تعقيب على مقال [تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره]

وردنا هذا الرد على مقال:

تحقيق نسبة كتاب إحياء معالم الشيعة بأخبار الشريعة (المطبوع) للشيخ عبد علي بن أحمد العصفور قدس الله سره

ونصه:

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربِّ العالمين ؛ وصلى الله على محمَّدٍ وآلِهِ الطاهرين ؛ وبعد :
جناب الشَّيخ محمَّد صالح العُريبيِّ ـ وفَّقهُ اللهُ ورعاهُ ومدَّ في بقاهُ ـ
السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاتهُ ؛ وبعدُ :
قد وقفنا في ( مدونة تحقيقات ) الخاصَّة بجنابكم على تحقيقٍ لكم حول نسبة كتاب الإحياءِ المطبوع باسم الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشَّيخ إبراهيم آل عصفور ؛ وقد توصلتم في نِهايتِهِ أن كتاب الإحياءِ لحفيدِهِ ؛ إلا أنَّهُ بعد تتبعٍ وتأملٍ ثبت لدينا أنَّ الكتابَ في الواقع هوَ للشيخِ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم أحد أخوة صاحب الحدائق لا حفيدهِ ؛ ولدينا على ذلك شواهد ؛ وتعليق على بعض ما ذكرتموهُ من شواهد وقرائن وإن كان أهمه نقطتانِ نبدأ بِهما وبالله التوفيق :
النقطة الأولى : قولكم : (( ولم أعثر له على ترجمة وافية، فالتبس على الشيخ صاحب الجواهر الاسم فنسبه لجده، وسار على هذا من تبعه إلى يومنا الحاضر، ثم إني ما وجدت -بعد بحث لا بأس به- من نسب للشيخ عبد علي كتابا باسم (الإحياء) قبل صاجب الجواهر رحمه الله، ولا يمكن معرفة اسم الكتاب من مقدمته لخلوها عنه أو لمحوها بتغاير الزمان على ورقه كما لاحظت )) .
نقولُ : إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك ؛ ونحن نذكر أمثلة :
قال في المسألة الثانية من المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية ـ عند ذكر شرائط الفقيه وهل يشترط فيه معرفته لكل الأحكام أم يكفي التجزئ ـ : ((فالاعتماد على القول الثاني ؛ وهو القول بالتجزئ ـ وإن لم يكن مشهوراً كما اعتمده الشيخان الأعظمان من مشايخنا في كتابيهما الدرر النجفية وإحياء العلوم الشرعية )) .
وقال في فضل التعريف في أجوبة مسائل السيد علي بن السيد عبد اللطيف ـ المطبوع ضمن مجموعة فتاوى متفرقة : ص106 ـ في جواب المسألة الأولى ( هل يجوز الصلاة خلف من سبح في الأخيرتين أم لا … ) : (( حتى انتهت النوبة لشيخنا المعظم المحيي بإحياء علومه من دثر [ هكذا في المطبوع ، ولعلَّهَا : ” ما دثر ” أو ما اندثر ” ] من أخبار أهل البيت أ عليهم السلام ـ وأحكامهم ، والناشر من رايات أهل البيت لأرفع أعلامهم ؛ فنظر فيما قرروه في هذه المسألة فإذا هو كالسراب اللامع ؛ فأجال النظر في أخبار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ والدليل القاطع ؛ فرآه لا ينطبق على مذهبهم في الإخفات إلا في القراءة دون التسبيح …. )) ، ففي العبارة أشار إلى كتابه وإلى رأيه في التسبيح أيضاً .
وقالَ في إجازتِهِ لتلميذِهِ الشَّيخ مررزق الشُّويكي ـ وقد نقلها الدكتور الشيخ علي محمد محسن العصفور في كتابه بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر :ج1 : ص61 عند ذكر ترجمته ـ : (( وكذلكَ جميعُ ما صنَّفَهُ مشايخي من الكتب والرسائلِ المبسوطة ككتاب الحدائق لشيخنا المتقدم ذكره ، وكتاب الإحياء لعمي العلامة الشيخ عبد علي … )) .
وقال في إجازته للشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ يوسف صاحب الحدائق ـ وقد نقلها أيضاً صاحب بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر : ج1 : ص101 في ترجمة الشيخ موسى المذكور ـ : (( وشيخي ؛ بل والدي الروحاني ومن قربني وأدناني ورباني وخصني بما غذاني به من العلوم والمعاني محيي الشريعة بإحياء علومها ذي المقام العالي العلامة الأوحد الشيخ عبد علي )) .
وما قوله ( شيخنا في الإحياء ) ؛ فهي من الكثرة بحيث يضيق المقام بذكرها ؛ فمثلاً في الأنوار اللوامع ج2 : ص229 في سنن التخلي عند ذكر الاستبراء من البول ؛ فقال : (( وبالغ شيخنا في الإحياء ؛ فقصر الرجحان على حالة فقد الماء …. )) ألخ ، وقال في الرواشح أيضاً : ((إنَّ المعروفَ بينَ الأصحابِ قديماً وحديثاً رجحان هذا الاستبراء مطلقاً سواء كان الماء موجوداً أو معدوماً ؛ والظَّاهر من كثيرٍ منها [ أي الأخبار ] قصر رجحانِهِ على فقدِ الماءِ كما اختارَهُ شيخنا في الإحياءِ )) .
وقد ذكر ذلك في الإحياء المطبوع : ج1 : ص287 عند ذكر الاستبراء : (( نعم لا يبعد القول بالوجوب مع عدم الماء لعدم المعارض لأخباره الصحيحة )) .
قولكم : ((ينقل رأي والده في مسألة الترتيب في الغسل من المجلد الثاني، قال: “نعم، قال والدي قدس روحه ونور ضريحه: قد يستدل بوجوبه على الأخبار الواردة في غسل الميت …”وليس بين يدينا مؤلفات الشيخ أحمد بن إبراهيم -والد الشيخ عبد علي والشيخ يوسف- للتأكد بمراجعتها )) .
قلتُ :
أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن ؛ فقال : (( ومن هنا استظهر المحدث الصالح المقدس الشيخ عبد الله السماهيجي خروجها عن الرأس ؛ لكنه مع ذلك جعلها من المتشابهات ؛ فعين الاحتياط بغسلها مع الرأس والبدن . واعترضه والدي ـ قدس الله روحه ـ في رسالته الموضوعة في المسألة ؛ فقال ـ بعد كلام طويناه على غرة ـ : ” ومما يمكن أن يستدل به على دخول الرقبة في حكم الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفاً … )) ونقل كلام والده إلى أن وصل في نقله عنه : (( والعجب منه سلمه [ الله ” لفظ الجلالة وردت في الحدائق ] أنَّهُ جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها كما فسره جماعة من الأخباريين ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي ؛ بحيث لم يعلم وجهه ؛ ولذا عين فيها الاحتياط …. )) وساق كلام والده ثم قال : (( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ))
والذي لا يختلجه الشك ولا يمتريه الريب أن الشيخ أحمد المتوفى 1131هـ والد صاحب الحدائق هو المعاصر للشيخ السماهيجي المتوفى 1135هـ
ثانياً : هذا الذي نقله في الإحياء عن والده في مسألة غسل الرقبة في غسل الجنابة وما اعترضه على الشيخ السماهيجي نقله أخوه الشيخ يوسف في الحدائق : ج3 : ص68 في كيفية الغسل الترتيبي ؛ فقال : (( وقد وقع مثل ذلك لشيخنا المعاصر المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني ـ طيب الله مرقده ـ فاستشكل في المسألة وجعلها من المتشابهات …. )) إلى أن قال : (( وقد أجاب الوالد ـ نور الله ضريحه وطيب ريحه ـ …. )) ونقل كلامه إلى أن قال : (( والعجب منه ـ سلمه الله ـ أنه جعل المسألة من المتشابهات …. )) إلى آخره .
