تعليقات على العروة الوثقى – صلاة الجماعة

[ (مسألة 30): إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً]

العروة الوثقى

(مسألة 30): إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً و خاف أن يرفع الإمام رأسه إن التحق بالصفّ نوى و كبّر في موضعه و ركع، ثمّ مشى في ركوعه أو بعده (1) أو في سجوده أو بعده، أو بين السجدتين أو بعدهما، أو حال القيام للثانية إلى الصفّ، سواء كان لطلب المكان الأفضل أو للفرار عن كراهة الوقوف في صفّ وحده أو لغير ذلك، و سواء كان المشي إلى الأمام أو الخلف أو أحد الجانبين بشرط أن لا يستلزم الانحراف عن القبلة، و أن لا يكون هناك مانع آخر من حائل أو علوّ أو نحو ذلك، نعم لا يضرّ (2) البعد الذي لا يغتفر حال الاختيار على الأقوى، إذا صدق معه القدوة، و إن كان الأحوط اعتبار عدمه (3) أيضاً، و الأقوى عدم وجوب جرِّ الرِّجلين حال المشي (4)، بل له المشي متخطياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة، و الأحوط (5) ترك الاشتغال بالقراءة و الذكر الواجب حال المشي أو غيره ممّا يعتبر فيه الطمأنينة حاله، و لا فرق في ذلك بين المسجد وغيره.

(1) الأحوط الاقتصار في المشي بحال الركوع و القيام. (الحائري).

الأحوط متابعة الإمام في ركوعه ثم السجدتين، ثم يقوم للصف ( العريبي )

(2) الظاهر أنّ هذا الحكم استثناء من كراهة الوقوف منفرداً عن الصفّ فقط فلا بدّ من تحقّق جميع شروط الجماعة فيه حتّى عدم البعد. (البروجردي).

(3) هذا الاحتياط ضعيف جدّاً. (الخوئي).

لا وجه لهذا الاحتياط ( العريبي )

(4) لا يترك على الأحوط. (النائيني).

(5) لا يترك للتشكيك في شمول الدليل. (آقا ضياء).

لا يترك. (الگلپايگاني).‌

(العريبي): تقدم التفريق في حكم المسبوق القاصد المبادر للصلاة المعذور لزحام أو مرض وغيرهما من الأعذار فإن له إدراك الصلاة وترتفع في شأنه الموانع والشروط من بعدٍ ما دام عرفا تابعا للإمام -المتقوم هذا المفهوم بالقصد والتوجه الخارجي في محل واحد عرفا- حتى لو رفع الإمام رأسه من الركوع، فإذا أدرك الصف جاز له الركوع ثم اللحاق بالإمام، وإن لم يدرك الصف جاز له الركوع في محله ثم لا يتوانى في السعي للجماعة.

وأما غير المعذور إلا من جهة سبق الإمام فإن الصلاة تفوته برفع الإمام رأسه من الركوع وليس من مصاديق هذه المسألة.

وهل يكون السعي مشيا أو جرا لرجله أو انتقالا بين السجدتين أو بعدهما أو زحفا ونحوها من الانتقالات نحو المصلين بقدر إمكانه في غير مواضع ما يشترط فيه الطمأنينة كالقراءة والقيام المتصل بالركوع كما عليه المشهور وخلاف استظهره الشيخ يوسف في الحدائق من روايات هذه المسألة، أو يشترط أن يكون اللحاق بالإمام بعد السجدتين أو بعد القيام؟ أقوال أقواها أنه يركع ويسجد في محله ثم يقوم ماشيا لصفوف الجماعة.

ويدل على جواز اللحاق بالجماعة راكعا في محله ثم السجود معه في الصورة المذكورة ثم المشي له بعد القيام مجموع أخبار، منها:

1-  صحيحة عبد الرحمن بن ميمون البصري رواها

المشايخ الثلاثة بطرقهم عن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‏[1]:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ وَ الْإِمَامُ رَاكِعٌ، فَظَنَنْتَ‏ أَنَّكَ‏ إِنْ‏ مَشَيْتَ‏ إِلَيْهِ رَفَعَ‏ رَأْسَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُدْرِكَهُ، فَكَبِّرْ وَ ارْكَعْ؛ وَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، فَاسْجُدْ مَكَانَكَ؛ فَإِنْ قَامَ، فَالْحَقْ بِالصَّفِّ؛ وَ إِنْ جَلَسَ، فَاجْلِسْ مَكَانَكَ، فَإِذَا قَامَ، فَالْحَقْ بِالصَّفِّ»[2].

فإنها بيان صريح بما يجب عليه في هذه الحال، وتضمنت وجوب السجود في مكانه، واللحاق بالصفوف عند القيام، على خلاف ما ذكره غير واحد من الأعلام بل هو المشهور من كونه مخيرا في مواضع المشي والسعي.

إلا أن قوله ع: “وإن جلس فاجلس مكانك” مفرعا على ما بعد سجود الإمام فيه إجمال، فالأمر فيها مردد بين الجلوس بين السجدتين، فلا يقوم بينهما ويجب عليه الجلوس وإتمام السجدة الثانية ثم القيام، وبين الأمر بالجلوس حتى بعد السجدتين وعدم اللحاق إلا عند قيام الإمام فقط فيتحقق التعارض بينها وبين موثقة إسحاق بن عمار الآتية التي تضمنت الأمر بالقيام للقوم بعد رفع الرأس من السجود كانوا قياما أو جلوسا، وبين أمر ثالث غير مفرع على ما بعد السجود، وهو بتقدير ( إن سعيت للجماعة فجلس الإمام ثانية ولم تدرك الصف فاجلس مكانك للسجود فإن قام فالحق بالصف ) فلا تعارض.

ولعل الاحتمال الثاني هو الأرجح فتحقق المعارضة بينها وموثقة إسحاق بن عمار وصحيحة معاوية بن وهب الآتيتين، وهما أصرح وأوضح والعمل عليهما.

2-  ومعتبرة إسحاق بن عمار رواها

الصدوق والشيخ بإسنادهما عن إسحاق بن عمار قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَ قَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ فَأَرْكَعُ‏ بِرُكُوعِهِ‏ وَ أَنَا وَحْدِي وَ أَسْجُدُ فَإِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي فَأَيَّ شَيْ‏ءٍ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: قُمْ فَاذْهَبْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانُوا قِيَاماً فَقُمْ مَعَهُمْ وَ إِنْ كَانُوا جُلُوساً فَاجْلِسْ مَعَهُمْ.

وهي تدل على وجوب السعي بأي الطرق، فضلا عن عدم احتمال خصوصية للمشي إذ الواجب هو حصول الاتصال بالجماعة، ولو تنزلنا فهو احتمال ضعيف يحتاج لما يؤيده.

كما أن الظاهر من سؤال إسحاق بن عمار وتقرير الإمام له المفروغية عن أن موضع المشي للجماعة هو بعد السجود لا قبله.

وفي آخرها ما يدل على جواز المشي إليهم مطلقا حتى لو استلزم قيامه وهم جلوس، فيدركهم ويجلس معهم، فزيادة القيام حينئذ مغتفرة.

وقد ذكرنا آنفا حل التعارض بين الموثقة وصحيحة عبد الرحمن، فتأمل.

3-  واستدل أيضا بصحيح معاوية بن وهب، رواه

الكليني والشيخ بإسناديهما عن مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ‏: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ‏ وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَلَمَّا كَانَ دُونَ‏ الصُّفُوفِ‏ رَكَعُوا، فَرَكَعَ وَحْدَهُ‏، وَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ‏[3]، ثُمَّ قَامَ، فَمَضى‏[4] حَتّى‏ لَحِقَ الصُّفُوفَ.[5]

ودلالتها كالسابقة ومعارضتها لصحيحة عبد الرحمن مثلها والجواب هو الجواب، وإن كان قيامه للحاق بالصفوف مجمل، مردد بين كونهم قياما فقام معهم، أو جلوسا فقام من مكانه حتى جلس معهم، فلا تعارض ما دلت عليه معتبرة إسحاق.

وأشكل على الاستدلال بها الشيخ يوسف في الحدائق بما حاصله المنع من استظهار الحكم منها لكون الأظهر أنها من أفعال التقية التي أوجبتها مخالطتهم وصلاتهم خلف من لا عدالة له، واستجوده السيد الخوئي رحمه الله.

قال العم المبرور في حدائقه الناضرة:

” أقول: و في ذكر هذا الخبر في عداد أخبار هذه المسألة كما ذكره الأصحاب نظر لان الظاهر ان ائتمامه عليه السلام انما كان بمخالف، و قد عرفت أن الصلاة معهم انما هو على جهة الانفراد، فهو عليه السلام كان منفردا و الكلام في المأموم الحقيقي، بقي جواز مشيه عليه السلام حال الصلاة حتى لحق بالصف و هو محمول على التقية”.

أقول: قد بحثنا معنى العدالة وأنها في الشهادة إسلامية أو إيمانية، وتحقق لدينا أنها الإسلامية، واحتملنا أنها على حد سواء في المواضع كلها من الأحكام عدا ما أخرجه الدليل، ومن القوة بمكان أن الصلاة كذلك مما لا يعتبر فيه أكثر من العدالة الإسلامية وأن المانع من الصلاة خلف أولئك في زمان النص هو ظهور فسقهم أو نصبهم حتى لا يكاد يوجد من يعين إماما لجمعة أو جماعة إلا وهو غير معذور في إنكار ولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين، لكن الاحتياط لا يترك عملا.

وعليه، فالصحيحة على أي احتمال كان من مذهب إمام تلك الجماعة لا اطمئنان بأنها من أفعال التقية.

ثم على القول باشتراط العدالة الإيمانية في إمام الجماعة كيف يعلم بأن الفعل من باب التقية وهو لا يحصل إلا بمعرفة الإمام والجزم بأنه من العامة ؟ فقد علم أن بعض الإمامية أموا الناس وبعضهم كان يتقي الناس ويصلي بهم كأبان بن تغلب، فليكن احتمالا في جملة الاحتمالات.

بل كيف يحمل فعله عليه السلام على التقية وقد حكى المحقق في المعتبر أن جمعا من علماء الطوائف الإسلامية كرهوه لنهي النبي ص أبا بكر [والصحيح أبا بكرة] عن العود لمثله([6])!.

والحاصل: أن دعوى الجزم بأن فعله عليه السلام من أفعال التقية ولو كان احتمالا قويا فدونه خرط القتاد وضرب في الغيوب وتضعفه جملة من القرائن، ولو قيل أن المانع عن التمسك به إجمال الدليل -وهو دون الظهور- لدوران الفعل بين الصحة والاضطرار عن تقية كان أسلم.

والروايات الثلاث الماضيات هما عمدة الأدلة على المختار في المسألة.

4-  صحيحة محمد بن مسلم:

وأما ما يدل على صحة المشي للجماعة قبل السجدتين بل حتى في حال الركوع وهي معتمد المشهور، فصحيحة محمد بن مسلم، رواها

الصدوق بإسناده والشيخ بإسناده عن الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ع

أَنَّهُ سُئِلَ‏ عَنِ‏ الرَّجُلِ‏ يَدْخُلُ‏ الْمَسْجِدَ فَيَخَافُ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ، فَقَالَ: يَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْقَوْمَ وَ يَمْشِي وَ هُوَ رَاكِعٌ حَتَّى يَبْلُغَهُمْ.

وفي الفقيه: ” وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ع فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ” الحديث.

ومرادنا أنه يحتمل في الحديث الاتحاد، ولعل الشيخ رواها عن الصدوق وبين طريقها في التهذيب.

وقطع به الشيخ في التهذيب، قال: ” مَنْ سَمِعَ الْإِمَامَ وَ قَدْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ وَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ مَسَافَةٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَ يَرْكَعَ مَعَهُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَكَانُ ثُمَّ يَمْشِيَ فِي رُكُوعِهِ إِنْ شَاءَ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ أَوْ يَسْجُدَ فِي صَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَجْدَتَيْهِ لَحِقَ بِهِ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ”، وهو مذهب جل جاء بعده من العلماء.

والرواية هي الوحيدة الصريحة في جواز السعي مشيا حتى حال الركوع.

قال المحقق في المعتبر: “إذا دخل المسجد فركع الامام و خاف فوت‌ الركوع جاز أن يكبّر و يركع و يمشي راكعا حتى يلتحق قبل رفع رأس الامام، و كرهه الشافعي، و أبو حنيفة، و مالك، لما روي «آن أبا بكر([7]) فعل ذلك فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله زادك اللّه حرصا و لا تعد»« و جواب خبرهم: انه يحتمل أن يكون النهي عن تأخيره عن الصلاة، فكأنه يقول لا تعد إلى التأخر.

لنا: ان الدخول في الصلاة تحصيل فضيلة الجماعة، و المشي في الركوع لإدراك الصف غير مبطل، فلا يكره، و يدل على ذلك: ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام ” الروایة.

ثم حمل صحيحة عبد الرحمن بن ميمون السابقة على حال سجود الإمام قبل أن يدركه قال:

” فرع: لو ركع فمشى فسجد الامام قبل التحاقه سجد على حاله‌

و قام، فاذا ركع الامام ثانيا ركع و مشى في ركوعه، و كرهه الشافعي، و أبو حنيفة، و مالك، و قال أحمد:

تبطل صلاته، و قد بينّا ان ذلك مستحب، و روى ما ذكرناه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «إذا خفت أن يركع قبل أن تصل اليه فكبّر و اركع‌ فان رفع رأسه فاسجد مكانك فاذا قام فالحق بالصف و ان جلس فاجلس مكانك فاذا قام فالحق بالصف» “.

ولم نقف دليلا على جواز المشي حال الركوع إلا صحيحة محمد بن مسلم هذه المروية بطريق واحد على الأرجح في الفقيه والتهذيب، وأما ما ذكره المحقق رحمه الله من حمله صحيحة عبد الرحمن البصري على مسارعة الإمام للسجود فيسجد المأموم معه، فإنه لا قرينة عليه، ويقتضي التصرف في باقي الأدلة بحملها على هذا الوجه، وهو وإن احتمل لكثرة وقوعه إلا أن تقييد أكثر الأخبار أو عمدتها به مشكل، فتبقى على ظهورها في كون الالتحاق بالجماعة بعد السجود لا قبله.

