كيفية البدء في القَسْم وقاعدة القرعة

كيفية البدء في القَسْم
وقاعدة القرعة
من دروس كتاب النكاح
 
محمد علي العريبي
ج2/1438 هـ – 3/2017 م
 

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام

كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م

كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م
https://www.mediafire.com/?ewg99tcvr5kxrrr

تقليد الميت بين السنة الشيعة تاريخ المسألة وأدلتها

 

تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة الشيعة
تاريخ المسألة وأدلتها
* محمد علي العريبي
للتحميل: من هنا

والحمد لله رب العالمين
وكتبه: محمد علي العريبي
1437 – البحرين

الفهرس
المبحث الأول: تمهيد لمسألة تقليد الميت عند الإمامية: الفرق بين الرواية والفتوى مما بني عليه الاختلاف في مسألة تقليد الميت 1
السيد المرتضى: أول من ذكر الفرق بين الفتوى والرواية من الشيعة 2
فائدة الخبر والفتوى هي النسبة الخبرية 4
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ) في مطارح الأنظار: 5
الإيراد على تعريف الرواية والفتوى: 6
الفتوى بلسان الرواية: 6
ما أجيز من صور الرواية: 7
اعتراف الرجاليين والمحدثين بالتصرف في ألفاظ الروايات: 7
تفاوت أداء الأخبار: 7
المناط في صفة الرواية هما الإسناد و حفظ المعنى: 8
إطلاق الحكم بلا إسناد لفظي بمنزلة الرواية 10
ما تحصل من الأدلة أنه الفرق بين الرواية والفتوى لا يصلح للمنع من تقليد الميت: 11
المبحث الثاني: تقليد الميت عند السنة والشيعة 1
تقليد الميت عند أهل السنة: تاريخ المسألة وأدلتها 1
الشافعي: قائل بالجواز: ( المذاهب لا تموت بموت أصحابها ) 1
الملاحظ على الدليل: 1
ابن القصار المالكي البغدادي ( 397 هـ ): جوزه، وهو أول من أفرد بابا للمسألة 3
الباقلاني ( 403 هـ ) أول من أوجب تقليد الحي: 3
إمام الحرمين الجويني ( 478 هـ ): قائل بوجوب تقليد المجتهد : 4
القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ ): 6
أبو الحسين البصري المعتزلي ( 436 هـ ): أول من ادعى وجوب تقليد الحي للسيرة والإجماع 6
أبو حامد الغزالي ( 505 هـ ): 7
ويلاحظ عليه: 8
أبو بكر الرازي ( 606 هـ ): 8
المتحصل من الأدلة: 9
تقليد الميت عند الإمامية: تاريخ المسألة عند المتأخرين وأدلة المانعين عن تقليد الأموات 1
نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلي ( المحقق الحلي ) ( 676 هـ ): يجوز تقليد الميت كالحي إذا علم صحة النقل 1
العلامة الحلي ( 726 هـ ) في قواعد الأحكام: لا يجوز الأخذ بقول الميت 1
الكركي ( 940 هـ ) في جامع المقاصد في شرح القواعد: تابع الحلي 3
الشهيد الثاني ( 965 هـ ): أول من ادعى إجماع الإمامية على عدم جواز تقليد الميت 4
أول من أفتى بفسق من قلد الأموات إذا وجد مجتهد في زمانه 7
منشأ الفرقة والتنافر بين المحدثين وأكثر الأصوليين في المسألة 8
استدلالات أخرى بعد الشهيد الثاني: 14
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل ( الوحيد البهبهاني ) ( 1205 هـ ): لا يجوز تقليد الميت للقطع بارتفاع ظن الفقيه 15
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ): دعوى الإجماع المحقق على حرمة تقليد الأموات 16
رجوع لكلام الأنصاري: 18
الذب عن المحدثين: 18
أدلة الشيخ الأنصاري على اشتراط الحياة في المفتي: 19
الأوّل : اصالة حرمة العمال بالظن 20
الثاني : الإجماع المحقق 20
الثالث: عدم إمكان الوقوف على المجتهد الأعلم الأورع 22
الرابع : عدم العلم بآخر فتاوى المجتهد الميت إذا تغير اجتهاده 23
الخوئي ( 1413 هـ ): المتسالم عليه عدم جواز تقليد الميت 24
ما استدل به السيد الخوئي: 24
الأول: الشهرة والتسالم 24
الثاني: روايات الإرجاع للفقيه ظاهرة في الفعلية وموضوعها الحياة 25
الثالث: أدلة الإرجاع للفقهاء رادعة لسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 27
الرابع: الضرورة المذهبية رادعة للسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 28
الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر): 29

 

 

 

 

 

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

https://drive.google.com/uc?export=download&id=0B6AZtFCXyPdbUEcxdDR4ZEkzZ2s

https://twitter.com/Moh_Aloraibi/status/698933212840620032

https://www.facebook.com/aloraibi.m/posts/983534848396597

https://www.goodreads.com/book/show/29775842

https://ar.scribd.com

تحقيق: حول خطبة ( خط الموت ) ووصية ( ما خرجت إلا لطلب الإصلاح ) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام

تحقيق: حول خطبتي ( خط الموت ) و (ما خرجت إلا لطلب الإصلاح) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام[1]

للتحميل: http://www.mediafire.com/download/oaij2ce7djug5ql

1-            [ القول في خطبة ( خط الموت على ولد آدم …كأني بأوصالي تقطعها ) ]

ثم إنه قد أصر كثير من المعاصرين من أهل القيام والثورات على ضرب الأمثلة من كلام الحسين عليه السلام وخطبه واستدلوا بها على ثورية حركته ودمويتها عن قصد، وتحشيده الناس لبذل دمائهم مهما كان الثمن، ولو ساء أمر الإسلام وانتهكت حرماته أكثر من ذي قبل، زعما منهم أن العزة في هذا السبيل واخترع البعض أراجيز وأشعارا نسبها أو ألقاها على لسان حال الحسين عليه السلام، فألغوا بهذا كل دلالات نصوص المهادنة، وابتدعوا أصلا بين الأحكام غير أصيل !.

ومما ذكروه في جملة أدلتهم، الخطبة التي رواها السيد ابن طاووس رحمه الله في كتابه اللهوف (664 هـ) ، قال:

” وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ما شاءَ اللَّهُ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَتَقَطَّعُهَا عَسَلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَ أَجْرِبَةً سُغْباً، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لُحْمَتُهُ وَ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ وَ يُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، مَنْ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا؛ فَإِنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏”([2]).

ورواها قبل السيد -مرسلة من غير إسناد([3])- الحسين بن محمد بن الحسن بن مصر الحلواني (توفي في القرن الخامس وكان حيا سنة 481هـ معاصرا للسيد المرتضى ومحدثا عنه ومعاصرا للشيخ الطوسي) في كتابه نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، قال: “وَ لَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً، فَقَال …” ([4]) إلى تمام الخبر.‏

ثم أبو الحسين مسعود بن عيسى ورَّام بن أبي فراس (ت 605هـ) في مجموعه.

ورواها مرسلة أيضا الإربلي (ت 693هـ) في كشف الغمة.

لكن ابن نما (ت 645هـ) في مثير الأحزان رواها هكذا:

“عن الشعبي عن عبد الله بن عمر: انه كان بماء له فبلغه ان الحسين ( ع ) قد توجه إلى العراق فجاء إليه وأشار عليه بالطاعة والانقياد وحذره من مشاققة أهل العناد، فقال: يا عبد الله اما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا ( ع ) أهدى إلى بغى من بغايا بني إسرائيل … ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي.

ثم قام خطيبا فقال: الحمد لله وما شاء الله ولا قوه إلا بالله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة … فإني راحل مصبحا إن شاء الله. ثم أقبل الحسين حتى مر بالتنعيم”([5]).

وظاهره إسناد اللفظ لسابقه بحسب السياق، فيكون قد وضع الخطبة ضمن ما رواه الشعبي عن عبد الله بن عمر، لكنه منصرف عن ظاهره بما عرف من طريقة الكتاب في الاختصار وترادف الأخبار والأحداث مسندة ومرسلة، سيما أنه روى لقياه لعبد الله بن عمر بعد بدء توجهه للعراق، ثم ذكر خطبته هذه التي أعلن فيها نية التوجه، فبينهما تهافت محتمل.

فهذا الخبر مرسل ككثير من أخبار السير، وغير جامع للحجية في مقام الاستدلال، ولا قام بشروط الدلالة التاريخية لو قيل بالتفريق بين الحجية وروايات التاريخ والأحداث.

وإنه ليتداخل الشك القوي في صحة هذه المرسلات صدورا وتحققا؛ إذ لا يتناسب الإعلان في الملأ عن حتمية مقتله عليه السلام مع ما كان عليه من الاستجابة لدعوة الكوفيين، وما كان عليه الناس من الاحتفاف به والسماع منه، بل واللحاق به حتى حل قريب كربلاء قبل أن يتفرقوا عنه، ولا أرتاب أن خبر مصرعه عليه السلام من الأسرار المغيبة المكتومة التي ما عرفها إلا قلة من أهل بيته ومن ظفر بها من حملة الأخبار.

وعلى هذا يببتني الجواب عن شبهة أن الحسين عليه السلام أسس لمشروعية القيام بالسيف والثورة مهما كانت العواقب والمآلات تمسكا بمبدأ العزة المدعاة مع أن العزة في خلاف القيام أغلب الأزمان؛ فإنه لا دلالة لمثل هذه النصوص على المدعى؛ إما لضعف جملة منها، أو لاستبعاد إذاعتها علنا لتكون منهجا عاما يغني الناس عن التمسك بالأسباب والأخذ بظواهر الأمور، والتي ذكرنا أنها كانت مجتمعة للحسين عليه السلام وما قام إلا بعدها كما هو صريح الروايات.

[ تتمة فيها تحقيق حول خطبة ( خط الموت على ولد آدم … كأني بأوصالي) ]

ثم لا تعجب إن ساقك البحث والتقصي فوجدتها مشهورة في كتب الزيدية مسندة مشروحة، متصلة بزيد مروية عن قومه !، بل هي المنحصر طريقها بهم، وعنهم أخذ القوم !.

فهذا إمام الزيدية في طبرستان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني الزيدي[6] (ت 353 هـ) يروي في كتابه المصابيح في السيرة في نسخة كثيرة الغلط، فيقول بطريق فيه إرسال:

“وأخبرنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عليهم السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس خُطَّ الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه، وإن لي لمصرعاً أنا لاقيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسْلان الفلوات، غُبراً عُفراً بين كربلاء وبراريس [نواويس] قد ملأت مني أكراشاً جوفاً، رضا الله رضانا أهل البيت، فصبراً على بلائه ليوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز لهم عدته، من كان فينا باذلاً مهجته فليرحل فإني راحل غداً إن شاء الله عزَّ وجل، ثم نهض إلى عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه)”[7].

وهو أقدم مصدر لها بل هو الوحيد اليتيم الذي وجدنا هذه الخطبة فيه، ولا تجد فيها أنه قالها في خروجه من مكة أو في حال توجهه للعراق كما نقله المتأخرون عنه!، ولعلهم نسبوها للحسين لما رأوا ذكر كربلاء، وأغفلوا أنه عين القتلةَ بين كربلاء وما سماها براريس في هذه النسخة، ونقلها المتأخرون عنه ( نووايس ) وهو ما يغطى به لحد القبر وقيل أنه اسم لمقابر النصارى خارج كربلاء من شمالها، مع الاتفاق على أن الحسين عليه السلام قد عرف مكان استشهاده  وكذا خواص أهله وهو كربلاء لا غيرها.

وأخذها عن أبي العباس الآنف الذكر إمامهم أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني الزيدي[8] (م 340 – ت 424 هـ)، توفي شيخه أبو العباس وكان يحيى صبيا عمره ثلاثة عشر سنة كما تسجله تواريخ الوفيات، وهذا من الغرائب في التلمذة وأخذ الحديث المسند ومضعف لاعتبار حديثه، وروى هذا الخبر في أماليه، فقال مفصلا ما أجمل في سند شيخه:

أَخْبَرَنَا أبو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بن إبْرَاهِيمَ الْحَسَنِي رحمه الله تعالى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن أَيُّوبَ البَجْلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ العزيز العَكْبَرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن مُحَمَّدٍ بن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ تَمِيمِ بن [أبي][9] رَبِيعَةَ الرِّيَاحِي، عَنْ زَيْدِ بن عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عليه السلام أَنَّ الْحُسَيْنَ بن عَلِيٍّ عليه السلام خَطَبَ أَصْحَابَهُ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ” وساق الخبر[10].

ورواها عنه الخوارزمي (ت 568 هـ) بسنده في مقتله ببعض التفاوت عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني بنفس الطريق ، قال:

” أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد سيف الدين أبو جعفر محمّد بن عمر الجمحي كتابة ، أخبرنا الشيخ الإمام أبوالحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيّد الإمام النقيب علي بن محمّد بن جعفر الحسني الإسترابادي ، حدثنا السيّد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر محمّد بن جعفر بن علي الحسيني ، حدثنا السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمّد بن هارون بن محمّد بن القاسم بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني ، حدثنا محمّد بن عبدالله بن أيّوب البجلي ، حدثنا علي بن عبدالعزيز العكبري ، حدثنا الحسن بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن تيم بن ربيعة الرياحي ، عن زيد بن على ، عن أبيه : أنّ الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال ” الخبر[11].

والراوي عن زيد بن علي، تميم بن ربيعة الرياحي، مجهول عندنا وعندهم لم يفصل حاله أحد، قال في موسوعة رجال الزيدية: ” تميم بن ربيعة الرياحي: ذكر في طبقات الزيدية أنه روى عن زيد بن علي، وروى عنه محمد بن يحيى، ومثله في الجداول. لم أقف له على ترجمه”.

وكذا الرواة عن تميم بن ربيعة، مجهولون أو مهملون، فهذ الخبر من أخبار الآحاد المنفردة التي رواها المجاهيل ومن لا يقبل منهم إلا أن يعضد خبرهم خبر غيرهم، فما بالك وقد رواها من يجر النار لقرصه وتفرد بها من جهل أمره وتناقلها من لا يوثق بقوله !، وهذا أضعف صور الإسناد وأوهن النصوص في الاعتماد.

ولو قدرت لهذه الخطبة صحة وصدور، لما تعدت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام؛ فإنه ممن أنهوا الفصاحة والبلاغة إليه، وضم السيف إلى جناحه ودعا الناس إلى بيعته.

وقال بعض المعاصرين في معرض الإجابة عن سؤال السائل عن درجة اعتبار هذه الخطبة المنسوبة للحسين عليه السلام:

“نعم المقاطع التي في هذه الخطبة والتي وردت في نصوصٍ أخرى عن الإمام الحسين عليه السلام، بحيث تظافرت النصوص فيها، يمكن القول بثبوتها ثبوتاً نوعيّاً لا شخصّياً … وأقول: إذاً فهذه قطعاً قد صدرت؛ لأنّ فيها ذلك المقطع الذي تظافرت النصوص لتأكيده. فهنا أنا أجزم بهذه الفكرة المشتركة بين مائة نصّ حديثي أو تاريخي مختلف الموضوع، وفي الوقت عينه لا أصحّح أيّ رواية من هذه الروايات المائة بعينها وشخصها على تقدير ضعفها بنفسها، وهذه نقطة مهمّة جدّاً في علم الحديث والأصول غالباً ما تتمّ الغفلة عنها كما رأيت. والله العالم”[12].

وهذا الجواب من غرائب الأجوبة !؛ إذ بعد التنزل والتسليم بأن اشتراك بعض المقاطع جابر لضعف الخبر ومورث للاطمئنان لو تكثر وروده، فلنا أن نسأل صاحب هذه الدعوى – المجردة عن الدليل – عن مواضع الاشتراك ومحالها !، وهل تعدد نَقلُها ونَقَلَتُها حتى حقق وثوقا نوعيا بصدورها !، هذا، فضلا عن عدم كاشفية اشتراك بعض مقاطع الخطبة مع غيرها عن الصدور، إلا أن يؤنس بكلمات الإمام عليه السلام ويعرف أسلوب بيانه بعد التتبع والممارسة، بل قد يدعى أن المشاركة في خطبتين غير متحدتين داعية للميل للوضع في المشكوكة منهما؛ إذا لا يقصر صاحب اللسان عن أي بيان، ولا يعجزه ضيق وفاض عن فيض العذب من الألفاظ.

عصمنا الله من الزلل، ووفقنا للسعي في إعلاء دينه من غير ملل أو كلل.

2-            [وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا]

 

ونسب للحسين الشهيد عليه السلام قوله في وصية له: ” وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي”.

فقد ادعى بعض أنه واضح الدلالة على جواز الخروج والمطالبة كلف ما كلف من تضحيات، بمقتضى إطلاق نفي إرادة الفساد وإثبات إرادة الإصلاح في مقام تعليل الخروج، بضميمة أن يكون معنى الخروج هو القيام والثورة، فكأن السؤال كان عن سبب ثورته عليه السلام، فأجاب عنه بما ذكر.

ومن الواضح أن معنى الخروج في نفسه – خاليا عن الإضافة أو القرائن – لا يتضمن معنى القيام على الحكم أو الظالم المسمى الآن بالثورة في لسان الساسة، ولم يتواضع أهل اللسان على الخروج بمعنى القيام إلا بعد اقترانه سياقا وحكما واشتهاره بحكم الخروج عن أمر الحاكم أو الظالم بعد سنين طويلة من عصر الإسلام الأول.

وأما ما قيل من أن اللفظ استقر على معنى القيام على الحاكم حتى سمي أتباعه خوارج بعد ظهورهم في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، كما ألمح الشيخ شمس الدين في كتابه[13]، فهو لا يعني انحصار استعمال مفردة الخروج في هذا المعنى، كما أن المعنى الجديد كان معرفة وتسمية لخصوص فئة هم الخوارج، ولم يكن في باقي تصريفات الكلمة.

فلا يمكن التسليم بأن معنى الخروج هنا هو المعنى المتبادر عند المستدل إلا بقرينة واضحة.

ومن أمثلة استعمال الكلمة ( الخروج ) وما اقترنت به من ألفاظ شبيهة بما ورد في مقامنا -بمعناها الأولي لا بمعنى القيام- ما رواه ابن الشيخ الطوسي في مجالسه عن أبيه ، بسنده عن الرضا ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال : ” كان الصادق ( عليه السلام ، يقول إذا خرج إلى الصلاة :

اللهم إني أسألك بحق السائلين بك ، وبحق مخرجي هذا ، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، ولكن خرجت ابتغاء رضوانك ، واجتناب سخطك ، فعافني بعافيتك من النار “[14]. ومثله ما رواه بسنده عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام[15]، وروي قريب منه وبألفاظ أكثره في كتب العامة.