ثالثاً : قد أشار إلى هذه الرسالة الشيخ يوسف في لولؤة البحرين الذي فرغ منه 1182هـ فقال في ترجمة والده الشيخ أحمد ص92 : (( ورسالة في دحول الرقبة في الرأس في الغسل ، وقد كان الشيخ عبد الله بن صالح كتب رسالة في عدم دخولها )) .
قلتم ـ سلمكم الله ـ تحت عنوان فتاوى غير مشهورة ـ (( يفتي رحمه الله بحرمة التكلم على الخلاء إلا بذكر الله، قال رحمه الله في المسألة السادسة من مقدمات الوضوء: “المعروف من متأخرينا كراهة الكلام في الخلاء بغير ما استثني، وقال الصدوق في الفقيه: “ولا يجوز الكلام في الخلاء ؛ لنهي النبي عن ذلك “، وظاهره التحريم ، وهو الأقوى )) .
نقول :
أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات .
ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع عند ذكر مكروهات الخلاء : ج2 : ص247 ، 248 : (( ومنها التكلم من الخلاء بأي كلام إلا للضرورة ـ لو ما كان من الذكر ومنه حكاية الأذان ـ وأما قراءة القرآن فالأخبار فيه متعارضة ، والأحوط الاقتصار على آية الكرسي ـ وسيجيء تحديدها ـ وآية الحمد لله رب العالمين . وذهب جاعة من القدماء إلى أنه محرم إلا ما استثني واختاره شيخنا في الإحياء )) .
قولكم : (( قال في بحث كيفية التيمم: “فالاقتصار على الأصابع -كما أفتى به المحدث البحراني في شرح المختصر – غير بعيد”، وخرجه محقق الكتاب على شرح الرسالة الصلاتية للشيخ يوسف رحمه الله، مع أن الظاهر منه هو شرح المختصر النافع، وهذا أعجب من سابقه؛ إذ لم يستقر هذا اللقب للشيخ -بحسب العادة أيضا- إلا بعد وفاته رحمه الله، فكيف والشيخ عبد علي توفي قبل أخيه بسنوات في بلدة الفلاحية، بل لم نقف على تعظيم يتبع اسم الشيخ يوسف أو دعاء بمد عمر، أو وصفه بالمعاصر على أقل التقادير الممكنة كما وصف به غيره )) ،
نقولُ :
أولاً : عند الشيخ عبد علي وعند الشيخ يوسف وكذا أبيهما وأبن أخيهم إذا أطلقوا المحدث البحرانِي أرادوا به الشيخ عبد الله السماهيجي ؛ وأيضاً إذا قالوا ( المحدِّث الصالح ) ؛ وإطلاقه على الشيخ يوسف صار بعد وفاته ؛ فتوقفكم في كون المراد به الشيخ يوسف في محله ؛
ثانياً : وأيضاً قولكم أنَّه ليسَ المراد به بشرح المختصر شرح الرسالة الصَّلاتيَّةِ كما ذهب إليه المحقق الشيخ حسن ؛ مع أن الشيخ يوسف انتصر للمذهب المشهور إلة من الزند إلى أطراف الأصابع حيث قال في الحدائق : ج4 : ص 349 ـ ما يجب مسحه من اليدين في التيمم ـ : (( المقام الرابع : في مسح الكفين وهو المشهور بين الأصحاب وحدهما من الزند إلى أطراف الأصابع … )) إلى أن قال : (( ويدل على القول المشهور ـ وهو المؤيد المنصور ـ الأخبار الكثيرة المؤيدة بظاهر الآية … ))
وأما قولكم أن المراد به شرح المختصر يظهـر ذلك من الإطلاق فإنه إذا أطلق ( المختصر ) انصرف للمختصر النافع للمحقق الشيخ جعفر الحلي ، ولكن يمكن أن يكون غيره.
ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) .
قولكم : (( قال في بحث وقت التيمم: “وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان، حتى وقفت عليه قولا لبعض معاصرينا الأعيان”، وخرجه محقق الكتاب دام عزه على رياض المسائل (12/ 31)، لكن بعد المراجعة لن نجد للسيد صاحب الرياض قولا بهذا الوجه، هذا فضلا عن أن يكون السيد صاحب الرياض معاصرا للشيخ عبد علي أو في طبقته كمؤلف، نعم وجدنا لمعاصر السيد وهو الشيخ النراقي رحمه الله في مستنده قولا مشابها، قال: “هذا، مع أن المذكور في بعض أخبار المواسعة … وهو دال على القلة”، والنراقي متوفى سنة 1245، أي بعد وفاة الشيخ عبد علي (ت 1177 هـ) بـ 68 سنة، فكيف يكون صاحب هذا الكتاب هو الشيخ عبد علي رحمه الله ! )) .
نقول :
أولاً : عبارة الإحياء كاملة ـ وهي تتعلق بوقت التيم ـ : (( مع أن هذا التعارض إنما نشأ من أخذ معنى الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه متأخرو الأصحاب ، أما مع تعدده وإرادة وقت الاختيار في المضيقة والمعيدة كما هو المتبادر من إطلاقه وتعريفه ؛ ووقت الاضطرار في غير المعيدة كما يفيده تكثيره وتقليله [ ولعلهما : تنكيره وتعليله ” ] في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذ المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار ، ووجوب إعادتها لو وجد الماء فيه لا ينافي جوازها في سعة وقت الاضطرار وأوله فضلاً عن عدم وجوب إعادتها في آخره ، وحينئذ يرتفع التنافر والاضطرار عن جملة أخبار الباب . وما زال هذا الوجه يختلج بخاطري الفاتر وبالي القاصر من مدة من الزمان ؛ حتى وقفت عليه قولاً لبعض معاصرينا الأعيان ويؤيده استفاضة الأخبار بالصلاة في وقت الاختيار وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار لغير ذوي الأعذار )) .
ثانياً : قال الشيخ حسين في السوانح : (( على أن التعارض إنما نشأ من أخذ أول الوقت متحداً في جملة أخبار الباب بأن يراد به وقت الإجزاء كما فهمه أكثر الأصحاب ، أما مع احتمال تعدده واختلافه فيها بأن يراد بالوقت الذي تيمم في آخره هو وقت الفضيلة والاختيار لأنه المتبادر من إطلاق الأخبار وأما الوقت الباقي بعد الفراغ من الصلاة فوقت الإجزاء الاضطرار كما يفيده التنكير في أكثرها ؛ فلا تعارض ؛ إذن بين المنع من التيمم والصلاة في سعة وقت الاختيار وبين بقاء وقت بعد الفراغ ؛ لأنه أمر ثابت لا إشكال فيه عند ذوي الاعتبار ، وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))
ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي .
قولكم : (( وما أورده عليه صاحب الأصول الغروية من قلة فائدة هذا المعنى ومخالفته لما فهمه أولئك الأجلاء، ففيه … ))
قلنا : نقل هذه القاعدة عنه تلميذه في مقدمة الأنوار اللوامع : ج1 : ص53 ـ 55 قال : (( وقد اشتهر على لسان متأخرو الأصحاب ما أشار إليه المصنف هنا من جواز التساهل في أدلة السنن والآداب … )) وساق الكلام إلى أن قال : (( وأما ما أورده صاحب الأصول الغروية على هذا التأويل والمعنى من أنه قليل الفائدة …. )) ألخ .
والواقع أني قد حرت هنا ولكم يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية فصاحب الأصول الغروية الشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الطهراني متوفى 1250هـ كما في الأصول المطبوع ؛ وذكر الحسيني في تراجم الرجال عن تلميذه السيد عبد الوهاب الهمداني أنه الاثنين عاشر جمادى الأولى سنة 1255هـ وذكر صاحب الذريعة كما ذكرتم أن فراغه منه الجمعة تاسع عشر من ذي الحجة سنة 1232هـ ؛
والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر : (( فصل قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلة السنن والمكروهات بإثباتهما بالروايات الضعيفة الغير المنجبرة وحمل الاخبار المقيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند و عدم الجابر وخالف في ذلك بعض متأخري المتأخرين فمنع من إثبات الاستحباب والكراهة إلا بما يمكن إثبات الوجوب والتحريم به من الأخبار المعتبرة وربما يظهر من الصدوق وشيخه ابن الوليد ذلك قال الصدوق في كتاب الصوم من الفقيه وأما خبر صلاة غدير خم والثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد لا يصححه ويقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة وكلما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى ))
ثم قال : (( والمذهب المشهور هو المنصور )) فهو أشار إلى المانعين من ذلك وأيد المشهور القائلين بسريان القاعدة ؛ نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلان الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل رجحانا ظاهريا بالضرورة ولا ينافيه احتمال التشريع المحرم لأنه إن قيس الفعل بالنسبة إلى جهة الواقعية فلا إدخال إذ نسبة التشريع إلى الحكم و الفعل سواء فكما أن احتمالنا لدخول شئ في الدين عند الشك في دخوله فيه ليس تشريعا كذلك إتياننا به لذلك الاحتمال ليس تشريعا وإنما التشريع هو الحكم بالدخول أو الاتيان به على أنه داخل وإن كان بالقياس إلى الظاهر فقد عرفت أن العقل قاطع برجحانه الظاهري حينئذ فالادخال بهذا الاعتبار متحقق لكن بعد ثبوت كونه من الدين بدلالة العقل فلا يكون تشريعا أيضا وأما الثاني فلما سيأتي في محله من قوله عليه السلام احتط لدينك وغيره وكما يصدق الاحتياط على المحافظة على فعل الواجب وترك المحرم كذلك يصدق على المحافظة على فعل المندوب وترك المكروه ولو سلم عدم الشمول أمكن تمام القول بعدم الفارق مضافا إلى شمول سائر الأدلة له الثاني وهو المعروف الاخبار منها الصحيح المروي في المحاسن وثواب الأعمال عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله أنه قال من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله … ))
فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم .
شواهد أخرى ـ للتمثيل لا الحصر ـ زيادة على تقطع بكون المؤلف الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم لا حفيده ؛ قد قمنا بتتبع مصنفات الشيخ حسين ـ سيما الفرحة ـ ؛ فوجدنا تطابق ما ينقله الشيخ عن شيخه في الإحياء مع الإحياء المطبوع
1ـ قال في الفرحة : ج1 : ص13 : (( وَأمَّا ما قالَهُ شيخُـنَا في ( الإحياءِ ) ـ هرباً عَمَّـا يـردُ عليهَـا فِي تعـاريفِهم ـ بأنَّهَا : ( استعمالُ الماءِ أو بدلِهِ عَلى الوجهِ المأمورِ بهِ [ في نسخة زاد ” متقرباً إلى اللهِ تعالى ” ) وجعلَ قولَهُ : (( على [ الـ]ـوجهِ المأمورِ بهِ ‏)) ؛ مُغنِياً عن تلكَ القيودِ الَّتِي ذكرُوهَا في الرَّدِّ )).
وفي الإحياء المطبوع : ج1 : ص191 : (( وشرعاً : استعمال الماء أو بدله على الوجه المأمور به )) .
2ـ قال في الفرحة : ج1 : ص14 ففيه : (( وإن كان قد وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها بمعنى أن وجوبها …. )) إلى قوله : (( فيكون غيرياً بمتابعتها لغيرها ))
وقد ورد هذا في الإحياء المطبوع ص193 : (( وإنما وقع الاضطراب بين الأصحاب في أنها هل تجب لذاتها … )) إلى قوله : ((( ووافقوا المشهور في غيره )) .
3ـ قال في الفرحة : ج1 : ص59 ، 60 : ((والعَجَب من شيخنا في الأحياءِ حيثُ قالَ ـ بعدَ نقلِهِ لهذهِ الأخبارِ للاحتجاجِ على جوازِ النَّكسِ في مسحِ الرَّأسِ والرِّجلَينِ ـ : (( [ و] لا بأسَ بما قالوهُ في مسحِ الرَّأسِ ؛ لإطلاقِ الآيةِ والأخبارِ البيانيَّةِ ، أمَّا في الرِّجلَينِ فمشكلٌ ؛ لصراحةِ صحيحِ البزنطيِّ في الابتداءِ بالأصابعِ ؛ لقولِهِ فيهِ ـ نقلاً عن الرِّضا ( عليهِ السَّلامُ ‏) في بيانِ كيفيَّةِ المسحِ : ” فوضعَ كفَّهُ على الأصابعِ فمسحَهَا إلى الكعبَينِ ” وهذِهِ الأخبارُ غيرُ صريحةٍ في المُدَّعى ؛ بل ولا ظاهرة لجوازِ كونِ المراد المسح مُقبلاً ومدبراً [ معاً ] ؛ بل هذا هوَ الظَّاهرٌ منها بدلالةِ الواوِ المفيدةِ للجمعِ وزيادة خبرِ يونسَ ؛ وإن كانَ صريحاً في المُدَّعى لكن لضعفهِ بالإرسالِ واحتمالِ كونِهَا من كلامِ يونسَ نقلَهَا عنهُ الرَّاوي أو الكلينيُّ ن قري يقول بالياء او من كلام الكليني نفسه إن قُرئَ [ ” يقولُ ” بالياءِ أو من كلامِ الكلينيِّ نفسِهِ إن قُرِئَ ] بالنُّونِ ؛ ولذلكَ نقلَ الشَّيخُ الخبرَ بدونِهَا ؛ بل نقلَهُ الحميريُّ أيضاً في قربِ الإسنادِ بدونِهَا ؛ فلا تصلح لمعارضةِ صحيحِ البزنطيِّ ))
وهذه العبارة بعينها وردت في الإحياء المطبوع : ج2: ص410 : (( ولا بأس بما قالوه … )) إلى قوله : (( لا تصلح لمعارضة صحيح البزنطي ))
4ـ قال في الرواشح : (( ومن مكروهاتِ الخلاءِ أيضاً في الجلوسِ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا من أيِّ جهةٍ كانت إذا لَم يكن ثمة حائلٍ ، وهذا الحكم مشهورٌ بينَ الأصحابِ ، وذهبَ المفيدُ إلى التَّحريمِ ؛ واختارهُ بعضُ مشايخِنَا في الإحياءِ )) وقال في السوانح : ((كذلكَ استقبالُ الرِّيحِ واستدبارِهَا وفاقاً لشيخنا في الإحياءِ وظاهرُ المفيدِ وجماعةٍ من القدماء ))
وقد ذكر في الإحياء المطبوع جملة أخبارمنها : ج1 : ص276 مرفوعة ابن يحيى عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ ( لا تستقبل الريح ولا استدبرها ) وكذا مرفوعة عبد الحميد عن أبي الحسن ثم ذكر أخبار أخرى ثم قال : (( المفهوم من متأخري الأصحاب حمل هذه الأخبار على الكراهة ؛ وهو مشكل لعدم المعارض ؛ فالاحتياط في التحريم كما هو ظاهر المفيد )) .
وفي هذه الأمثلة كفاية .
وأخيراً جاء في الهامش الذي أعددتموه في أنوار البدرين ص204: أن تاريخ وفاته 1122، وفي تاريخ البحرين : “قال ابنه العلاّمة الشيخ خلف: إن أبي طاب ثراه هجّر من هجر سنة التسعين والمائة بعد الألف، ونزل في الفلاحية، وتصدر للإفتاء في تلك الناحية، ومات في السنة العاشرة بعد المائتين والألف”، وزاد الشيح حسن في هامش الكتاب المطبوع (الاحياء) ص11: “وقيل في عام وفاته أقوال شاذة، وهي: 1210، 1190، والصحيح ما أثبتناه كما لا يخفى” وقصد سنة 1177 هـ، )) .
قلتُ : الشيخ عبد علي قطعاً توفي قبل سنة 1182هـ وهي سنة فراغ أخوه الشيخ يوسف ؛ من لؤلؤة البحرين وقد عبر عنه في بدايتهم عند ذكر ابني أخويه : (( وخلف بن أخي المقدس المبرور الشيخ عبد علي )) .
ونعتذر إن حصلت أخطاء لغوية أو إملائية ؛ لأننا حررناه في عجالة
وقد وقع الفراغ منه في يوم وليلة ( 22 / 8 / 1433هـ ) ؛ ونسأله أن تكون في العمل المقبول ؛ وصلى الله على محمد وآله عند طلول الشمس وعند الأفلول ، والحمد لله غاية كل مأمول .

