قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

[مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة]

(مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة و أراد إدراك فضل الجماعة نوى (2) و كبّر و سجد معه (3) السجدة أو السجدتين و تشهّد، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام (4) و يستأنف الصلاة (5) و لا يكتفي بتلك النيّة و التكبير (6)، و لكن الأحوط (7) إتمام الأُولى‌ بالتكبير الأوّل، ثمّ الاستئناف بالإعادة.

______________________________
(1) فيتمّ صلاته و يعيد على الأحوط. (الفيروزآبادي).

(2) الأحوط أن ينوي المتابعة للإمام فيما بقي من أفعال صلاته و يكبّر لذلك رجاءً لدرك ثواب الجماعة و أمّا إذا نوى الصلاة و كبّر للافتتاح فلا يترك الاحتياط بالإتمام ثم الإعادة. (البروجردي).

(3) مقتضى ما سبق منه من عدم استئناف النيّة و التكبير جواز الاكتفاء بالنية و التكبير إن سجد معه السجدة الواحدة. (الفيروزآبادي).

(4) يعني بعد التسليم بمتابعة الإمام. (النائيني).

(5) الأحوط الإتيان بالتكبيرة الاولى و الثانية بقصد القربة المطلقة من دون احتياج إلى الإعادة. (الحائري).

الأحوط أن يكبّر تكبيراً مردّداً بين الافتتاح على تقدير الحاجة و الذكر على تقدير عدمها. (الحكيم).

(6) الأقرب الاكتفاء بهما و عدم وجوب الاستئناف. (الجواهري).

بل الأقوى الاكتفاء بذلك كما مرّ في غير الركعة الأخيرة. (كاشف الغطاء).

لا يبعد الاكتفاء. (الشيرازي).

(7) الأولى عدم الدخول في هذه الجماعة فإن نوى لا يترك هذا الاحتياط و إن كان الاكتفاء بالنيّة و التكبير و إلقاء ما زاد تبعاً للإمام و عدم إبطاله للصلاة لا تخلو من وجه. (الإمام الخميني).

  • (العریبی): المسألة ومثيلاتها من تطبيقات قاعدتي إذا أدرك الإمام راكعا فقد أدرك الركعة، وقد مر إثباتها وبيانها، وقاعدة من أدرك شيئا من صلاة الجماعة بعد أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك فضل الصلاة، وهي مستنبطة من مواردها المتفرقة، فإذا ثبتت كانت الأصل والمرجع لكل تطبيقاتها من إدراك المأموم سجود الإمام الأول أو الثاني من كل ركعة أو من الثانية من الركعة الأخيرة أو التشهد أو التسليم الأخير، على التفصيل بين المعذور الذي منع عن إدراك الركعة التي نوى لحاقها فيصح من الدخول وتجزيه جماعته، ومن فاتته الركعة لا عن عذر إلا سبق الإمام له فإنه هو المقصود بمن فاتته الصلاة.

فالكلام في إدراك الصلاة تكفلت به القاعدة الأول، ومضى.

والكلام في إدراك فضيلة ما فاته من الصلاة تكفلت به الثانية وثمرتها تظهر في جواز الإئتمام في أي موضع من الصلاة ثم اللحاق بالإمام قائما أو راكعا أو يقوم لصلاته ولا يعتد بما تابع به الإمام ولا يحتسبه بل يستأنف صلاة جديدة، والخلاف بين الأعلام في وجوب تكبيرة جديدة للصلاة أو الاكتفاء بتكبيرة دخوله الأولى على القول باشتراطها في صحة ائتمامه السابق، والأقوى أنها تجب عليه، لصريح الأخبار في عدم الاعتداد بما جاء به من الركعة أو الصلاة.

فهنا أحكام:

الأولى: جواز الإئتمام في أي موضع من صلاة الجماعة لإدراك فضيلة ما فات.

الثانية: عدم الاعتداد وعدم احتساب ما فات من الصلاة

الثالثة: استحباب التكبير لمتابعة الجماعة

الرابعة: وجوب تكبير جديد عند قيامه لصلاته بعد تسليم الإمام أو انفراده عن المتابعة.

قال السيد في المدارك:

” للمأموم بالنظر إلى وقت دخوله مع الإمام أحوال:

الحالة الأولى: أن يدركه قبل الركوع، فيحتسب بتلك الركعة إجماعا.

______________________________
الحالة الثانية: أن يدركه في حال ركوعه، و الأصح إدراك الركعة بذلك، للأخبار الكثيرة الدالة عليه «1»، فيكبر المأموم تكبيرة للافتتاح، و أخرى مستحبة للركوع، ثم يركع. قال في المنتهى: و لو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع إجماعا «2».

الحالة الثالثة: أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، و لا خلاف في فوات الركعة بذلك، لكن استحب أكثر علمائنا للمأموم التكبير و متابعة الإمام في السجدتين، و إن لم يعتد بهما.

و اختلفوا في وجوب استئناف النية و تكبيرة الإحرام بعد ذلك، فقال الشيخ: لا يجب، لأن زيادة الركن مغتفرة في متابعة الإمام «3». و قطع أكثر الأصحاب بالوجوب، لأن زيادة السجدتين مبطلة للصلاة، و لقوله عليه السلام في رواية معلى بن خنيس: «إذا سبقك الإمام بركعة، و أدركته و قد رفع رأسه، فاسجد معه و لا تعتد بها» «4» و هي غير صريحة في وجوب الاستئناف.

و يظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم من أصله، للنهي عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر عليه السلام «5» «6». و هو في محله، لا لما ذكره من النهي فإنه محمول على الكراهة، بل لعدم ثبوت التعبد بذلك.

ثم إن قلنا باستحباب المتابعة و عدم وجوب استئناف النية كانت التكبيرة المأتي بها تكبيرة الإحرام، و وجب إيقاع النية قبلها. و إن قلنا بوجوب استئناف‌.
النية، كان التكبير المأتي به أولا مستحبا كما هو ظاهر.

الحالة الرابعة: أن يدركه و قد سجد سجدة واحدة، و حكمه كالسابق، فعلى المشهور يكبر و يسجد معه الأخرى، و في الاعتداد بالتكبير الوجهان، و هنا أولى بالاعتداد، لأن المزيد ليس ركنا. و الوجه الاستئناف كالأول، لأن الزيادة عمدا مبطلة و إن لم تكن ركنا.

الحالة الخامسة: أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، و قد قطع المصنف، و غيره «1» بأنه يكبر و يجلس معه، فإذا سلم الإمام قام و أتم صلاته، و لا يحتاج إلى استئناف التكبير.

و نصّ المصنف في المعتبر على أنه مخير بين الإتيان بالتشهد و عدمه”([1]).

وينبغي ملاحظة أن الاختلاف في تفاصيل هذه المسألة وتقسيمها لمواضع الإدراك خلت من جمعه تفاصيل الأخبار مع عظم الابتلاء به، وهو يكشف عن وضوح حكمه ما لا يتحمل هذا التباين في الأقوال والتفصيل، وهذا بنفسه مؤيد لمفاد القاعدة الثانية.

أدلة قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

أما ما يدل على مفاد القاعدة الثانية -من جواز الإلتحاق بالإمام في أي موضع إذا فاتته ركعة من الإمام وعدم الاعتداد بها- فهي الدلالة المجموعية لعدة أخبار ومعتبرات؛ منها:

معتبرة محمد بن مسلم

ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِم‏ قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَتَى يَكُونُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاتِهِ فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ.

وفي طريقها إرسال؛ لبعد احتمال رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن البزنطي، والمختار صحة الرواية للانحصار الحاجة إلى اتصال السند فيما إذا كان الرواة من غير المعروفين أو من المتهمين أو الضعاف في الحديث أو ممن لا يقبل إرسالهم، وأما رواية محمد بن يحيى عن كتاب البزنطي فلا شيء يمنع عن قبولها منه، أسندها أو أرسلها.

وهي وإن كانت ظاهرة في اختصاص الحكم بالسجدة الأخيرة وهو القدر الاتفاقي في كلمات الفقهاء، إلا أنها أظهر في بيان أدنى وآخر ما تدرك به الفضيلة، ومثله كثير في الروايات، كما أن مناسبة الحكم والموضوع قاضية بأولوية لحوق الحكم بأجزاء الصلاة السابقة على السجدة الأخيرة بلا شك خاصة وأن الصلاة ليست محتسبة ولا يعتد بها، وليس كما ذكره بعض الفقهاء من أن عدم الاعتداد إنما هو للسجدة فحسب ثم رتب عليه -إضافة للاستدلال بقوله ع: ثم يتم صلاته- عدم وجوب تكبيرة جديدة لصلاته بعد فراغ الإمام، فتأمل.