[ مصادر النص]

قال أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح فيما كان المدينة قبل خروجه عليه السلام لمكة وقبل بيعة أهل الكوفة وإرسال كتبهم طالبين قدومه:

“لَمّا جاءَ إلَيهِ [ أي إلَى الإِمامِ الحُسَينِ عليه السلام ] مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ قالَ : يا أخي فَدَتكَ نَفسي ، أنتَ أحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأعَزُّهُم عَلَيَّ ، ولَستُ وَاللّهِ أدَّخِرُ النَّصيحَةَ لأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ ، ولَيسَ أحَدٌ أحَقَّ بِها مِنكَ ، فَإِنَّكَ كَنَفسي وروحي وكَبيرُ أهلِ بَيتي ومَن عَلَيهِ اعتِمادي وطاعَتُهُ في عُنُقي ، لأَنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَد شَرَّفَكَ وجَعَلَكَ مِن ساداتِ أهلِ الجَنَّةِ ، وإنّي اُريدُ أن اُشيرَ عَلَيكَ بِرَأيي فَاقبَلهُ مِنّي .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : قُل ما بَدا لَكَ . فَقالَ : اُشيرُ عَلَيكَ أن تَنجُوَ نَفسَكَ عَن يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ وعَنِ الأَمصارِ مَا استَطَعتَ ، وأن تَبعَثَ رُسُلَكَ إلَى النّاسِ وتَدعُوَهُم إلى بَيعَتِكَ ، فَإِنّي إن بايَعَكَ النّاسُ وتابَعوكَ حَمِدتُ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وقُمتَ فيهِم بِما يَقومُ فيهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله وَالخُلَفاءُ الرّاشِدونَ المَهدِيّونَ مِن بَعدِهِ ، حَتّى يَتَوَفّاكَ اللّهُ وهُوَ عَنكَ راضٍ ، وَالمُؤمِنونَ كَذلِكَ ، كَما رَضوا عَن أبيكَ وأخيكَ ، وإن أجمَعَ النّاسُ عَلى غَيرِكَ حَمِدتَ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وإنّي خائِفٌ عَلَيكَ أن تَدخُلَ مِصرا مِنَ الأَمصارِ أو تَأتِيَ جَماعَةً مِنَ النّاسِ فَيَقتَتِلونَ فَتَكونُ طائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ وَطائِفَةٌ عَلَيكَ فَتُقتَلَ بَينَهُم .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! إلى أينَ أذهَبُ ؟ قالَ : اُخرُج إلى مَكَّةَ ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ الدّارُ فَذاكَ الَّذي تُحِبُّ واُحِبُّ ، وإن تَكُنِ الاُخرى خَرَجتَ إلى بِلادِ اليَمَنِ ، فَإِنَّهُم أنصارُ جَدِّكَ وأخيكَ وأبيكَ ، وهُم أرأَفُ النّاسِ وأرَقُّهُم قُلوبا ، وأوسَعُ النّاسِ بِلادا وأرجَحُهُم عُقولاً ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ أرضُ اليَمَنِ وإلّا لَحِقتَ بِالرِّمالِ وشُعوبِ الجِبالِ ، وصِرتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لِتَنظُرَ ما يَؤُولُ إلَيهِ أمرُ النّاسِ ، ويُحكَمَ بَينَكَ وبَينَ القَومِ الفاسِقينَ .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! وَاللّهِ لَو لَم يَكُن فِي الدُّنيا مَلجَأٌ ولا مَأوى لَما بايَعتُ وَاللّهِ يَزيدَ بنَ مُعاوِيَةَ أبَدا ، وقَد قالَ صلى الله عليه و آله : «اللّهُمَّ لا تُبارِك في يَزيدَ» .

قالَ : فَقَطَعَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ الكَلامَ وبَكى ، فَبَكى مَعَهُ الحُسَينُ عليه السلام سَاعَةً ثُمَّ قالَ : جَزَاكَ اللّهُ ـ يا أخي ـ عَنّي خَيرا ، ولَقَد نَصَحتَ وأشَرتَ بِالصَّوابِ ، وأنَا أرجو أن يَكونَ إن شاءَ اللّهُ رَأيُكَ مُوَفَّقا مُسَدَّدا ، وإنّي قَد عَزَمتُ عَلَى الخُروجِ إلى مَكَّةَ ، وقَد تَهَيَّأتُ لِذلِكَ أنَا وإخوَتي وبَنو إخوَتي وشيعَتي ، وأمرُهُم أمري ، ورَأيُهُم رَأيي . وأمّا أنتَ يا أخي فَلا عَلَيكَ أن تُقيمَ بِالمَدينَةِ فَتَكونَ لي عَينا عَلَيهِم ، ولا تُخفِ عَلَيَّ شَيئا مِن اُمورِهِم .

قالَ: ثُمَّ دَعَا الحُسَينُ عليه السلام بِدَواةٍ وبَياضٍ … فَكَتَبَ :

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، هذا ما أوصى بِهِ الحُسَينُ بنُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ لأَخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ المَعروفِ وَلَدِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام :

إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَا اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأنَّ مُحَمَّدا عَبدُهُ ورَسولُهُ ، جاءَ بِالحَقِّ مِن عِندِهِ ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنّارَ حَقٌّ . وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها ، وأنَّ اللّهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ ، وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، اُريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ ، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، وسيرَةِ أبي عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ  وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، فَمَن قَبِلَني بِقَبولِ الحَقِّ فَاللّهُ أولى بِالحَقِّ ، ومَن رَدَّ عَلَيَّ هذا أصبِرُ حَتّى يَقضِيَ اللّهُ بَيني وبَينَ القَومِ بِالحَقِّ ، ويَحكُمَ بَيني وبَينَهُم بِالحَقِّ ، وهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ ، هذِهِ وَصِيَّتي إلَيكَ يا أخي ، وما تَوفيقي إلّا بِاللّهِ ، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإلَيهِ اُنيبُ ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ وعَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللّهِ العَلِيِّ العَظيمِ .

قالَ : ثُمَّ طَوَى الكِتابَ الحُسَينُ عليه السلام وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ، ودَفَعَهُ إلى أخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ ثُمَ وَدَّعَهُ”[16].

[ الاشتباه في الاستدلال بها على مشروعية القيام ]

نقلنا النص بتمامه ليعلم أن الخروج المقصود هو خروج الحسين عليه السلام من مكة إلى المدينة أو غيرها من البلدان كما هو واضح من السياق والمقام، وأن هذا الأمر كان قبل قيام الحسين عليه السلام وعزمه على تولي الكوفة بعد أن تكاثرت عليه كتب الكوفيين أن أقدم إلينا خليفة لا نريد سواك، فتبين أن الاستدلال بها من جملة الاشتباهات وأن المقصود بها لا يوافق المستدل بها على جواز القيام.

[مصدر الرواية غير معتبر]

أما خبر هذه الوصية فمع اشتهارها بين المتأخرين خاصة، غير أنها في مصادر لا يتيقن صحتها مع انفرادها ولا يركن لها إلا إذا انضم إليها ما يقويها ولم يعارضها أمر آخر.

وهذه قد نُقلت عن كتاب ابن الأعثم الكوفي (ت 314 هـ)، الذي وصفه بعض علماء الشيعة كابن جرير الطبري الإمامي بأنه ” رجل معاند “[17] ولعله أراد مخالف، وآخرون من المتأخرين –كالمحدث ابن طاهر القمي- بأنه عمدة المخالفين وعلمائهم الثقات، وعده ياقوت الحموي في معجم الأدباء شيعيا، قال: ” كان شيعيا وهو عند أصحاب الحديث ضعيف”[18] وهذا تعصب منه.

ولا شك في كونه من أبناء العامة لا الخاصة، وأن الناظر في كتابه يراه محبا لا متشيعا إماميا، لذا قال فيه التستري في قاموسه: ” من مؤرّخي العامّة إلاّ أنّه ليس من نصّابهم “[19]، وتاريخه اعتمد على النقل منه بعض علماء الشيعة، لكن لا بتمام الاعتماد وكامل الركون كغيره من كتب أهل الأخبار التاريخية، كمقتل لوط ابن يحيى المعروف بأن الشيعة ركنت لصاحبه ولنقولاته.

[الضعف في متن الرواية وصحة المنقول بطرقنا]

وأما متنها فمما فيه أنه عليه السلام قال أنه يسير بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، وهذا لا يوافق المعلوم من المذهب بالضرورة، وما في بعض طبعات الكتب المتأخرة من رواية الحديث مع إسقاط هذه الجملة أو تخطيها لا مبرر له !.

مع أن المروي عن هذه الوصية أو الكتاب -الذي لا يعلم غيره- بطرقنا صحيحا ما عن السيد بن طاووس في كتابه اللهوف بسنده قال: ذكر مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ[20] عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “ذَكَرْنَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ ع وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: يَا حَمْزَةُ إِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِحَدِيثٍ لَا تَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا؛ إِنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً دَعَا بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْفَتْحِ وَ السَّلَامُ”.

ورواها الصفار ( ت 290 هـ) عن أيوب بن نوح بعينها في أشهر كتبه بصائر الدرجات، ومحمد بن الحسن الصفار هو الذي قال فيه النجاشي: ” كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر راجحا قليل السقط في الرواية”[21] – عن أيوب بن نوح، وتناقلها غيره من علماء الشيعة في مصنفاتهم، فانظر هامش التخريج[22].

[ لو صحت الرواية لم يصح التمسك بدلالتها أيضا]

وأما التمسك بالتعليل فيها ( طلب الإصلاح ) وأنه سيرة النبي صلى الله عليه وآله وعلي والحسن عليهم السلام، ليكون مبررا للخروج مطلقا حتى مع عدم توفر دواعي النصر، فلو سلمنا صحة الرواية وسلامة متنها – وهو ما لا يمكن التسليم به كما أسلفنا آنفا – لم يصح معناه؛ لأن خروجه لو حمل على أنه للمسير من مكة إلى المدينة لم يكن مرادفا لمعنى القيام، والحال أن المستدل ممن ينتصر لجواز القيام أو وجوبه.

ولو حمل على الخروج لجهاد يزيد في مكة قبل بيعة الناس فهذا ليس بخروج وقيام، بل مقامٌ في مكة وتحصن فيها بأهلها بغير دعوة دعى لنفسه فيهم كما هو المتفق عليه، وإنما كان ذاك من عبد الله بن الزبير بعد ذاك، فلا ينفع المدعي أيضا.

ولو سلم أنه خروج للجهاد من أوله تمهيدا ثم تنفيذا، قلنا: أنه لم يكن هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ولا سيرة علي ولا الحسن عليهما السلام التي ذكرت في ذيل الوصية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ما جاهد الكفار إلا أمرا ووحيا بعد الصبر العظيم واجتماع الأسباب والقدرة وما انفرد خارجا لحرب أحد ولا سلك سبل الثائرين كما في هذا العصر، وإن عليا عليه السلام هو كذلك، ما قام في الناس ثائرا ولم يمسك بزمام الخلافة إلا بعد بيعة الناس له وعلمه بصيرورة الأمور إليه، ودونك خطبته الشقشقية، وأن أبا محمد الحسن عليه السلام دام على خطى أبيه، ومن سيرته المهادنة لما خلت الأسباب وترجح الفسادُ على الصلاح بين الأتباع، كل هذا مع ما ثبت من سيرة الحسين عليه السلام، وهو بقاؤه في مكة ثم قدوم أهل الكوفة بكتبهم يطلبون قدومه ليبايعوه كسيرة أبيه عليه السلام، ثم سار لهم سير غير المتحصن بعسكر ولا المترئس لجيش دون تبييت نية لمواجهة أو قيام كما أثبتناه في غير موضع من هذا الكتاب.

فكيف يكون خروجه عليه السلام من مكة بداية قيام وثورة!، وكيف يمكن الاستدلال بسيرة من لا يوافقون الثورة والقيام المدعى لا في المبدأ ولا الأسباب كالنبي وآله الأطياب !، فلم يقم ويخرج رسول الله صلى الله عليه وآله كخروج الثوار والقائمين، وكذا لم يفعل علي ولا ابنه الحسن عليهما السلام، فانتفى المعلل (القيام) لبطلانه، ولم يصح التعليل (طلب الإصلاح) لانتفائه، وهذا مضعف آخر للرواية، وعلى مدعي دلالتها الإتيان بوجه صحيح تام، وحيث لم يكن فلا محيص عن رفع اليد عنها.

ولرب قائل أن يقول: أنه عليه السلام بامتناعه عن بيعة يزيد قد شرع في المعارضة والقيام، فنقول: إنا نسلم أصل المعارضة منه عليه السلام ليزيد ولا ينكره أحد أبدا، لكنا ننكر أنه قام بلا اهتمام لدماء الناس ولا رعاية لمصلحة الإسلام كالثوار والخارجين وكما يريد أن يصوره المستدل، ويكفي أن تلاحظ سيرته سلام الله عليه ليبان لك الفارق البين، مع عدم صحة القياس والاستدلال مطلقا بامتناع الحسين عليه السلام عن البيعة، كما مر عليك ويأتيك من تفصيل أكثر.

[لا يدل الخبر على جواز المعارضة السلمية مع احتمال الضرر]

ومن هنا يعلم، أن الاستدلال بها على جواز المعارضة مع احتمال الضرر بشرط سماه بعض منهم ( سلمية المعارضة )، تبرع بالدلالة والشرط؛ فقد علمت عدم صلاحيتها للاستدلال لضعف مستندها ومتنها، ولو دلت على جواز أو وجوب الخروج على الحكام في كل عصر مطلقا، لما احتجنا لاشتراط سلمية الخروج !؛ لأن الغرض يطلب تحققه بأي نحو ولو بسفك المهج تمسكا بإطلاق الدليل كما توهموا، بل يلزم من هذا تخصيص أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا العنوان المبتدع !.

ولو قيل: أن مرادهم بالشرط مشروعية المعارضة السلمية على نحو الاتفاق؛ إذ لا حمل فيها للسلاح ولا تشابك في عراك، ، فهو مردود؛ بأنه لا يوافق القائلين بالحرمة ولا الجواز، إذ لا رواية ولا قول في الشريعة بتخصيص جواز القيام إذا كان دون حمل سلاح بعد صدق مسمى الخروج المتمثل بالمعارضة كما بيناه، ولا مستند لتخصيص حكم الجواز أو الوجوب المطلق عند المتوهمين لهذا الحكم، فهو خرق للإجماع المركب.

وكذا فإنه لا معنى لسلمية الخروج على الحاكم في الواقع فضلا عن لغوية اشتراطها شرعا؛ لأن السلامة لا تتحقق بمجرد الامتناع عن حمل السلاح في قبال الحكام، بل في أن يؤمن الفتنة بين الأنام والضرر من جانب السلطان حتى لو علق الزهر مكان السنان، وهو –أي السلطان- الذي يقرر كيف يشاء سلميتها إذا تحقق بها السلم أو عدم سلميتها إذا تحقق بها الضرر له ولملك دولته، فالسلمية وعدمها عنوان واقعي ينتزع من سلامة الطرفين المتنازعين في الفرض، وليس لها محل في عالم الاعتبار، فمتى أجاز الحاكم المعارضة أو قل لم تكن بالنسبة له وفي نظره معارضة لحكمه ومنازعة له في ملكه، فقد ارتفع المحذور بالكلية على ما بينها في غير موضع.

[الحاصل]

والحاصل: أن نسبة هذا الحكم – وهو جواز المعارضة السلمية لإسقاط السلاطين والحكام – وصولا للحكم أو المشاركة فيه –مغالبة ومحاصصة- في عصر المهادنة بين بني الإسلام والمسالمة مع بقية الأنام، نسبة باطلة للشارع المقدس، كما أن توهم أو إيهام المكلفين بأن تغيير الألفاظ والأوصاف عن واقعها يبيح لهم ارتكاب الحرام، بطلانه من أوضح الواضحات، تنَزَّهَ الشرعُ الحنيفُ عن هذا اللعب بالدين وخلطِ الوهمِ باليَقين.


[1] مستلتان من كتابنا ( حرمة القيام ).

([2]) اللهوف على قتلى الطفوف: 60-61.

([3]) قال المصنف في أول الكتاب ص 9: “حذفت الأسانيد حتى لا يخرج الكتاب عن الغرض المقصود في الاختصار”

([4]) نزهة الناظر: 86.

([5]) مثير الأحزان: 30.

[6] في معجم الرجال: ” أحمد بن إبراهيم بن أحمد: السيد أبو العباس الحسيني (الحسني): فاضل، ثقة. الفهرست للشيخ منتجب الدين”. وقيل أنه كان إماميا ثم تزيد، دخل الري لطلب الحديث وصار إمامهم، وبرروا له عدم قيامه بكثرة الموانع عنه !. انظر مقدمة محقق كتابه المصابيح.

[7] المصابيح في السيرة والتاريخ: 335/ ح 187.

[8] له كتاب الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، من كتب الزيدية التي عليها معتمدهم.

[9] في غير مصدر بدون أبي، ولعلها زائدة.

[10] تيسير المطالب في أمالي أبي طالب (ترتيب الأمالي): 345-346.

[11] مقتل الخوارزمي: 208.

[12] حيدر حب الله.

[13] أنصار الحسين: 38.

[14] أمالي الطوسي 1: 381.

[15] أمالي الطوسي 1: 371.

[16] الفتوح : ج ۵ ص ۲۱ ، عنه مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ۱ ص ۱۸۸.

[17] نوادر المعجزات: 62، ب1 ح27.

[18] معجم الأدباء 2: 230-231، ر29.

[19] قاموس الرجال 12: 90، ر231.

[20] يحتمل أنها مصحفة عن الحسن، فهو الثقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار.

[21] فهرست النجاشي: 354، ر948.

[22] بصائر الدرجات : 481 ح 5 ، اللهوف : 28 ، المناقب لابن شهر آشوب 4 : 76 ، مثير الأحزان : 39 ، الخرائج الجرائح 2 : 771 ، بحار الأنوار 44 : 330 و 45 : 84 و 42 : 81 ح 12 ، العوالم 17 : 179 .

إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام وحدود الطواف بالبيت العتيق

 

إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام

 

وحدود الطواف بالبيت العتيق

[مستند الحكم]

 

روى الكليني (قدس الله سره) في الكافي عن:

 

“مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ وَ غَيْرُهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:

 

سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ؟

 

قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلى‏ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَ الْمَقَامِ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ تَطُوفُونَ مَا  بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ الْحَدُّ مَوْضِعَ الْمَقَامِ الْيَوْمَ، فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “.

 

[طريق الحديث]

 

وهذا الحديث اعتمده لوحده الشيخ في التهذيب وقال قبله:

 

“وَ حَدُّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ وَ لَا طَوَافَ لَهُ هُوَ أَنْ يَطُوفَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ الْبَيْتِ فَمَنْ جَازَهُ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُ فَلَيْسَ طَوَافُهُ بِشَيْ‏ءٍ رَوَى ذَلِك‏”.

 

ثم ذكر طريقه قال:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفيه شبهة تحريف أو تصحيف في السند من جهة من يروي عنه محمد بن يحيى، واختلاف في تعيينه في تهذيب الشيخ رحمه الله، إلا أنه عندنا ليس بذي بال وخطر.

 

إلا أننا نقول: في التهذيب: ” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفي هامش الكافي المطبوع في الحديث 7436:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيىٰ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسىٰ ، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ:سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّٰهِ عليه السلام عَنْ قِيمَةِ مَا فِي الْقُمْرِيِّ ” الحديث.

 

 علق في الهامش:”لم نجد توسّط أحمد بن محمّد بن عيسى بين محمّد بن يحيى وياسين الضرير في موضع. بل يروي محمّدبن يحيى عن ياسين الضرير بتوسّط محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى [بن عبيد]. كما في الكافي، ح 7538 و 7800 و 7910 و 8676 و 14629 والظاهر أنّ «أحمد بن محمّد بن عيسى» في سندنا هذا محرّف من «محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى».ويؤيّد ذلك أنّ الخبر رواه الشيخ الطوسي في التهذيب، ج 5، ص 371، ح 1293 بسنده عن محمّد بن عيسى عن ياسين الضرير”.