فأجبناه ونحن له شاكرون:

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أخي -زاد الله في جده ونفعنا الله بتنبيهاته الرائقة-

قرأت ما جاد به يراعكم وتفضلتم به من لطيف عبائركم، وأقول وعليه وحده أتكل:

قولكم: ( إن قولكم : (( إنِّي ما جدتُ ـ بعد بحث لا بأسَ بهِ ـ من نسب للشيخ علي كتاباً باسم الإحياءِ قبل صاحب الجواهر )) أمر عجيبٌ ؛ فمصنفات ابن أخيه الشيخ حسين مملوءة بالإشارة إلى ذلك)

وهذا صحيح، وقد نبهنا أكثر من فاضل عليه، وما هذا إلا لقلة مطالعتي للمصادر حينها، وغفلتي عن كتب الشيخ حسين وتلميذه الشويكي، كيف وكتاب السداد بين أيدينا كنا نقرؤه وفيه رأي الشيخ عبد علي (صاحب الإحياء) في كتاب فقه الرضا، فكان سهوا وخطأ واضحا، وجزاكم وجزاهم الله خيرا على التصحيح.

لكن يبقى أن الكتاب قد خلى أوله من التصريح بمسماه، كما أن اسمه يتفاوت كثيرا عند الناقلين، وأتم اسم -كما نقلتم- هو ما ذكره الشيخ حسين رحمه الله في المحاسن: (إحياء العلوم الشرعية).