صحيحة معاوية بن شريح

ومما روي في إدراك المأموم مفصلا ما رواه الشيخ الحر -وصاحب البحار وغيرهما ممن تأخر عنهما- من نسخته من كتاب الفقيه للشيخ الصدوق بسنده عن معاوية بن شريح، قال: “وَ رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ مُبَادِراً وَ الْإِمَامُ رَاكِعٌ أَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ لِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَ الرُّكُوعِ.

وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ سَاجِدٌ كَبَّرَ وَ سَجَدَ مَعَهُ وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَ هُوَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَذَانٌ وَ لَا إِقَامَةٌ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ سَلَّمَ فَعَلَيْهِ الْأَذَانُ وَ الْإِقَامَةُ”.

واستدل بها السيد الخوئي رحمه الله على حكم إدراك ما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة التي دل على الحكم عليها صحيحة محمد بن مسلم السابقة، غير أنه لم يعمل بها لتضعيفه معاوية بن شريح، والأقرب العمل برواياته لعدم الطعن فيه ولا في كتابه مع ظاهر شهرته بين الرواة الأجلاء.

ومثله الشيخ يوسف في الحدائق رواها كاملة ثم قال: “أقول: يمكن أن يستدل للشيخ بهذا الخبر بان يقال لا يخفى أن الظاهر من قوله «و من أدركه» أي نوى و كبر معه و دخل في الصلاة، و قد دلت على ان من دخل معه و هو ساجد سجد معه و لم يعتد بها و استمر معه في الصلاة و من دخل معه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فإنه يمضى في صلاته بعد تسليم الامام، و لو كان ما يدعونه من وجوب إعادة النية و التكبير حقا لوجب ذكره في الكلام إذ المقام مقام البيان و ليس فليس. و بعين ذلك يمكن أن يقال في رواية المعلى المتقدمة فإنها دلت على الدخول معه بعد النية و التكبير المعبر عنهما بقوله «فأدركته» لأن هذا هو ظاهر معنى هذا اللفظ كما عرفت، و لم يتعرض في الخبر لإعادة النية و تكبير الإحرام و مقام البيان يقتضيه لو كان واجبا. و بالجملة فإنه حيث كان ظاهر اللفظ المذكور اعنى قوله «و من أدركه» هو ما ذكرنا من الكناية عن الدخول معه بعد النية و تكبير الإحرام فإنه لا مناص من صحة ما رتبناه عليه من توجيه الاستدلال به للشيخ (قدس سره)”.

والأَولى أن يقال قبل هذا أنه يحتمل الخلط في كتاب الوسائل بين الرواية وكلام الشيخ الصدوق رحمه الله؛ وأول ما يشك في دخوله في الرواية قوله: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد” إلى قوله: “فعليه الأذان والإقامة”.

وهو ما نبه عليه الشيخ الفيض في الوافي، قال: “هذه الزيادة يحتمل أن تكون كلام أبي عبد اللّٰه ع و أن تكون من كلام الصدوق طاب ثراه “.

وقد يدفع هذا الاحتمال بأن الشيخ الصدوق قال بعده فاصلا للسياق: “ولا يجوز جماعتان في مسجد ..” ثم استدل عليه بالخصوص مما يظهر أن ماسبقه من الرواية نفسها، وهو قريب للصواب في نفسه.

ولو تتبعنا الرواية لوجدنا أن الشيخ الطوسي في التهذيب والخلاف اكتفى بصدر الرواية، وترك المشكوك زيادته، وكل من جاء بعده على ما تتبعناه إنما اكتفى بصدر الرواية أيضا حتى زمان الشيخ  المجلسي والحر رحمهما الله برحمته الواسعة، وهكذا تتابع الاستدلال بالزيادة المشكوكة، فالأقوى عدم صحة الاحتجاج بها إلا على حكم إجزاء تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، فلا حاجة للبحث في مرجع الضمير في قوله: “وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا” هل هو السجود أم الصلاة، والله أعلم.

معتبرة المعلى بن خنيس

ومنها معتبرة المعلى بن خنيس عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِذَا سَبَقَكَ‏ الْإِمَامُ‏ بِرَكْعَةٍ فَأَدْرَكْتَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَاسْجُدْ مَعَهُ وَ لَا تَعْتَدَّ بِهَا.

ولا بأس برواية المعلى في الأحكام، خاصة ما رواه عنه الأجلة أو كان نقي الإسناد إليه، ما لم يتفرد به أو يروي عنه المتهمون.

وهي ظاهرة في صحة متابعته في غير السجدة الثانية من الركعة الأخيرة المنصوص عليها في صحيحة محمد بن مسلم السابقة، بل دالة على رجحانه واستحبابه، إذ الأمر فيها ليس للوجوب بعد معلومية عدم وجوب الجماعة في نفسها في هذا المقام، كما أن دلالتها على عدم وجوب التكبير ظاهرة أيضا بمعية كونها متابعة وليست صلاة حقيقة، فيلزم بالضرورة الحكم بوجوب تكبير جديد عند اللحاق بالإمام في الركعات الأخر أو استئناف الصلاة بعد تمام الجماعة.

روايتا عمار الساباطي

ومنها موثقة عمار السابقة عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ قَاعِدٌ يَتَشَهَّدُ، وَ لَيْسَ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ؟

قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمُ‏ الْإِمَامَ‏، وَ لَايَتَأَخَّرُ الرَّجُلَ، وَ لكِنْ يَقْعُدُ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ الرَّجُلُ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ».[2]

ومر عليك ضعف ما استظهر منها من عدم وجوب استئناف تكبير إحرام للصلاة بعد القيام؛ لأن ظاهرها أنها في مقام بيان طريقة الالتحاق في قبال طريقة العامة، وأنه يحتمل التجوز في التعبير بالإتمام؛ للمشاكلة أي بذكر الشيء بلفظ غيره، او تشبيها للمتابعة بالصلاة واستعارة للوازم الصلاة الحقيقية لها، أو لأنها صلاة في الحقيقية لكنها غير مجزية عن الفرض التام لفقدها بعض الشروط، وهو الصحيح لظهور التعبير في الحقيقة والاعتبار الذي هو سبب التباين بين الصلاتين شرعي وليس لغويا ولا عرفيا فإنه فيهما صلاة أيضا.

وعليه فلا يلزم ولا يتعين من قوله ع: “قام الرجل فأتم صلاته” إجزاء أعماله السابقة؛ فإنها محكومة بما دل صريحا على عدم الاعتداد بشيء منها وأنها لإدارك الفضيلة حسب.

وعلى أي حال فإنها دالة على جواز الدخول في التشهد الأخير، لكنها لا تصلح لنفي الجواز في غيره لكونها في مقام بيان الحكم المسؤول عنه ساكتة عن غيره.

وموثقته عمار الأخرى، رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى‏

عن أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ قَال‏

قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ جَالِسٌ‏ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ‏ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ لَا يَقْعُدُ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَقُومَ([3]).

دلت على حكم من أدرك الإمام في التشهد الأول كما عن غير واحد، وحمل النهي هنا الشيخ الحر على الجواز والسابق على الاستحباب، ومنعه السيد الخوئي رحمه الله بناء على عدم إمكان الجمع العرفي بين الأمر والنهي بلا قرينة، ثم أيد ما ذهب إليه الشيخ الحر من اختلاف المقامين، فتلك في التشهد الثاني وهذه في التشهد الأول، فالروايتان غير متعارضتين.

ونمنع التمسك بها في الاستدلال؛ لتفرد عمار وغرابة الحكم فيها وعدم ما يرشد أنه في التشهد الأول إذ أنه أخص من المدعى الذي يشمل فرض صلاة الفجر أيضا مما ليس فيه تشهد ثان، على أن الشيخ الطوسي رواها في الزيادات، ويمكن حملها على الجلوس الذي لا يدركه إذ الإمام سيقوم من فوره، وكذا افتتاح الصلاة، ويمكن أن يكون قوله: “يفتتح الصلاة” جملة منفصله، والعطف عليها بالنهي عن الجلوس للتنبيه لما ذكرناه، وفيه ما فيه.