 

أقول: يقوي احتمال التصحيف أن طرق المشايخ كالنجاشي([1]) والشيخ([2]) إلى كتابه منحصرة برواية محمد بن عيسى بن عبيد، والصحيح عندي -كما ذكروه- الذي يقتضيه التتبع أنه محرف عن “محمد يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن محمد بن عيسى بن عبيد عن ياسين الضرير”.

 

وأما ياسين الضرير، فالظاهر شهرة كتابه بين المشايخ وتسليمهم لروايته في كتب الأخبار، وهذا كاف في الركون لخبره.

 

 [الدلالة]

 

وأما الدلالة: فالذي يفهم منها أن العبرة بكونه طائفا بالبيت عرفا لخصوصية تميزه، لا به وبغيره فلا يقع الطواف المخصوص بدائرة أوسع من مطاف البيت بنظر العرف، ولم يعين في كلامه عليه السلام الحد السابق -قبل تغيير موضع المقام- لمطاف البيت الشريف، بل صرح عليه السلام أن موضع المقام صار أو وضع على حد المطاف -كما في جملة كثيرة من النقولات أن عمر أخره عن محل الطواف إلى هذا المحل، وأصر على إرجاعه لما أزاله السيل وثبته في موضعه الذي غيره وهو محله اليوم بلا ريب- ولا جعل الحد الذي كان عصره عليه السلام هو الذي يجب أن يكون عليه في بقية العصور، فالعبرة بصدق الطواف بالبيت، لا بالمسافة بين البيت والمقام.

 

[معارضته بما رواه الصدوق]

 

وقد تعارض الضابطة المروية السابقة بما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله صحيحا، قال:

 

” رَوَى أَبَانٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ:

 

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ؟

 

قَالَ: مَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَ مَا أَرَى بِهِ بَأْساً، فَلَا تَفْعَلْهُ إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مِنْهُ بُدّاً “.

 

وأبان هو ابن عثمان، الذي روى عنه أجلة المشايخ وأخذوا حديثه عن سماع لا من كتاب غالبا، مع أن جملة ممن روى عنه مغموز فيه، والمرجع للرواة عنه وما يمكن الاحاطة به من مؤيدات.

 

قال الشيخ يوسف طيب الله ثراه:

 

” و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم وجه يحضرني الآن في الجمع بين الخبرين المذكورين. و الاحتياط لا يخفى “.

 

 

أقول:

أقول: أسلوب رواية الحلبي عن الصادق عليه السلام كثير في الأخبار، مجمل الدلالة بنحو تام في بعضها، وظاهر في بعضها الآخر، يمكن الاعتماد على شرحها بما سبق في الصحيح -على الأقوى- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام، وكذت بما سيأتي من قرائن تاريخية من زمن النص وتقريبات عرفية

فالأظهر فيها أنها على نحو اللف والنشر المرتب التشريحي، فجملة (فلا تفعله إلا أن لا تجد منه بدا) وقعت شرحا لقوله عليه السلام المؤلف من مقطعين: (ما أحب ذلك وما أرى فيه بأسا).

 

وبهذا تكون دالة على عدم إجزاء الطواف خلف المقام لا كراهتة.

 

والضرورة هنا لعلها لأمر التقية لا للزحام وغيره؛ لما أفتى به غير واحد من العامة بجواز الطواف حول الكعبة ولو من خلف حائل ولو ابتعد عن البيت ككونه تحت المسقفات البعيدة عن البيت أو عند أبوابه التي كانت خارج المطاف، لكنه وجه يفتقر للتأييد الذي تسكن معه النفس خاصة أن مثل هذا القول حكي عن الشافعي المتأخر عن الصادق عليه السلام زمانا، مع أنه لا مانع من وجود قائل غيره، فلا يحاد عن تسويغ مطلق عدم المندوحة للطواف خلف المقام، سواء كان للتقية أو للزحام الذي لا يخلو عنه موسم ولا يتسع الزمان للصبر لأدائه.

 

فليس بين رواية الحلبي -هذه- والرواية -الأولى- السابقة لمحمد بن مسلم إلا تمام التلاؤم، إذ في الأولى وضع الإمام عليه السلام الضابطة الكلية وصرح بأن الحد في زمنه هو الحد قبل هذا الزمن، وهنا طبق تلك القاعدة التي أفادها عليه السلام.

 

وأما التمسك بالعموم أو الإطلاق في قوله عليه السلام (ما أحب ذلك) لفرض التعارض بينها وبين مفاد الجواز في صحيحة محمد بن مسلم، فغير سالم عن الإيراد؛ إذ الصحيح في التمسك بالعموم التيقن أولا بدلالته عليه، ولا يمكن إثبات إطلاق أو عموم للفظ إلا بعد الاطمئنان بكونه في هذا المقام من البيان، وهذا وإن ذكره أغلب الأصوليون إلا أنهم قلما يجرون عليه كقاعدة، وكثيرا ما يثبتون الإطلاق للفظ أو العموم مع أن الشك في نفس الدلالة، وتفصيل الكلام في محله.

 

وعلى أي حال، فإن القاعدة لدينا: هي إرجاع المجملات -أي ما كان من المتشابه- من كلامهم عليهم السلام للمحكم من الأخبار -أي المبين الواضح- في حدود ما وقع عليه البيان، وقد تقدم نتيجته.

 

والحاصل: عدم جواز الخروج عن حدود المطاف، تضيق أو توسع، وأنه بالتوسعة الأخيرة دخل المقام في المطاف بعدما كان على حدوده، وتسوغ الضرورة وعدم المندوحة الطواف خارج المطاف.

 

ولأنه لابد من تشخيص موضوع الحكم ليقارب ما استظهرناه من الروايتين السابقتين، استدعى البحث عن تاريخ المطاف والمقام بصورة موجزة وافية.

 

 

[تاريخ المقام والمطاف]

 

فمن طرقنا في تاريخ المقام ما رواه الصدوق في العلل في باب (علة تأثير قدمي إبراهيم ع في المقام و علة تحويل المقام من مكانه إلى حيث هو الساعة) قال:

 

” أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ وَ عَلِيٌّ ابْنَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ ابْنِ أَخِي عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَوْ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

 

لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ ع أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَ هُوَ الْمَقَامُ فَوَضَعَهُ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ لَاصِقاً بِالْبَيْتِ بِحِيَالِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَلَمَّا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ لَمْ يَحْتَمِلْهُ الْحَجَرُ فَغَرِقَتْ رِجْلَاهُ فِيهِ فَقَلَعَ إِبْرَاهِيمُ ع رِجْلَيْهِ مِنَ الْحَجَرِ قَلْعاً فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَ صَارُوا إِلَى الشَّرِّ وَ الْبَلَاءِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَرَأَوْا أَنْ يَضَعُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ لِيَخْلُوَ الْمَطَافُ لِمَنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّداً ص رَدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ع فَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَ أَوَّلِ وِلَايَةِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ قَدِ ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فَأَيُّكُمْ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا أَخَذْتُ قَدْرَهُ بِقَدَرٍ قَالَ وَ الْقَدَرُ عِنْدَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَائْتِ بِهِ فَجَاءَ بِهِ فَأَمَرَ بِالْمَقَامِ فَحُمِلَ وَ رُدَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ السَّاعَة “([3]).

 

ووقع في أصل عاصم بن حميد المطبوع ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بها-  نحوه، قال:

 

“عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ:

 

كَانَ الْمَقَامُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَكَّةَ رَأَى أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَحَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَ الرُّكْنِ، وَ كَانَ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ إِمَارَةَ أَبِي بَكْرٍ وَ بَعْضَ إِمَارَةِ عُمَرَ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: إِنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ عَنْ طَوَافِهِمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! مَنْ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: فَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَمَدْتُ إِلَى أَدِيمٍ فَقَدَدْتُهُ وَ أَخَذْتُ قِيَاسَهُ، فَهُوَ فِي حُقٍّ عِنْدَ فُلَانَةَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَأَخَذَ خَاتَمَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَجَاءَ بِهِ، فَقَاسَهُ، ثُمَّ حَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ”([4]).

 

وروى في المسترشد نحوه عن غير عاصم بن حميد([5]).

 

ولذا -أي أن المقام واقع على حد المطاف الخارجي- اجتزي بالمشي قبله لمن نذر المشي للبيت من غير تعيين للمبدأ، رواه الصدوق في الفقيه قال:

 

” وَ رُوِيَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِياً مَشَى فَإِذَا تَعِبَ رَكِبَ.

 

وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ خَلْفِ الْمَقَامِ “.

 

أي قبل المقام متوجها للبيت زاده الله شرفا.

 

 

وقد بقي المقام على حد الطواف بالبيت سنين طويلة -ملاصقا للبيوت المحيطة به غابرا أو على حدود المطاف لا يتجاوزه الطائف، قد قيل أن عمر هو أول من أحاط المطاف بحائط لما اشترى البيوت اللصيقة به- رغم التوسعات الكثيرة التي طرأت على المسجد، لم تتغير فيها سعة المطاف، وكان من شدة حرصهم على تحديده أحاطوه بأعمدة وأساطين لتمييزه وحصره، وكان المقام شاخصا على حدوده وكذا باب بني شيبة وسقاية العباس البارزه المسقفة على بئر زمزم، وهذا ما تحكيه الأوصاف في كتب المؤرخين ورسوم بعضهم والصور القديمة.

 

قال الفاسي : « المطاف المذكور في كتب الفقهاء وهو ما بين الكعبة ومقام إبراهيم عليه السلام ، وما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة » .

 

وقال الجويني: « المطاف المعتاد الذي يستنكر ويستبعد مجاورته هو ما بين الكعبة والمقام ، وفي كل جانب في العادة أمارات منصوبة لا يكاد الناس يخرجون عنها ».

 

وقد كان المطاف غير مستدير بصورة هندسية كاملة، فقد ذرعه الكثير من المأرخين منهم المؤرخ محمد طاهر كردي، قال:

 

« وإليك بيان طول المطاف القديم من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا منبطًا تامًّا بالأمتار : (11.50م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي فيه الباب من جهة الشرق إلى أول مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام . (16.65م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من ظهرها أي من الجهة الغربية . (22.3م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من تحت ميزابها أي من الجهة الشمالية ، بما فيه حجر إسماعيل وسمك جداره . (15.20م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي بين الركنين من الجهة الجنوبية ” انتهى.

 

ثم توالت التوسعات حتى وسع المطاف ليأخذ شكله الدائري الكامل اليوم، جاء في موقع بوابة الحرمين التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي -في التعريف بالمطاف-:

 

“هذا الشكل الدائري من عمل المهندسين المصريين الذي أشرفوا على توسعة المطاف . وإليك بيان طول هذا المطاف الجديد من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا تامًّا بالأمتار : (15.30م) طول المطاف الجديد من الجهة الشرقية للكعبة ، أي من مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام (10.75 م) طول المطاف الجديد من الجهة الغربية ، أي من جهة ظهر الكعبة (4.65 م) طول المطاف الجديد من الجهة الشمالية ، أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام . (11.50م) طول المطاف الجديد من الجهة الجنوبية ، أي من جهة الركنين الأسود واليماني.

 

هذا هو قياس طول المطاف الجديد بالأمتار ، وهو قياس محرر مضبوط لا يحتمل الشك ؛ لأننا أخذناه من نفس المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف في زماننا سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين من الهجرة . وبإضافة مقدار المطاف القديم على المطاف الجديد ، يظهر مقدار كامل المطافين .

 

ولقد قسمنا هذه الدائرة إلى أربعة أقسام متساوية، كما هو ظاهر في الرسم التالي، لنبين مقدار طول الطواف القديم، وطول المطاف الجديد من الجهات الأربع وهو رسم صحيح مضبوط مطابق للحقيقة ، أخذناه من المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف من أواخر شهر شعبان إلى أوائل شهر شوال من سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين هجرية .

 

وإليك رسم المطافين :

 

المطافان

 

وفي العهد السعودي الزاهر بعد توسعة سنة 1388هـ للمطاف أصبح قطر المطاف (64.8 م) على اعتبار أن الكعبة مركز القطر ، ويحيط به ممران متجاوران على محيط المطاف عرض كل منهما 2.5م ، وعلى ارتفاع 20سم . وقد أصبحت مساحة المطاف (3058 م2) حول الكعبة .

 

وفي توسعة عام 1399هـ ألغيت الحصاوي والمشايات ونقل المنبر والمكبرية وخفضت فوهة بئر زمزم أسفل المطاف بالقرب من المحيط الخارجي لدائرة المطاف ، فأصبحت سعة المطاف إلى حدود الحرم القديم بقطر (95.2م)، وأصبحت مساحة المطاف (8500 م2).

 

وفي عام 1424هـ تم تغطية مداخل قبو زمزم للاستفادة القصوى من صحن المطاف الذي يئن في فترات الزحام بالمعتمرين والحجاج ، وذلك بتسقيف مداخل القبو المؤدي للبئر ، وترحيل نوافير الشرب إلى جانب صحن المطاف ، حيث أدت هذه الأعمال إلى زيادة صحن المطاف بمقدار (400) متر مربع”.

 

فأول توسعة عليه وقعت سنة 1379هـ الموافق لسنة 1959م ، وصار على هيئته التي نشاهدها اليوم، ثم استحدث هذا العام وهو 1433هـ توسعة جديدة على المطاف أيضا.

 

 

[مقدار التباعد عن البيت من جهة الحجر]

لا يخفى أن القائل بعدم جواز التباعد أزيد من بعد المقام من جميع الجهات المستديرة حول الكعبة ولو بمقدار يسير، يُبطل الاعتماد على هذه القياسات رغم كونها متقاربة؛ لكنه قول ضعيف لم يأخذ في الاعتبار سيرة الطائفين يومها من عدم اعتبار هذه الدقة، كما أن قوله عليه السلام: ” فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “، إمضاء لهذا العمل الذي عليه الناس.

 

وقد يشكل فيقال: أنه إذا كان بين جدار البيت المشرف ورأس قوس الحجر 12 مترا (وهي 24 ذراعا تقريبا) كما ذكر إبراهيم باشا في مرآة الحرمين وغيره، فهذا يعني أن المطاف يتضيق بمقدار المسافة الباقية الموازية لبُعد المقام عن البيت وهي 11.5 م، وتكون المسافة المتبقية من المطاف القديم جهة الحجر [ 22.3 (من البيت إلى حد المطاف القديم) – 12 = ] 10.3 م من وراء الحجر، فالمتبقي بمسافة توازي المقام [ 11.50 (من البيت إلى المقام) – 10.3 = ] 1.20 م وهي خمسة أشبار تقريبا كما ذكره جدنا العلامة المبرور الشيخ حسين العصفور رحمه الله.

 

قال قدس الله نفسه في السداد بعد أن ذكر صحيحة محمد بن مسلم السابقة:

 

” و مقتضاها مراعاة قدر البعد بين البيت و المقام في سائر جوانب البيت، و هو خلاف الظاهر من كلام الأصحاب، و على هذا فتقلّ المسافة من جانب الحجر جدّا، و لا يبقى إلا مقدار خمسة أشبار، فلا يتباعد عن جداره بأكثر من ذلك، لأنّه ليس من البيت، و على المشهور فالمسافة كثيرة جدّا، و لكنّ الأخبار تنادي بخلاف ذلك”.

 

والصحيح أن المسافة التي حدها عليه السلام من جوانب البيت كله هي جملة ما يطاف حوله؛ ولابد من ارتكاب هذا التأويل؛ فإنه عليه السلام في مقام بيان جملة المطوف به وحد المطاف لا ما استثني من البيت كالحجر، والتعبير بالبيت للغلبة بذريعة المقصود من الطواف، وعليه فكل نواحي البيت هي تحديد للمطاف لا للبعد من جدارن البيت، وعبارة ” مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا” مقرونة سياقا وغرضا بحد المطاف بما يدخل فيه جملة المطوف وفيه الحجر.

 

بل إن من المقطوع به أن الطواف في المسافة الباقية على القول بدخول الحجر في المسافة غير معقول ومقطوع الفساد تاريخيا.

 

أما عدم تعقله: فلأنه لا يخلو موسم من الزحام الذي لا يتيسر معه طواف الحجاج كلهم في هذا المقدار، ولو كان الحكم كما ذكروا لبان في تكثر الأسئلة عنه وتنبيه الأئمة له، بل كيف يعقل طوافهم فيه وهم على الدواب والجمال كما طاف رسول الله صلى الله عليه وآله، بل إن الالتزام به خروج عن الحكم نفسه؛ لعدم القدرة العادية على تحققه لجل الناس، وقد عرفنا أن الأحكام لا تناط بالفرد النادر إلا أن ينص عليه في أخبارهم عليهم السلام.

 

وأما تاريخيا: فقد مر عليك إطباق المؤرخين على تحديد المطاف من العصر الأول، ونصهم على أنه لم يغير حده إلى أن أحدث فيه من توسعة في هذا العصر.

 

[جذور المسألة]

 

ويظهر لي أن المسألة قد طرأت كوجه محتمل عند بعض متأخري علمائنا رحمهم الله، ويبدو أن أول من ذكرها وتبناها الشهيد الثاني في مسالكه، قال رحمه الله: “وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات، فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه”.

 

وربطت بمسألة دخول الحجر في البيت أو خروجه منه، ثم بني على أن الخارج من البيت -أي الحجر- لا يدخل فيما يجب الطواف به، قال في المسالك في مستند الحكم بإدخال الحجر في الطواف:

 

” مستند ذلك الأخبار الصحيحة، و التأسي بالنبيّ و الأئمّة صلوات اللّه عليهم. و ليس عندنا معلّلا بكونه من البيت، بل لما قلناه.

 

و في بعض أخبارنا تعليل ذلك بكون أمّ إسماعيل عليهما السلام مدفونة فيه، و فيه قبور أنبياء.

 

و روى الصدوق في الفقيه و العلل: «أنّه ليس في الحجر شي‌ء من البيت و لا قلامة ظفر»، و رواه زرارة عن الصادق عليه السلام.

 

و روى العامة عن عائشة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها: «أنّ من الحجر ستّة أذرع متصلة بالبيت منه»، فمنعوا من سلوك ذلك، و اختلفوا فيما زاد.

 

و على كلّ حال، فالإجماع واقع من المسلمين على أنّه ليس خارج الحجر شي‌ء آخر يجب الخروج عنه فيجوز الطواف خلفه ملاصقا بحائطه من جميع الجهات. و إنّما نبّهنا على ذلك، لأنّه قد اشتهر بين العامّة هناك اجتناب محلّ لا أصل له في الدين”.

 

ولا ملازمة بين كون الحجر خارجا من البيت واحتساب المسافة التي يطاف بها خلفه، فإن الأخبار التي قدمنها وما ذكرناه من التقريبات وقطعيات التاريخ كافية للحكم بالاجتزاء بالطواف خلف الحجر بما يعده الناس طوافا حول الكعبة.

 

 

[الخروج عن دائرة المطاف المرسومة اليوم]

وبما قدمناه يتبين حكم الخروج عن دائرة المطاف المرسوم اليوم، فالموضوعية لصدق الطواف بالبيت وما هو بمنزلته كالحجر، وهذا لا يقع بتعيين معين له؛ لكونه أمرا يتعين في الخارج بنفسه وحسب مطابقة مسمى الطواف به مع الخارج، فلما كان -قديما في العصر الأول للإسلام- تحيط الدور بالبيت من كل جانب تعين المطاف بتلك السعة حوله، ولما حصر الناس في دائرة أوسع بجعل جدار أو أعمدة حولة كان المطاف ما حواه وكان الطائف من خلفه بمنزلة الطائف بالحرم، واستمر إلى زمن ليس ببعيد حتى تمت توسعته قبل خمسين عاما، ولا شك أن صدق طواف الناس بالبيت اليوم وبعد إزالة الأعمدة والمرافق المحيطة به في كامل الدائرة المرسومة والساحة حتى أعتباب الأبواب لا تنكر من مستقيي السليقة.