نعم يمكن القول أن وجه الجمع بينها وبين ما مضى من الأدلة كونها صريحة في المشي حال الركوع -وإن كان غريبا غير مألوف- وتلك ظاهرة في كونه بعد السجدتين، فيتصرف في الظاهر بالحمل على تعجل الإمام السجود، وهذا الجمع الدلالي يصح حيث لا تكون تلك الأخبار المعارضة لصحيحة محمد بن مسلم في مقام بيان تكليف المأموم تفصيلا وإطلاقا، لكن إحراز ذلك مشكل بل الظاهر أنها في مقام البيان والإطلاق خاصة موثقة إسحاق بن عمار، فتكون كالصريحة أو متقوية بالاعتضاد والقرائن، وأما السيرة والشهرة المدعاة بل الإجماع كما عن الجواهر فلا يمكن إثبات اتصالها بزمان النص لتكون مرجحة لدلالة صحيحة محمد بن مسلم، ولا يبعد أن لفظها وقع فيه الوهم فزيد فيه “وهو راكع” أو أنها متصلة بسياق تركت روايته فصارت مجملة.

5-  وصحيحته الأخرى:

رواها الكليني والشيخ بسنده عن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ‏: قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَتَأَخَّرُ وَ هُوَ فِي‏ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا[8]». قُلْتُ‏[9]: فَيَتَقَدَّمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَا شَاءَ[10] إِلَى الْقِبْلَةِ».[11]

وهي أجنبية عن مسألتنا أو مجملة، ولعلها في مقام بيان حكم الانفراد في الصف، فإن كان متخلفا عنهم جاز له التقدم، وإن كانوا متأخرين لم يجز له التأخر، نعم مسألتنا على مهذب غير الإمامية مما ذكر أنها من باب النهي عن الانفراد في صف لوحده.

6-  وما رواه الصدوق مرسلا في الفقيه

قال: وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَمْشِي فِي الصَّلَاةِ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ وَ لَا يَتَخَطَّى.

وظاهره مجرد الرواية لا اعتمادها، وما دلت عليه مطلقات الأخبار السابقة هو جواز المشي والمضي المتبادر عرفا بلا تقييد لحصة وصورة خاصة منه.

فتحصل:

أنه يجوز لمن أراد اللحاق بالجماعة وخاف أن يرفع الإمام رأسه من الركوع -وهو دون الصفوف لم يبلغها- أن يكبر للإحرام ويركع معه، ثم يسجد معه في مكانه، ثم يسعى إلى الصفوف قائما ماشيا أو بأي حال أراد بشرط أن لا يخل بشروط التوجه للقبلة أو يتشاغل بشيء آخر من منافيات الصلاة.

والله أعلم


[1] في الاستبصار:+/« البصري».

[2] التهذيب، ج 3، ص 44، ح 155؛ و الاستبصار، ج 1، ص 436، ح 1682، معلّقاً عن الكليني. الفقيه، ج 1، ص 389، ح 1148، معلّقاً عن عبدالرحمن بن أبي عبداللَّه، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1195، ح 8032؛ الوسائل، ج 8، ص 385، ذيل ح 10970.

[3] و الوافي و التهذيب، ص 281:« السجدتين».

[4] في الوافي:« فمشى».

[5] التهذيب، ج 3، ص 272، ح 785، معلّقاً عن أحمد بن محمّد. و فيه، ص 281، ح 829، معلّقاً عن الحسين بن سعيد، و فيهما مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1196، ح 8034؛ الوسائل، ج 8، ص 384، ذيل ح 10969.

([6]) قال الشافعي في اختلاف الحديث: ” اختلاف الحديث، الإمام الشافعي، ص ٥٣:

باب صلاة المنفرد حدثنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن حصين أظنه عن هلال بن يساف سمع ابن أبي بردة قال أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له وابصة بن معبد فقال أخبرني هذا الشيخ أن رسول الله رأى رجلا يصلى خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة ” قال الشافعي ” وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلا ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت وسمعت من يروى بإسناد حسن أن أبا بكرة ذكر للنبي أنه ركع دون الصف فقال له النبي ” زادك الله حرصا ولا تعد ” فكأنه أحب له الدخول في الصف ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف ولم يأمره بالإعادة بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردا مجزئا عنه.

([7]) في البخاري عبد الرحمن بن أبي بكرة.

[8] ( 7). في مرآة العقول، ج 15، ص 282:« قوله عليه السلام: لا، أي بلا ضرورة، و إلّافيجوز للتوسعة على أهل الصفّ، أو للالتحاق بالمنفرد خلف الصفّ».

[9] ( 8). في« ظ، ى، بح، بخ، جن» و الوافي:« قال». و في« بس»:-/« قلت».

[10] ( 9). في« بث»:« ما يشاء». و في« جن» و التهذيب:« ماشياً».

[11] ( 10). التهذيب، ج 3، ص 272، ح 787، معلّقاً عن محمّد بن إسماعيل الوافي، ج 8، ص 901، ح 7348؛ الوسائل، ج 5، ص 190، ح 6301؛ و ج 8، ص 385، ذيل ح 10972.

قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

[مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة]

(مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة و أراد إدراك فضل الجماعة نوى (2) و كبّر و سجد معه (3) السجدة أو السجدتين و تشهّد، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام (4) و يستأنف الصلاة (5) و لا يكتفي بتلك النيّة و التكبير (6)، و لكن الأحوط (7) إتمام الأُولى‌ بالتكبير الأوّل، ثمّ الاستئناف بالإعادة.

______________________________
(1) فيتمّ صلاته و يعيد على الأحوط. (الفيروزآبادي).

(2) الأحوط أن ينوي المتابعة للإمام فيما بقي من أفعال صلاته و يكبّر لذلك رجاءً لدرك ثواب الجماعة و أمّا إذا نوى الصلاة و كبّر للافتتاح فلا يترك الاحتياط بالإتمام ثم الإعادة. (البروجردي).

(3) مقتضى ما سبق منه من عدم استئناف النيّة و التكبير جواز الاكتفاء بالنية و التكبير إن سجد معه السجدة الواحدة. (الفيروزآبادي).

(4) يعني بعد التسليم بمتابعة الإمام. (النائيني).

(5) الأحوط الإتيان بالتكبيرة الاولى و الثانية بقصد القربة المطلقة من دون احتياج إلى الإعادة. (الحائري).

الأحوط أن يكبّر تكبيراً مردّداً بين الافتتاح على تقدير الحاجة و الذكر على تقدير عدمها. (الحكيم).

(6) الأقرب الاكتفاء بهما و عدم وجوب الاستئناف. (الجواهري).

بل الأقوى الاكتفاء بذلك كما مرّ في غير الركعة الأخيرة. (كاشف الغطاء).

لا يبعد الاكتفاء. (الشيرازي).

(7) الأولى عدم الدخول في هذه الجماعة فإن نوى لا يترك هذا الاحتياط و إن كان الاكتفاء بالنيّة و التكبير و إلقاء ما زاد تبعاً للإمام و عدم إبطاله للصلاة لا تخلو من وجه. (الإمام الخميني).

  • (العریبی): المسألة ومثيلاتها من تطبيقات قاعدتي إذا أدرك الإمام راكعا فقد أدرك الركعة، وقد مر إثباتها وبيانها، وقاعدة من أدرك شيئا من صلاة الجماعة بعد أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك فضل الصلاة، وهي مستنبطة من مواردها المتفرقة، فإذا ثبتت كانت الأصل والمرجع لكل تطبيقاتها من إدراك المأموم سجود الإمام الأول أو الثاني من كل ركعة أو من الثانية من الركعة الأخيرة أو التشهد أو التسليم الأخير، على التفصيل بين المعذور الذي منع عن إدراك الركعة التي نوى لحاقها فيصح من الدخول وتجزيه جماعته، ومن فاتته الركعة لا عن عذر إلا سبق الإمام له فإنه هو المقصود بمن فاتته الصلاة.

فالكلام في إدراك الصلاة تكفلت به القاعدة الأول، ومضى.

والكلام في إدراك فضيلة ما فاته من الصلاة تكفلت به الثانية وثمرتها تظهر في جواز الإئتمام في أي موضع من الصلاة ثم اللحاق بالإمام قائما أو راكعا أو يقوم لصلاته ولا يعتد بما تابع به الإمام ولا يحتسبه بل يستأنف صلاة جديدة، والخلاف بين الأعلام في وجوب تكبيرة جديدة للصلاة أو الاكتفاء بتكبيرة دخوله الأولى على القول باشتراطها في صحة ائتمامه السابق، والأقوى أنها تجب عليه، لصريح الأخبار في عدم الاعتداد بما جاء به من الركعة أو الصلاة.

فهنا أحكام:

الأولى: جواز الإئتمام في أي موضع من صلاة الجماعة لإدراك فضيلة ما فات.

الثانية: عدم الاعتداد وعدم احتساب ما فات من الصلاة

الثالثة: استحباب التكبير لمتابعة الجماعة

الرابعة: وجوب تكبير جديد عند قيامه لصلاته بعد تسليم الإمام أو انفراده عن المتابعة.

قال السيد في المدارك:

” للمأموم بالنظر إلى وقت دخوله مع الإمام أحوال:

الحالة الأولى: أن يدركه قبل الركوع، فيحتسب بتلك الركعة إجماعا.

______________________________
الحالة الثانية: أن يدركه في حال ركوعه، و الأصح إدراك الركعة بذلك، للأخبار الكثيرة الدالة عليه «1»، فيكبر المأموم تكبيرة للافتتاح، و أخرى مستحبة للركوع، ثم يركع. قال في المنتهى: و لو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع إجماعا «2».

الحالة الثالثة: أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، و لا خلاف في فوات الركعة بذلك، لكن استحب أكثر علمائنا للمأموم التكبير و متابعة الإمام في السجدتين، و إن لم يعتد بهما.

و اختلفوا في وجوب استئناف النية و تكبيرة الإحرام بعد ذلك، فقال الشيخ: لا يجب، لأن زيادة الركن مغتفرة في متابعة الإمام «3». و قطع أكثر الأصحاب بالوجوب، لأن زيادة السجدتين مبطلة للصلاة، و لقوله عليه السلام في رواية معلى بن خنيس: «إذا سبقك الإمام بركعة، و أدركته و قد رفع رأسه، فاسجد معه و لا تعتد بها» «4» و هي غير صريحة في وجوب الاستئناف.

و يظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم من أصله، للنهي عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر عليه السلام «5» «6». و هو في محله، لا لما ذكره من النهي فإنه محمول على الكراهة، بل لعدم ثبوت التعبد بذلك.

ثم إن قلنا باستحباب المتابعة و عدم وجوب استئناف النية كانت التكبيرة المأتي بها تكبيرة الإحرام، و وجب إيقاع النية قبلها. و إن قلنا بوجوب استئناف‌.
النية، كان التكبير المأتي به أولا مستحبا كما هو ظاهر.

الحالة الرابعة: أن يدركه و قد سجد سجدة واحدة، و حكمه كالسابق، فعلى المشهور يكبر و يسجد معه الأخرى، و في الاعتداد بالتكبير الوجهان، و هنا أولى بالاعتداد، لأن المزيد ليس ركنا. و الوجه الاستئناف كالأول، لأن الزيادة عمدا مبطلة و إن لم تكن ركنا.

الحالة الخامسة: أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، و قد قطع المصنف، و غيره «1» بأنه يكبر و يجلس معه، فإذا سلم الإمام قام و أتم صلاته، و لا يحتاج إلى استئناف التكبير.

و نصّ المصنف في المعتبر على أنه مخير بين الإتيان بالتشهد و عدمه”([1]).

وينبغي ملاحظة أن الاختلاف في تفاصيل هذه المسألة وتقسيمها لمواضع الإدراك خلت من جمعه تفاصيل الأخبار مع عظم الابتلاء به، وهو يكشف عن وضوح حكمه ما لا يتحمل هذا التباين في الأقوال والتفصيل، وهذا بنفسه مؤيد لمفاد القاعدة الثانية.

أدلة قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

أما ما يدل على مفاد القاعدة الثانية -من جواز الإلتحاق بالإمام في أي موضع إذا فاتته ركعة من الإمام وعدم الاعتداد بها- فهي الدلالة المجموعية لعدة أخبار ومعتبرات؛ منها:

معتبرة محمد بن مسلم

ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِم‏ قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَتَى يَكُونُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاتِهِ فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ.

وفي طريقها إرسال؛ لبعد احتمال رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن البزنطي، والمختار صحة الرواية للانحصار الحاجة إلى اتصال السند فيما إذا كان الرواة من غير المعروفين أو من المتهمين أو الضعاف في الحديث أو ممن لا يقبل إرسالهم، وأما رواية محمد بن يحيى عن كتاب البزنطي فلا شيء يمنع عن قبولها منه، أسندها أو أرسلها.

وهي وإن كانت ظاهرة في اختصاص الحكم بالسجدة الأخيرة وهو القدر الاتفاقي في كلمات الفقهاء، إلا أنها أظهر في بيان أدنى وآخر ما تدرك به الفضيلة، ومثله كثير في الروايات، كما أن مناسبة الحكم والموضوع قاضية بأولوية لحوق الحكم بأجزاء الصلاة السابقة على السجدة الأخيرة بلا شك خاصة وأن الصلاة ليست محتسبة ولا يعتد بها، وليس كما ذكره بعض الفقهاء من أن عدم الاعتداد إنما هو للسجدة فحسب ثم رتب عليه -إضافة للاستدلال بقوله ع: ثم يتم صلاته- عدم وجوب تكبيرة جديدة لصلاته بعد فراغ الإمام، فتأمل.

صحيحة معاوية بن شريح

ومما روي في إدراك المأموم مفصلا ما رواه الشيخ الحر -وصاحب البحار وغيرهما ممن تأخر عنهما- من نسخته من كتاب الفقيه للشيخ الصدوق بسنده عن معاوية بن شريح، قال: “وَ رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ مُبَادِراً وَ الْإِمَامُ رَاكِعٌ أَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ لِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَ الرُّكُوعِ.

وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ سَاجِدٌ كَبَّرَ وَ سَجَدَ مَعَهُ وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَ هُوَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَذَانٌ وَ لَا إِقَامَةٌ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ سَلَّمَ فَعَلَيْهِ الْأَذَانُ وَ الْإِقَامَةُ”.

واستدل بها السيد الخوئي رحمه الله على حكم إدراك ما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة التي دل على الحكم عليها صحيحة محمد بن مسلم السابقة، غير أنه لم يعمل بها لتضعيفه معاوية بن شريح، والأقرب العمل برواياته لعدم الطعن فيه ولا في كتابه مع ظاهر شهرته بين الرواة الأجلاء.