والذي لا أستبعد احتماله أنها اقتطعت من روايته الأخرى الطويلة التي رواها الشيخ الطوسي في التهذيب في الباب الذي يسبق هذه الرواية وهو باب العمل في ليلة الجمعة ويومها بنفس إسناد السابقة، وهو طريق عن ثقاة الفطحية وواحد من الطرق المشهورة لكتاب عمار عمن اختص به وهو مصدق بن صدقة، روى بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ‏ بْنِ‏ صَدَقَةَ عَنْ‏ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَ قَدْ صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ يَدْخُلُ مَعَهُ وَ يَقْرَأُ خَلْفَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ‏ مِنْ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ وَ فِي الثَّانِيَةِ الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ مِنْ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ فَلَا يَتَشَهَّدْ وَ لَكِنْ يُسَبِّحُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُسَبِّحُ فِيهِمَا وَ يَتَشَهَّدُ وَ يُسَلِّمُ([4]).

وهي واضحة الدلالة على أن دخوله كان موضع القراءة أي القيام، فافتتاح الصلاة في موضعه الصحيح، ثم النهي عن التشهد هنا وقع محله النهي عن القعود هناك، فيحتمل أن قوله هناك: “حتى يقوم” أي المأموم وليس الإمام، أي لا يقعد للتشهد والتسليم حتى يقوم فيتم صلاته.

وعلى أي احتمال كان، فالأمر كما ذكرنا، إجمال رواية عمار وتفردها يمنع عن الاحتجاج بها.

صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري

وما رواه الكليني والشيخ صحيحا عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ البصری:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «إِذَا سَبَقَكَ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، فَأَدْرَكْتَ الْقِرَاءَةَ الْأَخِيرَةَ، قَرَأْتَ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاتِهِ وَ هِيَ ثِنْتَانِ لَكَ؛ وَ إِنْ لَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً، قَرَأْتَ فِيهَا، وَ فِي الَّتِي تَلِيهَا؛ وَ إِنْ‏ سَبَقَكَ بِرَكْعَةٍ، جَلَسْتَ فِي الثَّانِيَةِ لَكَ وَ الثَّالِثَةِ لَهُ حَتّى‏ تَعْتَدِلَ‏ الصُّفُوفُ قِيَاماً».

قَالَ: وَ قَالَ‏: «إِذَا وَجَدْتَ الْإِمَامَ سَاجِداً، فَاثْبُتْ‏ مَكَانَكَ‏ حَتّى‏ يَرْفَعَ رَأْسَهُ؛ وَ إِنْ كَانَ قَاعِداً قَعَدْتَ؛ وَ إِنْ كَانَ قَائِماً قُمْتَ».[5]

الرواي هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري، وهو عبد الرحمن بن ميمون، ذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن

بن أبي عبد الله ميمون البصري، قال: ” إسماعيل يكنى أبا همام روى إسماعيل عن الرضا [عليه السلام‏] ثقة هو و أبوه و جده “.

لكن في رجال ابن داوود – بعد أن ذكر إسماعيل بن همام في باب الممدوحين بعين عبارة النجاشي الآنفة – ما يظهر منه أن التوثيق لعبد الرحمن وابنه همام زيادة في نسخة فهرست النجاشي، قال: ” عبد الرحمن بن أبي عبد الله : قيل فيه لا يعرف منه إلا أنه له حظا من عقل و قال بعض أصحابنا إنه ظفر بتزكيته و كذا ابنه أبو همام و لم يذكرهما [جش‏] و لا [كش‏]”. والذي يظهر أنه غفل عن تزكيتهما في ترجمة إسماعيل.

وسمعت في مجلس البحث من شيخنا المحقق السيد موسى الزنجاني متعنا الله بطول بقائه أن في فهرست النجاشي -ولا أذكر ما مثل به الآن- زيادات أدرجت من حواشي المعلقين عليه في المتن، وذكر شيئا شبيها بهذا المورد إن لم يكن هو بعينه.

والأقوى أن عبارة النجاشي والنسخة صحيحة لكثرة النقل في الكتب عنه وعدم ما يمنع عنه، بل هو من الثقاة المشهورين حتى لو بانت الزيادة في نسخة فهرست النجاشي.

وظاهرها الدلالي ينافي ما دل على جواز الدخول في السجود كظاهر معتبرة المعلى بن خنيس، وجُمع بينهما بالتخيير بين الإتيان بالسجود وعدمه، قال الشيخ يوسف – ره – في الحدائق:

” أقول: ظاهر هذه الرواية الدخول معه في الصلاة و انه متى كان الدخول و هو ساجد لم يتابعه في السجود مع دلالة رواية المعلى المتقدمة على السجود معه متى دخل معه بعد رفع رأسه من الركوع. و يشكل الجمع بينهما في ذلك إذ لا فرق بينهما إلا ان هذا الخبر دل على دخوله حال السجود و خبر المعلى دل على دخوله قبل السجود، و هذا الا يصلح للفرق و جواز السجود في ما إذا دخل قبل و عدم الجواز في ما إذا دخل حال السجود. اللهم إلا ان يقال ان رواية المعلى قد دلت على انه لا يعتد بذلك السجود و حينئذ يكون وجوده كعدمه، و ظاهرها انه لا ضرورة في الإتيان به كما هو مذهب الشيخ، و حينئذ يكون وجه الجمع بينهما التخيير بين الإتيان بالسجود و عدمه”.

فشاهد الجمع هو كون الأمر بالمتابعة من المستحبات التي يقصد منها إدراك الفضل، ولا تعارض في غير الإلزامي في الأحكام، وجوابه أن هذا صحيح في مرحلة المراد الجدي عند القطع بالمراد، لا في مرحلة الدلالة اللفظية، فإن التنافي بين الدليلين إما لتنافيهما ذاتا وأمرا فيكذب أحدهما الآخر وهو الأصل، أو لتنافيهما ظاهرا واجتماعهما رخصة، والمدعى هو الثاني ولا دليل عليه هنا كما لا ظهور في نظر الدليلين للآخر، فإن الكلام في شرط صحة المتابعة وموضعها من الصلاة، نعم قد يكون عمل الأصحاب وإجماعهم كاشفا عن صحة أحدهما أو مرجحا، لكنه غير حاصل، وهل تحتمل التقية في أحدهما لموافقة العامة أو لإحداث التخالف بين الشيعة حتى لا يعرفوا بمذهبهم فيؤخذوا ؟

 الحكم عند العامة:

استدلوا لجواز الدخول في أي حالة ثم الإتمام والاكتفاء بتكبيرة الإحرام وهي الأولى قبل متابعته، بقوله صلى الله عليه وآله سلم: إذا أَتَى أحدُكُم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمامُ. رواه الترمذي وادعي عليه عمل أهل العلم.

وهذا المقدار مما عمل به العامة لا يكشف عن حال تقية يرجح بها أحد الدليلين.

وعن النراقي في المستند نفي دلالة الصحيحة على النهي عن الدخول، قال في المستند: ” عن شيخنا الشهيد الثاني التخيير حينئذ بين ما ذكر([6]) و بين التوقّف في مكانه، و مال إليه بعض مشايخنا الأخباريين([7])، و لا بأس به.

للجمع بين ما ذكر و بين رواية البصري: «و إذا وجدت الإمام ساجدا فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه، و إن كان قاعدا قعدت و إن كان قائما قمت».

و لا دلالة للخبر على وجوب الإثبات، لعدم صراحة قوله: «فاثبت» في الأمر، لجواز كونه ماضيا كما يلائمه قوله: قعدت و قمت، و لو سلّم فيجب الحمل على الاستحباب، لعدم وجوب أصل الاقتداء و المتابعة”.

ماضيا أي قد مضى سجوده، لكنه خلاف الظاهر.

وعلي أي حال فالصحيحة مخالفة لظاهر وصريح أكثر من خبر، كمعتبرة محمد بن مسلم الدالة على الجواز في حال التلبس وهو قوله ع: “وهو في السجدة”، ومعتبرة معلى بن خنيس الصريحة في الجواز بقوله ع: “فاسجد معه”، وصحيحة معاوية بن شريح -على الأخذ بالزيادة لم كانت من الرواية- الآمرة بالسجود بقوله ع: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبر وسجد معه”، ومخالفة كذلك لما رواه أكثر العامة من جواز الدخول في أي موضع من الصلاة مما لا قطع على بطلانه.