قلتم أيدكم الله:

(أوَّلاً : نقل عن والده أيضاً في ص95 من نفس الجزء اعتراضه على الشيخ السماهيجي في استظهاره خروج الرقبة عن الرأس وجعلها في حكم المتشابهات ويحتاطه بغسلها مع الرأس والبدن)

أقول: قال الشيخ يوسف في حدائقه نقلا عن رسالة أبيه:

(ومما يمكن أن يستدل به من الأخبار على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفا حيث قال ( عليه السلام ) : ” . . . ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين وعلى منكبه الأيسر مرتين . . . ” فإن الخبر – كما ترى – ظاهر الدلالة بل صريح في دخول الرقبة في غسل الرأس ، إذ لا تدخل في المنكبين قطعا ، ولا تبقى متروكة بلا غسل قطعا ، ولا تغسل عضوا واحدا بانفرادها قطعا ، فتحتم دخولها في غسل الرأس وهو المطلوب ، سواء كان اسم الرأس شاملا لها حقيقة أم مجازا ، فلا يلتفت إذن إلى ما ذكره المعاصر ( سلمه الله ) واستظهره من خروج الرقبة عن الرأس كما عرفته [في الاحياء المطبوع والمخطوط: من خروج الرقبة عن الرأس وحكم غسل الرأس]، [واستناده – فيما استظهره إلى أنه المعروف في كتب اللغة والشرع – وهم ظاهر  … فلا مندوحة عن التزام دخوله في الرأس البتة كالتزام دخول الرقبة فيه في حسنة زرارة بل في سائر الأخبار . هذا (ليس في الاحياء]] والعجب منه ( سلمه الله ) أنه جعل المسألة من المتشابهات ، والظاهر أنه عنى بها – كما فسره جماعة من الأخباريين – ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي بحيث لم يعلم وجهه ولذا عين فيها الاحتياط ، والحال أنه استظهر خروج الرقبة عن حكم غسل الرأس كما هو صريح عبارته ، فإن كان هذا الاستظهار علم مأخذه من الأخبار [وظهر لديه صحته من الآثار (ليس في الإحياء)] ، فالواجب عليه العمل بمقتضاه وعدم الالتفات إلى ما سواه ، فمن أين يجب إذ ذاك الاحتياط ؟ ومن أين تكون المسألة من المتشابهات [التي حصل فيها الاشتباه ؟ إذ مع الاستظهار للخروج لا اشتباه في الحكم الشرعي عنده ، نعم الاحتياط أمر راجح للخروج عن عهدة التكليف على اليقين لكنه ليس بواجب على التعيين إلا مع عدم ظهور الحكم الشرعي واشتباهه ، وإن كان منشأ هذا(ليس في الإحياء)] [وإن كان منشأنه (من الإحياء] الاستظهار مجرد التخمين [والاعتبار من غير دليل واضح من الأخبار (ليس في الإحياء)]]، فهو خلاف ما يتفوه به ( سلمه الله ) من عدم تعدي الآثار [والوقوف على مقتضى ما ورد عن الأئمة الأطهار (ليس في الإحياء)].

 وبالجملة فالمسألة ليست [فليست المسألة (الإحياء)] من الشبهات [المتشابهات (الإحياء)] [كما ادعاه ( سلمه الله ) (ليس في الإحياء)]، أما عندنا فلحكمنا بل جزمنا بدخول الرقبة في حكم غسل الرأس كما حققناه [فيما سلف (ليس في الإحياء)]، وأما عنده فلتصريحه باستظهار خروجها عن غسل الرأس، والشبهة لا تجامع ظهور أحد الطرفين كما هو ظاهر ” انتهى كلام الوالد عطر الله مرقده [انتهى كلامه على في أعلى عليين مقامه (الإحياء)]

ثم قال الشيخ في حدائقه:

(وقد أخبرني بعض الثقات أنه بعد وقوف المحدث الصالح على كلام الوالد ( قدس سرهما ) رجع عما هو عليه إلى موافقة الأصحاب)

وقال في الإحياء المطبوع:

( وقد نقل أنه بعد أن وقف المحدث على كلام الوالد ـ رحمه الله ـ رجع عما هو عليه ووافق الوالد ).

ولتصحيح ما وقع من تصحيف في المطبوع نعززه بصورة المخطوط من الكتاب:

clip_image002

clip_image004

وقد أصبت -سلمك الله- في ما ذكرت، فصريح عبارته أن الرسالة لوالده، وليس غير الشيخ أحمد رحمه الله، مع تطابق العبائر والكلمات فيها، ولكن يختلج الشك أيضا في تفاوت بعض الكلمات -ولعله للاختصار- وكذا اتحاد ما ذكره صاحب الحدائق -من رجوع الشيخ السماهيجي عن رأية- مع ما ذكره مصنف الكتاب، وكأنه كان ينظر لكتاب الحدائق -لا العكس على ما أظن- وينقل عنه، وهو أمر يعرف بلحن الكلام !. ولست أهتدي لوجه صحيح هنا.

قولكم: ( أولاً : لا غرابة في إفتائه بغير المشهور ؛ فالمدار عنده في الحكم ما دلت عليه الروايات وإن خالف المشهور , وخير دليل على ذلك ذهابه إلى وجوب الجهر بالتسبيح على الإمام في الأخيرتين مع ذهاب المشهور إلى وجوب الإخفات.

  ثانياً : هذا الحكم أكده ابن أخيه الشيخ حسين في الأنوار اللوامع) .

أقول: هذا لا يخرجه عن الشذوذ في قبال المذهب المشهور، وقد صرح نفسه به، ذكرناه تنبيها على المسلك لا غير، إذ كثيرا ما تكون قرينة على شخص المؤلف.

قولكم: (ثالثاً : ما يؤيد أن المراد بالمحدث البحرانِي الشيخ السماهيجي في عبارة الإحياء وأنَّهُ المفتي بالاقتصار على الأصابع ( أي من رؤوسها إلى أطرافها ) ما قاله العلامة الشيخُ حسين في السوانح النظرية في شرح البداية الحرية : ج2 : ص96 : (( وأما الثاني فما ذكره الحلي في السرائر حاكياً له عن بعض العلماء الذي لا يعرف بعينه ؛ فهو مجهول القائل وهو وجوب مسح بعض الكفين ؛ وهو من موضع القطع عندنا في يد السارق وهي أصول الأصابع لا من الزند كما هو الشائع ، وقد رجح هذا القول المحقق الصالح في شرح المختصر الموسوم بـ ( المختصر المقتصر ) ، واستوجهه شيخنا المحدث في الإحياء … )) ).

هذا ايضا شاهد على أن الكتاب هو الإحياء للشيخ عبد علي.