ومثله الشيخ يوسف في الحدائق رواها كاملة ثم قال: “أقول: يمكن أن يستدل للشيخ بهذا الخبر بان يقال لا يخفى أن الظاهر من قوله «و من أدركه» أي نوى و كبر معه و دخل في الصلاة، و قد دلت على ان من دخل معه و هو ساجد سجد معه و لم يعتد بها و استمر معه في الصلاة و من دخل معه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فإنه يمضى في صلاته بعد تسليم الامام، و لو كان ما يدعونه من وجوب إعادة النية و التكبير حقا لوجب ذكره في الكلام إذ المقام مقام البيان و ليس فليس. و بعين ذلك يمكن أن يقال في رواية المعلى المتقدمة فإنها دلت على الدخول معه بعد النية و التكبير المعبر عنهما بقوله «فأدركته» لأن هذا هو ظاهر معنى هذا اللفظ كما عرفت، و لم يتعرض في الخبر لإعادة النية و تكبير الإحرام و مقام البيان يقتضيه لو كان واجبا. و بالجملة فإنه حيث كان ظاهر اللفظ المذكور اعنى قوله «و من أدركه» هو ما ذكرنا من الكناية عن الدخول معه بعد النية و تكبير الإحرام فإنه لا مناص من صحة ما رتبناه عليه من توجيه الاستدلال به للشيخ (قدس سره)”.

والأَولى أن يقال قبل هذا أنه يحتمل الخلط في كتاب الوسائل بين الرواية وكلام الشيخ الصدوق رحمه الله؛ وأول ما يشك في دخوله في الرواية قوله: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد” إلى قوله: “فعليه الأذان والإقامة”.

وهو ما نبه عليه الشيخ الفيض في الوافي، قال: “هذه الزيادة يحتمل أن تكون كلام أبي عبد اللّٰه ع و أن تكون من كلام الصدوق طاب ثراه “.

وقد يدفع هذا الاحتمال بأن الشيخ الصدوق قال بعده فاصلا للسياق: “ولا يجوز جماعتان في مسجد ..” ثم استدل عليه بالخصوص مما يظهر أن ماسبقه من الرواية نفسها، وهو قريب للصواب في نفسه.

ولو تتبعنا الرواية لوجدنا أن الشيخ الطوسي في التهذيب والخلاف اكتفى بصدر الرواية، وترك المشكوك زيادته، وكل من جاء بعده على ما تتبعناه إنما اكتفى بصدر الرواية أيضا حتى زمان الشيخ  المجلسي والحر رحمهما الله برحمته الواسعة، وهكذا تتابع الاستدلال بالزيادة المشكوكة، فالأقوى عدم صحة الاحتجاج بها إلا على حكم إجزاء تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، فلا حاجة للبحث في مرجع الضمير في قوله: “وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا” هل هو السجود أم الصلاة، والله أعلم.

معتبرة المعلى بن خنيس

ومنها معتبرة المعلى بن خنيس عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِذَا سَبَقَكَ‏ الْإِمَامُ‏ بِرَكْعَةٍ فَأَدْرَكْتَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَاسْجُدْ مَعَهُ وَ لَا تَعْتَدَّ بِهَا.

ولا بأس برواية المعلى في الأحكام، خاصة ما رواه عنه الأجلة أو كان نقي الإسناد إليه، ما لم يتفرد به أو يروي عنه المتهمون.

وهي ظاهرة في صحة متابعته في غير السجدة الثانية من الركعة الأخيرة المنصوص عليها في صحيحة محمد بن مسلم السابقة، بل دالة على رجحانه واستحبابه، إذ الأمر فيها ليس للوجوب بعد معلومية عدم وجوب الجماعة في نفسها في هذا المقام، كما أن دلالتها على عدم وجوب التكبير ظاهرة أيضا بمعية كونها متابعة وليست صلاة حقيقة، فيلزم بالضرورة الحكم بوجوب تكبير جديد عند اللحاق بالإمام في الركعات الأخر أو استئناف الصلاة بعد تمام الجماعة.

روايتا عمار الساباطي

ومنها موثقة عمار السابقة عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ قَاعِدٌ يَتَشَهَّدُ، وَ لَيْسَ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ؟

قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمُ‏ الْإِمَامَ‏، وَ لَايَتَأَخَّرُ الرَّجُلَ، وَ لكِنْ يَقْعُدُ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ الرَّجُلُ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ».[2]

ومر عليك ضعف ما استظهر منها من عدم وجوب استئناف تكبير إحرام للصلاة بعد القيام؛ لأن ظاهرها أنها في مقام بيان طريقة الالتحاق في قبال طريقة العامة، وأنه يحتمل التجوز في التعبير بالإتمام؛ للمشاكلة أي بذكر الشيء بلفظ غيره، او تشبيها للمتابعة بالصلاة واستعارة للوازم الصلاة الحقيقية لها، أو لأنها صلاة في الحقيقية لكنها غير مجزية عن الفرض التام لفقدها بعض الشروط، وهو الصحيح لظهور التعبير في الحقيقة والاعتبار الذي هو سبب التباين بين الصلاتين شرعي وليس لغويا ولا عرفيا فإنه فيهما صلاة أيضا.

وعليه فلا يلزم ولا يتعين من قوله ع: “قام الرجل فأتم صلاته” إجزاء أعماله السابقة؛ فإنها محكومة بما دل صريحا على عدم الاعتداد بشيء منها وأنها لإدارك الفضيلة حسب.

وعلى أي حال فإنها دالة على جواز الدخول في التشهد الأخير، لكنها لا تصلح لنفي الجواز في غيره لكونها في مقام بيان الحكم المسؤول عنه ساكتة عن غيره.

وموثقته عمار الأخرى، رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى‏

عن أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ قَال‏

قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ جَالِسٌ‏ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ‏ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ لَا يَقْعُدُ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَقُومَ([3]).

دلت على حكم من أدرك الإمام في التشهد الأول كما عن غير واحد، وحمل النهي هنا الشيخ الحر على الجواز والسابق على الاستحباب، ومنعه السيد الخوئي رحمه الله بناء على عدم إمكان الجمع العرفي بين الأمر والنهي بلا قرينة، ثم أيد ما ذهب إليه الشيخ الحر من اختلاف المقامين، فتلك في التشهد الثاني وهذه في التشهد الأول، فالروايتان غير متعارضتين.

ونمنع التمسك بها في الاستدلال؛ لتفرد عمار وغرابة الحكم فيها وعدم ما يرشد أنه في التشهد الأول إذ أنه أخص من المدعى الذي يشمل فرض صلاة الفجر أيضا مما ليس فيه تشهد ثان، على أن الشيخ الطوسي رواها في الزيادات، ويمكن حملها على الجلوس الذي لا يدركه إذ الإمام سيقوم من فوره، وكذا افتتاح الصلاة، ويمكن أن يكون قوله: “يفتتح الصلاة” جملة منفصله، والعطف عليها بالنهي عن الجلوس للتنبيه لما ذكرناه، وفيه ما فيه.

والذي لا أستبعد احتماله أنها اقتطعت من روايته الأخرى الطويلة التي رواها الشيخ الطوسي في التهذيب في الباب الذي يسبق هذه الرواية وهو باب العمل في ليلة الجمعة ويومها بنفس إسناد السابقة، وهو طريق عن ثقاة الفطحية وواحد من الطرق المشهورة لكتاب عمار عمن اختص به وهو مصدق بن صدقة، روى بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ‏ بْنِ‏ صَدَقَةَ عَنْ‏ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَ قَدْ صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ يَدْخُلُ مَعَهُ وَ يَقْرَأُ خَلْفَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ‏ مِنْ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ وَ فِي الثَّانِيَةِ الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ مِنْ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ فَلَا يَتَشَهَّدْ وَ لَكِنْ يُسَبِّحُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُسَبِّحُ فِيهِمَا وَ يَتَشَهَّدُ وَ يُسَلِّمُ([4]).

وهي واضحة الدلالة على أن دخوله كان موضع القراءة أي القيام، فافتتاح الصلاة في موضعه الصحيح، ثم النهي عن التشهد هنا وقع محله النهي عن القعود هناك، فيحتمل أن قوله هناك: “حتى يقوم” أي المأموم وليس الإمام، أي لا يقعد للتشهد والتسليم حتى يقوم فيتم صلاته.

وعلى أي احتمال كان، فالأمر كما ذكرنا، إجمال رواية عمار وتفردها يمنع عن الاحتجاج بها.

صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري

وما رواه الكليني والشيخ صحيحا عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ البصری:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «إِذَا سَبَقَكَ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، فَأَدْرَكْتَ الْقِرَاءَةَ الْأَخِيرَةَ، قَرَأْتَ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاتِهِ وَ هِيَ ثِنْتَانِ لَكَ؛ وَ إِنْ لَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً، قَرَأْتَ فِيهَا، وَ فِي الَّتِي تَلِيهَا؛ وَ إِنْ‏ سَبَقَكَ بِرَكْعَةٍ، جَلَسْتَ فِي الثَّانِيَةِ لَكَ وَ الثَّالِثَةِ لَهُ حَتّى‏ تَعْتَدِلَ‏ الصُّفُوفُ قِيَاماً».

قَالَ: وَ قَالَ‏: «إِذَا وَجَدْتَ الْإِمَامَ سَاجِداً، فَاثْبُتْ‏ مَكَانَكَ‏ حَتّى‏ يَرْفَعَ رَأْسَهُ؛ وَ إِنْ كَانَ قَاعِداً قَعَدْتَ؛ وَ إِنْ كَانَ قَائِماً قُمْتَ».[5]

الرواي هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري، وهو عبد الرحمن بن ميمون، ذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن

بن أبي عبد الله ميمون البصري، قال: ” إسماعيل يكنى أبا همام روى إسماعيل عن الرضا [عليه السلام‏] ثقة هو و أبوه و جده “.

لكن في رجال ابن داوود – بعد أن ذكر إسماعيل بن همام في باب الممدوحين بعين عبارة النجاشي الآنفة – ما يظهر منه أن التوثيق لعبد الرحمن وابنه همام زيادة في نسخة فهرست النجاشي، قال: ” عبد الرحمن بن أبي عبد الله : قيل فيه لا يعرف منه إلا أنه له حظا من عقل و قال بعض أصحابنا إنه ظفر بتزكيته و كذا ابنه أبو همام و لم يذكرهما [جش‏] و لا [كش‏]”. والذي يظهر أنه غفل عن تزكيتهما في ترجمة إسماعيل.

وسمعت في مجلس البحث من شيخنا المحقق السيد موسى الزنجاني متعنا الله بطول بقائه أن في فهرست النجاشي -ولا أذكر ما مثل به الآن- زيادات أدرجت من حواشي المعلقين عليه في المتن، وذكر شيئا شبيها بهذا المورد إن لم يكن هو بعينه.

والأقوى أن عبارة النجاشي والنسخة صحيحة لكثرة النقل في الكتب عنه وعدم ما يمنع عنه، بل هو من الثقاة المشهورين حتى لو بانت الزيادة في نسخة فهرست النجاشي.

وظاهرها الدلالي ينافي ما دل على جواز الدخول في السجود كظاهر معتبرة المعلى بن خنيس، وجُمع بينهما بالتخيير بين الإتيان بالسجود وعدمه، قال الشيخ يوسف – ره – في الحدائق:

” أقول: ظاهر هذه الرواية الدخول معه في الصلاة و انه متى كان الدخول و هو ساجد لم يتابعه في السجود مع دلالة رواية المعلى المتقدمة على السجود معه متى دخل معه بعد رفع رأسه من الركوع. و يشكل الجمع بينهما في ذلك إذ لا فرق بينهما إلا ان هذا الخبر دل على دخوله حال السجود و خبر المعلى دل على دخوله قبل السجود، و هذا الا يصلح للفرق و جواز السجود في ما إذا دخل قبل و عدم الجواز في ما إذا دخل حال السجود. اللهم إلا ان يقال ان رواية المعلى قد دلت على انه لا يعتد بذلك السجود و حينئذ يكون وجوده كعدمه، و ظاهرها انه لا ضرورة في الإتيان به كما هو مذهب الشيخ، و حينئذ يكون وجه الجمع بينهما التخيير بين الإتيان بالسجود و عدمه”.

فشاهد الجمع هو كون الأمر بالمتابعة من المستحبات التي يقصد منها إدراك الفضل، ولا تعارض في غير الإلزامي في الأحكام، وجوابه أن هذا صحيح في مرحلة المراد الجدي عند القطع بالمراد، لا في مرحلة الدلالة اللفظية، فإن التنافي بين الدليلين إما لتنافيهما ذاتا وأمرا فيكذب أحدهما الآخر وهو الأصل، أو لتنافيهما ظاهرا واجتماعهما رخصة، والمدعى هو الثاني ولا دليل عليه هنا كما لا ظهور في نظر الدليلين للآخر، فإن الكلام في شرط صحة المتابعة وموضعها من الصلاة، نعم قد يكون عمل الأصحاب وإجماعهم كاشفا عن صحة أحدهما أو مرجحا، لكنه غير حاصل، وهل تحتمل التقية في أحدهما لموافقة العامة أو لإحداث التخالف بين الشيعة حتى لا يعرفوا بمذهبهم فيؤخذوا ؟

 الحكم عند العامة:

استدلوا لجواز الدخول في أي حالة ثم الإتمام والاكتفاء بتكبيرة الإحرام وهي الأولى قبل متابعته، بقوله صلى الله عليه وآله سلم: إذا أَتَى أحدُكُم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمامُ. رواه الترمذي وادعي عليه عمل أهل العلم.

وهذا المقدار مما عمل به العامة لا يكشف عن حال تقية يرجح بها أحد الدليلين.

وعن النراقي في المستند نفي دلالة الصحيحة على النهي عن الدخول، قال في المستند: ” عن شيخنا الشهيد الثاني التخيير حينئذ بين ما ذكر([6]) و بين التوقّف في مكانه، و مال إليه بعض مشايخنا الأخباريين([7])، و لا بأس به.

للجمع بين ما ذكر و بين رواية البصري: «و إذا وجدت الإمام ساجدا فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه، و إن كان قاعدا قعدت و إن كان قائما قمت».

و لا دلالة للخبر على وجوب الإثبات، لعدم صراحة قوله: «فاثبت» في الأمر، لجواز كونه ماضيا كما يلائمه قوله: قعدت و قمت، و لو سلّم فيجب الحمل على الاستحباب، لعدم وجوب أصل الاقتداء و المتابعة”.

ماضيا أي قد مضى سجوده، لكنه خلاف الظاهر.

وعلي أي حال فالصحيحة مخالفة لظاهر وصريح أكثر من خبر، كمعتبرة محمد بن مسلم الدالة على الجواز في حال التلبس وهو قوله ع: “وهو في السجدة”، ومعتبرة معلى بن خنيس الصريحة في الجواز بقوله ع: “فاسجد معه”، وصحيحة معاوية بن شريح -على الأخذ بالزيادة لم كانت من الرواية- الآمرة بالسجود بقوله ع: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبر وسجد معه”، ومخالفة كذلك لما رواه أكثر العامة من جواز الدخول في أي موضع من الصلاة مما لا قطع على بطلانه.