وهذه الموارد المتفرقة من فوات الركعة حتى التسليم دلالتها المجموعية على عدم خصوصية جزء من الصلاة دون جزء، ولا تنافيه أو تنفيه الأخبار المبينة لحكم جزئي ورد في سؤال أو مُثِّل به لغرض ولتمهيد بيان أن بإدراكه يدرك فضل الصلاة، لكونها ساكة عن حكم غيره كما هو واضح وليست في مقام الإطلاق أو تعيين الوظيفة تفصيلا.

وأما التكبير:

فقد خلت أكثر النصوص عن حكم إعادته، وليس بمتيقن أن ما يأتي به أولا هو لصلاته أم لمتابعته تشبها بالمصلين، وصريح كلام منصور بن حازم -وهو قوله: “فكبر ثم اجلس، فإذا قمت فكبر”- الذي استظهرنا من حاله في صحة الرواية ومن عدم ذكر معارض له أنه ومن إيداع كلامه كتب الرواية، أنه كلامه معنى رواية معتمدة، وهو موافق للأصل عند الشك في إجزاء التكبيرة الأولى عن تكبيرة صلاته، فيجب عليه تكبير للدخول وتكبير آخر لإحرام صلاته بعد تسليم الإمام، ولو تنزلنا فلا أقل من الاحتياط بإتيانها.

فالحاصل:

أن من فاتته الركعة من الصلاة وأراد إدراك فضل ما فاته أو فاتته الصلاة بفوات الركعة الأخيرة، استحب له التكبير والتحاق بالإمام في أي موضع من صلاته، فإذا سلم الإمام قام فكبر وصلى دون اعتداد بما أتى به متابعة.


([1]) المدارك 4: 386.

( 1) التهذيب، ج 3، ص 272، ح 788، معلّقاً عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1198، ح 8041؛ الوسائل، ج 8، ص 392، ذيل ح 10990.

([3]) التهذيب 3: 274/ ح113، ب25 فضل المساجد والصلاة فيها وفضل الجماعة وأحكامها، من أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة.

([4]) التهذيب 3: 247/ ح57، ب24 باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

[5] التهذيب، ج 3، ص 271، ح 780، معلّقاً عن محمّد بن يحيى، عن عبداللَّه بن محمّد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1230، ح 8123؛ و في الوسائل، ج 8، ص 393، ذيل ح 10992؛ و ص 387، ح 10976؛ و ص 417، ح 11057، قطعة منه.

([6]) أي معتبرة المعلى بن خنيس.

([7]) وهو الشيخ يوسف في الحدائق.

كتاب أنيس الحامل (الطبعة 3)

أنيس الحامل في الأدعية والأحراز والمسائل

نظامٌ عبادي غذائي للمرأة للحامل
• تهتدي به في عبادتها
• وتأنس به زمان حملها
• وتأمل باتباعه الذرية الطيبة التي تقر عينها

  • جُرِّب ؛ فأتى بنتائجه المرجوة
  • وكتب تحت نظر المختصين في التغذية والشريعة

نسخة PDF

https://tinyurl.com/anees2020

نسخة الكندل

https://tinyurl.com/y74a4me3

الدفع والدعم

  • الكتاب غير مجاني
  • الدفع اختياري
  • تقدير المبلغ باختيار الدافع
  • يرجى تعيين إحدى الطرق أدناه

من داخل البحرين

Mohamed Ali Alaraibi

Benfit : 34576914

IBAN: BH71NBOB00000274315459

——-

من داخل البحرين وخارجها

عن طريق صفحة الدفع والدعم

كيفية البدء في القَسْم وقاعدة القرعة

كيفية البدء في القَسْم
وقاعدة القرعة
من دروس كتاب النكاح
 
محمد علي العريبي
ج2/1438 هـ – 3/2017 م
 

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام

أقوال الأعلام في لزوم السلم وحرمة القيام
كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م

كتاب:
أقوال الأعلام
في لزوم السلم
وحرمة القيام
1438 هـ – 2017 م
https://www.mediafire.com/?ewg99tcvr5kxrrr

تقليد الميت بين السنة الشيعة تاريخ المسألة وأدلتها

 

تقليد الميت بين السنة والشيعة
تقليد الميت بين السنة والشيعة

تقليد الميت بين السنة الشيعة
تاريخ المسألة وأدلتها
* محمد علي العريبي
للتحميل: من هنا

والحمد لله رب العالمين
وكتبه: محمد علي العريبي
1437 – البحرين

الفهرس
المبحث الأول: تمهيد لمسألة تقليد الميت عند الإمامية: الفرق بين الرواية والفتوى مما بني عليه الاختلاف في مسألة تقليد الميت 1
السيد المرتضى: أول من ذكر الفرق بين الفتوى والرواية من الشيعة 2
فائدة الخبر والفتوى هي النسبة الخبرية 4
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ) في مطارح الأنظار: 5
الإيراد على تعريف الرواية والفتوى: 6
الفتوى بلسان الرواية: 6
ما أجيز من صور الرواية: 7
اعتراف الرجاليين والمحدثين بالتصرف في ألفاظ الروايات: 7
تفاوت أداء الأخبار: 7
المناط في صفة الرواية هما الإسناد و حفظ المعنى: 8
إطلاق الحكم بلا إسناد لفظي بمنزلة الرواية 10
ما تحصل من الأدلة أنه الفرق بين الرواية والفتوى لا يصلح للمنع من تقليد الميت: 11
المبحث الثاني: تقليد الميت عند السنة والشيعة 1
تقليد الميت عند أهل السنة: تاريخ المسألة وأدلتها 1
الشافعي: قائل بالجواز: ( المذاهب لا تموت بموت أصحابها ) 1
الملاحظ على الدليل: 1
ابن القصار المالكي البغدادي ( 397 هـ ): جوزه، وهو أول من أفرد بابا للمسألة 3
الباقلاني ( 403 هـ ) أول من أوجب تقليد الحي: 3
إمام الحرمين الجويني ( 478 هـ ): قائل بوجوب تقليد المجتهد : 4
القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ ): 6
أبو الحسين البصري المعتزلي ( 436 هـ ): أول من ادعى وجوب تقليد الحي للسيرة والإجماع 6
أبو حامد الغزالي ( 505 هـ ): 7
ويلاحظ عليه: 8
أبو بكر الرازي ( 606 هـ ): 8
المتحصل من الأدلة: 9
تقليد الميت عند الإمامية: تاريخ المسألة عند المتأخرين وأدلة المانعين عن تقليد الأموات 1
نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلي ( المحقق الحلي ) ( 676 هـ ): يجوز تقليد الميت كالحي إذا علم صحة النقل 1
العلامة الحلي ( 726 هـ ) في قواعد الأحكام: لا يجوز الأخذ بقول الميت 1
الكركي ( 940 هـ ) في جامع المقاصد في شرح القواعد: تابع الحلي 3
الشهيد الثاني ( 965 هـ ): أول من ادعى إجماع الإمامية على عدم جواز تقليد الميت 4
أول من أفتى بفسق من قلد الأموات إذا وجد مجتهد في زمانه 7
منشأ الفرقة والتنافر بين المحدثين وأكثر الأصوليين في المسألة 8
استدلالات أخرى بعد الشهيد الثاني: 14
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل ( الوحيد البهبهاني ) ( 1205 هـ ): لا يجوز تقليد الميت للقطع بارتفاع ظن الفقيه 15
الشيخ الأنصاري ( 1281 هـ ): دعوى الإجماع المحقق على حرمة تقليد الأموات 16
رجوع لكلام الأنصاري: 18
الذب عن المحدثين: 18
أدلة الشيخ الأنصاري على اشتراط الحياة في المفتي: 19
الأوّل : اصالة حرمة العمال بالظن 20
الثاني : الإجماع المحقق 20
الثالث: عدم إمكان الوقوف على المجتهد الأعلم الأورع 22
الرابع : عدم العلم بآخر فتاوى المجتهد الميت إذا تغير اجتهاده 23
الخوئي ( 1413 هـ ): المتسالم عليه عدم جواز تقليد الميت 24
ما استدل به السيد الخوئي: 24
الأول: الشهرة والتسالم 24
الثاني: روايات الإرجاع للفقيه ظاهرة في الفعلية وموضوعها الحياة 25
الثالث: أدلة الإرجاع للفقهاء رادعة لسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 27
الرابع: الضرورة المذهبية رادعة للسيرة العقلاء في التسوية في الرجوع بين الأموات والأحياء 28
الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر): 29