قولكم:

(قال الشيخ حسين في السوانح : ((  وقد اعتمد هذا الوجه شيخنا في الإحياء وسبقه إليه بعض علماء تلك الأعصار ويؤيده استفاضة الأخبار بالأمر بالصلاة في وقت الاختيار ولو في آخره ؛ وعدم جواز تأخيرها إلى وقت الاضطرار … ))

    ولا يخفى انطباق ما قاله شيخ السوانح مع مقالة الإحياء المطبوع ؛ وهو تبعاً لعمه لم يصرح بذلك البعض من الأعيان ؛ ولا يهمنا ذلك البعض بعد هذا الشاهد على كون هذا الكلام للشيخ عبد علي).

أقول: يبقى هنا احتمال -ضعيف- وهو نقل صاحب هذا الكتاب المطبوع نفس ألفاظ الشيخ عبد علي، وهو كثير الوقوع عند علمائنا إذا ارتضوا القول، نقلوه بعينه أو بزيادة قليلة فيه، ومنهم الشيخ حسين في محاسنه والشيخ يوسف في حدائقه والشيخ الماحوزي في مناسكه والشهيدان وغيرهم في غيرها، إذ مجرد المطابقة لا تورث العلم بالاتحاد، فهذا الشيخ يوسف في حدائقه كثير الاقتباس عن كتاب كفاية الأحكام، وهذه كتب المعاصرين أيضا يستعيرون ألفاظ وعبارات سابقيهم بدون تحرج، وعلى هذا جرى المصنفون.

قولكم:

( والواقع أني قد حرت هنا ولكن يبدو أن صاحب الأصول الغروية غير الفصول الغروية …

    والغريب العجيب أنه تطرق إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وذكر … نعم ما ورد في جوابه غير ما ذكر في الإحياء والأنوار اللوامع حيث قال : (( ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أما الأول فلأن الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل… ))

    فلم يبق لدينا إلا القول بالتغاير والله العالم ).

أقول: تقدم الشاهد على اختلاف نقل الشيخ يوسف لرسالة أبيه عما نقل في هذا الكتاب، وحملناه على الاختصار، وهو المحمل هنا أيضا، والتغاير محتمل أيضا.

ولذا قلت: (وأما خطأه في تسمية كتاب الفصول فهو مثيل غلطه الآخر عند حديثه في الطهارة الحدثية وقوله: “قال الفاضل البحراني في حياض دلائله: لولا الإجماع منا على تحريم العزائم ..” ، والمقصود هو الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف الخطي المقابي البحراني المتوفي سنة 1102 هـ مع أخويه في العراق بوباء الطاعون، صاحب كتاب: “رياض الدلائل وحياض المسائل”.

وهذا الأمر هو الذي دعاني للتوقف ملياً ثم التشكيك في نسبة الكتاب المطبوع للشيخ عبد علي رحمه الله، فليس المطبوع إحياء الشيخ عبد علي، ولا الكتاب من تصانيفه رحمه الله).

وأحتمل الآن أن الشيخ عبد علي رحمه الله قصد كتاب الفوائد الغروية للشريف ابي الحسن بن محمد طاهر الأصفهاني الغروي العاملي جد صاحب الجواهر، وصاحب المقدمة المطبوعة مع تفسير البرهان، قال السيد إعجاز رحمه الله: (الفوائد الغروية للفاضل الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي المجاور بالنجف الأشرف حيا وميتا لا يوجد منه الا ما يتعلق بأصول الفقه قال في أوله بعد الحمد والصلاة المقصد الثاني من الفوائد الغروية فيما يتعلق بأصول الفقه … وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الاخبار تشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة تشهد بعلو شانه في المعقول والمنقول وطول يده في الفروع والأصول وفراغه كان في السنة الثانية عشر بعد المائة والألف).

وفي الذريعة 16: 353 :

(( 1639 : الفوائد الغروية والدرر النجفية ) للمولى الشريف العدل ، أبى الحسن بن المولى محمد طاهر بن عبد الحميد بن موسى بن علي بن محمد بن معتوق بن عبد الحميد العاملي ، المتوفى 1138 كما بخط بعض أحفاده ، وهو أبو الحسن الشريف النباطي الفتوني ، ابن عمة الأمير محمد حسين الخواتون آبادي ، وجد صاحب ( الجواهر ) من طرف الام . مرتب على مقصدين أحدهما في أصول الدين ، في مجلد ، والاخر في أصول الفقه ، في مجلد آخر ، وكل مقصد على اثنى عشر فائدة ، أول المقصد الثاني الموجود نسخته بخط المصنف عند صاحب ( الروضات ) كما ذكره ، بعد الحمد والصلاة : المقصد الثاني من ( الفوائد الغروية ) فيما يتعلق بأصول الفقه . . وتاريخ فراغه سنة الثامنة بعد المائة والألف ، انتهى . وأول المقصد الأول الموجود أيضا بخط المؤلف [ رب اشرح لي صدري – الآية الحمد لله الذي تاهت في بيداء معرفة ذاته علوم العلماء وحارت في فيفاء ادراك كنه صفاته عقول العقلاء إلى قوله طلب منى بعض أهل العلم ان اكتب مختصرا في الأصولين مقتصرا على ما ورد من الأئمة المصطفين . . ] ورتبه على مقدمة فيما يجب على المكلف تحصيله من العلوم والمعارف ، ثم فيها فصول ، ذكر في ثاني الفصول مشايخه ، المولى محمد باقر المجلسي ، وخاله المير محمد صالح ، ثم جمع من المجيزين له ، الشيخ قاسم بن محمد الكاظمي ، الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني ، الشيخ صفي الدين الطريحي ، ثم المقصدين المرتب كل منهما على اثنى عشر فائدة . وفرغ منه في النجف في 1104 وهو موجود في النجف في خزانة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كشف الغطاء واستنسخه السيد جعفر بن باقر بن علي آل بحر العلوم بخطه ، عن نسخة الأصل بخط مؤلفه ، الموجودة في بيت آل الجواهر في النجف ، ورأيته عنه ( السماوي ) . ويظهر من ( اللؤلؤة ) غاية الثناء والمدح لمجلده الثاني الذي كان عنده ، قال : وتاريخ فراغه منه في 1112 ولعل اختلاف التاريخ لأجل فهم العبارة حيث إن لفظه [ ان الفراغ وقع في الثلث الثاني من اليوم الثاني من النصف الثاني من الثلث الثاني من الشهر الثاني من الثلث الثاني من السنة الثانية من بعد السنة الثانية من العشر الثاني من الألف الثاني ] والظاهر أنه ينطبق على سابع عشر جمادى الثانية من 1104 وفرغ من المقصد الأول في 1102 ليس فيها [ من بعد السنة الثانية ] وفى هامش الجزء الثاني من فهرس مكتبة مدرسة سپهسالار ، فسر العبارة بسنة 1131 قال : ومنه يظهر حياة المؤلف إلى هذا التاريخ . أقول : فراغه من أحد المقصدين في 1103 ومن الاخر في 1131 بعيد في الغاية ، ولا سيما مع تأليفه في حياة المولى محمد باقر المجلسي ، فإنه عند ذكر مشايخه في الفصل الثاني من المقدمة دعى له بالبقاء ، فيكون تأليف المقصد الأول في حياته جزما . ( 1640 : الفوائد الفخرية ) للشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي م 1085 هي فوائد مختلفة كتبها بمكة ، والنسخة بخط يده في خزانة بيت الطريحي في النجف . ومر للمؤلف في هذا الجزء ( غريب أحاديث الخاصة ) . انتهى.