وهذه الموارد المتفرقة من فوات الركعة حتى التسليم دلالتها المجموعية على عدم خصوصية جزء من الصلاة دون جزء، ولا تنافيه أو تنفيه الأخبار المبينة لحكم جزئي ورد في سؤال أو مُثِّل به لغرض ولتمهيد بيان أن بإدراكه يدرك فضل الصلاة، لكونها ساكة عن حكم غيره كما هو واضح وليست في مقام الإطلاق أو تعيين الوظيفة تفصيلا.

وأما التكبير:

فقد خلت أكثر النصوص عن حكم إعادته، وليس بمتيقن أن ما يأتي به أولا هو لصلاته أم لمتابعته تشبها بالمصلين، وصريح كلام منصور بن حازم -وهو قوله: “فكبر ثم اجلس، فإذا قمت فكبر”- الذي استظهرنا من حاله في صحة الرواية ومن عدم ذكر معارض له أنه ومن إيداع كلامه كتب الرواية، أنه كلامه معنى رواية معتمدة، وهو موافق للأصل عند الشك في إجزاء التكبيرة الأولى عن تكبيرة صلاته، فيجب عليه تكبير للدخول وتكبير آخر لإحرام صلاته بعد تسليم الإمام، ولو تنزلنا فلا أقل من الاحتياط بإتيانها.

فالحاصل:

أن من فاتته الركعة من الصلاة وأراد إدراك فضل ما فاته أو فاتته الصلاة بفوات الركعة الأخيرة، استحب له التكبير والتحاق بالإمام في أي موضع من صلاته، فإذا سلم الإمام قام فكبر وصلى دون اعتداد بما أتى به متابعة.


([1]) المدارك 4: 386.

( 1) التهذيب، ج 3، ص 272، ح 788، معلّقاً عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1198، ح 8041؛ الوسائل، ج 8، ص 392، ذيل ح 10990.

([3]) التهذيب 3: 274/ ح113، ب25 فضل المساجد والصلاة فيها وفضل الجماعة وأحكامها، من أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة.

([4]) التهذيب 3: 247/ ح57، ب24 باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

[5] التهذيب، ج 3، ص 271، ح 780، معلّقاً عن محمّد بن يحيى، عن عبداللَّه بن محمّد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1230، ح 8123؛ و في الوسائل، ج 8، ص 393، ذيل ح 10992؛ و ص 387، ح 10976؛ و ص 417، ح 11057، قطعة منه.

([6]) أي معتبرة المعلى بن خنيس.

([7]) وهو الشيخ يوسف في الحدائق.

كتاب أنيس الحامل (الطبعة 3)

أنيس الحامل في الأدعية والأحراز والمسائل

نظامٌ عبادي غذائي للمرأة للحامل
• تهتدي به في عبادتها
• وتأنس به زمان حملها
• وتأمل باتباعه الذرية الطيبة التي تقر عينها

  • جُرِّب ؛ فأتى بنتائجه المرجوة
  • وكتب تحت نظر المختصين في التغذية والشريعة

نسخة PDF

https://tinyurl.com/anees2020

نسخة الكندل

https://tinyurl.com/y74a4me3

الدفع والدعم

  • الكتاب غير مجاني
  • الدفع اختياري
  • تقدير المبلغ باختيار الدافع
  • يرجى تعيين إحدى الطرق أدناه

من داخل البحرين

Mohamed Ali Alaraibi

Benfit : 34576914

IBAN: BH71NBOB00000274315459

——-

من داخل البحرين وخارجها

عن طريق صفحة الدفع والدعم

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام
كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م

كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م
https://www.mediafire.com/?ewg99tcvr5kxrrr

تقليد الميت بين السنة الشيعة تاريخ المسألة وأدلتها

 

تقليد الميت بين السنة والشيعة
تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة الشيعة
تاريخ المسألة وأدلتها
* محمد علي العريبي
للتحميل: من هنا

والحمد لله رب العالمين
وكتبه: محمد علي العريبي
1437 – البحرين

الفهرس
المبحث الأول: تمهيد لمسألة تقليد الميت عند الإمامية: الفرق بين الرواية والفتوى مما بني عليه الاختلاف في مسألة تقليد الميت 1
السيد المرتضى: أول من ذكر الفرق بين الفتوى والرواية من الشيعة 2
فائدة الخبر والفتوى هي النسبة الخبرية 4
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ) في مطارح الأنظار: 5
الإيراد على تعريف الرواية والفتوى: 6
الفتوى بلسان الرواية: 6
ما أجيز من صور الرواية: 7
اعتراف الرجاليين والمحدثين بالتصرف في ألفاظ الروايات: 7
تفاوت أداء الأخبار: 7
المناط في صفة الرواية هما الإسناد و حفظ المعنى: 8
إطلاق الحكم بلا إسناد لفظي بمنزلة الرواية 10
ما تحصل من الأدلة أنه الفرق بين الرواية والفتوى لا يصلح للمنع من تقليد الميت: 11
المبحث الثاني: تقليد الميت عند السنة والشيعة 1
تقليد الميت عند أهل السنة: تاريخ المسألة وأدلتها 1
الشافعي: قائل بالجواز: ( المذاهب لا تموت بموت أصحابها ) 1
الملاحظ على الدليل: 1
ابن القصار المالكي البغدادي ( 397 هـ ): جوزه، وهو أول من أفرد بابا للمسألة 3
الباقلاني ( 403 هـ ) أول من أوجب تقليد الحي: 3
إمام الحرمين الجويني ( 478 هـ ): قائل بوجوب تقليد المجتهد : 4
القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ ): 6
أبو الحسين البصري المعتزلي ( 436 هـ ): أول من ادعى وجوب تقليد الحي للسيرة والإجماع 6
أبو حامد الغزالي ( 505 هـ ): 7
ويلاحظ عليه: 8
أبو بكر الرازي ( 606 هـ ): 8
المتحصل من الأدلة: 9
تقليد الميت عند الإمامية: تاريخ المسألة عند المتأخرين وأدلة المانعين عن تقليد الأموات 1
نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلي ( المحقق الحلي ) ( 676 هـ ): يجوز تقليد الميت كالحي إذا علم صحة النقل 1
العلامة الحلي ( 726 هـ ) في قواعد الأحكام: لا يجوز الأخذ بقول الميت 1
الكركي ( 940 هـ ) في جامع المقاصد في شرح القواعد: تابع الحلي 3
الشهيد الثاني ( 965 هـ ): أول من ادعى إجماع الإمامية على عدم جواز تقليد الميت 4
أول من أفتى بفسق من قلد الأموات إذا وجد مجتهد في زمانه 7
منشأ الفرقة والتنافر بين المحدثين وأكثر الأصوليين في المسألة 8
استدلالات أخرى بعد الشهيد الثاني: 14
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل ( الوحيد البهبهاني ) ( 1205 هـ ): لا يجوز تقليد الميت للقطع بارتفاع ظن الفقيه 15
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ): دعوى الإجماع المحقق على حرمة تقليد الأموات 16
رجوع لكلام الأنصاري: 18
الذب عن المحدثين: 18
أدلة الشيخ الأنصاري على اشتراط الحياة في المفتي: 19
الأوّل : اصالة حرمة العمال بالظن 20
الثاني : الإجماع المحقق 20
الثالث: عدم إمكان الوقوف على المجتهد الأعلم الأورع 22
الرابع : عدم العلم بآخر فتاوى المجتهد الميت إذا تغير اجتهاده 23
الخوئي ( 1413 هـ ): المتسالم عليه عدم جواز تقليد الميت 24
ما استدل به السيد الخوئي: 24
الأول: الشهرة والتسالم 24
الثاني: روايات الإرجاع للفقيه ظاهرة في الفعلية وموضوعها الحياة 25
الثالث: أدلة الإرجاع للفقهاء رادعة لسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 27
الرابع: الضرورة المذهبية رادعة للسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 28
الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر): 29

 

 

 

 

 

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية
الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

https://drive.google.com/uc?export=download&id=0B6AZtFCXyPdbUEcxdDR4ZEkzZ2s

https://twitter.com/Moh_Aloraibi/status/698933212840620032

https://www.facebook.com/aloraibi.m/posts/983534848396597

https://www.goodreads.com/book/show/29775842

https://ar.scribd.com

كتاب الخمس – فقه حديثي تحقيقي

كتاب الخمس – فقه حديثي تحقيقي

كتاب الخمس-العريبي-1435-2014للتصفح :

https://drive.google.com/file/d/0B6AZtFCXyPdbQl80M3B5Q21uN1E/edit?usp=sharing

للتحميل:

https://docs.google.com/uc?authuser=0&id=0B6AZtFCXyPdbQl80M3B5Q21uN1E&export=download

المحتويات

تمهيد: 3

الفصل الأول: في التحليل المطلق للخمس: 6

أولا: في التسمك بالنصوص المحللة، والسير فيها زمني: 7

1-              لمحة لما أوجبه النبي صلى الله عليه وآله: 7

2-              المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: 11

ما يعارض أخبار التحليل في زمن أمير المؤمنين عليه السلام: 18

3-              المروي عن الباقر عليه السلام 19

[إشكال وجواب] 23

[السند] 30

[الدلالة] 32

فيما يعارض أخبار التحليل عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: 34

4-              المروي عن الصادق عليه السلام 38

[في سالم بن مكرم] 48

[التحقيق] 49

[في شرح ألفاظ الرواية وأهمية الوقوف على المعنى كاملا] 63

[الفائدة من هذا التفصيل] 66

[دلالتها] 66

مما يمكن أن يعارض أخبار التحليل عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: 67

[الجواب عن الرواية الأولى: لا خمس إلا في الغنائم خاصة – أدلة وجوب دفع خمس الغنيمة الحربية لا يخصص التحليل العام] 70

[الجواب عن الرواية الثانية] 72

[ثلاث طوائف يمكن إلحاقها بأدلة عدم التحليل] 72

[الطائفة الثالثة] 72

[الطائفة الرابعة] 75

[الطائفة الخامسة] 75

[النتيجة مما سبق] 76

5-               المروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: 76

[ما فيه دلالة على الوجوب الفعلي] 76

[استثناء الغنيمة الحربية من تحليل الخمس] 79

[ الأموال التي كانت عند قوام ووكلاء الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام] 79

[ منشأ الأموال التي كانت عند وكلاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام] 81

[لم تثبت نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد رحمه الله] 84

قصة شطيطة. 85

[الحاصل] 91

6-              المروي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام 91

الخمس والمأمون العباسي: 96

7-              المروي عن أبي جعفر الجواد عليه السلام: 100

8-              المروي عن أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي عليهما السلام 105

أبو علي الحسن بن راشد 106

سنة إقامة أبي راشد وخصوصية الزمان. 107

مفاد رواية أبي علي بن راشد 109

9-              المروي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام 111

4-              المروي عن صاحب الأمر عليه سلام الله وصلواته 113

[ معنى الصلة وسبب الشك ] 118

[مصادر الأموال في زمن الغيبة – أقسام أموال الإمام عليه السلام] 119

الخمس في الغيبة الكبرى. 126

ثانيا: أقوال فقهاء الشيعة 127

1-              الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه رحمه الله  ت 381 هـ. 127

2-              الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان رحمه الله ت 413هـ. 127

3-              الشيخ محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله 460 هـ. 127

4-              العلامة الحلي ت726 هـ. 128

5-              الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي ت 786 هـ. 129

[ولاية الفقهاء على أموال الإمام عليه السلام] 130

6-              الشيخ حسن بن الشهيد الثاني رحمهما الله ت 1011هـ. 130

7-              الفاضل الخراساني محمد باقر السبزواري ت 1090 هـ. 130

8-              السيد محمد بن علي الموسوي العاملي صاحب المدارك ت 1009هـ، والشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني ت 1091هـ. 131

ثالثا: الاحتياط بإخراج الخمس.. 133

[تنويع الأحكام الشرعية] 133

[صحة التقسيم الثنائي بأحد الوجوه] 135

[حكم الخمس والاحتياط] 136

[الاحتياط بين الأقوال] 136

[معنى الشبهة في الأخبار وأقسامها] 137

[الشبهات الوجوبية] 137

[الشبهات الوجوبية] 137

[لفقد الدليل] 137

[لاشتباه الدليل – الوجوب الاحتياطي] 138

[الشبهات التحريمية] 138

[الشبهة لفقدان الدليل] 138

[الدليل على الإباحة في الشبهات التحرمية البدوية] 138

[الشبهة لإجمال الدليل – التحريم الاحتياطي] 139

النسبة بين أصل البراءة والاحتياط ودليليهما 140

متى يستحب الاحتياط. 141

رابعا: التخيير في أدلة الخمس.. 143

قاعدة التخيير والتسليم. 143

المناقشة في دليل قاعدة التسليم. 143

خامسا: التمسك بالاستصحاب.. 147

أنواع الاستصحاب.. 147

الوجه في خروج الاستصحاب عن أدلة العقل. 148

أدلة حجية الاستصحاب.. 148

سادسا: ما يعارض روايات التحليل مطلقا: 155

الفصل الثاني: ما يجب فيه الخمس على فرض وجوبه 157

حصر أقسام الخمس.. 158

الأول: في غنائم دار الحرب.. 160

[من المغنم أموال الناصب] 161

[أموال البغاة] 162

[ما يؤخذ بغير قتال ليس بغنيمة] 163

[لا نصاب في الغنيمة] 163

[حكم الخمس في الحرب الدفاعية] 163

[لا خمس في أموال الصلح والفداء] 164

الثاني: في المعدن. 165

تعريف المعدن: 165

عند أهل اللغة 165

عند الفقهاء 165

في لسان الشارع المقدس.. 165

أما المنطبعة: 165

وأما غير المنطبعة: 166

المناط في معدنية الشيء 166

الاستدلال بوجوبه في المعادن بأنه ركاز 167

المعنى المتعين. 168

النورة والجص وأمثالهما 168

نصاب الخمس في المعادن. 169

الأقوال ثلاثة 170

أخبار المسألة 170

يدل على وجوبه فيما بلغ دينارا من المعدن. 170

ويدل على وجوبه فيما بلغ عشرين دينارا 172

استثناء مؤونة العمل قبل التخميس.. 173

فروع. 175

هل يعتبر في الإخراج أن يكون دفعة أو دفعات ؟ 175

إذا اشترك جماعة في الإخراج. 175

لو تعددت المعادن المخرجة 176

إخراج خمس تراب المعدن. 176

حكم المعادن المأخوذة بدون إخراج. 176

لو وجد المعدن اتفاقا 178

لو أعرض عنه بعد حيازته. 178

استخراج المعادن من ملك الآخر 179

في ملكية المعدن. 179

المعادن من الأنفال بالأصالة والمباحات للشيعة. 179

في حدود الملك والاختصاص… 181

ملكية الأجنبي للمستخرج من أرض المالك. 182

حكم الفضاء. 183

الشك في بلوغ النصاب.. 183

الثالث: الكنز. 184

الرابع: الغوص.. 187

هل يشترط الإخراج من البحر بالغوص؟ 187

هل يختص الحكم بما كان بالأصالة تحت الماء ؟ 188

لو اتفق حصول جواهر البحر بغير الغوص، كما لو كان في بطن دابة أو سمكة 189

حكم المعادن المخرجة بالغوص.. 190

حكم العنبر. 191

الخامس: الفاضل من المؤنة من الأرباح. 192

مصاديق أرباح العام 193

[معنى الفائدة والربح هو العرفي لا الدقي] 193

الخمس بعد المؤونة ومعنى المؤونة 196

[هل تدخل مؤونة الحياة والعيال في المستثنى من الأرباح قبل الخمس؟] 196

[الإشكال في شمول الاستثناء لمؤونة الحياة] 197

تحديد زمان التخميس.. 198

جواب الاستدلال على معنى المؤونة وتحديد الزمان. 199

لا فرق بين حصول الفائدة بالتكسب وغيره 202

السادس: الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم. 203

السابع: المال المختلط بالحرام 208

خروج هذا القسم عن الخمس المصطلح. 209

الفصل الثالث: في قسمة الخمس ومستحقه 211

الأدلة من الكتاب: 213

الأدلة من السنة: 216

1-                ما رواه الكليني. 216

2-                ومنها: ما رواه عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُرْتَضَى فِي رِسَالَةِ الْمُحْكَمِ والْمُتَشَابِهِ 217