 

وأما الطواف خلف الأعمدة والمسقف من الحرم، وكذا الطواف من الطوابق العلوية التي لا تتأخر عن المطاف تحتها بل يفصل بينها وبين فضاء المطاف حواجز وأعمدة كثيرة، فلا يختلط الريب في خروجه عن حقيقة الطواف بالبيت.

 

نعم، استثني الاضطرار في الطواف خارجه، الشامل هذا الاطرار لحالة التقية أو الزاحم الشديد مع عدم المندوحة الكافية للاتيان به في وقته.

وكتبه

محمد علي العريبي المعاميري

ظهيرة 28 من شوال 1433هـ

والحمد لله رب العالمين

ملحقات

 

ملحق 1: رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات.

 

رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات

 

 

 


([1]) فهرست النجاشي: 453/  ر1227.

 

([2]) فهرست الشيخ: 514/ ر819.

 

([3]) علل الشرائع 2: 423.

 

([4]) الأصول الستة عشر (ط دار الحديث): 149.

 

([5]) المسترشد: 521.

مسائل في طرق إثبات الأهلة بأدلة الشارع

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على رسوله الأمين محمد وآله الغر الميامين

فهذه رسالة موجزة في بعض المهمات من مسائل طرق ثبوت الهلال، ألحقت بين سطورها وطياتها ما يكاد لا يخفى على الفاضل وقد يسهو عنه الغافل ويعين المتعلم ويرشد الجاهل

 [يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان وهو أول العام القمري لا الهجري]

◄ يستحب الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان، وهو أول العام القمري لا الهجري بما رواه الكليني عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّوْفَلِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ رَفَعَهُ قَالَ:

“قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع:

إِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَلَا تَبْرَحْ وَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَ نُورَهُ وَ نَصْرَهُ وَ بَرَكَتَهُ وَ طَهُورَهُ وَ رِزْقَهُ وَ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِيهِ وَ خَيْرَ مَا بَعْدَهُ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَ شَرِّ مَا بَعْدَهُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَ الْإِيمَانِ وَ السَّلَامَةِ وَ الْإِسْلَامِ وَ الْبَرَكَةِ وَ التَّقْوَى وَ التَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَ تَرْضَى”.

[يثبت الهلال بالعلم الحسي أو الشياع ولا يكفي إخبار الواحد]

◄ يثبت الشهر بالعلم بوجود الهلال في الأفق، ولا يكفي الظن، ولا شهادة الواحد مخبرا عن نفسه، بل لابد من الرؤية الحسية أو الشياع، ويدل عليه مجموعة من النصوص، منها:

ما رواه الشيخ بسند صحيح عن علي بن مهزيار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ:

” إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا وَ لَيْسَ بِالرَّأْيِ وَ لَا بِالتَّظَنِّي وَ لَكِنْ بِالرُّؤْيَةِ وَ الرُّؤْيَةُ لَيْسَ أَنْ يَقُومَ عَشَرَةٌ فَيَنْظُرُوا فَيَقُولَ وَاحِدٌ هُوَ ذَا هُوَ وَ يَنْظُرُ تِسْعَةٌ فَلَا يَرَوْنَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ [عَشَرَةٌ]([1]) وَ أَلْفٌ وَ إِذَا كَانَتْ عِلَّةٌ فَأَتِمَّ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَ زَادَ حَمَّادٌ فِيهِ وَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ هُوَ ذَا هُوَ لَا أَعْلَمُ إِلَّا قَالَ وَ لَا خَمْسُونَ”.

والتعبير فيها وفي روايات متكثرة جدا بالرؤية -في قبال الظن والرأي- قُصدَ به طرق الثبوت الحسية المورثة للعلم، ومن أقواها الرؤية العينية، بل هي الوحيدة التي لا يداخلها الريب في أمثال المقام، وفي الخبر عن ْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَالَ:

“إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي”.

[يثبت الشهر بالرؤية الشخصية]

◄ ويثبت بالرؤية للشخص الواحد بالنسبة لنفسه ولو لم يرتب عليه الآخرون أثرا، إذا كان غير متوهم ولا شاك فيما رآه، يدل عليه ما رواه الصدوق والشيخ والحميري -بتفاوت يسير- بأسانيدهم عن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع:

“عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْهِلَالَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ لَا يُبْصِرُهُ غَيْرُهُ أَ لَهُ أَنْ يَصُومَ قَالَ إِذَا لَمْ يَشُكَّ فَلْيُفْطِرْ وَ إِلَّا فَلْيَصُمْ مَعَ النَّاسِ”.

[يثبت الشهر بشاهدة رجلين مرضيين وبحكم إمام البلد]

◄ ويثبت برؤية شاهدين -رجلين- عادلين مرضيين مأمونين ملتفتين سليمي الحواس يركن لقولهما مع عدم المعارض المعتبر، إذا لم يكونا ضمن المستهلين -المتشابهين في الظروف وقت الاستهلال داخل البلد- الذين لم يروه، فلو كانا في جهة من البلد خالية عن المانع قُبل قولهما، أو كانا في جملة المستهلين وهما أقوى بصرا أو أعرف بالهلال من باقي المستهلين، فإن المانع عن رؤية الجمع ضعف بصرهم أو جهلهم بمنازل الهلال وجهته مثلا.

◄ ويثبت بإقامتها عند الحاكم، ولو لم يحضر أحد مجلسه ولم يسمع الشهادة غيره، ولم يعارض شهادتهما استهلال كثير من أهل الصقع الواحد متساوي الصفات والمكان ولم تتحقق لهم الرؤية؛ فإنهم كالمنكر في قبال تلك البينة.

ويدل عليه -إضافة للسابق الدال على أن ثبوته ليس بالظن ولا بالرأي ولم يرخص لنا العمل بهما مطلقا، فلابد في ثبوت الرؤية من تحقق العلم وأن يكون عاما في حال الاشتراك في ظروف الرؤية- أخبار كثر، منها:

ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنِ الْحَسَنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ:

” صُمْ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ شَاهِدَانِ مَرْضِيَّانِ بِأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فَاقْضِه‏ “.

ومنها:ما رواه الصدوق والشيخ بسنديهما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال سمعته يقول:

“لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل”.

ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله ع قال:

“إن عليا ع كان يقول لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين”.

وتخصيص الشهادة بالرجال دون النساء لما يدخل على نوع النساء من التوهم وتزلزل القول في مثل هذه الأمور.

[يسري حكم الحاكم على كل البلدان المشتركة في الليلة]

◄للحاكم الحكم بثبوت الرؤية عند خلو الدعوى عن المعارض المساوي المسقط لحجيَّة الدعوى أو ما يصلح للمعارضة حكما، ويجب على باقي المكلفين الإفطار إلا إذا علم عدم صحة الحكم، ولا يكفي ظن الخلاف في رد دعوى الرؤية وإن علا هذا الظن إلا إذا سلب الوثوق.

◄ ولو أثبتها الحاكم الإمام المرضي المقدَّم، وجب على أهل البلد وما بحكمها العمل بحكمه، بل وجب الإفطار على المكلفين في بقية البلدان المشتركة في خصوص الليلة، إلا إذا علم اشتباه حكمه أو مبناه.

[تحصيل الشهادات والحكم فيها من وظائف الحاكم الإمام]

◄ الحكم بثبوت الهلال من وظائف الحاكم المقررة شرعا، ولا شك أن مما يكون محلا للشهادة الشرعية -خاليا عن منكر قائم بشخصه- هو ادعاء رؤية الهلال، وللحاكم المرضي المقدم في الفصل والخصومات -والهلال منها- البت فيها بعد التبين وفحص صدقها، وهي من وظائفه المنصوصة، يدل عليه وعلى ما تقدم:

ما رواه الكليني في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ:

«إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْهِلَالَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ يَوْماً، أَمَرَ الْإمَامُ بِالْإِفْطَارِ، وَ صَلّى‏ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِذَا كَانَا شَهِدَا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، فَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، أَمَرَ الْإِمَامُ بِإِفْطَارِ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إِلَى الْغَدِ، فَصَلّى‏ بِهِمْ».

[من هو الحاكم ؟]

والإمام هنا: هو المقدم في قومه لإمامتهم في أمور دينهم تقدم الفاضل على المفضول والعالم على الجاهل، ويحصر في عالم البلد المطاع بل في فقيهها الذي تنقاد إليه أكثر الناس وترجع له في أمور دينها وفصل القضاء والخصومات، وهو المصداق الأوضح للإمامة فيهم، فلو تقدم لم ينازعه أحد في قضائه؛ وإلا لم تكن ثمرة لأمره -المذكور في كلامه عليه السلام- للناس بالإفطار.

يدلنا عليه ما تكثر من لفظ الإمام في الروايات منها ما رواه الشيخ بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: “مَنْ قَتَلَهُ الْقِصَاصُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَلَا دِيَةَ لَهُ فِي قَتْلٍ وَ لَا جِرَاحَةٍ”.

وليس الحاكم الإمام هنا هم الفقاء ولو تباعدوا وتعددوا مكانا؛ لأنه لم يقم الدليل على ولاية للفقيه في أحكامه بحسب منصبه أزيد مما حددته النصوص بتحميلهم أمانة تبليغ وتطبيق  دلالات الروايات والحكم بالوارد عنهم فيها في بلدانهم، وتقدمهم في أمور الدين بنحو الأولوية من باقي المؤمنين ووجوب طاعتهم في ما بلغوه خاصة، فليس أمر الحاكم الإمام في الهلال بمولوي نفسي ليسري على كل المكلفين حتى فقهاء وحكام البلدان، فإن تقدم أحدهم للتصدي لشؤون الحكم والقضاء في بلد لم يعارضه تقدم آخر في بلاد أخرى، وليس للآخر إجراء ما يرى -في الأدلة وغيرها- على غيره من أئمة الأمصار وحكامهم وعوامهم، وبسط البحث في موضع آخر.

[تعدد المتصدين للحكم]

◄ لو تعدد المتصدون في البلد الواحد للحكم في الشهادات على رؤية الهلال اتبع أوفرهم علما وطاعة؛ للوجه السابق، بل لا تتحقق إمامة غير واحد في المجموع على نحو التعين.

ولو اشتبه على المكلف من هو الحاكم الذي يرجع له بينهم ولم يُعلم، اتبع حكم المثبت منهم دائما، ولا أثر لغير المثبت، إلا أن يعلم خطأ الأول.

ويدل عليه وعلى ما قبله: ظاهر لفظ (الإمام) في إرادة الأوحدي بين الناس بين صنف الفقهاء في البلد الذي يحكم فيه بقضائه.

[لو خلا الحاكم عن الشهود]

◄ولو خلا الحاكم عن الشهود أو ردَّ دعوى الرؤية لمعارض مساو أو أقوى، لم يجب على المسلمين ترتيب أثر عليه في حرمة الصيام أوالإفطار يوم الشك ؛ إنما عليهم ما وجدوه من المثبتات، وحكم إمام القوم وحاكمهم أحدها، فإن فقد صير لباقي مثبتات الرؤية، وكان عدم ثبوته لدى الحاكم الحاضرة لديه الشهادات من جملة القرائن النافية.

[تنجز الشهادة]

◄ يشترط في الشهود العدالة في القول والصحة في الإخبار عن حس دون وجود المعارض الأقوى أو المساوي، وذلك لمِا كان النص المُحكَم في حجية الرؤية هو العلم لا غير، فلا تتنجز الدعوى إلا مع تحقق العلم بالمُدَّعى.

[الشهود من خارج البلد]

◄ يثبت الهلال بشهادة رجلين عادلين على الرؤية أو الشياع في بلد آخر.

يدل عليه: ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده عن سَعْد بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ وَ كَانَ بِالْمِصْرِ عِلَّةٌ فَأَخْبَرَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَ أَخْبَرَا عَنْ قَوْمٍ صَامُوا لِلرُّؤْيَةِ”.

وكذا ما عنه عن سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“قُلْتُ لَهُ كَمْ يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَالَ إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي وَ لَيْسَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ أَنْ يَقُومَ عِدَّةٌ فَيَقُولَ وَاحِدٌ قَدْ رَأَيْتُهُ وَ يَقُولَ الْآخَرُونَ لَمْ نَرَهُ إِذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ مِائَةٌ وَ إِذَا رَآهُ مِائَةٌ رَآهُ أَلْفٌ وَ لَا يُجْزِي فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ خَمْسِينَ وَ إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

فإنه محمول على اشتراك أهل البلد في أسباب الرؤية مكانا ووضوحا فلا تقبل البينة لوجود ما يصلح للمعارضة حينها، ولا يكفي إلا الشياع مؤثرا في ركون النفس والتصديق بالرؤية، ومع عدم الشياع أيضا فلا طريق إلا الإخبار بالرؤية من خارج المصر -المشترك في ليلة واحدة معه- إما على نحو البينة أو الإخبار بالشياع في ذلك البلد.

فاتضح أن التعبير بـ (وكان بالمصر علة) أو (وكانت بالسماء علة) ناظر إلى المانع من الأخذ بالبينة في البلد مع تساوي ظروف وأحوال المستهلين جميعا، فتسقط دعوى الرؤية للمانع الذي هو بحكم المعارض المنكر لها.

[يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية]

◄ يشترط في الرؤية أن تكون حسية قطعية، ولا يضر توسط الآلات المكبرة والمقربة إذا كان ما ترصده في أفق البلدان المشتركة في الليل، وعلى ارتفاع لا يخرجها عن حد أفقها جميعا.

يدل عليه: صحة إطلاق الرؤية عليها، وتحقق العلم بثبوته، مع عدم ظهور ملزم في الأخبار باشتراط غير هذا.

[يثبت الهلال بالشهادة أو شياع الرؤية في البلدان المتفقة الليلة]

◄ يثبت الهلال -تعبدا- برؤيته في أي بلد كان -شرقيا أو غربيا- بشرط اشتراكهما في ليلة واحدة، وإن كان بحسب طبيعة دورته قد يطلع في بلد ولا يطلع في آخر، ولا اعتبار بوحدة الأفق الواحد ذو المطلع الواحد للبلدان المتقاربة، بل الآفاق التي تطلع عليها ليلة واحدة يكفي في ثبوته في بلد ثبوته في أحد أمصار تلك الآفاق كافة، تسهيلا على الناس أو إمضاء لما اعتبروه قبل التشريع.

يدل عليه:

ما روي عن صوم سنة 232 يوم الخميس([2]) مع تباعد المدينة وبغداد وعدم اتحادهما أفقا، وهو ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ وَ صَامَ أَهْلُ بَغْدَادَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَخْبَرُونِي أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَ لَمْ يَغِبْ إِلَّا بَعْدَ الشَّفَقِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ قَالَ فَاعْتَقَدْتُ أَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ أَنَّ الشَّهْرَ [الشك]([3]) كَانَ عِنْدَنَا بِبَغْدَادَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيَّ: “زَادَكَ اللَّهُ تَوْفِيقاً فَقَدْ صُمْتَ بِصِيَامِنَا”، قَالَ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: “أَ وَ لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكَ أَنَّمَا صُمْتُ الْخَمِيسَ، وَ لَا تَصُمْ إِلَّا لِلرُّؤْيَةِ”.

ولا شك ولا ريب في وثاقة وركون النفس لأحمد بن محمد بن الوليد، وصحة سلسلة السند.

ومع التوجه لكون السؤال ذا شقين -عن صحة وقوع الصوم يوم الخميس وأنه كان أول الشهر، وعن حجية إخبارهم عن غيبوبة الهلال بعد الشفق أو عن كون هذا الغروب دليلا كافيا على أن الهلال ليلتين- وأنه ليس بين بغداد والمدينة المشرفة وحدة أفق أو مطلع واحد للهلال، يثبت أن لا اعتبار بوحدة أفق بلدان المصر، بل اتحاد آفاق كل البلدان بالنسبة لليلة المشتركة، وأن رؤية هلال جديد في بلد كاف للحكم به في بقية البلدان.

وما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد عَنْ حَمَّادٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْيَوْمِ الَّذِي يُقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَقْضِهِ إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ مَتَى كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَ قَالَ لَا تَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقْضَى إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ”.

وفي خبر عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عن أبي عبد الله عليه السلام:

“لَا تَصُمْ إِلَّا أَنْ تَرَاهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فَاقْضِهِ”.

وفي صحيح ْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ قَالَ:

“إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلَاثِينَ عَلَى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً”.

ويدل عليها أيضا الأخبار المجيزة لشهادة البينة من خارج المصر، منها ما روي عن أَبي عَبْدِ اللَّهِ ع:

“لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ دُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا عَدَدِ الْقَسَامَةِ وَ إِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ”.

وفي ما رواه الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ وَ يَخْرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ”.

ولا يعقل انصراف المصر والبلد فيها للبلدان القريبة أو المتحدة الأفق مع البلد؛ فإنه وإن كان بحسب علم الأهلة صحيحا؛ إلا أن النصوص تأبى الحمل عليه، فضلا عن عدم الإشارة له في أي مورد، وأن العرف ما كان يعرف هذه الحسابات، وأوضح بطلانا منه حمل الإطلاق في هذه النصوص على بلدان العالم الإسلامي القديم حينها؛ ويكفي التوجه لكثرة النصوص المطلقة ليتضح تكلف هذا القول.

وكذا ما يشعر به الذي رواه أَبِو الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْعَبْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ع يَقُولُ:

“صُمْ حِينَ يَصُومُ النَّاسُ وَ أَفْطِرْ حِينَ يُفْطِرُ النَّاسُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ”.

ومن البعيد حملها على التقية؛ وذيلها إرشاد عام لجعل الأهلة التي يهل بها الناس كلهم مواقيت، فلا يتخلف الحكم عن أحد منهم، ويحتمل أن يكون الإمام عليه السلام في مقام تفسير آية المواقيت كما في غير خبر، منه ما رواه الشيخ بسنده عن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ قَالَ: “لِصَوْمِهِمْ وَ فِطْرِهِمْ وَ حَجِّهِمْ”، مع أن هذا الأخير فيه شهادة على أن صيام الناس واحد بتاريخ واحد.

وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

فغير دال على تقريره عليه السلام إمكان اختلاف الأمصار في الهلال إذا حصلت الرؤية في بلد منها، بل النفي منصب على الاعتماد على غير الطرق العلمية الحسية لإثبات الهلال، ويدلك عليه أسلوب الكتاب الذي صدره الإمام عليه السلام بقوله: (لا تصم الشك).

والمسألة -القول بثبوته في البلدان المتقاربة ذات المطلع والأفق الواحد- منسوبة لأبي حنيفة وأبي الليث المصري وجماعة من العامة، المعاصرين للصادقين وغيرهم من المعصومين عليهم السلام، ومع هذا فلا أثر لها في فقه الأحاديث المعصومة، بل يمكن أن يقال أن في عدم التنصيص عليها بالخصوص وشهرة أخبار عموم الحكم لكل الأفاق كان على نحو التعريض بقولهم.

