (الأخبار المفردة) وفقنا الله لإتمامه.

([2]) الكافي 4: 321/ ح9.

([3]) التهذيب 5: 57/ ح24.

([4]) الفقيه 2: 307/ ح2532.

([5])وروى الصدوق رحمه الله في المعاني عن أبيه رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ص قَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْإِحْرَامِ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ قَالَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ وَقْتُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَ لَوْ كَانَ فَضْلًا لَأَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْمَدِينَةِ وَ لَكِنَّ عَلِيّاً ص كَانَ يَقُولُ تَمَتَّعُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ إِلَى وَقْتِكُمْ".

فجعل بين المدينة وذا الحليفة ستة أميال، وهي بريد تقطعه الناقة في نصف نهار اليوم.

([6]) المبسوط 1: 313.

([7]) مختلف الشيعة 4: 43.

([8]) هو عقيق المدينة.

([9]) تذكرة الفقهاء 7: 203/ مسألة 157.

([10]) المغانم المطابة: 340.

([11]) صحيح البخاري 2: 556/ ح 1460.

([12]) الكافي 4: 565/ ب معرس النبي صلى الله عليه وآله، ح1.

([13]) الخلاف 1: 243/ كتاب الصلاة، مسألة 171.

([14]) لعلها السقائف التي ورد في الخبر أنها ليست من المسجد.

([15]) وفاء الوفا 3: 161/ في مسجد الشجرة، ط العلمية.

([16]) أي أن آخر ذي الحليفة على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

([17]) 19732,5 ذراع ÷ 3500 ذراع لكل ميل = 5,64 ميل = 9,024 كم.

([18]) بل محل إهلاله صلى الله عليه وآله ما بعد مصعد البيداء عند استوائها، فالميل المذكور بعد المسجد، فيكون أول البيداء كما هو ظاهر الوصف.

([19]) وهذا هو الصحيح، فالمسجد على خمسة أميال ونصف وسط الحليفة عن أوله بنصف ميل، والوراء يقصد به البعدية، فالميل بعد المسجد مكتوب عليه ستة أميال، وهو آخر ذي الحليفة.

([20]) وفاء الوفا 4: 244، ط الفرقان، أو 4: 62، ط العلمية.

([21]) وفاء الوفا 3: 424، تحقيق السامرائي، مؤسسة الفرقان ط1-2001م، وباقي التخريجات من ط المكتبة العلمية.

([22]) وفاء الوفا 4: 245، تح السامرائي.

([23]) التهذيب 6: 16/ باب 5 (تحريم المدينة …) ح16.

([24]) الأصول الستة عشر: 256، ط دار الحديث.

([25]) أي المرتفع المشرف.

([26]) معجم البلدان 1: 523.

([27]) كتاب العين 7: 327.

([28]) تاريخ المدينة 1: 310 (ذكر البيداء، بيداء المدينة).

([29]) أي وادي ذي الحليفة.

([30]) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 4: 35-36.

([31]) الصول الستة عشر: 147/ كتاب عاصم بن حميد ح1.

([32]) قرب الإسناد: 125.

([33]) الفقيه 2: 302/ ح2522.

([34]) الفقيه 2: 320/ ح2562.

([35]) الكافي 4: 334.

([36]) الكافي 4: 334/ ح14.

([37]) الكافي 3: 389/ ب (الصلاة في الكعبة وفوقها وفي البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها) ح7.

([38]) المحاسن 2: 366/ ب (الأمكنة التي لا يصلى فيها) ح14.

([39]) ملاذ الأخيار 4: 615.

([40]) الكافي 3: 390/

([41]) البحار 80: 327-328.

([42]) معجم البلدان 2: 200.

([43]) أي واد صغير.

([44]) على طريق الحاج المدني، وهو طريق ينبع القديم الآن، وليست موازية لذي الحليفة، بل بعدها على الطريق.

([45]) أي قبالها على نفس الطريق للذاهب مكة.

([46]) وهو جبل هناك.

([47]) التعليقات والنوادر: 1379.

([48]) وهو الصحيح، فبعد ذات الجيش بثلاثة أميال

([49]) وهو من المتقدمين من يعتمد قولهم.

([50]) أي على مسافة بريد، وهو كل موضع ينزل فيه وقت العشاء.

([51]) الثنية هي العقبة، وفي مجمع البحرين 1: 78 : "هي الطريق العالي من الجبل"، ومنه قولهم "طلاع الثنايا".

([52]) أي الحفيرة.

([53]) السماة اليوم المفرحات.

([54]) أي وصف يوافق ذات الجيش.

([55]) وفاء الوفا 1: 82.

([56]) في كتاب العين: "النقب: طريق ظاهر على رؤوس الجبال والآكام والروابي لا يزوغ عن الأبصار".

([57]) التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة: 183.

([58]) معجم البلدان

([60]) التهذيب 5: 455/ ح234.

([61]) الكافي 4: 334/ ح14.

([62]) التهذيب 5: 85/ ح83.

([63]) الكافي 4: 249/ ح6.

([64]) الكافي 4: 321/ ح1.

([65]) الكافي 4: 334/ ح12.