3-                وَما رواه الشيخ في التهذيب.. 217

4-                ومنها: ما رواه الكليني. 219

5-                ومنها: ما رواه الصدوق رحمه الله في المجالس.. 220

6-                ومنها: ما تقدم في المروي عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام ضمن أخبار التحليل  222

[من هم العشيرة الأقربون ؟] 225

7-                ومنها: ما رواه الكليني عن أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ: 227

8-                ومنها ما رواه الشيخ. 228

9-                وما رواه العياشي في تفسيره 230

10-               ومنها ما رواه العياشي. 233

11-               ومنها ما رواه مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ 233

12-               وأما ما رواه في البصائر 234

13-               وقريب منه ما رواه العياشي في تفسيره 234

14-               روايته الأخرى عنه 235

[حمل أكثر أخبار قسمة الخمس على إثبات الحق] 235

15-               ما رواه العياشي َ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الأحْوَلِ. 235

16-               وعنه َعَنْ أَبِي جَمِيلَةَ 235

[الحاصل] 235

[فروع] 236

[لا يجب استيعاب كل طائفة] 236

[الصرف بمقدار رفع حاجة السنة وتقديم حق القرابة] 236

هل يحل الخمس والزكاة لغير بني هاشم ؟ 237

هل يستحق المولود من أم هاشمية الخمس ؟ 240

[الجواب على احتجاج المرتضى] 241

إجازة 245

مسائل في طرق إثبات الأهلة بأدلة الشارع

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على رسوله الأمين محمد وآله الغر الميامين

فهذه رسالة موجزة في بعض المهمات من مسائل طرق ثبوت الهلال، ألحقت بين سطورها وطياتها ما يكاد لا يخفى على الفاضل وقد يسهو عنه الغافل ويعين المتعلم ويرشد الجاهل

 [يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان وهو أول العام القمري لا الهجري]

◄ يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان، وهو أول العام القمري لا الهجري بما رواه الكليني عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّوْفَلِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ رَفَعَهُ قَالَ:

“قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع:

إِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَلَا تَبْرَحْ وَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَ نُورَهُ وَ نَصْرَهُ وَ بَرَكَتَهُ وَ طَهُورَهُ وَ رِزْقَهُ وَ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِيهِ وَ خَيْرَ مَا بَعْدَهُ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَ شَرِّ مَا بَعْدَهُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَ الْإِيمَانِ وَ السَّلَامَةِ وَ الْإِسْلَامِ وَ الْبَرَكَةِ وَ التَّقْوَى وَ التَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَ تَرْضَى”.

[يثبت الهلال بالعلم الحسي أو الشياع ولا يكفي إخبار الواحد]

◄ يثبت الشهر بالعلم بوجود الهلال في الأفق، ولا يكفي الظن، ولا شهادة الواحد مخبرا عن نفسه، بل لابد من الرؤية الحسية أو الشياع، ويدل عليه مجموعة من النصوص، منها:

ما رواه الشيخ بسند صحيح عن علي بن مهزيار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ:

” إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا وَ لَيْسَ بِالرَّأْيِ وَ لَا بِالتَّظَنِّي وَ لَكِنْ بِالرُّؤْيَةِ وَ الرُّؤْيَةُ لَيْسَ أَنْ يَقُومَ عَشَرَةٌ فَيَنْظُرُوا فَيَقُولَ وَاحِدٌ هُوَ ذَا هُوَ وَ يَنْظُرُ تِسْعَةٌ فَلَا يَرَوْنَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ [عَشَرَةٌ]([1]) وَ أَلْفٌ وَ إِذَا كَانَتْ عِلَّةٌ فَأَتِمَّ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَ زَادَ حَمَّادٌ فِيهِ وَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ هُوَ ذَا هُوَ لَا أَعْلَمُ إِلَّا قَالَ وَ لَا خَمْسُونَ”.

والتعبير فيها وفي روايات متكثرة جدا بالرؤية -في قبال الظن والرأي- قُصدَ به طرق الثبوت الحسية المورثة للعلم، ومن أقواها الرؤية العينية، بل هي الوحيدة التي لا يداخلها الريب في أمثال المقام، وفي الخبر عن ْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَالَ:

“إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي”.

[يثبت الشهر بالرؤية الشخصية]

◄ ويثبت بالرؤية للشخص الواحد بالنسبة لنفسه ولو لم يرتب عليه الآخرون أثرا، إذا كان غير متوهم ولا شاك فيما رآه، يدل عليه ما رواه الصدوق والشيخ والحميري -بتفاوت يسير- بأسانيدهم عن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع:

“عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْهِلَالَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ لَا يُبْصِرُهُ غَيْرُهُ أَ لَهُ أَنْ يَصُومَ قَالَ إِذَا لَمْ يَشُكَّ فَلْيُفْطِرْ وَ إِلَّا فَلْيَصُمْ مَعَ النَّاسِ”.

[يثبت الشهر بشاهدة رجلين مرضيين وبحكم إمام البلد]

◄ ويثبت برؤية شاهدين -رجلين- عادلين مرضيين مأمونين ملتفتين سليمي الحواس يركن لقولهما مع عدم المعارض المعتبر، إذا لم يكونا ضمن المستهلين -المتشابهين في الظروف وقت الاستهلال داخل البلد- الذين لم يروه، فلو كانا في جهة من البلد خالية عن المانع قُبل قولهما، أو كانا في جملة المستهلين وهما أقوى بصرا أو أعرف بالهلال من باقي المستهلين، فإن المانع عن رؤية الجمع ضعف بصرهم أو جهلهم بمنازل الهلال وجهته مثلا.

◄ ويثبت بإقامتها عند الحاكم، ولو لم يحضر أحد مجلسه ولم يسمع الشهادة غيره، ولم يعارض شهادتهما استهلال كثير من أهل الصقع الواحد متساوي الصفات والمكان ولم تتحقق لهم الرؤية؛ فإنهم كالمنكر في قبال تلك البينة.

ويدل عليه -إضافة للسابق الدال على أن ثبوته ليس بالظن ولا بالرأي ولم يرخص لنا العمل بهما مطلقا، فلابد في ثبوت الرؤية من تحقق العلم وأن يكون عاما في حال الاشتراك في ظروف الرؤية- أخبار كثر، منها:

ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنِ الْحَسَنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ:

” صُمْ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ شَاهِدَانِ مَرْضِيَّانِ بِأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فَاقْضِه‏ “.

ومنها:ما رواه الصدوق والشيخ بسنديهما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال سمعته يقول:

“لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل”.

ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله ع قال:

“إن عليا ع كان يقول لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين”.

وتخصيص الشهادة بالرجال دون النساء لما يدخل على نوع النساء من التوهم وتزلزل القول في مثل هذه الأمور.

[يسري حكم الحاكم على كل البلدان المشتركة في الليلة]

◄للحاكم الحكم بثبوت الرؤية عند خلو الدعوى عن المعارض المساوي المسقط لحجيَّة الدعوى أو ما يصلح للمعارضة حكما، ويجب على باقي المكلفين الإفطار إلا إذا علم عدم صحة الحكم، ولا يكفي ظن الخلاف في رد دعوى الرؤية وإن علا هذا الظن إلا إذا سلب الوثوق.

◄ ولو أثبتها الحاكم الإمام المرضي المقدَّم، وجب على أهل البلد وما بحكمها العمل بحكمه، بل وجب الإفطار على المكلفين في بقية البلدان المشتركة في خصوص الليلة، إلا إذا علم اشتباه حكمه أو مبناه.

[تحصيل الشهادات والحكم فيها من وظائف الحاكم الإمام]

◄ الحكم بثبوت الهلال من وظائف الحاكم المقررة شرعا، ولا شك أن مما يكون محلا للشهادة الشرعية -خاليا عن منكر قائم بشخصه- هو ادعاء رؤية الهلال، وللحاكم المرضي المقدم في الفصل والخصومات -والهلال منها- البت فيها بعد التبين وفحص صدقها، وهي من وظائفه المنصوصة، يدل عليه وعلى ما تقدم:

ما رواه الكليني في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ:

«إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْهِلَالَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ يَوْماً، أَمَرَ الْإمَامُ بِالْإِفْطَارِ، وَ صَلّى‏ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِذَا كَانَا شَهِدَا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، فَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، أَمَرَ الْإِمَامُ بِإِفْطَارِ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إِلَى الْغَدِ، فَصَلّى‏ بِهِمْ».

[من هو الحاكم ؟]

والإمام هنا: هو المقدم في قومه لإمامتهم في أمور دينهم تقدم الفاضل على المفضول والعالم على الجاهل، ويحصر في عالم البلد المطاع بل في فقيهها الذي تنقاد إليه أكثر الناس وترجع له في أمور دينها وفصل القضاء والخصومات، وهو المصداق الأوضح للإمامة فيهم، فلو تقدم لم ينازعه أحد في قضائه؛ وإلا لم تكن ثمرة لأمره -المذكور في كلامه عليه السلام- للناس بالإفطار.

يدلنا عليه ما تكثر من لفظ الإمام في الروايات منها ما رواه الشيخ بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: “مَنْ قَتَلَهُ الْقِصَاصُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَلَا دِيَةَ لَهُ فِي قَتْلٍ وَ لَا جِرَاحَةٍ”.

وليس الحاكم الإمام هنا هم الفقاء ولو تباعدوا وتعددوا مكانا؛ لأنه لم يقم الدليل على ولاية للفقيه في أحكامه بحسب منصبه أزيد مما حددته النصوص بتحميلهم أمانة تبليغ وتطبيق  دلالات الروايات والحكم بالوارد عنهم فيها في بلدانهم، وتقدمهم في أمور الدين بنحو الأولوية من باقي المؤمنين ووجوب طاعتهم في ما بلغوه خاصة، فليس أمر الحاكم الإمام في الهلال بمولوي نفسي ليسري على كل المكلفين حتى فقهاء وحكام البلدان، فإن تقدم أحدهم للتصدي لشؤون الحكم والقضاء في بلد لم يعارضه تقدم آخر في بلاد أخرى، وليس للآخر إجراء ما يرى -في الأدلة وغيرها- على غيره من أئمة الأمصار وحكامهم وعوامهم، وبسط البحث في موضع آخر.

[تعدد المتصدين للحكم]

◄ لو تعدد المتصدون في البلد الواحد للحكم في الشهادات على رؤية الهلال اتبع أوفرهم علما وطاعة؛ للوجه السابق، بل لا تتحقق إمامة غير واحد في المجموع على نحو التعين.

ولو اشتبه على المكلف من هو الحاكم الذي يرجع له بينهم ولم يُعلم، اتبع حكم المثبت منهم دائما، ولا أثر لغير المثبت، إلا أن يعلم خطأ الأول.

ويدل عليه وعلى ما قبله: ظاهر لفظ (الإمام) في إرادة الأوحدي بين الناس بين صنف الفقهاء في البلد الذي يحكم فيه بقضائه.

[لو خلا الحاكم عن الشهود]

◄ولو خلا الحاكم عن الشهود أو ردَّ دعوى الرؤية لمعارض مساو أو أقوى، لم يجب على المسلمين ترتيب أثر عليه في حرمة الصيام أوالإفطار يوم الشك ؛ إنما عليهم ما وجدوه من المثبتات، وحكم إمام القوم وحاكمهم أحدها، فإن فقد صير لباقي مثبتات الرؤية، وكان عدم ثبوته لدى الحاكم الحاضرة لديه الشهادات من جملة القرائن النافية.

[تنجز الشهادة]

◄ يشترط في الشهود العدالة في القول والصحة في الإخبار عن حس دون وجود المعارض الأقوى أو المساوي، وذلك لمِا كان النص المُحكَم في حجية الرؤية هو العلم لا غير، فلا تتنجز الدعوى إلا مع تحقق العلم بالمُدَّعى.

[الشهود من خارج البلد]

◄ يثبت الهلال بشهادة رجلين عادلين على الرؤية أو الشياع في بلد آخر.

يدل عليه: ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده عن سَعْد بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ وَ كَانَ بِالْمِصْرِ عِلَّةٌ فَأَخْبَرَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَ أَخْبَرَا عَنْ قَوْمٍ صَامُوا لِلرُّؤْيَةِ”.

وكذا ما عنه عن سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“قُلْتُ لَهُ كَمْ يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَالَ إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي وَ لَيْسَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ أَنْ يَقُومَ عِدَّةٌ فَيَقُولَ وَاحِدٌ قَدْ رَأَيْتُهُ وَ يَقُولَ الْآخَرُونَ لَمْ نَرَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ مِائَةٌ وَ إِذَا رَآهُ مِائَةٌ رَآهُ أَلْفٌ وَ لَا يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ خَمْسِينَ وَ إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

فإنه محمول على اشتراك أهل البلد في أسباب الرؤية مكانا ووضوحا فلا تقبل البينة لوجود ما يصلح للمعارضة حينها، ولا يكفي إلا الشياع مؤثرا في ركون النفس والتصديق بالرؤية، ومع عدم الشياع أيضا فلا طريق إلا الإخبار بالرؤية من خارج المصر -المشترك في ليلة واحدة معه- إما على نحو البينة أو الإخبار بالشياع في ذلك البلد.