[جذور مسألة اتحاد واختلاف الأفق أو الآفاق]

وأول القائلين به منا الشيخ رحمه الله في المبسوط، وهو كتاب لا يخفى على قارئه أسلوب الشيخ في التفريع، ولا يهمل مطالعه ما ذكره الشيخ في مقدمته من أنه رد على القائل بقلة فقه التفريع والفرضيات الفقهية خارج النص لدى الإمامية، فإن أحسن الشيخ قدس الله سره في كثير من مواضع الكتاب، فإنه أغرب في أخرى، فغير فيه كثيرا مما ذهب إليه في التهذيب والنهاية، وكأن تأليفه رحمه الله للكتاب وقع ارتجالا بغرض المعارضة أكثر من وقوعه تحقيقا ومذهبا، وكذا ضرب أدلة الإمامية باستدلال غيرهم لإنتاج وجوه جديدة، صارت بعينها سببا في اختلاف فقهاء الشيعة من بعده، بل تعامل معها علماء كثر كمسلمات منصوصة وأفرد لها مباحث طال ذيلها، ومنها ما بحثناه حول المحاذات في المواقيت، ومنها هذا الفرع الحاضر.

قال رحمه الله في المبسوط:

” ومتى لم ير الهلال في البلد ورأي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رأي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مضحية والموانع مرتفعة لرأي في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها تقاربها مثل بغداد وأوسط والكوفة وتكريت والموصل فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان ، وبغداد ومصر فإن لكل بلد حكم نفسه . ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر”.

وقال العلامة في التذكرة:

” مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلد ، ولم يره أهل بلد آخر ، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة ، كان حكمها واحدا : يجب الصوم عليهما معا ، وكذا الإفطار وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق ، فلكل بلد حكم نفسه ، قاله الشيخ رحمه الله ، وهو المعتمد ، وبه قال أبو حنيفة ، وهو قول بعض الشافعية ، ومذهب القاسم وسالم وإسحاق ، لما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام ، قال قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهل علي رمضان ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس فذكر الهلال، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : ليلة الجمعة ، فقال أنت رأيته ؟ قلت : نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ قال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله. ولأن البلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة ، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر ، لأن حدبة الأرض مانعة من رؤيته ، وقد رصد أهل المعرفة ، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جد في السير نحو المشرق وبالعكس . وقال بعض الشافعية : حكم البلاد كلها واحد ، متى رؤي الهلال في بلد وحكم بأنه أول الشهر ، كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض ، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت ، اختلف مطالعها أو لا – وبه قال أحمد بن حنبل والليث بن سعد ، وبعض علمائنا – لأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية ، وفي الباقي بالشهادة ، فيجب صومه ، لقوله تعالى : ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” . وقوله عليه السلام : ” فرض الله صوم شهر رمضان ” وقد ثبت أن هذا اليوم منه . ولأن الدين يحل به ، ويقع به النذر المعلق عليه . ولقول الصادق عليه السلام : ” فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه ” ، وقال عليه السلام في من صام تسعة وعشرين ، قال : ” إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية ، قضى يوما “. ولأن الأرض مسطحة ، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيره شئ عارض ، لأن الهلال ليس بمحل الرؤية .

ونمنع كونه يوما من رمضان في حق الجميع ، فإنه المتنازع ، ولا نسلم التعبد بمثل هذه الشهادة، فإنه أول المسألة . وقول الصادق عليه السلام محمول على البلد المقارب ، لبلد الرؤية ، جمعا بين الأدلة ” انتهى كلامه علا مقامه.

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: ” وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره ، فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد ؟ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر ، أم لكل بلد رؤية ؟ فيه خلاف ، فأما مالك ، فإن ابن القاسم ، والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه ، وصامه غيرهم ، وبه قال الشافعي ، وأحمد . وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية ، إلا أن يكون الامام يحمل الناس على ذلك ، وبه قال ابن الماجشون ، والمغيرة من أصحاب مالك . وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس ، والحجاز . والسبب في هذا الخلاف : تعارض الأثر ، والنظر ، أما النظر” إلى أخر كلامه.

وما ذكره العلامة عن العامة صياغة وكذا دليلا نقله ابن قدامة في المغني.

ولم يذكر قولا للشيعة في الاختلاف وتخصيص الحكم بالبلدان المتقاربة سوى ما أسلف من الشيخ في المبسوط -وتبع الشيخ ابن براج وغيره بنفس الألفاظ – ونسب القول لبعض الشيعة بعموم الحكم للبلدان، تقليلا للقائلين وهو غريب منه رحمه الله، ثم نقل فروعا على مختاره منقولة عن العامة، وقد عرفت ما فيه.

 [تحديد المقصود بوحدة الأفق]

الأفق هو حد الأرض المستعرض الذي يعلوه موضع طلوع الشمس شرقا أو القمر غربا، ووحدته -أعني الأفق- اتحاد الطلوع في زمن واحد عرفا، بحث لا يضر اختلاف توقيت المنطقة عن الأخرى عندهم وعدهم المناطق كلها صقعا واحدا، ومن الواضح أن الهلال -كالشمس- يتدرج في خروجه وسقوط شعاعه على البسيطة، فإن سقط على موضع مشترك كان لهم أفق واحد، مختلف عن باقي المواضع على الأرض، فتعدُّدِ الأفاق بحسب الفلك والجغرافيا قطعي معلوم، لكنه بحسب الشرع وما أمضاه من عرف أصحاب التاريخ القمري على العكس، فكل أرض اشتركت مع أخرى في ليلها كان لهم حكم الهلال الواحد، وإن تعدد آفاقهما فلكيا.

[أفق المناطق المرتفعة والمنخفضة]

وللتمييز بين المناطق المرتفعة والمنخفضة في الحكم -على القول بوحدة آفاق المتقاربة، واختلاف المتباعدة- مجال مثمر؛ فإن المرتفعة الشاهقة يسبق أفق طلوع الشمس والقمر فيها ما دونها من المناطق، فلو رصد الهلال في الشاهق بالرؤية فهل يختلف حكمه عن الأرض المنخفضة عنه كثيرا ؟، يحتمل قويا التفريق إذا كان الاختلاف في التوقيت فاحشا جدا، دون من يكون متقاربا في الزمان.

نعم، ما يراه من يعلوا كثيرا في الهواء كركاب الطائرات، لا يكون حجة على من هم أسفلهم قطعا؛ لعدم وحدة أفقهم عرفا، إلا أن يكون ارتفاعهم ليس بشاهق كما أسلفنا.

فما يعمل من رصد للهلال فوق الجبال الشاهقة وبالمناظير المتطورة محل إشكال إن كان الموضع المرصود منه لا يوافق أفق البلاد تحته، لكنه فرد نادر وفي حكم المحل الواحد عادة، وأما من كان في الطائرة فوق ارتفاع كبير جدا فرصده للهلال غير معتبر بأي وجه، سواء قلنا بوحدة مطالع المتقاربة أو ميزنا بين حكم التكوين في المطالع وبين حكم الشرع في الليالي واعتبرنا الثاني كما هو الصحيح، لكن الاستفادة منه في تعيين الموضع في السماء غير منكرة، بل التسمك بها كقرينة نفي أو إثبات بالنسبة لأفق بلد طلوعه مفيد عند إمكانه.

ويشعر بما ذكرنا ما رواه  الصدوق في الفقيه والمجالس قال:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ:

 “صَعِدْتُ مَرَّةً جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فَرَأَيْتُ الشَّمْسَ لَمْ تَغِبْ وَ إِنَّمَا تَوَارَتْ خَلْفَ الْجَبَلِ عَنِ النَّاسِ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ ع فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي وَ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِنَّمَا تُصَلِّيهَا إِذَا لَمْ تَرَهَا -خَلْفَ جَبَلٍ غَابَتْ أَوْ غَارَتْ- مَا لَمْ يَتَجَلَّاهَا [يَتَجَلَّلْهَا] سَحَابٌ أَوْ ظُلْمَةٌ تُظِلُّهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَشْرِقُكَ وَ مَغْرِبُكَ وَ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَبْحَثُوا”([4]).

 [لا يثبت الهلال بدعوى الفلكيين رؤيته في بلدين]

◄ لا يثبت الهلال بإثبات الفلكيين رؤيته في بلد شرقي مختلف أو متفق الأفق والمطلع مع آخر غربي، وإن اتحدا في خط مسير الهلال، ولا عبرة بحكم أهل الفلك والجغرافيا بتلازم الرؤيتين، وإن كان الصحيح أنه لو علم على نحو لا يداخله الشك ولا تطرؤ عليه الحوادث المغيرة في آناته لكان التلازم قطعيا، فإن حساباتهم مخدوشة معتمدة على المراقبة والمعادلات الظنية، والحوادث العارضة المغيرة لا يمكن التنبؤ بها على وجه القطع، كما ذكرنا ولما يأتي.

[لا يلزم من توازي بلدين طولا أو عرضا اتحاد أفقهما]

◄ لا يلزم من توازي بلدين طولا -واتفاق توقيتهما- أو عرضا اتحاد أفقهما ومطلع الهلال فيهما دائما، إلا أن يكونا متقاربين بالنسبة لمحيط الأفق الطالع فيه الهلال، فلا يلزم من رؤيته في أحدهما ثبوته في الآخر لا فلكا ولا شرعا.

ويدل عليه إضافة لظنية الحكم كما سبق، ما تشعر به روايات حجية قول البينة والشياع على الرؤية من خارج البلد، فإنه لا يكتفى بغيرهما.

[هلال البلدان الشرقية والغربية]

للقمر حركة غير مستوية المدار مع الأرض، تميل عن محور دوران الأرض حول الشمس بمقدار 5 درجات، والأرض كذلك مائلة عن محورها بـ 23.5 درجة مع دوران غير مستو حول الشمس بما يسبب الفصول الأربعة؛ وبضم هذه الحسابات يعلم أن مطالع القمر بالنسبة لبقاع الأرض الطولية مختلفة، وإن اتحدت في التوقيت، فقد يراه أهل استراليا ولا يطلع ولا يراه أهل أندوسيا مع توازيهما، وقد يراه أهل اليمن ولا يراه أهل الشام، مع وحدة التوقيت العالمي الوضعي، فينتج أنه ليس من اتحاد الأفق اتحاد التوقيت الموضوع بحسب خطوط الطول، ومن غير اللازم أن يطلع الهلال في البلدان الواقعة على خط طولي واحد أو خط عرضي متساو وإن اتحد الجميع في ليلة واحدة.

 

[التاريخ القمري]

يبدأ التاريخ الفلكي الحسابي للأشهر الشمسية بخروج الشمس وارتفاعها عن أفق الأرض أول كل يوم منه، كما يبدأ التاريخ القمري بخروج القمر في أفق البلد وما بحكمها من البلدان المتقاربة، وليس للموقع الجغرافي علاقة أكيدة ببداية كل شهر أو يوم من التاريخ القمري الفلكي، فقد يبتديء التاريخ بالنسبة لبلد ما في البلدان الشرقية له وقد يبدأ فيه وقد يبدأ في البلدان الغربية له، مع اشتراك الكل في تعاقب ظلمة الليل عليهم، وهذا بخلاف التاريخ الشمسي، فإنه لبعد الشمس ومركزيتها بالنسبة للأرض وقوة شعاعها يطلع على مساحة واسعة من الأرض منتظمة بعدد ساعات محدد كل عام، ولما كان هذا مفقودا في القمر الذي يتخذ الأرض مركزا، كان طلوعه وغيابه غير منتظم، فقد يكون أول طلوعه على الأرض في بقعة وغروبه الذي يتم به دورته في أخرى.

والحاصل: أن القول بأن للقمر مطلعا واحدا على الأرض فلا يتخلف موضع منها عن أول الشهر الفلكي الحسابي، قياس في غير محله وغفلة عن خصائص القمر وحركته.

غير أن التاريخ القمري الذي تعبدنا به الشارع لا يناط بما عليه أهل الفلك والحساب اليوم، فإنه -إضافة لأخبار الأهلة التي عرضناها المتعقلة بالليلة لا بمطالع القمر- من الواضح إمضاء الشارع لما كان عليه العرف لا أهل الحساب، وليس بين يدينا ما يدل على تغيير طرأ على سنتهم بتصرف الشارع، ولم ينقل أثر في النهي عنها معه أهمية الحكم المترتب عليه، ولم يعلم أن لأهل الفلك والحساب موضعا من الاعتماد عند الناس يومها، وأغلبهم لا يعرفون تلك الأمور الدقيقة كولادة الهلال ومحل طلوعه ولا يفرقون بين مطالعه، بل الرؤية له ميقاتهم أجمع، وأما ما روي -ويأتي ذكره- في خبر صوم معاوية واختلاف أهل المدينة معه، فلا ريب -إن صح- أنه أمر حادث منشؤه توهم دلالة الدليل.

[من الظن إخبار أهل الفلك]

◄ من الظن: الحساب الفلكي بالمعادلات التي وضعها أهل الفلك والجغرافيا، سواء كان تحديدهم لوجوده أو لنفيه، أو لإمكان رؤيته أو لنفيه، أو مسيره على البلدان؛ فإنها لا ترقى للقطع بوجود الهلال فعلا؛ يدل على نفي حجية هذا الظن ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ ع لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ”.

[ظنية أحكام الفلكيين في الواقع التجريبي]

وهنا أيضا جهات -تكوينية- لابد من أخذها بعين الاعتبار في البرهنة على ظنية أحكام الفلكيين وأهل الحساب:

الأول: عدم قطعية العلوم الفلكية وحساباتها التجريبية بشواهد الخطأ والاختلاف بينهم حسابا وتطبيقا ونتائجا، وهذا أمر وجداني سجلته الوقائع، ويرجع لما سوف نذكره في النقاط التالية على فرض الإصرار على القول بقطعيتها.

الثاني: طبيعة القمر: الذي يكون دائما في معرض التغير الخارج عن إرادة البشر، فقد يميل فلكه أو محوره أو تتغير طبيعة سطحه، وهو أمر محتمل الحصول دائما ولو كان قليل المقدار، الأمر الذي لا يعلم به الفلكيون ليأخذوه في اعتبارهم، أظف إليه أنهم يعاملون القمر معاملة الأجسام الهندسية في حركته وسطحه، مع أنهم يفتقدون للعلم بحالاته وما يمكن أن يعرض عليه في لحظات الاستهلال من أمور لا يعلمها إلا الله.

الثالث: طبيعة الأرض: التي لا تختلف مع القمر كجسم له فلك وسطوح، فكيف يمكن إعطاء ضابطة حسابية لكل الأرض مع اختلاف سطوحها ارتفاعا وانخفاضا بل واحتمال تغير ظروف كل بقعة ونقطة منها في كل آن، ويكفيك شاهدا أن زلزالا كالذي أصاب المحيط الهادي سنة 2009 للميلاد حرف محور الأرض لدرجات ولم يدرج هذا الرقم في حسابات الفلكيين إلا متأخرا !، فلا يمكن الاطمئنان للمعادلات الحسابية الفلكية لعدم قدرة واضعها على التحكم بكل تلك الظروف التي لا يقدرها ويجريها إلا الخالق المتعال.

الرابع: الجو الفاصل بين القمر والأرض: وهذا بالنسبة لمدعي امكانية الاعتماد على قول الفلكي في إمكانية الرؤية، ولا علم أيضا للفلكي بظروف الغلاف على نحو الكلية، وإن حدده وقت الاستهلال كان ظنا أيضا؛ فإن هذا المجال الفاصل بين الأرض والقمر له من حالات الرقة والغلظة ما تسمح لضوء القمر وشعاعه بالوصول للرائي على الأرض وقد تمنع منه كلية، كما أن الواقف على مستوى مواز لسطح البحر لا تقارن ظروف رؤيته بالواقف على سطح جبل شاهق، ومن الأمور الخارجة عن قدرة الفلكي أيضا تحديد درجة سطوع القمر وقت الاستهلال؛ فسطوح القمر مختلفة في قابلية عكس ضوء الشمس، فمنها الصقيل العاكس ومنها غيره، وكم من عاصفة أو غبار أو أمر غير هذا قد يعرض لسطح القمر المقابل للأرض حين الاستهلال فلا يرى له نور أصلا، والقول بثبوت الشهر بالتولد -وإن كان من الظنون- أكثر قبولا من هذا القول الضعيف،  وكلاهما من الظنون التي لا يركن لها في شرع ولا دين.

نعم، لا شك أن قول الفلكي قرينة مؤيد أو مضعفة للشهادة على الرؤية، ولا تقصر أماريته -الظنية- عن رؤية الهلال قبل الزوال أو تطوقه أو كبر ضوئه أو حساب الخمسة من السنة وغيرها مما يأتي .

[لا عبرة برؤية الهلال قبل الزوال أو بعد الزوال]

◄ لا يثبت هلال أول الشهر برؤيته قبل الزوال ولا بعده، لكنه من القرائن المعينة في تقييم الشهادات.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ عن عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ كَتَبْتُ إِلَيْهِ ع جُعِلْتُ فِدَاكَ رُبَّمَا غُمَّ عَلَيْنَا الْهِلَالُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَرَى مِنَ الْغَدِ الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ رُبَّمَا رَأَيْنَاهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَتَرَى أَنْ نُفْطِرَ قَبْلَ الزَّوَالِ إِذَا رَأَيْنَاهُ أَمْ لَا وَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ ع:

“تُتِمُّ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ تَامّاً رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ”.

وعَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَفْطِرُوا أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَدْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ فَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا

وعن الشيخ بسنده عن الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ بِنَهَارٍ فِي رَمَضَانَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ”.

فَأَمَّا مَا الكليني في الكافي والشيخ عنه في التهذيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَ إِذَا رَأَوْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ”

وعن الشيخ بسنده عن سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع:

“إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَوَّالٍ وَ إِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ”.

فيحتمل إرادة زوال الشمس بمعنى غروبها، فلا تعتبر الرؤية قبل الغروب، وفيه بعد، أو أنه من قرائن الخطأ -الظني والمحتمل- في تحديد الشهور، وليس في الأخبار هذه وجوب التعبد به، لكنه مؤثر في الإطمئنان بشهادات الرؤية، وقد يقترن بغيره من القرائن التي يكون مجموعها معارضا مقويا أو مضعفا لتلك الشهادات، حاله كحال أمارة التطوق التي يأتي الكلام فيها.

والأرجح حمله على التقية؛ لأنه أحد قوليهم المعروفين، وشبيه بكلامهم بلا ريب، وعليه دلت صحيحة ْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “مَا سَمِعْتَ مِنِّي يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فِيهِ التَّقِيَّةُ، وَ مَا سَمِعْتَ مِنِّي لَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّاسِ فَلَا تَقِيَّةَ فِيهِ”.

قال الجصاص في أحكام القرآن:

” وقد اختلف في الهلال يرى نهارا فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي: إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم بين رؤيته قبل الزوال وبعده وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبدالله بن مسعود وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعطاء وجابر بن زيد وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان إحداهما أنه إذا رأى الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة وبه أخذ أبو يوسف والثوري وروى سفيان الثوري عن الركين بن الربيع عن أبيه قال كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت الهلال ضحى فأخبرته فجاء فقام تحت شجرة فنظر إليه فلما رآه أمر الناس أن يفطروا”.

وقال ابن قدامة في المغني:

“وإذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة وجملة ذلك أن المشهور عن أحمد أن الهلال إذا رؤي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود و ابن عمر و أنس و الأوزاعي و مالك و الليث و الشافعي و إسحاق و أبي حنيفة وقال الثوري وأبو يوسف إن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد”.