وهو الذي رد عليه الشيخ يوسف في رسالته المعروفة في دفع القول بالتنزيل في الرضاع، وقال فيه في اللؤلؤة:

( الشيخ الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي

المجاور بالنجف الأشرف حيّاً وميتاً – قدس الله روحه ونوّر ضريحه – عن الملاّ محمد باقر المجلسي – رحمه الله تعالى – والشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي – رحمه الله تعالى – وغيرهما.

وكان الملاّ أبو الحسن المذكور محققاً مدققاً ثقة صالحاً عدلاً، اجتمع به الوالد – رحمه الله تعالى – لما تشرف بزيارة النجف الأشرف في السنة الخامسة عشرة بعد المائة والألف وكان بصحبته والده وولده وجمع من الرفقاء، وفي هذه السنة مات والده وقبر في جوار الكاظمين عليهما السلام، وقد وقع بين الوالد وبين المولى أبي الحسن المذكور بحث في مسائل جرت في البين.

له كتاب الفوائد الغروية، ولم أقف منه إلا على ما يتعلّق بأصول الفقه ، قال في أوله – بعد الحمد والصلاة – : «المقصد الثاني من الفوائد الغروية يتعلّق بأصول الفقه» وهو كتاب حسن جرى فيه على الأصول والقوانين المستفادة من الأخبار، يشتمل على أبحاث رائقة وتحقيقات فائقة، تشهد بعلوّ شأنه في المعقول والمنقول، وطول يده في الفروع والأصول، وهذا الكتاب عندي، وتاريخ فراغه من المجلد الذي في الأصول كما ذكره في آخره كان في السنة الثانية عشرة بعد المائة والألف، وله رسالة في الرضاع اختار فيها القول بالتنزيل، وقد تقدمه في ذلك القول المحقق الداماد، ولنا رسالة في الرد عليه ستأتي الاشارة اليها إن شاء الله تعالى عند تعداد مصنّفاتنا، وله شرح على الكفاية ابتدأ فيه من كتاب المتاجر اعتماداً على ما كتبه المصنّف في الذخيرة ممّا يتعلّق بالعبادات، رأيت منه قطعة من أول كتاب المتاجر، والظاهر أنه لم يخرج من التصنيف سواها، وشرح على المفاتيح سمّاه كتاب شريعة الشيعة ودلائل الشريعة، رأيت منه قطعة من أوله تشتمل على شرح الباب الأول، قال في آخره: هذا ما أردنا ايراده في الجزء الأول من كتاب شريعة الشيعة شرح الباب الأول من كتاب مفاتيح الشرائع، ويتلوه شرح الباب الثاني في مقدمات الصلاة إن شاء الله تعالى، وفرغت من تسويده في أول سنة تسع وعشرين بعد المائة والألف (انتهى) وهو يشهد بفضله وتحقيقه ودورانه مدار الأخبار، المأمونة العثار، في جليله ودقيقه، ولا أعلم هل برز منه غير هذا أم لا).

وهو مخطوط، يوجد منه لدي من مكتبة البروجردي صورة نسخة مقتصرة على القسم الأول منه في أصول الاعتقاد رقمها 520، ونسخة أخرى في مجلس الشورى الإيراني كاملة رقمها 477ط، وعليها حواش ختمت بعبارة (منه دام فضله) فهي من نسخ حياته المباركة، ويحتمل كونها مقروءة عليه.

ذكر هذا المبحث في ص218-220 من نسخة مكتبة الشورى.

clip_image006

clip_image008

clip_image009

وبهذا قطعت شكي بيقين أن المقصود بصاحب الأصول الغروية هو السيد الشريف الفتوني العاملي رحمه الله، وأن صاحب الفصول الغروية قد أخذ منه القول.

وصرت مائلا إلى القول بصحة نسبة الكتاب للشيخ عبد علي بن الشيخ بعد الشك فيه، فأدر الرأي ليعتدل المقال .

وفقنا الله وإياكم للصواب، وعصمنا من الزلل في الخطاب، بحق محمد وآله عليهم أفضل السلام والصلاة.

والحمد لله رب العالمين

محمد العريبي

قم المشرفة

24 شعبان 1433

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

بسمه الله الرحمن الرحيم

وصلاة الحكيم على المبعوث الأمين محمد وآله الغر الميامين، وله الحمد في العالمين.

فهذه مقالة مبسوطة في أخبار التخيير في الصلاة بين القصر والإتمام في المواضع الأربعة المشرفة، مكة والمدينة والكوفة والحائر، عرضنا فيها أخبار المسألة، وأشبعناها استنطاقا، وطعمناها بنكات رجالية وسندية لا يسع المقام تركها؛ إذ لا تذكر إلا نادرا في الأبحاث المتداولة، وقد اتفق حضورنا بحث السيد الزنجاني حفظه الله هذا العام وطرحه لهذه المسألة تفصيلا، مع إلماح الفاضل الشيخ علي الصددي وفقه الله لفتوى السيد بوجوب القصر موافقا للصدوق من المتقدمين وللسيد الشهيد الصدر من المعاصرين ومخالفا لما عليه المشهور، وباجتماع تلك الدواعي صارت النفس تواقة لتحرير المسألة وتحقيقها بأسلوب المحدثين، وهي بمعرض المشتغلين وبين أيدي الناظرين، ونسأله تعالى إخلاص النية لوجهه الكريم بدءا وختاما.