فاتضح أن التعبير بـ (وكان بالمصر علة) أو (وكانت بالسماء علة) ناظر إلى المانع من الأخذ بالبينة في البلد مع تساوي ظروف وأحوال المستهلين جميعا، فتسقط دعوى الرؤية للمانع الذي هو بحكم المعارض المنكر لها.

[يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية]

◄ يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية، ولا يضر توسط الآلات المكبرة والمقربة إذا كان ما ترصده في أفق البلدان المشتركة في الليل، وعلى ارتفاع لا يخرجها عن حد أفقها جميعا.

يدل عليه: صحة إطلاق الرؤية عليها، وتحقق العلم بثبوته، مع عدم ظهور ملزم في الأخبار باشتراط غير هذا.

[يثبت الهلال بالشهادة أو شياع الرؤية في البلدان المتفقة الليلة]

◄ يثبت الهلال -تعبدا- برؤيته في أي بلد كان -شرقيا أو غربيا- بشرط اشتراكهما في ليلة واحدة، وإن كان بحسب طبيعة دورته قد يطلع في بلد ولا يطلع في آخر، ولا اعتبار بوحدة الأفق الواحد ذو المطلع الواحد للبلدان المتقاربة، بل الآفاق التي تطلع عليها ليلة واحدة يكفي في ثبوته في بلد ثبوته في أحد أمصار تلك الآفاق كافة، تسهيلا على الناس أو إمضاء لما اعتبروه قبل التشريع.

يدل عليه:

ما روي عن صوم سنة 232 يوم الخميس([2]) مع تباعد المدينة وبغداد وعدم اتحادهما أفقا، وهو ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ وَ صَامَ أَهْلُ بَغْدَادَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَخْبَرُونِي أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَ لَمْ يَغِبْ إِلَّا بَعْدَ الشَّفَقِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ قَالَ فَاعْتَقَدْتُ أَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَنَّ الشَّهْرَ [الشك]([3]) كَانَ عِنْدَنَا بِبَغْدَادَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيَّ: “زَادَكَ اللَّهُ تَوْفِيقاً فَقَدْ صُمْتَ بِصِيَامِنَا”، قَالَ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: “أَ وَ لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكَ أَنَّمَا صُمْتُ الْخَمِيسَ، وَ لَا تَصُمْ إِلَّا لِلرُّؤْيَةِ”.

ولا شك ولا ريب في وثاقة وركون النفس لأحمد بن محمد بن الوليد، وصحة سلسلة السند.

ومع التوجه لكون السؤال ذا شقين -عن صحة وقوع الصوم يوم الخميس وأنه كان أول الشهر، وعن حجية إخبارهم عن غيبوبة الهلال بعد الشفق أو عن كون هذا الغروب دليلا كافيا على أن الهلال ليلتين- وأنه ليس بين بغداد والمدينة المشرفة وحدة أفق أو مطلع واحد للهلال، يثبت أن لا اعتبار بوحدة أفق بلدان المصر، بل اتحاد آفاق كل البلدان بالنسبة لليلة المشتركة، وأن رؤية هلال جديد في بلد كاف للحكم به في بقية البلدان.

وما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنْ حَمَّادٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْيَوْمِ الَّذِي يُقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَقْضِهِ إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ مَتَى كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَ قَالَ لَا تَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقْضَى إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ”.

وفي خبر عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عن أبي عبد الله عليه السلام:

“لَا تَصُمْ إِلَّا أَنْ تَرَاهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فَاقْضِهِ”.

وفي صحيح ْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ قَالَ:

“إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلَاثِينَ عَلَى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً”.

ويدل عليها أيضا الأخبار المجيزة لشهادة البينة من خارج المصر، منها ما روي عن أَبي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ”.

وفي ما رواه الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

ولا يعقل انصراف المصر والبلد فيها للبلدان القريبة أو المتحدة الأفق مع البلد؛ فإنه وإن كان بحسب علم الأهلة صحيحا؛ إلا أن النصوص تأبى الحمل عليه، فضلا عن عدم الإشارة له في أي مورد، وأن العرف ما كان يعرف هذه الحسابات، وأوضح بطلانا منه حمل الإطلاق في هذه النصوص على بلدان العالم الإسلامي القديم حينها؛ ويكفي التوجه لكثرة النصوص المطلقة ليتضح تكلف هذا القول.

وكذا ما يشعر به الذي رواه أَبِو الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْعَبْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ع يَقُولُ:

“صُمْ حِينَ يَصُومُ النَّاسُ وَ أَفْطِرْ حِينَ يُفْطِرُ النَّاسُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ”.

ومن البعيد حملها على التقية؛ وذيلها إرشاد عام لجعل الأهلة التي يهل بها الناس كلهم مواقيت، فلا يتخلف الحكم عن أحد منهم، ويحتمل أن يكون الإمام عليه السلام في مقام تفسير آية المواقيت كما في غير خبر، منه ما رواه الشيخ بسنده عن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ قَالَ: “لِصَوْمِهِمْ وَ فِطْرِهِمْ وَ حَجِّهِمْ”، مع أن هذا الأخير فيه شهادة على أن صيام الناس واحد بتاريخ واحد.

وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

فغير دال على تقريره عليه السلام إمكان اختلاف الأمصار في الهلال إذا حصلت الرؤية في بلد منها، بل النفي منصب على الاعتماد على غير الطرق العلمية الحسية لإثبات الهلال، ويدلك عليه أسلوب الكتاب الذي صدره الإمام عليه السلام بقوله: (لا تصم الشك).

والمسألة -القول بثبوته في البلدان المتقاربة ذات المطلع والأفق الواحد- منسوبة لأبي حنيفة وأبي الليث المصري وجماعة من العامة، المعاصرين للصادقين وغيرهم من المعصومين عليهم السلام، ومع هذا فلا أثر لها في فقه الأحاديث المعصومة، بل يمكن أن يقال أن في عدم التنصيص عليها بالخصوص وشهرة أخبار عموم الحكم لكل الأفاق كان على نحو التعريض بقولهم.

[جذور مسألة اتحاد واختلاف الأفق أو الآفاق]

وأول القائلين به منا الشيخ رحمه الله في المبسوط، وهو كتاب لا يخفى على قارئه أسلوب الشيخ في التفريع، ولا يهمل مطالعه ما ذكره الشيخ في مقدمته من أنه رد على القائل بقلة فقه التفريع والفرضيات الفقهية خارج النص لدى الإمامية، فإن أحسن الشيخ قدس الله سره في كثير من مواضع الكتاب، فإنه أغرب في أخرى، فغير فيه كثيرا مما ذهب إليه في التهذيب والنهاية، وكأن تأليفه رحمه الله للكتاب وقع ارتجالا بغرض المعارضة أكثر من وقوعه تحقيقا ومذهبا، وكذا ضرب أدلة الإمامية باستدلال غيرهم لإنتاج وجوه جديدة، صارت بعينها سببا في اختلاف فقهاء الشيعة من بعده، بل تعامل معها علماء كثر كمسلمات منصوصة وأفرد لها مباحث طال ذيلها، ومنها ما بحثناه حول المحاذات في المواقيت، ومنها هذا الفرع الحاضر.

قال رحمه الله في المبسوط:

” ومتى لم ير الهلال في البلد ورأي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رأي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مضحية والموانع مرتفعة لرأي في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها تقاربها مثل بغداد وأوسط والكوفة وتكريت والموصل فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان ، وبغداد ومصر فإن لكل بلد حكم نفسه . ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر”.

وقال العلامة في التذكرة:

” مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلد ، ولم يره أهل بلد آخر ، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة ، كان حكمها واحدا : يجب الصوم عليهما معا ، وكذا الإفطار وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق ، فلكل بلد حكم نفسه ، قاله الشيخ رحمه الله ، وهو المعتمد ، وبه قال أبو حنيفة ، وهو قول بعض الشافعية ، ومذهب القاسم وسالم وإسحاق ، لما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام ، قال قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهل علي رمضان ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس فذكر الهلال، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : ليلة الجمعة ، فقال أنت رأيته ؟ قلت : نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ قال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله. ولأن البلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة ، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر ، لأن حدبة الأرض مانعة من رؤيته ، وقد رصد أهل المعرفة ، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جد في السير نحو المشرق وبالعكس . وقال بعض الشافعية : حكم البلاد كلها واحد ، متى رؤي الهلال في بلد وحكم بأنه أول الشهر ، كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض ، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت ، اختلف مطالعها أو لا – وبه قال أحمد بن حنبل والليث بن سعد ، وبعض علمائنا – لأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية ، وفي الباقي بالشهادة ، فيجب صومه ، لقوله تعالى : ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” . وقوله عليه السلام : ” فرض الله صوم شهر رمضان ” وقد ثبت أن هذا اليوم منه . ولأن الدين يحل به ، ويقع به النذر المعلق عليه . ولقول الصادق عليه السلام : ” فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه ” ، وقال عليه السلام في من صام تسعة وعشرين ، قال : ” إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية ، قضى يوما “. ولأن الأرض مسطحة ، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيره شئ عارض ، لأن الهلال ليس بمحل الرؤية .

ونمنع كونه يوما من رمضان في حق الجميع ، فإنه المتنازع ، ولا نسلم التعبد بمثل هذه الشهادة، فإنه أول المسألة . وقول الصادق عليه السلام محمول على البلد المقارب ، لبلد الرؤية ، جمعا بين الأدلة ” انتهى كلامه علا مقامه.

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: ” وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره ، فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد ؟ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر ، أم لكل بلد رؤية ؟ فيه خلاف ، فأما مالك ، فإن ابن القاسم ، والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه ، وصامه غيرهم ، وبه قال الشافعي ، وأحمد . وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية ، إلا أن يكون الامام يحمل الناس على ذلك ، وبه قال ابن الماجشون ، والمغيرة من أصحاب مالك . وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس ، والحجاز . والسبب في هذا الخلاف : تعارض الأثر ، والنظر ، أما النظر” إلى أخر كلامه.

وما ذكره العلامة عن العامة صياغة وكذا دليلا نقله ابن قدامة في المغني.

ولم يذكر قولا للشيعة في الاختلاف وتخصيص الحكم بالبلدان المتقاربة سوى ما أسلف من الشيخ في المبسوط -وتبع الشيخ ابن براج وغيره بنفس الألفاظ – ونسب القول لبعض الشيعة بعموم الحكم للبلدان، تقليلا للقائلين وهو غريب منه رحمه الله، ثم نقل فروعا على مختاره منقولة عن العامة، وقد عرفت ما فيه.

 [تحديد المقصود بوحدة الأفق]

الأفق هو حد الأرض المستعرض الذي يعلوه موضع طلوع الشمس شرقا أو القمر غربا، ووحدته -أعني الأفق- اتحاد الطلوع في زمن واحد عرفا، بحث لا يضر اختلاف توقيت المنطقة عن الأخرى عندهم وعدهم المناطق كلها صقعا واحدا، ومن الواضح أن الهلال -كالشمس- يتدرج في خروجه وسقوط شعاعه على البسيطة، فإن سقط على موضع مشترك كان لهم أفق واحد، مختلف عن باقي المواضع على الأرض، فتعدُّدِ الأفاق بحسب الفلك والجغرافيا قطعي معلوم، لكنه بحسب الشرع وما أمضاه من عرف أصحاب التاريخ القمري على العكس، فكل أرض اشتركت مع أخرى في ليلها كان لهم حكم الهلال الواحد، وإن تعدد آفاقهما فلكيا.

[أفق المناطق المرتفعة والمنخفضة]

وللتمييز بين المناطق المرتفعة والمنخفضة في الحكم -على القول بوحدة آفاق المتقاربة، واختلاف المتباعدة- مجال مثمر؛ فإن المرتفعة الشاهقة يسبق أفق طلوع الشمس والقمر فيها ما دونها من المناطق، فلو رصد الهلال في الشاهق بالرؤية فهل يختلف حكمه عن الأرض المنخفضة عنه كثيرا ؟، يحتمل قويا التفريق إذا كان الاختلاف في التوقيت فاحشا جدا، دون من يكون متقاربا في الزمان.

نعم، ما يراه من يعلوا كثيرا في الهواء كركاب الطائرات، لا يكون حجة على من هم أسفلهم قطعا؛ لعدم وحدة أفقهم عرفا، إلا أن يكون ارتفاعهم ليس بشاهق كما أسلفنا.

فما يعمل من رصد للهلال فوق الجبال الشاهقة وبالمناظير المتطورة محل إشكال إن كان الموضع المرصود منه لا يوافق أفق البلاد تحته، لكنه فرد نادر وفي حكم المحل الواحد عادة، وأما من كان في الطائرة فوق ارتفاع كبير جدا فرصده للهلال غير معتبر بأي وجه، سواء قلنا بوحدة مطالع المتقاربة أو ميزنا بين حكم التكوين في المطالع وبين حكم الشرع في الليالي واعتبرنا الثاني كما هو الصحيح، لكن الاستفادة منه في تعيين الموضع في السماء غير منكرة، بل التسمك بها كقرينة نفي أو إثبات بالنسبة لأفق بلد طلوعه مفيد عند إمكانه.

ويشعر بما ذكرنا ما رواه  الصدوق في الفقيه والمجالس قال:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ:

 “صَعِدْتُ مَرَّةً جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فَرَأَيْتُ الشَّمْسَ لَمْ تَغِبْ وَ إِنَّمَا تَوَارَتْ خَلْفَ الْجَبَلِ عَنِ النَّاسِ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ ع فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي وَ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِنَّمَا تُصَلِّيهَا إِذَا لَمْ تَرَهَا -خَلْفَ جَبَلٍ غَابَتْ أَوْ غَارَتْ- مَا لَمْ يَتَجَلَّاهَا [يَتَجَلَّلْهَا] سَحَابٌ أَوْ ظُلْمَةٌ تُظِلُّهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَشْرِقُكَ وَ مَغْرِبُكَ وَ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَبْحَثُوا”([4]).