[لا عبرة بغيبوبته بعد الشفق]

◄ لا يثبت الهلال بغيبوبته بعد الشفق.

يدل عليه:

ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ:

“كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ ع كِتَاباً وَ أَرَّخَهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ وَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ- وَ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ شَكٍّ ” الحديث وقد تقدم بتمامه.

فظاهره أن عامة الناس قد اعتبروا غيبوبة الهلال بعد الشفق دلالة على أنه لليلتين وأن يوم الأربعاء كان هو أول الشهر، وجوابه عليه السلام نص على أن الحق كان في صيام الخميس وأنه أول الشهر، وأن لا عبرة إلا بالرؤية.

وهل سبب عدم صحة اعتبار يوم الأربعاء اليوم الأول هو عدم كاشفية غيبوبة الهلال بعد الشفق للدلالة على أن الهلال ليومين، أو أن الإخبار لم يصل للشياع المورث للعلم ؟، والحق أن ليس في الرواية ما يعين أيا من الاحتمالين، لكنه مما جرى عليه أهل ذلك الزمان من العامة، والأرجح الأول.

أما ما رواه الكليني بسنده عن الخزاز [الخراز] والكليني والصدوق والشيخ بسند آخر عن إسماعيل بن الحر، رواه الشيخ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ”.

ورواه ابن طاووس في الاقبال عن ُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِلَى ابْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن‏”.

ثم قال: أَقُولُ وَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ لِشَهْرَدَارِ بْنِ شِيرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيِّ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ فِي أَوَاخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص:

“إِذَا غَابَ الْهِلَالُ قَبْلَ الشَّفَقِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ [لليلته‏] وَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ قَبْلَ الْهِلَالِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِذَا غَابَ الْقَمَرُ فِي الْحُمْرَةِ فَهُوَ لِلَيْلَتِهِ [لليلة] وَ إِذَا غَابَ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْن”‏. اه

ورواه ابن الجوزي في الموضوعات في (باب حكم الهلال إذا غاب قبل الشفق): أنبأنا محمد بن أبى طاهر أنبأنا الحسن بن على عن على بن عمر الحافظ عن أبى حاتم بن حبان أنبأنا الفضل بن محمد العطار حدثنا إبراهيم بن موسى النجار حدثنا حماد بن الوليد عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” إذا غاب الهلال عن الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين “.

ثم قال: ” قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له.

وحماد بن الوليد كان يسرق ويلزق بالثقاة ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال.

قال: وقد روى هذا الحديث عن عبيدالله الوليد بن سلمة.

والوليد يسرق الحديث أيضا.

قال المصنف قلت: وقد رواه رشدين بن سعد عن يونس بن يزيد عن

نافع.

قال يحيى: رشدين ليس بشئ، وقال النسائي: متروك “.

بل رووا فيه أخبارا منها ما هو غريب، فمنها حديث:

“إن العرش لمطوية بحية إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين”.

ونسب القول به لأبي حنيفة، قال السبكي في فتاويه:

” حكي عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الهلال إذا غاب بعد العشاء فهو ابن ليلتين .

وهذا إذا صح عن أبي حنيفة يحمل إما على وقت خاص أو على الغالب ، ولا ينبغي أن يحمل على العموم؛ لأن الهلال إذا فارق الشمس وكان على خمس درج عند الغروب ليلة الثلاثين لا يرى ولا يترتب عليه الحكم في الشرع فإذا حسب ذلك مع سيره يوما وليلة يقيم إلى بعد العشاء ، وقد يكون أبو حنيفة رضي الله عنه من ذلك على أن الشفق عنده البياض وهو يتأخر”.

وعلى أي حال فخبر الشفق شاذ عندنا مشهور الرواية عند العامة، وحمله على التقية صحيح لهذا، ولأن كلامه عليه السلام يشبه كلامهم كما تقتضيه القواعد الشرعية المروية، ويحتمل أن يكون واردا مورد القرينة على عمر الهلال ليستدل به على صدق الشهود، لا للتعبد به.

[لا عبرة بصيام يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية ولا غيره من الحسابات]

◄ لا عبرة بحساب الخمسة أيام من السنة الماضية ولا غيره من الحسابات في تحديد أول الشهور، ويمكن الاستدلال به على يوم الشك ويرشد لصدق الشهود، وحاله حال التقاويم الموضوعة المتداولة بين الناس اليوم.

وقد رويت أخبار في هذا الحساب، منها:

ما رواه الكليني عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيِّ [المدني] عَنْ عمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ السَّمَاءَ تُطْبِقُ عَلَيْنَا بِالْعِرَاقِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ صُمْ يَوْمَ الْخَامِس”.

ورواه بلفظ آخر عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَحْوَلِ عَنْ عِمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّا نَمْكُثُ فِي الشِّتَاءِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ لَا نَرَى شَمْساً وَ لَا نَجْماً فَأَيَّ يَوْمٍ نَصُومُ قَالَ:

“انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي صُمْتَ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ عُدَّ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَ صُمِ الْيَوْمَ الْخَامِسَ”.

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْخُدْرِيِّ، عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ:

«صُمْ فِي الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ يَوْمَ الْخَامِسِ مِنْ يَوْمٍ صُمْتَ فِيهِ عَامَ أَوَّلَ».

وعنه عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ السَّيَّارِيِّ، قَالَ:

كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ عليه السلام يَسْأَ لُهُ عَمَّا رُوِيَ مِنَ الْحِسَابِ فِي الصَّوْمِ عَنْ آبَائِكَ فِي عَدِّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بَيْنَ أَوَّلِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَأْتِي؟

فَكَتَبَ: «صَحِيحٌ، وَ لكِنْ عُدَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِ سِنِينَ خَمْساً، وَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ سِتّاً فِيمَا بَيْنَ الْأُولى وَ الْحَادِثِ، وَ مَا سِوى‏ ذلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ خَمْسَةٌ خَمْسَةٌ».

قَالَ السَّيَّارِيُّ: وَ هذِهِ مِنْ جِهَةِ الْكَبِيسَةِ ، قَالَ: وَ قَدْ حَسَبَهُ أَصْحَابُنَا، فَوَجَدُوهُ صَحِيحاً.

قَالَ: وَ كَتَبَ  إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَ ثَلَاثِينَ وَ مِائَتَيْنِ: هذَا الْحِسَابُ  لَايَتَهَيَّأُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ  يَعْمَلَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هذَا لِمَنْ يَعْرِفُ السِّنِينَ، وَ مَنْ يَعْلَمُ مَتى‏ كَانَتِ السَّنَةُ الْكَبِيسَةُ ، ثُمَّ يَصِحُّ لَهُ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا صَح‏ لَهُ الْهِلَالُ لِلَيْلَتِهِ وَ عَرَفَ السِّنِينَ، صَحَّ لَهُ ذلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: قال عليه السلام:

«إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام و صم اليوم الخامس».

وفي إقبال السيد ابن طاووس:

” وَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ لِإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِّ الثِّقَةِ مِنْ نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ عِنْدَنَا الْآنَ مَلِيحَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ قَالَ لِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع:

“عُدُّوا الْيَوْمَ الَّذِي تَصُومُونَ فِيهِ وَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَ صُومُوا يَوْمَ الْخَامِسِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تُخْطِئُوا”.

قال أحمد بن عبد الرحمن: قد ذكرت ذلك للعباس بن موسى بن جعفر فقال: أنا عليه، ما أنظر إلى كلام الناس و الرواية.

قال أحمد و حدثني غياث قال أظنه ابن أعين عن جعفر بن محمد مثله.

أقول: و قد ذكر الشيخ محمد بن الجنيد في الجزء الأول من مختصر كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة فقال في كتاب الصوم ما هذا لفظه: و الحساب الذي يصام به يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية يصح إن لم تكن السنة كبيسة، فإنه يكون فيها من اليوم السادس، و الكبيس يكون في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما مرة في السنة الثالثة و مرة في السنة الثانية أقول و ذكر الشيخ العالم العابد هبة الله بن سعيد الراوندي رحمة الله عليه في كتاب شرح النهاية في كتاب الصيام في باب علامات شهر رمضان ما هذا لفظه:

و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين و ذلك محمول على أنه يصوم ذلك بنية شعبان استظهارا فأما بنية أنه من شهر رمضان فلا يجوز على حال و قال أبو جعفر الطوسي يجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام و يصوم يوم الخامس لأن من المعلوم أنه لا يكون الشهور كلها تامة و أما إذا رأى الهلال و قد تطوق أو رأى ظل الرأس فيه أو غاب بعد الشفق فإن جميع ذلك لا اعتبار به و يجب العمل بالرؤية لأن ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع و العروض و هذا آخر ما حكاه الراوندي في معناه‏” إنتهى.

أقول: بغض النظر عن ضعف أسانيد هذه الأخبار رغم شهرة معناها، والاعتماد على الاستهلال من صدر التشريع، وعدم العامل عليها بين مشاهير الطائفة إلا ما ندر، فهذه الضابطة من الحساب عامة في كل عام إلا الكبيسة التي يزاد يوم على أيامها، ونحن نطرح من كل عام ميلادي شمسي أحد عشر يوما ليوافق التاريخ الهجري لكل الشهور، لا لشهر رمضان فقط، وهو بعينه زيادة خمسة أيام من الأسبوع على يوم العام الماضي إلا السنة الكبيسة، وتعرف الكبيسة بقابلية أعدادها القسمة الصحيحة على أربعة، كما في هذه الأخبار.

والحق أن الرؤية بهذا الحساب كثيرا ما تصدق، بل قد يغلب الظن القوي أنه أول الشهر لو علم بالقطع تاريخ أوله من العام الماضي، كما رواه الصدوق فيما قدمنا في قوله عليه السلام: ” في يوم معلوم “، فيرى الهلال في موضع من البقاع، ويثبت في موضع آخر، لكنه صيام ظني لا يسوغ حسابه من شهر رمضان، وهو -أي الحساب- ما عليه تقاويم هذه السنوات في تقاويمهم، نرجع لها للمعرفة التقريبية وتحديد يوم الشك، لا يوم الصيام والإفطار على نحو القطع واليقين، فإن ثبت بعدها أنه منه اجتزي به، لذا وقع السؤال عنها في خبر الزعفراني بعد فرض إطباق الزمان لا مع صحوه، ولم يرو هذا المعنى في أخبار صحو الجو مع أنها في مقام بيان الضابطة الكلية لأوائل الشهور.

[حساب آخر لمعرفة أول الشهر]

وذكرت طرق أخرى في حساب أول الشهر، منها:

ما مضى أخيرا في نقل السيد عن الراوندي قوله:

” و قد رويت روايات بأنه إذا تحقق لهلال العام الماضي عد خمسة أيام و صام اليوم الخامس أو تحقق هلال رجب عد تسعة و خمسين يوما و صام يوم الستين”

وما ذكره  السيد أيضا في الإقبال، حيث قال:

” فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَجَدْتُهُ مَرْوِيّاً عَنْ جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي رَمْثَةَ مِنْ أَهْلِ كَفَرْتُوثَا بِنَصِيبِينَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ دَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ النَّاسُ بَيْنَ مُتَيَقَّنٍ وَ شَاكٍّ فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ فِي أَيِّ الْحِزْبَيْنِ أَنْتَ فِي يَوْمِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي إِنِّي فِي هَذَا قَصَدْتُ قَالَ فَإِنِّي أُعْطِيكَ أَصْلًا إِذَا ضَبَطْتَهُ لَمْ تَشُكَّ بَعْدَ هَذَا أَبَداً قُلْتُ يَا مَوْلَايَ مُنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعْرِفُ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَهُ كُفِيتَ طَلَبَ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قُلْتُ وَ كَيْفَ يُجْزِي مَعْرِفَةُ هِلَالِ مُحَرَّمٍ عَنْ طَلَبِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّهُ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ قُلْتُ بَيِّنْ لِي يَا سَيِّدِي كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ فَانْتَظِرْ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْأَحَدَ فَخُذْ وَاحِداً وَ إِنْ كَانَ أَوَّلُهُ الْإِثْنَيْنِ فَخُذْ اثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ الثَّلَاثَاءَ فَخُذْ ثَلَاثَةً وَ إِنْ كَانَ الْأَرْبِعَاءَ فَخُذْ أَرْبَعَةً وَ إِنْ كَانَ الْخَمِيسَ فَخُذْ خَمْسَةً وَ إِنْ كَانَ الْجُمُعَةَ فَخُذْ سِتَّةً وَ إِنْ كَانَ السَّبْتَ فَخُذْ سَبْعَةً ثُمَّ احْفَظْ مَا يَكُونُ وَ زِدْ عَلَيْهِ عَدَدَ أَئِمَّتِكَ وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ ثُمَّ اطْرَحْ مِمَّا مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً فَمَا بَقِيَ مِمَّا لَا يُتِمُّ سَبْعَةً فَانْظُرْ كَمْ هُوَ فَإِنْ كَانَ سَبْعَةً فَالصَّوْمُ السَّبْتُ وَ إِنْ كَانَ السِّتَّةَ فَالصَّوْمُ الْجُمُعَةُ وَ إِنْ كَانَ خَمْسَةً فَالصَّوْمُ الْخَمِيسِ وَ إِنْ كَانَ أَرْبَعاً فَالصَّوْمُ الْأَرْبِعَاءُ وَ إِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَالصَّوْمُ الثَّلَاثَاءُ وَ إِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَالصَّوْمُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ وَاحِداً فَالصَّوْمُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ عَلَى هَذَا فَابْنِ حِسَابَكَ تُصِبْهُ مُوَافِقاً لِلْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏

أقول ربما كان قول الراوي فما بقي مما لا يتم سبعة من زيادة أحد الرواة أو من الناسخين لأنه قد ذكر فيه فإن كان سبعة فالصوم السبت و لأنه إذا كان أول المحرم مثلا يوم الإثنين و ضم الاثنين إلى عدد الأئمة ع و هو اثنا عشر صار العدد أربعة عشر فإذا عد سبعة و سبعة ما يبقى عدد ينقص عن سبعة أقول و لعل هذه الرواية تختص بوقت دون وقت و على حال دون حال و لإنسان دون إنسان‏

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ مِنْ كِتَابِ الْكَافِي وَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ مِنْ كِتَابِهِ كِتَابِ الصِّيَامِ بِإِسْنَادِهِمَا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ إِذَا عَرَفْتَ هِلَالَ رَجَبٍ فَعُدَّ تِسْعَةً وَ خَمْسِينَ يَوْماً ثُمَّ صُمْ يَوْمَ سِتِّينَ‏

أقول و هذا الحديث كان ظاهره يقتضي أن رجبا و شعبان لا بد أن يكون أحدهما ناقصا عن ثلاثين يوما فإن وجدت في وقت هذين الشهرين تامين فلعل المراد بتلك [بهذه‏] الرواية تلك السنة المعينة أو سنة مثلها أو غير ذلك” انتهى.

والإعتماد عليها مخدوش بما دل على النهي عن الاعتماد على التظني وحصر الحكم في العلم بالرؤية والشياع.

بل هو حساب غريب غير مضبوط لا بحساب التقاويم ولا بالشرع، وروايته ضعيفة شاذة، أقصى ما تدل تدل عليه لو صحت هو الارشاد ليوم الشك من أول الشهر والاحتياط لأوله تجنبا لقضائه خارج الشهر الفضيل.

[لا عبرة بتطوق الهلال ورؤية ظل الرأس فيه واتفاق الأنظار أنه لليلتين ]

◄ يجوز معارضة الشهادة -لا إسقاطها- بقرائن ظنية: بالرؤية أوائل الشهور برؤية الهلال مطوقا أول الشهر الماضي أو وضوحه وكبره واتفاق الأنظار على أنه لليلتين أو أكثر، بل كل أمارة تورث ظنا قويا، حتى حساب الفلكي، تكون صالحة للتأثير في الوثوق بشهادات الرؤية، ولا حجية لها في إثبات الشهر أو نفيه.

يدل عليه:

ما رواه الكليني في الصحيح عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

“إِذَا تَطَوَّقَ الْهِلَالُ فَهُوَ لِلَيْلَتَيْنِ وَ إِذَا رَأَيْتَ ظِلَّ رَأْسِكَ فِيهِ فَهُوَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ”.

ورواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى محمد بن مرازم، ورواه الشيخ بسنده إلى سعد بن عبد الله عنهم مثله.

فإنه بضميمة ما استفاض من حصر الحجية للرؤية والعلم، وعدم العمل بهذه الأمارة لإثبات أوائل الشهور شرعا، يدل على أن تطوقه أو تأثيره للظل على الأرض كاشف ظني على كونه لليلتين أو لثلاث، وفائدته تظهر في آخر الشهر وتؤثر في الوثوق بشهادة الشهود على الرؤية.

وهو خبر مفرد ليس فيه ما يدل على التعبد بهذه الأمارة، ولم يقترن بما يعين على استظهار وجوب الأخذ بها.

وروى الصدوق في الفقيه: سَأَلَهُ الْعِيصُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْهِلَالِ إِذَا رَآهُ الْقَوْمُ جَمِيعاً فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لِلَيْلَتَيْنِ أَ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ.

وهو كأمثاله من الأمارات الظنية؛ فإنه يجوز أن يصدق حدسهم وظنهم خاصة مع اتفاق أنظارهم، فيؤثر في اعتبار شهادة الشهود ولا تقبل إلا بتحر زائد عما لو كانت خالية عن المعارضة بقرائن مخالفة ككبر الهلال أول الشهر وغيره.

وهو كسابقه مما تفرد بروايته الرواة ولم يقترن بما يؤيده، ولم يظهر بهذا وجه دلالته على وجوب اعتبار هذه الأمارة.


 

والحمد لله رب العالمين

وصلاته وسلامه على النبي الطاهر الأمين وآله الغر المنتجبين

وكتبه

محمد علي حسين العريبي البحراني مولدا ونشأة

في

صبيحة الأحد الثامن من شهر شوال لسنة 1433 للهجرة النبوية على مهاجرها وآله سلام الله والتحية

الموافق لذكرى هدم قباب الأئمة الشرفا أمام ناظري سيد النقبا ولله المشتكى وله الآخرة والأولى.


([1]) ليس في رواية الكافي.

([2]) وهي السنة التي ولد فيها أبو محمد العسكري عليه السلام في المدينة، وأشخص الهادي عليه السلام في السنة التي تلتها إلى سر من رأى.

([3]) كذا في الوافي.

([4]) الأمالي (المجالس): 80، الفقيه 1: 220/ ح 662.