 

 

 

 

 

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية
الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية

كتاب: الشعارات الثورية في الحماسات الشيعية – 2016

https://drive.google.com/uc?export=download&id=0B6AZtFCXyPdbUEcxdDR4ZEkzZ2s

https://twitter.com/Moh_Aloraibi/status/698933212840620032

https://www.facebook.com/aloraibi.m/posts/983534848396597

https://www.goodreads.com/book/show/29775842

https://ar.scribd.com

تحقيق: حول خطبة ( خط الموت ) ووصية ( ما خرجت إلا لطلب الإصلاح ) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام

تحقيق: حول خطبتي ( خط الموت ) و (ما خرجت إلا لطلب الإصلاح) المنسوبتان للحسين الشهيد عليه السلام[1]

للتحميل: http://www.mediafire.com/download/oaij2ce7djug5ql

1-            [ القول في خطبة ( خط الموت على ولد آدم …كأني بأوصالي تقطعها ) ]

ثم إنه قد أصر كثير من المعاصرين من أهل القيام والثورات على ضرب الأمثلة من كلام الحسين عليه السلام وخطبه واستدلوا بها على ثورية حركته ودمويتها عن قصد، وتحشيده الناس لبذل دمائهم مهما كان الثمن، ولو ساء أمر الإسلام وانتهكت حرماته أكثر من ذي قبل، زعما منهم أن العزة في هذا السبيل واخترع البعض أراجيز وأشعارا نسبها أو ألقاها على لسان حال الحسين عليه السلام، فألغوا بهذا كل دلالات نصوص المهادنة، وابتدعوا أصلا بين الأحكام غير أصيل !.

ومما ذكروه في جملة أدلتهم، الخطبة التي رواها السيد ابن طاووس رحمه الله في كتابه اللهوف (664 هـ) ، قال:

” وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ما شاءَ اللَّهُ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَتَقَطَّعُهَا عَسَلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَ أَجْرِبَةً سُغْباً، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لُحْمَتُهُ وَ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ وَ يُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، مَنْ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا؛ فَإِنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏”([2]).

ورواها قبل السيد -مرسلة من غير إسناد([3])- الحسين بن محمد بن الحسن بن مصر الحلواني (توفي في القرن الخامس وكان حيا سنة 481هـ معاصرا للسيد المرتضى ومحدثا عنه ومعاصرا للشيخ الطوسي) في كتابه نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، قال: “وَ لَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً، فَقَال …” ([4]) إلى تمام الخبر.‏

ثم أبو الحسين مسعود بن عيسى ورَّام بن أبي فراس (ت 605هـ) في مجموعه.

ورواها مرسلة أيضا الإربلي (ت 693هـ) في كشف الغمة.

لكن ابن نما (ت 645هـ) في مثير الأحزان رواها هكذا:

“عن الشعبي عن عبد الله بن عمر: انه كان بماء له فبلغه ان الحسين ( ع ) قد توجه إلى العراق فجاء إليه وأشار عليه بالطاعة والانقياد وحذره من مشاققة أهل العناد، فقال: يا عبد الله اما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا ( ع ) أهدى إلى بغى من بغايا بني إسرائيل … ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي.

ثم قام خطيبا فقال: الحمد لله وما شاء الله ولا قوه إلا بالله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة … فإني راحل مصبحا إن شاء الله. ثم أقبل الحسين حتى مر بالتنعيم”([5]).

وظاهره إسناد اللفظ لسابقه بحسب السياق، فيكون قد وضع الخطبة ضمن ما رواه الشعبي عن عبد الله بن عمر، لكنه منصرف عن ظاهره بما عرف من طريقة الكتاب في الاختصار وترادف الأخبار والأحداث مسندة ومرسلة، سيما أنه روى لقياه لعبد الله بن عمر بعد بدء توجهه للعراق، ثم ذكر خطبته هذه التي أعلن فيها نية التوجه، فبينهما تهافت محتمل.

فهذا الخبر مرسل ككثير من أخبار السير، وغير جامع للحجية في مقام الاستدلال، ولا قام بشروط الدلالة التاريخية لو قيل بالتفريق بين الحجية وروايات التاريخ والأحداث.

وإنه ليتداخل الشك القوي في صحة هذه المرسلات صدورا وتحققا؛ إذ لا يتناسب الإعلان في الملأ عن حتمية مقتله عليه السلام مع ما كان عليه من الاستجابة لدعوة الكوفيين، وما كان عليه الناس من الاحتفاف به والسماع منه، بل واللحاق به حتى حل قريب كربلاء قبل أن يتفرقوا عنه، ولا أرتاب أن خبر مصرعه عليه السلام من الأسرار المغيبة المكتومة التي ما عرفها إلا قلة من أهل بيته ومن ظفر بها من حملة الأخبار.

وعلى هذا يببتني الجواب عن شبهة أن الحسين عليه السلام أسس لمشروعية القيام بالسيف والثورة مهما كانت العواقب والمآلات تمسكا بمبدأ العزة المدعاة مع أن العزة في خلاف القيام أغلب الأزمان؛ فإنه لا دلالة لمثل هذه النصوص على المدعى؛ إما لضعف جملة منها، أو لاستبعاد إذاعتها علنا لتكون منهجا عاما يغني الناس عن التمسك بالأسباب والأخذ بظواهر الأمور، والتي ذكرنا أنها كانت مجتمعة للحسين عليه السلام وما قام إلا بعدها كما هو صريح الروايات.

[ تتمة فيها تحقيق حول خطبة ( خط الموت على ولد آدم … كأني بأوصالي) ]

ثم لا تعجب إن ساقك البحث والتقصي فوجدتها مشهورة في كتب الزيدية مسندة مشروحة، متصلة بزيد مروية عن قومه !، بل هي المنحصر طريقها بهم، وعنهم أخذ القوم !.

فهذا إمام الزيدية في طبرستان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني الزيدي[6] (ت 353 هـ) يروي في كتابه المصابيح في السيرة في نسخة كثيرة الغلط، فيقول بطريق فيه إرسال:

“وأخبرنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عليهم السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس خُطَّ الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه، وإن لي لمصرعاً أنا لاقيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسْلان الفلوات، غُبراً عُفراً بين كربلاء وبراريس [نواويس] قد ملأت مني أكراشاً جوفاً، رضا الله رضانا أهل البيت، فصبراً على بلائه ليوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز لهم عدته، من كان فينا باذلاً مهجته فليرحل فإني راحل غداً إن شاء الله عزَّ وجل، ثم نهض إلى عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه)”[7].

وهو أقدم مصدر لها بل هو الوحيد اليتيم الذي وجدنا هذه الخطبة فيه، ولا تجد فيها أنه قالها في خروجه من مكة أو في حال توجهه للعراق كما نقله المتأخرون عنه!، ولعلهم نسبوها للحسين لما رأوا ذكر كربلاء، وأغفلوا أنه عين القتلةَ بين كربلاء وما سماها براريس في هذه النسخة، ونقلها المتأخرون عنه ( نووايس ) وهو ما يغطى به لحد القبر وقيل أنه اسم لمقابر النصارى خارج كربلاء من شمالها، مع الاتفاق على أن الحسين عليه السلام قد عرف مكان استشهاده  وكذا خواص أهله وهو كربلاء لا غيرها.

وأخذها عن أبي العباس الآنف الذكر إمامهم أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني الزيدي[8] (م 340 – ت 424 هـ)، توفي شيخه أبو العباس وكان يحيى صبيا عمره ثلاثة عشر سنة كما تسجله تواريخ الوفيات، وهذا من الغرائب في التلمذة وأخذ الحديث المسند ومضعف لاعتبار حديثه، وروى هذا الخبر في أماليه، فقال مفصلا ما أجمل في سند شيخه:

أَخْبَرَنَا أبو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بن إبْرَاهِيمَ الْحَسَنِي رحمه الله تعالى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن أَيُّوبَ البَجْلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ العزيز العَكْبَرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن مُحَمَّدٍ بن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ تَمِيمِ بن [أبي][9] رَبِيعَةَ الرِّيَاحِي، عَنْ زَيْدِ بن عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عليه السلام أَنَّ الْحُسَيْنَ بن عَلِيٍّ عليه السلام خَطَبَ أَصْحَابَهُ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ” وساق الخبر[10].