 [لا يثبت الهلال بدعوى الفلكيين رؤيته في بلدين]

◄ لا يثبت الهلال بإثبات الفلكيين رؤيته في بلد شرقي مختلف أو متفق الأفق والمطلع مع آخر غربي، وإن اتحدا في خط مسير الهلال، ولا عبرة بحكم أهل الفلك والجغرافيا بتلازم الرؤيتين، وإن كان الصحيح أنه لو علم على نحو لا يداخله الشك ولا تطرؤ عليه الحوادث المغيرة في آناته لكان التلازم قطعيا، فإن حساباتهم مخدوشة معتمدة على المراقبة والمعادلات الظنية، والحوادث العارضة المغيرة لا يمكن التنبؤ بها على وجه القطع، كما ذكرنا ولما يأتي.

[لا يلزم من توازي بلدين طولا أو عرضا اتحاد أفقهما]

◄ لا يلزم من توازي بلدين طولا -واتفاق توقيتهما- أو عرضا اتحاد أفقهما ومطلع الهلال فيهما دائما، إلا أن يكونا متقاربين بالنسبة لمحيط الأفق الطالع فيه الهلال، فلا يلزم من رؤيته في أحدهما ثبوته في الآخر لا فلكا ولا شرعا.

ويدل عليه إضافة لظنية الحكم كما سبق، ما تشعر به روايات حجية قول البينة والشياع على الرؤية من خارج البلد، فإنه لا يكتفى بغيرهما.

[هلال البلدان الشرقية والغربية]

للقمر حركة غير مستوية المدار مع الأرض، تميل عن محور دوران الأرض حول الشمس بمقدار 5 درجات، والأرض كذلك مائلة عن محورها بـ 23.5 درجة مع دوران غير مستو حول الشمس بما يسبب الفصول الأربعة؛ وبضم هذه الحسابات يعلم أن مطالع القمر بالنسبة لبقاع الأرض الطولية مختلفة، وإن اتحدت في التوقيت، فقد يراه أهل استراليا ولا يطلع ولا يراه أهل أندوسيا مع توازيهما، وقد يراه أهل اليمن ولا يراه أهل الشام، مع وحدة التوقيت العالمي الوضعي، فينتج أنه ليس من اتحاد الأفق اتحاد التوقيت الموضوع بحسب خطوط الطول، ومن غير اللازم أن يطلع الهلال في البلدان الواقعة على خط طولي واحد أو خط عرضي متساو وإن اتحد الجميع في ليلة واحدة.

 

[التاريخ القمري]

يبدأ التاريخ الفلكي الحسابي للأشهر الشمسية بخروج الشمس وارتفاعها عن أفق الأرض أول كل يوم منه، كما يبدأ التاريخ القمري بخروج القمر في أفق البلد وما بحكمها من البلدان المتقاربة، وليس للموقع الجغرافي علاقة أكيدة ببداية كل شهر أو يوم من التاريخ القمري الفلكي، فقد يبتديء التاريخ بالنسبة لبلد ما في البلدان الشرقية له وقد يبدأ فيه وقد يبدأ في البلدان الغربية له، مع اشتراك الكل في تعاقب ظلمة الليل عليهم، وهذا بخلاف التاريخ الشمسي، فإنه لبعد الشمس ومركزيتها بالنسبة للأرض وقوة شعاعها يطلع على مساحة واسعة من الأرض منتظمة بعدد ساعات محدد كل عام، ولما كان هذا مفقودا في القمر الذي يتخذ الأرض مركزا، كان طلوعه وغيابه غير منتظم، فقد يكون أول طلوعه على الأرض في بقعة وغروبه الذي يتم به دورته في أخرى.

والحاصل: أن القول بأن للقمر مطلعا واحدا على الأرض فلا يتخلف موضع منها عن أول الشهر الفلكي الحسابي، قياس في غير محله وغفلة عن خصائص القمر وحركته.

غير أن التاريخ القمري الذي تعبدنا به الشارع لا يناط بما عليه أهل الفلك والحساب اليوم، فإنه -إضافة لأخبار الأهلة التي عرضناها المتعقلة بالليلة لا بمطالع القمر- من الواضح إمضاء الشارع لما كان عليه العرف لا أهل الحساب، وليس بين يدينا ما يدل على تغيير طرأ على سنتهم بتصرف الشارع، ولم ينقل أثر في النهي عنها معه أهمية الحكم المترتب عليه، ولم يعلم أن لأهل الفلك والحساب موضعا من الاعتماد عند الناس يومها، وأغلبهم لا يعرفون تلك الأمور الدقيقة كولادة الهلال ومحل طلوعه ولا يفرقون بين مطالعه، بل الرؤية له ميقاتهم أجمع، وأما ما روي -ويأتي ذكره- في خبر صوم معاوية واختلاف أهل المدينة معه، فلا ريب -إن صح- أنه أمر حادث منشؤه توهم دلالة الدليل.

[من الظن إخبار أهل الفلك]

◄ من الظن: الحساب الفلكي بالمعادلات التي وضعها أهل الفلك والجغرافيا، سواء كان تحديدهم لوجوده أو لنفيه، أو لإمكان رؤيته أو لنفيه، أو مسيره على البلدان؛ فإنها لا ترقى للقطع بوجود الهلال فعلا؛ يدل على نفي حجية هذا الظن ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

[ظنية أحكام الفلكيين في الواقع التجريبي]

وهنا أيضا جهات -تكوينية- لابد من أخذها بعين الاعتبار في البرهنة على ظنية أحكام الفلكيين وأهل الحساب:

الأول: عدم قطعية العلوم الفلكية وحساباتها التجريبية بشواهد الخطأ والاختلاف بينهم حسابا وتطبيقا ونتائجا، وهذا أمر وجداني سجلته الوقائع، ويرجع لما سوف نذكره في النقاط التالية على فرض الإصرار على القول بقطعيتها.

الثاني: طبيعة القمر: الذي يكون دائما في معرض التغير الخارج عن إرادة البشر، فقد يميل فلكه أو محوره أو تتغير طبيعة سطحه، وهو أمر محتمل الحصول دائما ولو كان قليل المقدار، الأمر الذي لا يعلم به الفلكيون ليأخذوه في اعتبارهم، أظف إليه أنهم يعاملون القمر معاملة الأجسام الهندسية في حركته وسطحه، مع أنهم يفتقدون للعلم بحالاته وما يمكن أن يعرض عليه في لحظات الاستهلال من أمور لا يعلمها إلا الله.

الثالث: طبيعة الأرض: التي لا تختلف مع القمر كجسم له فلك وسطوح، فكيف يمكن إعطاء ضابطة حسابية لكل الأرض مع اختلاف سطوحها ارتفاعا وانخفاضا بل واحتمال تغير ظروف كل بقعة ونقطة منها في كل آن، ويكفيك شاهدا أن زلزالا كالذي أصاب المحيط الهادي سنة 2009 للميلاد حرف محور الأرض لدرجات ولم يدرج هذا الرقم في حسابات الفلكيين إلا متأخرا !، فلا يمكن الاطمئنان للمعادلات الحسابية الفلكية لعدم قدرة واضعها على التحكم بكل تلك الظروف التي لا يقدرها ويجريها إلا الخالق المتعال.

الرابع: الجو الفاصل بين القمر والأرض: وهذا بالنسبة لمدعي امكانية الاعتماد على قول الفلكي في إمكانية الرؤية، ولا علم أيضا للفلكي بظروف الغلاف على نحو الكلية، وإن حدده وقت الاستهلال كان ظنا أيضا؛ فإن هذا المجال الفاصل بين الأرض والقمر له من حالات الرقة والغلظة ما تسمح لضوء القمر وشعاعه بالوصول للرائي على الأرض وقد تمنع منه كلية، كما أن الواقف على مستوى مواز لسطح البحر لا تقارن ظروف رؤيته بالواقف على سطح جبل شاهق، ومن الأمور الخارجة عن قدرة الفلكي أيضا تحديد درجة سطوع القمر وقت الاستهلال؛ فسطوح القمر مختلفة في قابلية عكس ضوء الشمس، فمنها الصقيل العاكس ومنها غيره، وكم من عاصفة أو غبار أو أمر غير هذا قد يعرض لسطح القمر المقابل للأرض حين الاستهلال فلا يرى له نور أصلا، والقول بثبوت الشهر بالتولد -وإن كان من الظنون- أكثر قبولا من هذا القول الضعيف،  وكلاهما من الظنون التي لا يركن لها في شرع ولا دين.

نعم، لا شك أن قول الفلكي قرينة مؤيد أو مضعفة للشهادة على الرؤية، ولا تقصر أماريته -الظنية- عن رؤية الهلال قبل الزوال أو تطوقه أو كبر ضوئه أو حساب الخمسة من السنة وغيرها مما يأتي .

[لا عبرة برؤية الهلال قبل الزوال أو بعد الزوال]

◄ لا يثبت هلال أول الشهر برؤيته قبل الزوال ولا بعده، لكنه من القرائن المعينة في تقييم الشهادات.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ عن عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ كَتَبْتُ إِلَيْهِ ع جُعِلْتُ فِدَاكَ رُبَّمَا غُمَّ عَلَيْنَا الْهِلَالُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَرَى مِنَ الْغَدِ الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ رُبَّمَا رَأَيْنَاهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَتَرَى أَنْ نُفْطِرَ قَبْلَ الزَّوَالِ إِذَا رَأَيْنَاهُ أَمْ لَا وَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ ع:

“تُتِمُّ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ تَامّاً رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ”.

وعَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَفْطِرُوا أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَدْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ فَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا

وعن الشيخ بسنده عن الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ بِنَهَارٍ فِي رَمَضَانَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ”.

فَأَمَّا مَا الكليني في الكافي والشيخ عنه في التهذيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَ إِذَا رَأَوْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ”

وعن الشيخ بسنده عن سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَوَّالٍ وَ إِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ”.

فيحتمل إرادة زوال الشمس بمعنى غروبها، فلا تعتبر الرؤية قبل الغروب، وفيه بعد، أو أنه من قرائن الخطأ -الظني والمحتمل- في تحديد الشهور، وليس في الأخبار هذه وجوب التعبد به، لكنه مؤثر في الإطمئنان بشهادات الرؤية، وقد يقترن بغيره من القرائن التي يكون مجموعها معارضا مقويا أو مضعفا لتلك الشهادات، حاله كحال أمارة التطوق التي يأتي الكلام فيها.

والأرجح حمله على التقية؛ لأنه أحد قوليهم المعروفين، وشبيه بكلامهم بلا ريب، وعليه دلت صحيحة ْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “مَا سَمِعْتَ مِنِّي يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فِيهِ التَّقِيَّةُ، وَ مَا سَمِعْتَ مِنِّي لَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فَلَا تَقِيَّةَ فِيهِ”.

قال الجصاص في أحكام القرآن:

” وقد اختلف في الهلال يرى نهارا فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي: إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم بين رؤيته قبل الزوال وبعده وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبدالله بن مسعود وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعطاء وجابر بن زيد وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان إحداهما أنه إذا رأى الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة وبه أخذ أبو يوسف والثوري وروى سفيان الثوري عن الركين بن الربيع عن أبيه قال كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت الهلال ضحى فأخبرته فجاء فقام تحت شجرة فنظر إليه فلما رآه أمر الناس أن يفطروا”.

وقال ابن قدامة في المغني:

“وإذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة وجملة ذلك أن المشهور عن أحمد أن الهلال إذا رؤي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود و ابن عمر و أنس و الأوزاعي و مالك و الليث و الشافعي و إسحاق و أبي حنيفة وقال الثوري وأبو يوسف إن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد”.

[لا عبرة بغيبوبته بعد الشفق]

◄ لا يثبت الهلال بغيبوبته بعد الشفق.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ ” الحديث وقد تقدم بتمامه.

فظاهره أن عامة الناس قد اعتبروا غيبوبة الهلال بعد الشفق دلالة على أنه لليلتين وأن يوم الأربعاء كان هو أول الشهر، وجوابه عليه السلام نص على أن الحق كان في صيام الخميس وأنه أول الشهر، وأن لا عبرة إلا بالرؤية.

وهل سبب عدم صحة اعتبار يوم الأربعاء اليوم الأول هو عدم كاشفية غيبوبة الهلال بعد الشفق للدلالة على أن الهلال ليومين، أو أن الإخبار لم يصل للشياع المورث للعلم ؟، والحق أن ليس في الرواية ما يعين أيا من الاحتمالين، لكنه مما جرى عليه أهل ذلك الزمان من العامة، والأرجح الأول.

أما ما رواه الكليني بسنده عن الخزاز [الخراز] والكليني والصدوق والشيخ بسند آخر عن إسماعيل بن الحر، رواه الشيخ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ”.

ورواه ابن طاووس في الاقبال عن ُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِلَى ابْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن‏”.

ثم قال: أَقُولُ وَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ لِشَهْرَدَارِ بْنِ شِيرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيِّ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ فِي أَوَاخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ قَبْلَ الْهِلَالِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِذَا غَابَ الْقَمَرُ فِي الْحُمْرَةِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ [لليلة] وَ إِذَا غَابَ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن”‏. اه

ورواه ابن الجوزي في الموضوعات في (باب حكم الهلال إذا غاب قبل الشفق): أنبأنا محمد بن أبى طاهر أنبأنا الحسن بن على عن على بن عمر الحافظ عن أبى حاتم بن حبان أنبأنا الفضل بن محمد العطار حدثنا إبراهيم بن موسى النجار حدثنا حماد بن الوليد عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” إذا غاب الهلال عن الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين “.

ثم قال: ” قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له.

وحماد بن الوليد كان يسرق ويلزق بالثقاة ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال.

قال: وقد روى هذا الحديث عن عبيدالله الوليد بن سلمة.

والوليد يسرق الحديث أيضا.

قال المصنف قلت: وقد رواه رشدين بن سعد عن يونس بن يزيد عن

نافع.

قال يحيى: رشدين ليس بشئ، وقال النسائي: متروك “.

بل رووا فيه أخبارا منها ما هو غريب، فمنها حديث:

“إن العرش لمطوية بحية إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين”.

ونسب القول به لأبي حنيفة، قال السبكي في فتاويه:

” حكي عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الهلال إذا غاب بعد العشاء فهو ابن ليلتين .

وهذا إذا صح عن أبي حنيفة يحمل إما على وقت خاص أو على الغالب ، ولا ينبغي أن يحمل على العموم؛ لأن الهلال إذا فارق الشمس وكان على خمس درج عند الغروب ليلة الثلاثين لا يرى ولا يترتب عليه الحكم في الشرع فإذا حسب ذلك مع سيره يوما وليلة يقيم إلى بعد العشاء ، وقد يكون أبو حنيفة رضي الله عنه من ذلك على أن الشفق عنده البياض وهو يتأخر”.