تعقيب على مقال [تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره]

وردنا هذا الرد على مقال:

تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره

ونصه:

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربِّ العالمين ؛ وصلى الله على محمَّدٍ وآلِهِ الطاهرين ؛ وبعد :
جناب الشَّيخ محمَّد صالح العُريبيِّ ـ وفَّقهُ اللهُ ورعاهُ ومدَّ في بقاهُ ـ
السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاتهُ ؛ وبعدُ :
قد وقفنا في ( مدونة تحقيقات ) الخاصَّة بجنابكم على تحقيقٍ لكم حول نسبة كتاب الإحياءِ المطبوع باسم الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشَّيخ إبراهيم آل عصفور ؛ وقد توصلتم في نِهايتِهِ أن كتاب الإحياءِ لحفيدِهِ ؛ إلا أنَّهُ بعد تتبعٍ وتأملٍ ثبت لدينا أنَّ الكتابَ في الواقع هوَ للشيخِ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم أحد أخوة صاحب الحدائق لا حفيدهِ ؛ ولدينا على ذلك شواهد ؛ وتعليق على بعض ما ذكرتموهُ من شواهد وقرائن وإن كان أهمه نقطتانِ نبدأ بِهما وبالله التوفيق :
النقطة الأولى : قولكم : (( ولم أعثر له على ترجمة وافية، فالتبس على الشيخ صاحب الجواهر الاسم فنسبه لجده، وسار على هذا من تبعه إلى يومنا الحاضر، ثم إني ما وجدت -بعد بحث لا بأس به- من نسب للشيخ عبد علي كتابا باسم (الإحياء) قبل صاجب الجواهر رحمه الله، ولا يمكن معرفة اسم الكتاب من مقدمته لخلوها عنه أو لمحوها بتغاير الزمان على ورقه كما لاحظت )) .
نقولُ : إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك ؛ ونحن نذكر أمثلة :
قال في المسألة الثانية من المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية ـ عند ذكر شرائط الفقيه وهل يشترط فيه معرفته لكل الأحكام أم يكفي التجزئ ـ : ((فالاعتماد على القول الثاني ؛ وهو القول بالتجزئ ـ وإن لم يكن مشهوراً كما اعتمده الشيخان الأعظمان من مشايخنا في كتابيهما الدرر النجفية وإحياء العلوم الشرعية )) .
وقال في فضل التعريف في أجوبة مسائل السيد علي بن السيد عبد اللطيف ـ المطبوع ضمن مجموعة فتاوى متفرقة : ص106 ـ في جواب المسألة الأولى ( هل يجوز الصلاة خلف من سبح في الأخيرتين أم لا … ) : (( حتى انتهت النوبة لشيخنا المعظم المحيي بإحياء علومه من دثر [ هكذا في المطبوع ، ولعلَّهَا : ” ما دثر ” أو ما اندثر ” ] من أخبار أهل البيت أ عليهم السلام ـ وأحكامهم ، والناشر من رايات أهل البيت لأرفع أعلامهم ؛ فنظر فيما قرروه في هذه المسألة فإذا هو كالسراب اللامع ؛ فأجال النظر في أخبار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ والدليل القاطع ؛ فرآه لا ينطبق على مذهبهم في الإخفات إلا في القراءة دون التسبيح …. )) ، ففي العبارة أشار إلى كتابه وإلى رأيه في التسبيح أيضاً .
وقالَ في إجازتِهِ لتلميذِهِ الشَّيخ مررزق الشُّويكي ـ وقد نقلها الدكتور الشيخ علي محمد محسن العصفور في كتابه بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر :ج1 : ص61 عند ذكر ترجمته ـ : (( وكذلكَ جميعُ ما صنَّفَهُ مشايخي من الكتب والرسائلِ المبسوطة ككتاب الحدائق لشيخنا المتقدم ذكره ، وكتاب الإحياء لعمي العلامة الشيخ عبد علي … )) .
وقال في إجازته للشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ يوسف صاحب الحدائق ـ وقد نقلها أيضاً صاحب بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر : ج1 : ص101 في ترجمة الشيخ موسى المذكور ـ : (( وشيخي ؛ بل والدي الروحاني ومن قربني وأدناني ورباني وخصني بما غذاني به من العلوم والمعاني محيي الشريعة بإحياء علومها ذي المقام العالي العلامة الأوحد الشيخ عبد علي )) .
وما قوله ( شيخنا في الإحياء ) ؛ فهي من الكثرة بحيث يضيق المقام بذكرها ؛ فمثلاً في الأنوار اللوامع ج2 : ص229 في سنن التخلي عند ذكر الاستبراء من البول ؛ فقال : (( وبالغ شيخنا في الإحياء ؛ فقصر الرجحان على حالة فقد الماء …. )) ألخ ، وقال في الرواشح أيضاً : ((إنَّ المعروفَ بينَ الأصحابِ قديماً وحديثاً رجحان هذا الاستبراء مطلقاً سواء كان الماء موجوداً أو معدوماً ؛ والظَّاهر من كثيرٍ منها [ أي الأخبار ] قصر رجحانِهِ على فقدِ الماءِ كما اختارَهُ شيخنا في الإحياءِ )) .
وقد ذكر ذلك في الإحياء المطبوع : ج1 : ص287 عند ذكر الاستبراء : (( نعم لا يبعد القول بالوجوب مع عدم الماء لعدم المعارض لأخباره الصحيحة )) .
قولكم : ((ينقل رأي والده في مسألة الترتيب في الغسل من المجلد الثاني، قال: “نعم، قال والدي قدس روحه ونور ضريحه: قد يستدل بوجوبه على الأخبار الواردة في غسل الميت …”وليس بين يدينا مؤلفات الشيخ أحمد بن إبراهيم -والد الشيخ عبد علي والشيخ يوسف- للتأكد بمراجعتها )) .
قلتُ :
أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن ؛ فقال : (( ومن هنا استظهر المحدث الصالح المقدس الشيخ عبد الله السماهيجي خروجها عن الرأس ؛ لكنه مع ذلك جعلها من المتشابهات ؛ فعين الاحتياط بغسلها مع الرأس والبدن . واعترضه والدي ـ قدس الله روحه ـ في رسالته الموضوعة في المسألة ؛ فقال ـ بعد كلام طويناه على غرة ـ : ” ومما يمكن أن يستدل به على دخول الرقبة في حكم الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفاً … )) ونقل كلام والده إلى أن وصل في نقله عنه : (( والعجب منه سلمه [ الله ” لفظ الجلالة وردت في الحدائق ] أنَّهُ جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها كما فسره جماعة من الأخباريين ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي ؛ بحيث لم يعلم وجهه ؛ ولذا عين فيها الاحتياط …. )) وساق كلام والده ثم قال : (( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ))
والذي لا يختلجه الشك ولا يمتريه الريب أن الشيخ أحمد المتوفى 1131هـ والد صاحب الحدائق هو المعاصر للشيخ السماهيجي المتوفى 1135هـ
ثانياً : هذا الذي نقله في الإحياء عن والده في مسألة غسل الرقبة في غسل الجنابة وما اعترضه على الشيخ السماهيجي نقله أخوه الشيخ يوسف في الحدائق : ج3 : ص68 في كيفية الغسل الترتيبي ؛ فقال : (( وقد وقع مثل ذلك لشيخنا المعاصر المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني ـ طيب الله مرقده ـ فاستشكل في المسألة وجعلها من المتشابهات …. )) إلى أن قال : (( وقد أجاب الوالد ـ نور الله ضريحه وطيب ريحه ـ …. )) ونقل كلامه إلى أن قال : (( والعجب منه ـ سلمه الله ـ أنه جعل المسألة من المتشابهات …. )) إلى آخره .
ثالثاً : قد أشار إلى هذه الرسالة الشيخ يوسف في لولؤة البحرين الذي فرغ منه 1182هـ فقال في ترجمة والده الشيخ أحمد ص92 : (( ورسالة في دحول الرقبة في الرأس في الغسل ، وقد كان الشيخ عبد الله بن صالح كتب رسالة في عدم دخولها )) .
قلتم ـ سلمكم الله ـ تحت عنوان فتاوى غير مشهورة ـ (( يفتي رحمه الله بحرمة التكلم على الخلاء إلا بذكر الله، قال رحمه الله في المسألة السادسة من مقدمات الوضوء: “المعروف من متأخرينا كراهة الكلام في الخلاء بغير ما استثني، وقال الصدوق في الفقيه: “ولا يجوز الكلام في الخلاء ؛ لنهي النبي عن ذلك “، وظاهره التحريم ، وهو الأقوى )) .
نقول :
أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات .
ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع عند ذكر مكروهات الخلاء : ج2 : ص247 ، 248 : (( ومنها التكلم من الخلاء بأي كلام إلا للضرورة ـ لو ما كان من الذكر ومنه حكاية الأذان ـ وأما قراءة القرآن فالأخبار فيه متعارضة ، والأحوط الاقتصار على آية الكرسي ـ وسيجيء تحديدها ـ وآية الحمد لله رب العالمين . وذهب جاعة من القدماء إلى أنه محرم إلا ما استثني واختاره شيخنا في الإحياء )) .
قولكم : (( قال في بحث كيفية التيمم: “فالاقتصار على الأصابع -كما أفتى به المحدث البحراني في شرح المختصر – غير بعيد”، وخرجه محقق الكتاب على شرح الرسالة الصلاتية للشيخ يوسف رحمه الله، مع أن الظاهر منه هو شرح المختصر النافع، وهذا أعجب من سابقه؛ إذ لم يستقر هذا اللقب للشيخ -بحسب العادة أيضا- إلا بعد وفاته رحمه الله، فكيف والشيخ عبد علي توفي قبل أخيه بسنوات في بلدة الفلاحية، بل لم نقف على تعظيم يتبع اسم الشيخ يوسف أو دعاء بمد عمر، أو وصفه بالمعاصر على أقل التقادير الممكنة كما وصف به غيره )) ،
نقولُ :
أولاً : عند الشيخ عبد علي وعند الشيخ يوسف وكذا أبيهما وأبن أخيهم إذا أطلقوا المحدث البحرانِي أرادوا به الشيخ عبد الله السماهيجي ؛ وأيضاً إذا قالوا ( المحدِّث الصالح ) ؛ وإطلاقه على الشيخ يوسف صار بعد وفاته ؛ فتوقفكم في كون المراد به الشيخ يوسف في محله ؛
ثانياً : وأيضاً قولكم أنَّه ليسَ المراد به بشرح المختصر شرح الرسالة الصَّلاتيَّةِ كما ذهب إليه المحقق الشيخ حسن ؛ مع أن الشيخ يوسف انتصر للمذهب المشهور إلة من الزند إلى أطراف الأصابع حيث قال في الحدائق : ج4 : ص 349 ـ ما يجب مسحه من اليدين في التيمم ـ : (( المقام الرابع : في مسح الكفين وهو المشهور بين الأصحاب وحدهما من الزند إلى أطراف الأصابع … )) إلى أن قال : (( ويدل على القول المشهور ـ وهو المؤيد المنصور ـ الأخبار الكثيرة المؤيدة بظاهر الآية … ))
وأما قولكم أن المراد به شرح المختصر يظهـر ذلك من الإطلاق فإنه إذا أطلق ( المختصر ) انصرف للمختصر النافع للمحقق الشيخ جعفر الحلي ، ولكن يمكن أن يكون غيره.
ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) .
قولكم : (( قال في بحث وقت التيمم: “وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان، حتى وقفت عليه قولا لبعض معاصرينا الأعيان”، وخرجه محقق الكتاب دام عزه على رياض المسائل (12/ 31)، لكن بعد المراجعة لن نجد للسيد صاحب الرياض قولا بهذا الوجه، هذا فضلا عن أن يكون السيد صاحب الرياض معاصرا للشيخ عبد علي أو في طبقته كمؤلف، نعم وجدنا لمعاصر السيد وهو الشيخ النراقي رحمه الله في مستنده قولا مشابها، قال: “هذا، مع أن المذكور في بعض أخبار المواسعة … وهو دال على القلة”، والنراقي متوفى سنة 1245، أي بعد وفاة الشيخ عبد علي (ت 1177 هـ) بـ 68 سنة، فكيف يكون صاحب هذا الكتاب هو الشيخ عبد علي رحمه الله ! )) .
نقول :
أولاً : عبارة الإحياء كاملة ـ وهي تتعلق بوقت التيم ـ : (( مع أن هذا التعارض إنما نشأ من أخذ معنى الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه متأخرو الأصحاب ، أما مع تعدده وإرادة وقت الاختيار في المضيقة والمعيدة كما هو المتبادر من إطلاقه وتعريفه ؛ ووقت الاضطرار في غير المعيدة كما يفيده تكثيره وتقليله [ ولعلهما : تنكيره وتعليله ” ] في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذ المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار ، ووجوب إعادتها لو وجد الماء فيه لا ينافي جوازها في سعة وقت الاضطرار وأوله فضلاً عن عدم وجوب إعادتها في آخره ، وحينئذ يرتفع التنافر والاضطرار عن جملة أخبار الباب . وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان ؛ حتى وقفت عليه قولاً لبعض معاصرينا الأعيان ويؤيده استفاضة الأخبار بالصلاة في وقت الاختيار وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار لغير ذوي الأعذار )) .
ثانياً : قال الشيخ حسين في السوانح : (( على أن التعارض إنما نشأ من أخذ أول الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه أكثر الأصحاب ، أما مع احتمال تعدده واختلافه فيها بأن يراد بالوقت الذي تيمم في آخره هو وقت الفضيلة والاختيار لأنه المتبادر من إطلاق الأخبار وأما الوقت الباقي بعد الفراغ من الصلاة فوقت الإجزاء الاضطرار كما يفيده التنكير في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذن بين المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار وبين بقاء وقت بعد الفراغ ؛ لأنه أمر ثابت لا إشكال فيه عند ذوي الاعتبار ، وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))
ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي .
قولكم : (( وما أورده عليه صاحب الأصول الغروية من قلة فائدة هذا المعنى ومخالفته لما فهمه أولئك الأجلاء، ففيه … ))
قلنا : نقل هذه القاعدة عنه تلميذه في مقدمة الأنوار اللوامع : ج1 : ص53 ـ 55 قال : (( وقد اشتهر على لسان متأخرو الأصحاب ما أشار إليه المصنف هنا من جواز التساهل في أدلة السنن والآداب … )) وساق الكلام إلى أن قال : (( وأما ما أورده صاحب الأصول الغروية على هذا التأويل والمعنى من أنه قليل الفائدة …. )) ألخ .
والواقع أني قد حرت هنا ولكم يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية فصاحب الأصول الغروية الشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الطهراني متوفى 1250هـ كما في الأصول المطبوع ؛ وذكر الحسيني في تراجم الرجال عن تلميذه السيد عبد الوهاب الهمداني أنه الاثنين عاشر جمادى الأولى سنة 1255هـ وذكر صاحب الذريعة كما ذكرتم أن فراغه منه الجمعة تاسع عشر من ذي الحجة سنة 1232هـ ؛
والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر : (( فصل قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلة السنن والمكروهات بإثباتهما بالروايات الضعيفة الغير المنجبرة وحمل الاخبار المقيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند و عدم الجابر وخالف في ذلك بعض متأخري المتأخرين فمنع من إثبات الاستحباب والكراهة إلا بما يمكن إثبات الوجوب والتحريم به من الأخبار المعتبرة وربما يظهر من الصدوق وشيخه ابن الوليد ذلك قال الصدوق في كتاب الصوم من الفقيه وأما خبر صلاة غدير خم والثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد لا يصححه ويقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة وكلما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى ))
ثم قال : (( والمذهب المشهور هو المنصور )) فهو أشار إلى المانعين من ذلك وأيد المشهور القائلين بسريان القاعدة ؛ نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلان الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل رجحانا ظاهريا بالضرورة ولا ينافيه احتمال التشريع المحرم لأنه إن قيس الفعل بالنسبة إلى جهة الواقعية فلا إدخال إذ نسبة التشريع إلى الحكم و الفعل سواء فكما أن احتمالنا لدخول شئ في الدين عند الشك في دخوله فيه ليس تشريعا كذلك إتياننا به لذلك الاحتمال ليس تشريعا وإنما التشريع هو الحكم بالدخول أو الاتيان به على أنه داخل وإن كان بالقياس إلى الظاهر فقد عرفت أن العقل قاطع برجحانه الظاهري حينئذ فالادخال بهذا الاعتبار متحقق لكن بعد ثبوت كونه من الدين بدلالة العقل فلا يكون تشريعا أيضا وأما الثاني فلما سيأتي في محله من قوله عليه السلام احتط لدينك وغيره وكما يصدق الاحتياط على المحافظة على فعل الواجب وترك المحرم كذلك يصدق على المحافظة على فعل المندوب وترك المكروه ولو سلم عدم الشمول أمكن تمام القول بعدم الفارق مضافا إلى شمول سائر الأدلة له الثاني وهو المعروف الاخبار منها الصحيح المروي في المحاسن وثواب الأعمال عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله أنه قال من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله … ))
فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم .
شواهد أخرى ـ للتمثيل لا الحصر ـ زيادة على تقطع بكون المؤلف الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم لا حفيده ؛ قد قمنا بتتبع مصنفات الشيخ حسين ـ سيما الفرحة ـ ؛ فوجدنا تطابق ما ينقله الشيخ عن شيخه في الإحياء مع الإحياء المطبوع
1ـ قال في الفرحة : ج1 : ص13 : (( وَأمَّا ما قالَهُ شيخُـنَا في ( الإحياءِ ) ـ هرباً عَمَّـا يـردُ عليهَـا فِي تعـاريفِهم ـ بأنَّهَا : ( استعمالُ الماءِ أو بدلِهِ عَلى الوجهِ المأمورِ بهِ [ في نسخة زاد ” متقرباً إلى اللهِ تعالى ” ) وجعلَ قولَهُ : (( على [ الـ]ـوجهِ المأمورِ بهِ ‏)) ؛ مُغنِياً عن تلكَ القيودِ الَّتِي ذكرُوهَا في الرَّدِّ )).
وفي الإحياء المطبوع : ج1 : ص191 : (( وشرعاً : استعمال الماء أو بدله على الوجه المأمور به )) .
2ـ قال في الفرحة : ج1 : ص14 ففيه : (( وإن كان قد وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها بمعنى أن وجوبها …. )) إلى قوله : (( فيكون غيرياً بمتابعتها لغيرها ))
وقد ورد هذا في الإحياء المطبوع ص193 : (( وإنما وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها … )) إلى قوله : ((( ووافقوا المشهور في غيره )) .
3ـ قال في الفرحة : ج1 : ص59 ، 60 : ((والعَجَب من شيخنا في الأحياءِ حيثُ قالَ ـ بعدَ نقلِهِ لهذهِ الأخبارِ للاحتجاجِ على جوازِ النَّكسِ في مسحِ الرَّأسِ والرِّجلَينِ ـ : (( [ و] لا بأسَ بما قالوهُ في مسحِ الرَّأسِ ؛ لإطلاقِ الآيةِ والأخبارِ البيانيَّةِ ، أمَّا في الرِّجلَينِ فمشكلٌ ؛ لصراحةِ صحيحِ البزنطيِّ في الابتداءِ بالأصابعِ ؛ لقولِهِ فيهِ ـ نقلاً عن الرِّضا ( عليهِ السَّلامُ ‏) في بيانِ كيفيَّةِ المسحِ : ” فوضعَ كفَّهُ على الأصابعِ فمسحَهَا إلى الكعبَينِ ” وهذِهِ الأخبارُ غيرُ صريحةٍ في المُدَّعى ؛ بل ولا ظاهرة لجوازِ كونِ المراد المسح مُقبلاً ومدبراً [ معاً ] ؛ بل هذا هوَ الظَّاهرٌ منها بدلالةِ الواوِ المفيدةِ للجمعِ وزيادة خبرِ يونسَ ؛ وإن كانَ صريحاً في المُدَّعى لكن لضعفهِ بالإرسالِ واحتمالِ كونِهَا من كلامِ يونسَ نقلَهَا عنهُ الرَّاوي أو الكلينيُّ ن قري يقول بالياء او من كلام الكليني نفسه إن قُرئَ [ ” يقولُ ” بالياءِ أو من كلامِ الكلينيِّ نفسِهِ إن قُرِئَ ] بالنُّونِ ؛ ولذلكَ نقلَ الشَّيخُ الخبرَ بدونِهَا ؛ بل نقلَهُ الحميريُّ أيضاً في قربِ الإسنادِ بدونِهَا ؛ فلا تصلح لمعارضةِ صحيحِ البزنطيِّ ))
وهذه العبارة بعينها وردت في الإحياء المطبوع : ج2: ص410 : (( ولا بأس بما قالوه … )) إلى قوله : (( لا تصلح لمعارضة صحيح البزنطي ))
4ـ قال في الرواشح : (( ومن مكروهاتِ الخلاءِ أيضاً في الجلوسِ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا من أيِّ جهةٍ كانت إذا لَم يكن ثمة حائلٍ ، وهذا الحكم مشهورٌ بينَ الأصحابِ ، وذهبَ المفيدُ إلى التَّحريمِ ؛ واختارهُ بعضُ مشايخِنَا في الإحياءِ )) وقال في السوانح : ((كذلكَ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا وفاقاً لشيخنا في الإحياءِ وظاهرُ المفيدِ وجماعةٍ من القدماء ))
وقد ذكر في الإحياء المطبوع جملة أخبارمنها : ج1 : ص276 مرفوعة ابن يحيى عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ ( لا تستقبل الريح ولا استدبرها ) وكذا مرفوعة عبد الحميد عن أبي الحسن ثم ذكر أخبار أخرى ثم قال : (( المفهوم من متأخري الأصحاب حمل هذه الأخبار على الكراهة ؛ وهو مشكل لعدم المعارض ؛ فالاحتياط في التحريم كما هو ظاهر المفيد )) .
وفي هذه الأمثلة كفاية .
وأخيراً جاء في الهامش الذي أعددتموه في أنوار البدرين ص204: أن تاريخ وفاته 1122، وفي تاريخ البحرين : “قال ابنه العلاّمة الشيخ خلف: إن أبي طاب ثراه هجّر من هجر سنة التسعين والمائة بعد الألف، ونزل في الفلاحية، وتصدر للإفتاء في تلك الناحية، ومات في السنة العاشرة بعد المائتين والألف”، وزاد الشيح حسن في هامش الكتاب المطبوع (الاحياء) ص11: “وقيل في عام وفاته أقوال شاذة، وهي: 1210، 1190، والصحيح ما أثبتناه كما لا يخفى” وقصد سنة 1177 هـ، )) .
قلتُ : الشيخ عبد علي قطعاً توفي قبل سنة 1182هـ وهي سنة فراغ أخوه الشيخ يوسف ؛ من لؤلؤة البحرين وقد عبر عنه في بدايتهم عند ذكر ابني أخويه : (( وخلف بن أخي المقدس المبرور الشيخ عبد علي )) .
ونعتذر إن حصلت أخطاء لغوية أو إملائية ؛ لأننا حررناه في عجالة
وقد وقع الفراغ منه في يوم وليلة ( 22 / 8 / 1433هـ ) ؛ ونسأله أن تكون في العمل المقبول ؛ وصلى الله على محمد وآله عند طلول الشمس وعند الأفلول ، والحمد لله غاية كل مأمول .