ورواها عنه الخوارزمي (ت 568 هـ) بسنده في مقتله ببعض التفاوت عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني بنفس الطريق ، قال:

” أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد سيف الدين أبو جعفر محمّد بن عمر الجمحي كتابة ، أخبرنا الشيخ الإمام أبوالحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيّد الإمام النقيب علي بن محمّد بن جعفر الحسني الإسترابادي ، حدثنا السيّد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر محمّد بن جعفر بن علي الحسيني ، حدثنا السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمّد بن هارون بن محمّد بن القاسم بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني ، حدثنا محمّد بن عبدالله بن أيّوب البجلي ، حدثنا علي بن عبدالعزيز العكبري ، حدثنا الحسن بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن تيم بن ربيعة الرياحي ، عن زيد بن على ، عن أبيه : أنّ الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال ” الخبر[11].

والراوي عن زيد بن علي، تميم بن ربيعة الرياحي، مجهول عندنا وعندهم لم يفصل حاله أحد، قال في موسوعة رجال الزيدية: ” تميم بن ربيعة الرياحي: ذكر في طبقات الزيدية أنه روى عن زيد بن علي، وروى عنه محمد بن يحيى، ومثله في الجداول. لم أقف له على ترجمه”.

وكذا الرواة عن تميم بن ربيعة، مجهولون أو مهملون، فهذ الخبر من أخبار الآحاد المنفردة التي رواها المجاهيل ومن لا يقبل منهم إلا أن يعضد خبرهم خبر غيرهم، فما بالك وقد رواها من يجر النار لقرصه وتفرد بها من جهل أمره وتناقلها من لا يوثق بقوله !، وهذا أضعف صور الإسناد وأوهن النصوص في الاعتماد.

ولو قدرت لهذه الخطبة صحة وصدور، لما تعدت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام؛ فإنه ممن أنهوا الفصاحة والبلاغة إليه، وضم السيف إلى جناحه ودعا الناس إلى بيعته.

وقال بعض المعاصرين في معرض الإجابة عن سؤال السائل عن درجة اعتبار هذه الخطبة المنسوبة للحسين عليه السلام:

“نعم المقاطع التي في هذه الخطبة والتي وردت في نصوصٍ أخرى عن الإمام الحسين عليه السلام، بحيث تظافرت النصوص فيها، يمكن القول بثبوتها ثبوتاً نوعيّاً لا شخصّياً … وأقول: إذاً فهذه قطعاً قد صدرت؛ لأنّ فيها ذلك المقطع الذي تظافرت النصوص لتأكيده. فهنا أنا أجزم بهذه الفكرة المشتركة بين مائة نصّ حديثي أو تاريخي مختلف الموضوع، وفي الوقت عينه لا أصحّح أيّ رواية من هذه الروايات المائة بعينها وشخصها على تقدير ضعفها بنفسها، وهذه نقطة مهمّة جدّاً في علم الحديث والأصول غالباً ما تتمّ الغفلة عنها كما رأيت. والله العالم”[12].

وهذا الجواب من غرائب الأجوبة !؛ إذ بعد التنزل والتسليم بأن اشتراك بعض المقاطع جابر لضعف الخبر ومورث للاطمئنان لو تكثر وروده، فلنا أن نسأل صاحب هذه الدعوى – المجردة عن الدليل – عن مواضع الاشتراك ومحالها !، وهل تعدد نَقلُها ونَقَلَتُها حتى حقق وثوقا نوعيا بصدورها !، هذا، فضلا عن عدم كاشفية اشتراك بعض مقاطع الخطبة مع غيرها عن الصدور، إلا أن يؤنس بكلمات الإمام عليه السلام ويعرف أسلوب بيانه بعد التتبع والممارسة، بل قد يدعى أن المشاركة في خطبتين غير متحدتين داعية للميل للوضع في المشكوكة منهما؛ إذا لا يقصر صاحب اللسان عن أي بيان، ولا يعجزه ضيق وفاض عن فيض العذب من الألفاظ.

عصمنا الله من الزلل، ووفقنا للسعي في إعلاء دينه من غير ملل أو كلل.

2-            [وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا]

 

ونسب للحسين الشهيد عليه السلام قوله في وصية له: ” وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي”.

فقد ادعى بعض أنه واضح الدلالة على جواز الخروج والمطالبة كلف ما كلف من تضحيات، بمقتضى إطلاق نفي إرادة الفساد وإثبات إرادة الإصلاح في مقام تعليل الخروج، بضميمة أن يكون معنى الخروج هو القيام والثورة، فكأن السؤال كان عن سبب ثورته عليه السلام، فأجاب عنه بما ذكر.

ومن الواضح أن معنى الخروج في نفسه – خاليا عن الإضافة أو القرائن – لا يتضمن معنى القيام على الحكم أو الظالم المسمى الآن بالثورة في لسان الساسة، ولم يتواضع أهل اللسان على الخروج بمعنى القيام إلا بعد اقترانه سياقا وحكما واشتهاره بحكم الخروج عن أمر الحاكم أو الظالم بعد سنين طويلة من عصر الإسلام الأول.

وأما ما قيل من أن اللفظ استقر على معنى القيام على الحاكم حتى سمي أتباعه خوارج بعد ظهورهم في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، كما ألمح الشيخ شمس الدين في كتابه[13]، فهو لا يعني انحصار استعمال مفردة الخروج في هذا المعنى، كما أن المعنى الجديد كان معرفة وتسمية لخصوص فئة هم الخوارج، ولم يكن في باقي تصريفات الكلمة.

فلا يمكن التسليم بأن معنى الخروج هنا هو المعنى المتبادر عند المستدل إلا بقرينة واضحة.

ومن أمثلة استعمال الكلمة ( الخروج ) وما اقترنت به من ألفاظ شبيهة بما ورد في مقامنا -بمعناها الأولي لا بمعنى القيام- ما رواه ابن الشيخ الطوسي في مجالسه عن أبيه ، بسنده عن الرضا ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال : ” كان الصادق ( عليه السلام ، يقول إذا خرج إلى الصلاة :

اللهم إني أسألك بحق السائلين بك ، وبحق مخرجي هذا ، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، ولكن خرجت ابتغاء رضوانك ، واجتناب سخطك ، فعافني بعافيتك من النار “[14]. ومثله ما رواه بسنده عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام[15]، وروي قريب منه وبألفاظ أكثره في كتب العامة.

[ مصادر النص]

قال أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح فيما كان المدينة قبل خروجه عليه السلام لمكة وقبل بيعة أهل الكوفة وإرسال كتبهم طالبين قدومه:

“لَمّا جاءَ إلَيهِ [ أي إلَى الإِمامِ الحُسَينِ عليه السلام ] مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ قالَ : يا أخي فَدَتكَ نَفسي ، أنتَ أحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأعَزُّهُم عَلَيَّ ، ولَستُ وَاللّهِ أدَّخِرُ النَّصيحَةَ لأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ ، ولَيسَ أحَدٌ أحَقَّ بِها مِنكَ ، فَإِنَّكَ كَنَفسي وروحي وكَبيرُ أهلِ بَيتي ومَن عَلَيهِ اعتِمادي وطاعَتُهُ في عُنُقي ، لأَنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَد شَرَّفَكَ وجَعَلَكَ مِن ساداتِ أهلِ الجَنَّةِ ، وإنّي اُريدُ أن اُشيرَ عَلَيكَ بِرَأيي فَاقبَلهُ مِنّي .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : قُل ما بَدا لَكَ . فَقالَ : اُشيرُ عَلَيكَ أن تَنجُوَ نَفسَكَ عَن يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ وعَنِ الأَمصارِ مَا استَطَعتَ ، وأن تَبعَثَ رُسُلَكَ إلَى النّاسِ وتَدعُوَهُم إلى بَيعَتِكَ ، فَإِنّي إن بايَعَكَ النّاسُ وتابَعوكَ حَمِدتُ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وقُمتَ فيهِم بِما يَقومُ فيهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله وَالخُلَفاءُ الرّاشِدونَ المَهدِيّونَ مِن بَعدِهِ ، حَتّى يَتَوَفّاكَ اللّهُ وهُوَ عَنكَ راضٍ ، وَالمُؤمِنونَ كَذلِكَ ، كَما رَضوا عَن أبيكَ وأخيكَ ، وإن أجمَعَ النّاسُ عَلى غَيرِكَ حَمِدتَ اللّهَ عَلى ذلِكَ ، وإنّي خائِفٌ عَلَيكَ أن تَدخُلَ مِصرا مِنَ الأَمصارِ أو تَأتِيَ جَماعَةً مِنَ النّاسِ فَيَقتَتِلونَ فَتَكونُ طائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ وَطائِفَةٌ عَلَيكَ فَتُقتَلَ بَينَهُم .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! إلى أينَ أذهَبُ ؟ قالَ : اُخرُج إلى مَكَّةَ ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ الدّارُ فَذاكَ الَّذي تُحِبُّ واُحِبُّ ، وإن تَكُنِ الاُخرى خَرَجتَ إلى بِلادِ اليَمَنِ ، فَإِنَّهُم أنصارُ جَدِّكَ وأخيكَ وأبيكَ ، وهُم أرأَفُ النّاسِ وأرَقُّهُم قُلوبا ، وأوسَعُ النّاسِ بِلادا وأرجَحُهُم عُقولاً ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ أرضُ اليَمَنِ وإلّا لَحِقتَ بِالرِّمالِ وشُعوبِ الجِبالِ ، وصِرتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لِتَنظُرَ ما يَؤُولُ إلَيهِ أمرُ النّاسِ ، ويُحكَمَ بَينَكَ وبَينَ القَومِ الفاسِقينَ .