وعلى أي حال فخبر الشفق شاذ عندنا مشهور الرواية عند العامة، وحمله على التقية صحيح لهذا، ولأن كلامه عليه السلام يشبه كلامهم كما تقتضيه القواعد الشرعية المروية، ويحتمل أن يكون واردا مورد القرينة على عمر الهلال ليستدل به على صدق الشهود، لا للتعبد به.

[لا عبرة بصيام يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية ولا غيره من الحسابات]

◄ لا عبرة بحساب الخمسة أيام من السنة الماضية ولا غيره من الحسابات في تحديد أول الشهور، ويمكن الاستدلال به على يوم الشك ويرشد لصدق الشهود، وحاله حال التقاويم الموضوعة المتداولة بين الناس اليوم.

وقد رويت أخبار في هذا الحساب، منها:

ما رواه الكليني عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيِّ [المدني] عَنْ عمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ السَّمَاءَ تُطْبِقُ عَلَيْنَا بِالْعِرَاقِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ صُمْ يَوْمَ الْخَامِس”.

ورواه بلفظ آخر عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَحْوَلِ عَنْ عِمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّا نَمْكُثُ فِي الشِّتَاءِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ لَا نَرَى شَمْساً وَ لَا نَجْماً فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ عُدَّ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَ صُمِ الْيَوْمَ الْخَامِسَ”.

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْخُدْرِيِّ، عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ:

«صُمْ فِي الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ يَوْمَ الْخَامِسِ مِنْ يَوْمٍ صُمْتَ فِيهِ عَامَ أَوَّلَ».

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ السَّيَّارِيِّ، قَالَ:

كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ عليه السلام يَسْأَ لُهُ عَمَّا رُوِيَ مِنَ الْحِسَابِ فِي الصَّوْمِ عَنْ آبَائِكَ فِي عَدِّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بَيْنَ أَوَّلِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَأْتِي؟

فَكَتَبَ: «صَحِيحٌ، وَ لكِنْ عُدَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِ سِنِينَ خَمْساً، وَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ سِتّاً فِيمَا بَيْنَ الْأُولى وَ الْحَادِثِ، وَ مَا سِوى‏ ذلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ خَمْسَةٌ خَمْسَةٌ».

قَالَ السَّيَّارِيُّ: وَ هذِهِ مِنْ جِهَةِ الْكَبِيسَةِ ، قَالَ: وَ قَدْ حَسَبَهُ أَصْحَابُنَا، فَوَجَدُوهُ صَحِيحاً.

قَالَ: وَ كَتَبَ  إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ: هذَا الْحِسَابُ  لَايَتَهَيَّأُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ  يَعْمَلَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هذَا لِمَنْ يَعْرِفُ السِّنِينَ، وَ مَنْ يَعْلَمُ مَتى‏ كَانَتِ السَّنَةُ الْكَبِيسَةُ ، ثُمَّ يَصِحُّ لَهُ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا صَح‏ لَهُ الْهِلَالُ لِلَيْلَتِهِ وَ عَرَفَ السِّنِينَ، صَحَّ لَهُ ذلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: قال عليه السلام:

«إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام و صم اليوم الخامس».

وفي إقبال السيد ابن طاووس:

” وَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ لِإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِّ الثِّقَةِ مِنْ نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ عِنْدَنَا الْآنَ مَلِيحَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ قَالَ لِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع:

“عُدُّوا الْيَوْمَ الَّذِي تَصُومُونَ فِيهِ وَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَ صُومُوا يَوْمَ الْخَامِسِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تُخْطِئُوا”.

قال أحمد بن عبد الرحمن: قد ذكرت ذلك للعباس بن موسى بن جعفر فقال: أنا عليه، ما أنظر إلى كلام الناس و الرواية.

قال أحمد و حدثني غياث قال أظنه ابن أعين عن جعفر بن محمد مثله.

أقول: و قد ذكر الشيخ محمد بن الجنيد في الجزء الأول من مختصر كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة فقال في كتاب الصوم ما هذا لفظه: و الحساب الذي يصام به يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية يصح إن لم تكن السنة كبيسة، فإنه يكون فيها من اليوم السادس، و الكبيس يكون في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما مرة في السنة الثالثة و مرة في السنة الثانية أقول و ذكر الشيخ العالم العابد هبة الله بن سعيد الراوندي رحمة الله عليه في كتاب شرح النهاية في كتاب الصيام في باب علامات شهر رمضان ما هذا لفظه:

و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين و ذلك محمول على أنه يصوم ذلك بنية شعبان استظهارا فأما بنية أنه من شهر رمضان فلا يجوز على حال و قال أبو جعفر الطوسي يجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام و يصوم يوم الخامس لأن من المعلوم أنه لا يكون الشهور كلها تامة و أما إذا رأى الهلال و قد تطوق أو رأى ظل الرأس فيه أو غاب بعد الشفق فإن جميع ذلك لا اعتبار به و يجب العمل بالرؤية لأن ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع و العروض و هذا آخر ما حكاه الراوندي في معناه‏” إنتهى.

أقول: بغض النظر عن ضعف أسانيد هذه الأخبار رغم شهرة معناها، والاعتماد على الاستهلال من صدر التشريع، وعدم العامل عليها بين مشاهير الطائفة إلا ما ندر، فهذه الضابطة من الحساب عامة في كل عام إلا الكبيسة التي يزاد يوم على أيامها، ونحن نطرح من كل عام ميلادي شمسي أحد عشر يوما ليوافق التاريخ الهجري لكل الشهور، لا لشهر رمضان فقط، وهو بعينه زيادة خمسة أيام من الأسبوع على يوم العام الماضي إلا السنة الكبيسة، وتعرف الكبيسة بقابلية أعدادها القسمة الصحيحة على أربعة، كما في هذه الأخبار.

والحق أن الرؤية بهذا الحساب كثيرا ما تصدق، بل قد يغلب الظن القوي أنه أول الشهر لو علم بالقطع تاريخ أوله من العام الماضي، كما رواه الصدوق فيما قدمنا في قوله عليه السلام: ” في يوم معلوم “، فيرى الهلال في موضع من البقاع، ويثبت في موضع آخر، لكنه صيام ظني لا يسوغ حسابه من شهر رمضان، وهو -أي الحساب- ما عليه تقاويم هذه السنوات في تقاويمهم، نرجع لها للمعرفة التقريبية وتحديد يوم الشك، لا يوم الصيام والإفطار على نحو القطع واليقين، فإن ثبت بعدها أنه منه اجتزي به، لذا وقع السؤال عنها في خبر الزعفراني بعد فرض إطباق الزمان لا مع صحوه، ولم يرو هذا المعنى في أخبار صحو الجو مع أنها في مقام بيان الضابطة الكلية لأوائل الشهور.

[حساب آخر لمعرفة أول الشهر]

وذكرت طرق أخرى في حساب أول الشهر، منها:

ما مضى أخيرا في نقل السيد عن الراوندي قوله:

” و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين”

وما ذكره  السيد أيضا في الإقبال، حيث قال:

” فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَجَدْتُهُ مَرْوِيّاً عَنْ جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي رَمْثَةَ مِنْ أَهْلِ كَفَرْتُوثَا بِنَصِيبِينَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ دَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ النَّاسُ بَيْنَ مُتَيَقَّنٍ وَ شَاكٍّ فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ فِي أَيِّ الْحِزْبَيْنِ أَنْتَ فِي يَوْمِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي إِنِّي فِي هَذَا قَصَدْتُ قَالَ فَإِنِّي أُعْطِيكَ أَصْلًا إِذَا ضَبَطْتَهُ لَمْ تَشُكَّ بَعْدَ هَذَا أَبَداً قُلْتُ يَا مَوْلَايَ مُنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعْرِفُ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَهُ كُفِيتَ طَلَبَ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قُلْتُ وَ كَيْفَ يُجْزِي مَعْرِفَةُ هِلَالِ مُحَرَّمٍ عَنْ طَلَبِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّهُ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ قُلْتُ بَيِّنْ لِي يَا سَيِّدِي كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ فَانْتَظِرْ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْأَحَدَ فَخُذْ وَاحِداً وَ إِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْإِثْنَيْنِ فَخُذْ اثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ الثَّلَاثَاءَ فَخُذْ ثَلَاثَةً وَ إِنْ كَانَ الْأَرْبِعَاءَ فَخُذْ أَرْبَعَةً وَ إِنْ كَانَ الْخَمِيسَ فَخُذْ خَمْسَةً وَ إِنْ كَانَ الْجُمُعَةَ فَخُذْ سِتَّةً وَ إِنْ كَانَ السَّبْتَ فَخُذْ سَبْعَةً ثُمَّ احْفَظْ مَا يَكُونُ وَ زِدْ عَلَيْهِ عَدَدَ أَئِمَّتِكَ وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ ثُمَّ اطْرَحْ مِمَّا مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً فَمَا بَقِيَ مِمَّا لَا يُتِمُّ سَبْعَةً فَانْظُرْ كَمْ هُوَ فَإِنْ كَانَ سَبْعَةً فَالصَّوْمُ السَّبْتُ وَ إِنْ كَانَ السِّتَّةَ فَالصَّوْمُ الْجُمُعَةُ وَ إِنْ كَانَ خَمْسَةً فَالصَّوْمُ الْخَمِيسِ وَ إِنْ كَانَ أَرْبَعاً فَالصَّوْمُ الْأَرْبِعَاءُ وَ إِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَالصَّوْمُ الثَّلَاثَاءُ وَ إِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَالصَّوْمُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ وَاحِداً فَالصَّوْمُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ عَلَى هَذَا فَابْنِ حِسَابَكَ تُصِبْهُ مُوَافِقاً لِلْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏

أقول ربما كان قول الراوي فما بقي مما لا يتم سبعة من زيادة أحد الرواة أو من الناسخين لأنه قد ذكر فيه فإن كان سبعة فالصوم السبت و لأنه إذا كان أول المحرم مثلا يوم الإثنين و ضم الاثنين إلى عدد الأئمة ع و هو اثنا عشر صار العدد أربعة عشر فإذا عد سبعة و سبعة ما يبقى عدد ينقص عن سبعة أقول و لعل هذه الرواية تختص بوقت دون وقت و على حال دون حال و لإنسان دون إنسان‏

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ مِنْ كِتَابِ الْكَافِي وَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ مِنْ كِتَابِهِ كِتَابِ الصِّيَامِ بِإِسْنَادِهِمَا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ إِذَا عَرَفْتَ هِلَالَ رَجَبٍ فَعُدَّ تِسْعَةً وَ خَمْسِينَ يَوْماً ثُمَّ صُمْ يَوْمَ سِتِّينَ‏

أقول و هذا الحديث كان ظاهره يقتضي أن رجبا و شعبان لا بد أن يكون أحدهما ناقصا عن ثلاثين يوما فإن وجدت في وقت هذين الشهرين تامين فلعل المراد بتلك [بهذه‏] الرواية تلك السنة المعينة أو سنة مثلها أو غير ذلك” انتهى.

والإعتماد عليها مخدوش بما دل على النهي عن الاعتماد على التظني وحصر الحكم في العلم بالرؤية والشياع.

بل هو حساب غريب غير مضبوط لا بحساب التقاويم ولا بالشرع، وروايته ضعيفة شاذة، أقصى ما تدل تدل عليه لو صحت هو الارشاد ليوم الشك من أول الشهر والاحتياط لأوله تجنبا لقضائه خارج الشهر الفضيل.

[لا عبرة بتطوق الهلال ورؤية ظل الرأس فيه واتفاق الأنظار أنه لليلتين ]

◄ يجوز معارضة الشهادة -لا إسقاطها- بقرائن ظنية: بالرؤية أوائل الشهور برؤية الهلال مطوقا أول الشهر الماضي أو وضوحه وكبره واتفاق الأنظار على أنه لليلتين أو أكثر، بل كل أمارة تورث ظنا قويا، حتى حساب الفلكي، تكون صالحة للتأثير في الوثوق بشهادات الرؤية، ولا حجية لها في إثبات الشهر أو نفيه.

يدل عليه:

ما رواه الكليني في الصحيح عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا تَطَوَّقَ الْهِلَالُ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ إِذَا رَأَيْتَ ظِلَّ رَأْسِكَ فِيهِ فَهُوَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ”.

ورواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى محمد بن مرازم، ورواه الشيخ بسنده إلى سعد بن عبد الله عنهم مثله.

فإنه بضميمة ما استفاض من حصر الحجية للرؤية والعلم، وعدم العمل بهذه الأمارة لإثبات أوائل الشهور شرعا، يدل على أن تطوقه أو تأثيره للظل على الأرض كاشف ظني على كونه لليلتين أو لثلاث، وفائدته تظهر في آخر الشهر وتؤثر في الوثوق بشهادة الشهود على الرؤية.

وهو خبر مفرد ليس فيه ما يدل على التعبد بهذه الأمارة، ولم يقترن بما يعين على استظهار وجوب الأخذ بها.

وروى الصدوق في الفقيه: سَأَلَهُ الْعِيصُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْهِلَالِ إِذَا رَآهُ الْقَوْمُ جَمِيعاً فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لِلَيْلَتَيْنِ أَ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ.

وهو كأمثاله من الأمارات الظنية؛ فإنه يجوز أن يصدق حدسهم وظنهم خاصة مع اتفاق أنظارهم، فيؤثر في اعتبار شهادة الشهود ولا تقبل إلا بتحر زائد عما لو كانت خالية عن المعارضة بقرائن مخالفة ككبر الهلال أول الشهر وغيره.

وهو كسابقه مما تفرد بروايته الرواة ولم يقترن بما يؤيده، ولم يظهر بهذا وجه دلالته على وجوب اعتبار هذه الأمارة.


 

والحمد لله رب العالمين

وصلاته وسلامه على النبي الطاهر الأمين وآله الغر المنتجبين

وكتبه

محمد علي حسين العريبي البحراني مولدا ونشأة

في

صبيحة الأحد الثامن من شهر شوال لسنة 1433 للهجرة النبوية على مهاجرها وآله سلام الله والتحية

الموافق لذكرى هدم قباب الأئمة الشرفا أمام ناظري سيد النقبا ولله المشتكى وله الآخرة والأولى.


([1]) ليس في رواية الكافي.

([2]) وهي السنة التي ولد فيها أبو محمد العسكري عليه السلام في المدينة، وأشخص الهادي عليه السلام في السنة التي تلتها إلى سر من رأى.

([3]) كذا في الوافي.

([4]) الأمالي (المجالس): 80، الفقيه 1: 220/ ح 662.