فأجبناه ونحن له شاكرون:

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أخي -زاد الله في جده ونفعنا الله بتنبيهاته الرائقة-

قرأت ما جاد به يراعكم وتفضلتم به من لطيف عبائركم، وأقول وعليه وحده أتكل:

قولكم: ( إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك)

وهذا صحيح، وقد نبهنا أكثر من فاضل عليه، وما هذا إلا لقلة مطالعتي للمصادر حينها، وغفلتي عن كتب الشيخ حسين وتلميذه الشويكي، كيف وكتاب السداد بين أيدينا كنا نقرؤه وفيه رأي الشيخ عبد علي (صاحب الإحياء) في كتاب فقه الرضا، فكان سهوا وخطأ واضحا، وجزاكم وجزاهم الله خيرا على التصحيح.

لكن يبقى أن الكتاب قد خلى أوله من التصريح بمسماه، كما أن اسمه يتفاوت كثيرا عند الناقلين، وأتم اسم -كما نقلتم- هو ما ذكره الشيخ حسين رحمه الله في المحاسن: (إحياء العلوم الشرعية).

قلتم أيدكم الله:

(أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن)

أقول: قال الشيخ يوسف في حدائقه نقلا عن رسالة أبيه:

(ومما يمكن أن يستدل به من الأخبار على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفا حيث قال ( عليه السلام ) : ” . . . ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين وعلى منكبه الأيسر مرتين . . . ” فإن الخبر – كما ترى – ظاهر الدلالة بل صريح في دخول الرقبة في غسل الرأس ، إذ لا تدخل في المنكبين قطعا ، ولا تبقى متروكة بلا غسل قطعا ، ولا تغسل عضوا واحدا بانفرادها قطعا ، فتحتم دخولها في غسل الرأس وهو المطلوب ، سواء كان اسم الرأس شاملا لها حقيقة أم مجازا ، فلا يلتفت إذن إلى ما ذكره المعاصر ( سلمه الله ) واستظهره من خروج الرقبة عن الرأس كما عرفته [في الاحياء المطبوع والمخطوط: من خروج الرقبة عن الرأس وحكم غسل الرأس]، [واستناده – فيما استظهره إلى أنه المعروف في كتب اللغة والشرع – وهم ظاهر  … فلا مندوحة عن التزام دخوله في الرأس البتة كالتزام دخول الرقبة فيه في حسنة زرارة بل في سائر الأخبار . هذا (ليس في الاحياء]] والعجب منه ( سلمه الله ) أنه جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها – كما فسره جماعة من الأخباريين – ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي بحيث لم يعلم وجهه ولذا عين فيها الاحتياط ، والحال أنه استظهر خروج الرقبة عن حكم غسل الرأس كما هو صريح عبارته ، فإن كان هذا الاستظهار علم مأخذه من الأخبار [وظهر لديه صحته من الآثار (ليس في الإحياء)] ، فالواجب عليه العمل بمقتضاه وعدم الالتفات إلى ما سواه ، فمن أين يجب إذ ذاك الاحتياط ؟ ومن أين تكون المسألة من المتشابهات [التي حصل فيها الاشتباه ؟ إذ مع الاستظهار للخروج لا اشتباه في الحكم الشرعي عنده ، نعم الاحتياط أمر راجح للخروج عن عهدة التكليف على اليقين لكنه ليس بواجب على التعيين إلا مع عدم ظهور الحكم الشرعي واشتباهه ، وإن كان منشأ هذا(ليس في الإحياء)] [وإن كان منشأنه (من الإحياء] الاستظهار مجرد التخمين [والاعتبار من غير دليل واضح من الأخبار (ليس في الإحياء)]]، فهو خلاف ما يتفوه به ( سلمه الله ) من عدم تعدي الآثار [والوقوف على مقتضى ما ورد عن الأئمة الأطهار (ليس في الإحياء)].

 وبالجملة فالمسألة ليست [فليست المسألة (الإحياء)] من الشبهات [المتشابهات (الإحياء)] [كما ادعاه ( سلمه الله ) (ليس في الإحياء)]، أما عندنا فلحكمنا بل جزمنا بدخول الرقبة في حكم غسل الرأس كما حققناه [فيما سلف (ليس في الإحياء)]، وأما عنده فلتصريحه باستظهار خروجها عن غسل الرأس، والشبهة لا تجامع ظهور أحد الطرفين كما هو ظاهر ” انتهى كلام الوالد عطر الله مرقده [انتهى كلامه على في أعلى عليين مقامه (الإحياء)]

ثم قال الشيخ في حدائقه:

(وقد أخبرني بعض الثقات أنه بعد وقوف المحدث الصالح على كلام الوالد ( قدس سرهما ) رجع عما هو عليه إلى موافقة الأصحاب)

وقال في الإحياء المطبوع:

( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ).

ولتصحيح ما وقع من تصحيف في المطبوع نعززه بصورة المخطوط من الكتاب:

clip_image002

clip_image004

وقد أصبت -سلمك الله- في ما ذكرت، فصريح عبارته أن الرسالة لوالده، وليس غير الشيخ أحمد رحمه الله، مع تطابق العبائر والكلمات فيها، ولكن يختلج الشك أيضا في تفاوت بعض الكلمات -ولعله للاختصار- وكذا اتحاد ما ذكره صاحب الحدائق -من رجوع الشيخ السماهيجي عن رأية- مع ما ذكره مصنف الكتاب، وكأنه كان ينظر لكتاب الحدائق -لا العكس على ما أظن- وينقل عنه، وهو أمر يعرف بلحن الكلام !. ولست أهتدي لوجه صحيح هنا.

قولكم: ( أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات.

  ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع) .

أقول: هذا لا يخرجه عن الشذوذ في قبال المذهب المشهور، وقد صرح نفسه به، ذكرناه تنبيها على المسلك لا غير، إذ كثيرا ما تكون قرينة على شخص المؤلف.

قولكم: (ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) ).

هذا ايضا شاهد على أن الكتاب هو الإحياء للشيخ عبد علي.

قولكم:

(قال الشيخ حسين في السوانح : ((  وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))

    ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي).

أقول: يبقى هنا احتمال -ضعيف- وهو نقل صاحب هذا الكتاب المطبوع نفس ألفاظ الشيخ عبد علي، وهو كثير الوقوع عند علمائنا إذا ارتضوا القول، نقلوه بعينه أو بزيادة قليلة فيه، ومنهم الشيخ حسين في محاسنه والشيخ يوسف في حدائقه والشيخ الماحوزي في مناسكه والشهيدان وغيرهم في غيرها، إذ مجرد المطابقة لا تورث العلم بالاتحاد، فهذا الشيخ يوسف في حدائقه كثير الاقتباس عن كتاب كفاية الأحكام، وهذه كتب المعاصرين أيضا يستعيرون ألفاظ وعبارات سابقيهم بدون تحرج، وعلى هذا جرى المصنفون.

قولكم:

( والواقع أني قد حرت هنا ولكن يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية …

    والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر … نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلأن الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل… ))

    فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم ).

أقول: تقدم الشاهد على اختلاف نقل الشيخ يوسف لرسالة أبيه عما نقل في هذا الكتاب، وحملناه على الاختصار، وهو المحمل هنا أيضا، والتغاير محتمل أيضا.

ولذا قلت: (وأما خطأه في تسمية كتاب الفصول فهو مثيل غلطه الآخر عند حديثه في الطهارة الحدثية وقوله: “قال الفاضل البحراني في حياض دلائله: لولا الإجماع منا على تحريم العزائم ..” ، والمقصود هو الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف الخطي المقابي البحراني المتوفي سنة 1102 هـ مع أخويه في العراق بوباء الطاعون، صاحب كتاب: “رياض الدلائل وحياض المسائل”.

وهذا الأمر هو الذي دعاني للتوقف ملياً ثم التشكيك في نسبة الكتاب المطبوع للشيخ عبد علي رحمه الله، فليس المطبوع إحياء الشيخ عبد علي، ولا الكتاب من تصانيفه رحمه الله).

وأحتمل الآن أن الشيخ عبد علي رحمه الله قصد كتاب الفوائد الغروية للشريف ابي الحسن بن محمد طاهر الأصفهاني الغروي العاملي جد صاحب الجواهر، وصاحب المقدمة المطبوعة مع تفسير البرهان، قال السيد إعجاز رحمه الله: (الفوائد الغروية للفاضل الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي المجاور بالنجف الأشرف حيا وميتا لا يوجد منه الا ما يتعلق بأصول الفقه قال في أوله بعد الحمد والصلاة المقصد الثاني من الفوائد الغروية فيما يتعلق بأصول الفقه … وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الاخبار تشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة تشهد بعلو شانه في المعقول والمنقول وطول يده في الفروع والأصول وفراغه كان في السنة الثانية عشر بعد المائة والألف).

وفي الذريعة 16: 353 :

(( 1639 : الفوائد الغروية والدرر النجفية ) للمولى الشريف العدل ، أبى الحسن بن المولى محمد طاهر بن عبد الحميد بن موسى بن علي بن محمد بن معتوق بن عبد الحميد العاملي ، المتوفى 1138 كما بخط بعض أحفاده ، وهو أبو الحسن الشريف النباطي الفتوني ، ابن عمة الأمير محمد حسين الخواتون آبادي ، وجد صاحب ( الجواهر ) من طرف الام . مرتب على مقصدين أحدهما في أصول الدين ، في مجلد ، والاخر في أصول الفقه ، في مجلد آخر ، وكل مقصد على اثنى عشر فائدة ، أول المقصد الثاني الموجود نسخته بخط المصنف عند صاحب ( الروضات ) كما ذكره ، بعد الحمد والصلاة : المقصد الثاني من ( الفوائد الغروية ) فيما يتعلق بأصول الفقه . . وتاريخ فراغه سنة الثامنة بعد المائة والألف ، انتهى . وأول المقصد الأول الموجود أيضا بخط المؤلف [ رب اشرح لي صدري – الآية الحمد لله الذي تاهت في بيداء معرفة ذاته علوم العلماء وحارت في فيفاء ادراك كنه صفاته عقول العقلاء إلى قوله طلب منى بعض أهل العلم ان اكتب مختصرا في الأصولين مقتصرا على ما ورد من الأئمة المصطفين . . ] ورتبه على مقدمة فيما يجب على المكلف تحصيله من العلوم والمعارف ، ثم فيها فصول ، ذكر في ثاني الفصول مشايخه ، المولى محمد باقر المجلسي ، وخاله المير محمد صالح ، ثم جمع من المجيزين له ، الشيخ قاسم بن محمد الكاظمي ، الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني ، الشيخ صفي الدين الطريحي ، ثم المقصدين المرتب كل منهما على اثنى عشر فائدة . وفرغ منه في النجف في 1104 وهو موجود في النجف في خزانة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كشف الغطاء واستنسخه السيد جعفر بن باقر بن علي آل بحر العلوم بخطه ، عن نسخة الأصل بخط مؤلفه ، الموجودة في بيت آل الجواهر في النجف ، ورأيته عنه ( السماوي ) . ويظهر من ( اللؤلؤة ) غاية الثناء والمدح لمجلده الثاني الذي كان عنده ، قال : وتاريخ فراغه منه في 1112 ولعل اختلاف التاريخ لأجل فهم العبارة حيث إن لفظه [ ان الفراغ وقع في الثلث الثاني من اليوم الثاني من النصف الثاني من الثلث الثاني من الشهر الثاني من الثلث الثاني من السنة الثانية من بعد السنة الثانية من العشر الثاني من الألف الثاني ] والظاهر أنه ينطبق على سابع عشر جمادى الثانية من 1104 وفرغ من المقصد الأول في 1102 ليس فيها [ من بعد السنة الثانية ] وفى هامش الجزء الثاني من فهرس مكتبة مدرسة سپهسالار ، فسر العبارة بسنة 1131 قال : ومنه يظهر حياة المؤلف إلى هذا التاريخ . أقول : فراغه من أحد المقصدين في 1103 ومن الاخر في 1131 بعيد في الغاية ، ولا سيما مع تأليفه في حياة المولى محمد باقر المجلسي ، فإنه عند ذكر مشايخه في الفصل الثاني من المقدمة دعى له بالبقاء ، فيكون تأليف المقصد الأول في حياته جزما . ( 1640 : الفوائد الفخرية ) للشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي م 1085 هي فوائد مختلفة كتبها بمكة ، والنسخة بخط يده في خزانة بيت الطريحي في النجف . ومر للمؤلف في هذا الجزء ( غريب أحاديث الخاصة ) . انتهى.

وهو الذي رد عليه الشيخ يوسف في رسالته المعروفة في دفع القول بالتنزيل في الرضاع، وقال فيه في اللؤلؤة:

( الشيخ الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي

المجاور بالنجف الأشرف حيّاً وميتاً – قدس الله روحه ونوّر ضريحه – عن الملاّ محمد باقر المجلسي – رحمه الله تعالى – والشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي – رحمه الله تعالى – وغيرهما.

وكان الملاّ أبو الحسن المذكور محققاً مدققاً ثقة صالحاً عدلاً، اجتمع به الوالد – رحمه الله تعالى – لما تشرف بزيارة النجف الأشرف في السنة الخامسة عشرة بعد المائة والألف وكان بصحبته والده وولده وجمع من الرفقاء، وفي هذه السنة مات والده وقبر في جوار الكاظمين عليهما السلام، وقد وقع بين الوالد وبين المولى أبي الحسن المذكور بحث في مسائل جرت في البين.

له كتاب الفوائد الغروية، ولم أقف منه إلا على ما يتعلّق بأصول الفقه ، قال في أوله – بعد الحمد والصلاة – : «المقصد الثاني من الفوائد الغروية يتعلّق بأصول الفقه» وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الأخبار، يشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة، تشهد بعلوّ شأنه في المعقول والمنقول، وطول يده في الفروع والأصول، وهذا الكتاب عندي، وتاريخ فراغه من المجلد الذي في الأصول كما ذكره في آخره كان في السنة الثانية عشرة بعد المائة والألف، وله رسالة في الرضاع اختار فيها القول بالتنزيل، وقد تقدمه في ذلك القول المحقق الداماد، ولنا رسالة في الرد عليه ستأتي الاشارة اليها إن شاء الله تعالى عند تعداد مصنّفاتنا، وله شرح على الكفاية ابتدأ فيه من كتاب المتاجر اعتماداً على ما كتبه المصنّف في الذخيرة ممّا يتعلّق بالعبادات، رأيت منه قطعة من أول كتاب المتاجر، والظاهر أنه لم يخرج من التصنيف سواها، وشرح على المفاتيح سمّاه كتاب شريعة الشيعة ودلائل الشريعة، رأيت منه قطعة من أوله تشتمل على شرح الباب الأول، قال في آخره: هذا ما أردنا ايراده في الجزء الأول من كتاب شريعة الشيعة شرح الباب الأول من كتاب مفاتيح الشرائع، ويتلوه شرح الباب الثاني في مقدمات الصلاة إن شاء الله تعالى، وفرغت من تسويده في أول سنة تسع وعشرين بعد المائة والألف (انتهى) وهو يشهد بفضله وتحقيقه ودورانه مدار الأخبار، المأمونة العثار، في جليله ودقيقه، ولا أعلم هل برز منه غير هذا أم لا).

وهو مخطوط، يوجد منه لدي من مكتبة البروجردي صورة نسخة مقتصرة على القسم الأول منه في أصول الاعتقاد رقمها 520، ونسخة أخرى في مجلس الشورى الإيراني كاملة رقمها 477ط، وعليها حواش ختمت بعبارة (منه دام فضله) فهي من نسخ حياته المباركة، ويحتمل كونها مقروءة عليه.

ذكر هذا المبحث في ص218-220 من نسخة مكتبة الشورى.

clip_image006

clip_image008

clip_image009

وبهذا قطعت شكي بيقين أن المقصود بصاحب الأصول الغروية هو السيد الشريف الفتوني العاملي رحمه الله، وأن صاحب الفصول الغروية قد أخذ منه القول.

وصرت مائلا إلى القول بصحة نسبة الكتاب للشيخ عبد علي بن الشيخ بعد الشك فيه، فأدر الرأي ليعتدل المقال .

وفقنا الله وإياكم للصواب، وعصمنا من الزلل في الخطاب، بحق محمد وآله عليهم أفضل السلام والصلاة.

والحمد لله رب العالمين

محمد العريبي

قم المشرفة

24 شعبان 1433