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : يا أخي ! وَاللّهِ لَو لَم يَكُن فِي الدُّنيا مَلجَأٌ ولا مَأوى لَما بايَعتُ وَاللّهِ يَزيدَ بنَ مُعاوِيَةَ أبَدا ، وقَد قالَ صلى الله عليه و آله : «اللّهُمَّ لا تُبارِك في يَزيدَ» .

قالَ : فَقَطَعَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ الكَلامَ وبَكى ، فَبَكى مَعَهُ الحُسَينُ عليه السلام سَاعَةً ثُمَّ قالَ : جَزَاكَ اللّهُ ـ يا أخي ـ عَنّي خَيرا ، ولَقَد نَصَحتَ وأشَرتَ بِالصَّوابِ ، وأنَا أرجو أن يَكونَ إن شاءَ اللّهُ رَأيُكَ مُوَفَّقا مُسَدَّدا ، وإنّي قَد عَزَمتُ عَلَى الخُروجِ إلى مَكَّةَ ، وقَد تَهَيَّأتُ لِذلِكَ أنَا وإخوَتي وبَنو إخوَتي وشيعَتي ، وأمرُهُم أمري ، ورَأيُهُم رَأيي . وأمّا أنتَ يا أخي فَلا عَلَيكَ أن تُقيمَ بِالمَدينَةِ فَتَكونَ لي عَينا عَلَيهِم ، ولا تُخفِ عَلَيَّ شَيئا مِن اُمورِهِم .

قالَ: ثُمَّ دَعَا الحُسَينُ عليه السلام بِدَواةٍ وبَياضٍ … فَكَتَبَ :

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، هذا ما أوصى بِهِ الحُسَينُ بنُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ لأَخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ المَعروفِ وَلَدِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام :

إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَا اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأنَّ مُحَمَّدا عَبدُهُ ورَسولُهُ ، جاءَ بِالحَقِّ مِن عِندِهِ ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنّارَ حَقٌّ . وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها ، وأنَّ اللّهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ ، وأنّي لَم أخرُج أشِرا ولا بَطِرا ، ولا مُفسِدا ولا ظالِما ، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في اُمَّةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، اُريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ ، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، وسيرَةِ أبي عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ  وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، فَمَن قَبِلَني بِقَبولِ الحَقِّ فَاللّهُ أولى بِالحَقِّ ، ومَن رَدَّ عَلَيَّ هذا أصبِرُ حَتّى يَقضِيَ اللّهُ بَيني وبَينَ القَومِ بِالحَقِّ ، ويَحكُمَ بَيني وبَينَهُم بِالحَقِّ ، وهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ ، هذِهِ وَصِيَّتي إلَيكَ يا أخي ، وما تَوفيقي إلّا بِاللّهِ ، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإلَيهِ اُنيبُ ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ وعَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللّهِ العَلِيِّ العَظيمِ .

قالَ : ثُمَّ طَوَى الكِتابَ الحُسَينُ عليه السلام وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ، ودَفَعَهُ إلى أخيهِ مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ ثُمَ وَدَّعَهُ”[16].

[ الاشتباه في الاستدلال بها على مشروعية القيام ]

نقلنا النص بتمامه ليعلم أن الخروج المقصود هو خروج الحسين عليه السلام من مكة إلى المدينة أو غيرها من البلدان كما هو واضح من السياق والمقام، وأن هذا الأمر كان قبل قيام الحسين عليه السلام وعزمه على تولي الكوفة بعد أن تكاثرت عليه كتب الكوفيين أن أقدم إلينا خليفة لا نريد سواك، فتبين أن الاستدلال بها من جملة الاشتباهات وأن المقصود بها لا يوافق المستدل بها على جواز القيام.

[مصدر الرواية غير معتبر]

أما خبر هذه الوصية فمع اشتهارها بين المتأخرين خاصة، غير أنها في مصادر لا يتيقن صحتها مع انفرادها ولا يركن لها إلا إذا انضم إليها ما يقويها ولم يعارضها أمر آخر.

وهذه قد نُقلت عن كتاب ابن الأعثم الكوفي (ت 314 هـ)، الذي وصفه بعض علماء الشيعة كابن جرير الطبري الإمامي بأنه ” رجل معاند “[17] ولعله أراد مخالف، وآخرون من المتأخرين –كالمحدث ابن طاهر القمي- بأنه عمدة المخالفين وعلمائهم الثقات، وعده ياقوت الحموي في معجم الأدباء شيعيا، قال: ” كان شيعيا وهو عند أصحاب الحديث ضعيف”[18] وهذا تعصب منه.

ولا شك في كونه من أبناء العامة لا الخاصة، وأن الناظر في كتابه يراه محبا لا متشيعا إماميا، لذا قال فيه التستري في قاموسه: ” من مؤرّخي العامّة إلاّ أنّه ليس من نصّابهم “[19]، وتاريخه اعتمد على النقل منه بعض علماء الشيعة، لكن لا بتمام الاعتماد وكامل الركون كغيره من كتب أهل الأخبار التاريخية، كمقتل لوط ابن يحيى المعروف بأن الشيعة ركنت لصاحبه ولنقولاته.

[الضعف في متن الرواية وصحة المنقول بطرقنا]

وأما متنها فمما فيه أنه عليه السلام قال أنه يسير بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، وهذا لا يوافق المعلوم من المذهب بالضرورة، وما في بعض طبعات الكتب المتأخرة من رواية الحديث مع إسقاط هذه الجملة أو تخطيها لا مبرر له !.

مع أن المروي عن هذه الوصية أو الكتاب -الذي لا يعلم غيره- بطرقنا صحيحا ما عن السيد بن طاووس في كتابه اللهوف بسنده قال: ذكر مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ[20] عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: “ذَكَرْنَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ ع وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: يَا حَمْزَةُ إِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِحَدِيثٍ لَا تَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا؛ إِنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً دَعَا بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْفَتْحِ وَ السَّلَامُ”.

ورواها الصفار ( ت 290 هـ) عن أيوب بن نوح بعينها في أشهر كتبه بصائر الدرجات، ومحمد بن الحسن الصفار هو الذي قال فيه النجاشي: ” كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر راجحا قليل السقط في الرواية”[21] – عن أيوب بن نوح، وتناقلها غيره من علماء الشيعة في مصنفاتهم، فانظر هامش التخريج[22].

[ لو صحت الرواية لم يصح التمسك بدلالتها أيضا]

وأما التمسك بالتعليل فيها ( طلب الإصلاح ) وأنه سيرة النبي صلى الله عليه وآله وعلي والحسن عليهم السلام، ليكون مبررا للخروج مطلقا حتى مع عدم توفر دواعي النصر، فلو سلمنا صحة الرواية وسلامة متنها – وهو ما لا يمكن التسليم به كما أسلفنا آنفا – لم يصح معناه؛ لأن خروجه لو حمل على أنه للمسير من مكة إلى المدينة لم يكن مرادفا لمعنى القيام، والحال أن المستدل ممن ينتصر لجواز القيام أو وجوبه.

ولو حمل على الخروج لجهاد يزيد في مكة قبل بيعة الناس فهذا ليس بخروج وقيام، بل مقامٌ في مكة وتحصن فيها بأهلها بغير دعوة دعى لنفسه فيهم كما هو المتفق عليه، وإنما كان ذاك من عبد الله بن الزبير بعد ذاك، فلا ينفع المدعي أيضا.

ولو سلم أنه خروج للجهاد من أوله تمهيدا ثم تنفيذا، قلنا: أنه لم يكن هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ولا سيرة علي ولا الحسن عليهما السلام التي ذكرت في ذيل الوصية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ما جاهد الكفار إلا أمرا ووحيا بعد الصبر العظيم واجتماع الأسباب والقدرة وما انفرد خارجا لحرب أحد ولا سلك سبل الثائرين كما في هذا العصر، وإن عليا عليه السلام هو كذلك، ما قام في الناس ثائرا ولم يمسك بزمام الخلافة إلا بعد بيعة الناس له وعلمه بصيرورة الأمور إليه، ودونك خطبته الشقشقية، وأن أبا محمد الحسن عليه السلام دام على خطى أبيه، ومن سيرته المهادنة لما خلت الأسباب وترجح الفسادُ على الصلاح بين الأتباع، كل هذا مع ما ثبت من سيرة الحسين عليه السلام، وهو بقاؤه في مكة ثم قدوم أهل الكوفة بكتبهم يطلبون قدومه ليبايعوه كسيرة أبيه عليه السلام، ثم سار لهم سير غير المتحصن بعسكر ولا المترئس لجيش دون تبييت نية لمواجهة أو قيام كما أثبتناه في غير موضع من هذا الكتاب.

فكيف يكون خروجه عليه السلام من مكة بداية قيام وثورة!، وكيف يمكن الاستدلال بسيرة من لا يوافقون الثورة والقيام المدعى لا في المبدأ ولا الأسباب كالنبي وآله الأطياب !، فلم يقم ويخرج رسول الله صلى الله عليه وآله كخروج الثوار والقائمين، وكذا لم يفعل علي ولا ابنه الحسن عليهما السلام، فانتفى المعلل (القيام) لبطلانه، ولم يصح التعليل (طلب الإصلاح) لانتفائه، وهذا مضعف آخر للرواية، وعلى مدعي دلالتها الإتيان بوجه صحيح تام، وحيث لم يكن فلا محيص عن رفع اليد عنها.

ولرب قائل أن يقول: أنه عليه السلام بامتناعه عن بيعة يزيد قد شرع في المعارضة والقيام، فنقول: إنا نسلم أصل المعارضة منه عليه السلام ليزيد ولا ينكره أحد أبدا، لكنا ننكر أنه قام بلا اهتمام لدماء الناس ولا رعاية لمصلحة الإسلام كالثوار والخارجين وكما يريد أن يصوره المستدل، ويكفي أن تلاحظ سيرته سلام الله عليه ليبان لك الفارق البين، مع عدم صحة القياس والاستدلال مطلقا بامتناع الحسين عليه السلام عن البيعة، كما مر عليك ويأتيك من تفصيل أكثر.

[لا يدل الخبر على جواز المعارضة السلمية مع احتمال الضرر]

ومن هنا يعلم، أن الاستدلال بها على جواز المعارضة مع احتمال الضرر بشرط سماه بعض منهم ( سلمية المعارضة )، تبرع بالدلالة والشرط؛ فقد علمت عدم صلاحيتها للاستدلال لضعف مستندها ومتنها، ولو دلت على جواز أو وجوب الخروج على الحكام في كل عصر مطلقا، لما احتجنا لاشتراط سلمية الخروج !؛ لأن الغرض يطلب تحققه بأي نحو ولو بسفك المهج تمسكا بإطلاق الدليل كما توهموا، بل يلزم من هذا تخصيص أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا العنوان المبتدع !.

ولو قيل: أن مرادهم بالشرط مشروعية المعارضة السلمية على نحو الاتفاق؛ إذ لا حمل فيها للسلاح ولا تشابك في عراك، ، فهو مردود؛ بأنه لا يوافق القائلين بالحرمة ولا الجواز، إذ لا رواية ولا قول في الشريعة بتخصيص جواز القيام إذا كان دون حمل سلاح بعد صدق مسمى الخروج المتمثل بالمعارضة كما بيناه، ولا مستند لتخصيص حكم الجواز أو الوجوب المطلق عند المتوهمين لهذا الحكم، فهو خرق للإجماع المركب.

وكذا فإنه لا معنى لسلمية الخروج على الحاكم في الواقع فضلا عن لغوية اشتراطها شرعا؛ لأن السلامة لا تتحقق بمجرد الامتناع عن حمل السلاح في قبال الحكام، بل في أن يؤمن الفتنة بين الأنام والضرر من جانب السلطان حتى لو علق الزهر مكان السنان، وهو –أي السلطان- الذي يقرر كيف يشاء سلميتها إذا تحقق بها السلم أو عدم سلميتها إذا تحقق بها الضرر له ولملك دولته، فالسلمية وعدمها عنوان واقعي ينتزع من سلامة الطرفين المتنازعين في الفرض، وليس لها محل في عالم الاعتبار، فمتى أجاز الحاكم المعارضة أو قل لم تكن بالنسبة له وفي نظره معارضة لحكمه ومنازعة له في ملكه، فقد ارتفع المحذور بالكلية على ما بينها في غير موضع.

[الحاصل]

والحاصل: أن نسبة هذا الحكم – وهو جواز المعارضة السلمية لإسقاط السلاطين والحكام – وصولا للحكم أو المشاركة فيه –مغالبة ومحاصصة- في عصر المهادنة بين بني الإسلام والمسالمة مع بقية الأنام، نسبة باطلة للشارع المقدس، كما أن توهم أو إيهام المكلفين بأن تغيير الألفاظ والأوصاف عن واقعها يبيح لهم ارتكاب الحرام، بطلانه من أوضح الواضحات، تنَزَّهَ الشرعُ الحنيفُ عن هذا اللعب بالدين وخلطِ الوهمِ باليَقين.


[1] مستلتان من كتابنا ( حرمة القيام ).

([2]) اللهوف على قتلى الطفوف: 60-61.

([3]) قال المصنف في أول الكتاب ص 9: “حذفت الأسانيد حتى لا يخرج الكتاب عن الغرض المقصود في الاختصار”

([4]) نزهة الناظر: 86.

([5]) مثير الأحزان: 30.

[6] في معجم الرجال: ” أحمد بن إبراهيم بن أحمد: السيد أبو العباس الحسيني (الحسني): فاضل، ثقة. الفهرست للشيخ منتجب الدين”. وقيل أنه كان إماميا ثم تزيد، دخل الري لطلب الحديث وصار إمامهم، وبرروا له عدم قيامه بكثرة الموانع عنه !. انظر مقدمة محقق كتابه المصابيح.

[7] المصابيح في السيرة والتاريخ: 335/ ح 187.

[8] له كتاب الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، من كتب الزيدية التي عليها معتمدهم.

[9] في غير مصدر بدون أبي، ولعلها زائدة.

[10] تيسير المطالب في أمالي أبي طالب (ترتيب الأمالي): 345-346.

[11] مقتل الخوارزمي: 208.

[12] حيدر حب الله.

[13] أنصار الحسين: 38.

[14] أمالي الطوسي 1: 381.

[15] أمالي الطوسي 1: 371.

[16] الفتوح : ج ۵ ص ۲۱ ، عنه مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ۱ ص ۱۸۸.

[17] نوادر المعجزات: 62، ب1 ح27.

[18] معجم الأدباء 2: 230-231، ر29.

[19] قاموس الرجال 12: 90، ر231.

[20] يحتمل أنها مصحفة عن الحسن، فهو الثقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار.

[21] فهرست النجاشي: 354، ر948.

[22] بصائر الدرجات : 481 ح 5 ، اللهوف : 28 ، المناقب لابن شهر آشوب 4 : 76 ، مثير الأحزان : 39 ، الخرائج الجرائح 2 : 771 ، بحار الأنوار 44 : 330 و 45 : 84 و 42 : 81 ح 12 ، العوالم 17 : 179 .