فنقول وعليه جل اسمه نتكل:

الأخبار في المسألة كثيرة جدا، استقصى أكثرها صاحب الحدائق رحمه الله في حدائقه، ولا يمكن الإقتصار على بعضها مما صح سنده وإهمال الأخريات مما ضعف سندا أو أجمل دلالة، وظني أن جملة مما أهمله القائلون بحجية خبر الواحد لم ينله ما هو حقيق من التحقيق، وجملة أخرى مما أهمل من الدلالات لم تستظهر بما هو أظهر، بل كلها تحمل قرائن هامة، وفي أغلبها إشارات وتصريحات بما يشرح معنى في غيرها، وسيمر عليك أمثلتها.

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

أخبار التخيير بين القصر والتمام في المواضع الأربعة المشرفة

للتحميل:

تتمة: رحلة البحث عن تفسير القمي المفقود

[تتمة: رحلة البحث عن تفسير القمي المفقود]([1])

وقد جال في الفكر منذ زمن أن أبحث عن تفسير القمي المفقود، وكم عقدت العزم عليه ثم آيسني ضعف الأمل وضيق الحال وكثرة الاشتغال، لكن الميسور لا يسقط بالمعسور، فأقول وعليه التكلان في كل الأمور:

1- ذكر السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله ضمن فهرسته لمخطوطات مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام في النجف نسخا عدة لتفسير القمي -ونحن نحتمل قويا وجود نسخ التفسير غير المختصرة في بلاد الرافدين أو القطيف أو الإحساء أو بلادنا البحرين ، بل حتى بلاد الهند وفيما بقي من كتب الفاطميين بمصر- فقال:

>نسخة بخطّ نسخ جيّد، فرغ منها الكاتب 23 محرّم سنة 1088، والعناوين مكتوبة بالهامش بالشنجرف، وكذلك رؤوس السور وأسماؤها مكتوبة بالشنجرف، وعليها تصحيحات، والآيات معلّمة بالشنجرف، وفي خطبتها نقص واختلاف مع سائر النسخ.

أوّله: >تفسير الكتاب المجيد، المنزل من عند العزيز الحميد، على محمّـد النبيّ الرشـيد، الفعّال لِما يريد، وهو تفسير مولانا أبي عبـدالله جعفر بن محمّـد الصادق صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه السلام وتسليماً، بنسخة<.

فمن قوله: >بنسخة» يتّفق مع سائر النسخ، إلاّ أنّ في النسخ قبل هذه الكلمة خطبة طويلة، 323 ورقة، رقم 2037<.

وهي النسخة التي أشرنا إليها وعرضناها على أنها نسخة مغلوطة من نسخ صاحب البرهان أعلى الله مقامه ونقل عنها في تفسيره.

2- جاء في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط – فهارس آل البيت قسم علوم القرآن – التفسير وعلومه – المجلد الثاني: 18، ما صورته:

clip_image002

 

ومحل الشاهد فيه رقم (10- أ-3)، وهي نسخة بعنوان (تفسير القرآن) منسوبة للصادق عليه السلام -كما مر نسبة بعض نسخ التفسير كنسخة السيد العلامة صاحب البرهان للصادق عليه السلام- موجودة بمكتبة محمد أحمد المحامي الموجودة بالبصرة، تاريخ نسخها 1091هـ ، برواية علي بن إبراهيم القمي.

ولم أتمكن من مراجعتها، وأظن أنها من النسخ المتداولة.

ونسخة أخرى رقم (10-أ-5) بنفس العنوان والنسبة في مكتبة خدابخش رقم 1460، لم يعلم تاريخ نسخها، ورد أنه جمع محمد بن إبراهيم بن جعفر النعمانين وهي جديرة بالمتابعة.

وقد راجعت فهارس مكتبة خدابخش -أو خودابخش كما كتب عليها- فوجدت المذكور واقعا في المجلد 36، وصورة صفحته وما بعهدها كالتالي:

clip_image004

clip_image006

clip_image008

clip_image010

clip_image012

انتهى النقل.

والعنوان الأول مشترك مع نسخة في مكتبة آزاد عليكر في الهند، تحت هذه البيانات:

242

Tafsir-e Emam Jafar-e Sadeq (A).

تفسير امام‌ جعفر صادق‌ (ع‌)

MC No.:- 91/3Subject:- Commentary

Liby. S.No.:- Subhanallah Arabic 297.112/28

Author:- Attributed to Emam Jafar-e Sadeq

Script:- Naskh Lines:- 17 Folios:- 139Language:- Arabic

Beginning:

الحمد لله الذي‌ خضعت‌ له‌ افئدة‌ الجبارين‌ لجبروت‌ عزة‌ و فرحت‌ القلوب‌ اولي‌…

Remarks:- Remaining part with m.c. no. 92/1 from verse Baqara’ to verse Nas.This commentary is based on the sayings of those commentators,who were living during the Prophets time (peace be upon him) andpeculiarities of the Quranic verses, causes of revelation andlexicography of the Holy Quranic verses with commentary waswritten."

وميكروفيلم المخطوط موجود لدى (مركز ميكيروفيلم نور)، وفي نسخة الفهرس المترجمة للفارسية:

>

رقم الميكروفيلم: 91/3موضوع: تفسير

رقم المكتبة: Subhanallah Arabic 297.112/28

عنوان: تفسير امام جعفر صادق (ع)

مؤلف: منسوب به امام جعفر صادق(ع)

نوع خط: نسخ عدد الأوراق: 139سطر: 17لغة: عربى

بداية: الحمد لله الّذى خضعت له افئدة الجبارين لجبروت عزة و فرحت القلوب اولى…

ملاحظات: ادامه نسخه در ميكروفيلم شماره .92/1از سوره »بقره« تا سوره »الناس«. در اين تفسير

به اقوال مفسرين كه در عهد پيامبر (ص) مى زيستند استناد شده و نيز خواص سوره ها، سبب نزول و

لغات سور قرآنى شرح گرديده است< انتهى.

وكشف أوله عنه؛ فإنه التفسير المنسوب للصادق عليه السلام، والمنشور أخيرا بنسخته الخطية مصورا في (سلسلة المختارات من نصوص التفسير المستنبط – القسم الثالث)، مصورا عن النسخى رقم 65 بمكتبة نافذ باشا باستابنول ومعه ملحق كتبه لويي ماسينيون.

وصورة أوله:

clip_image014

 

ولا شك أنه من تصانيف صوفية أهل السنة؛ فما نقله من أول التفسير بقوله:

>قال أحمد بن محمد بن محمد بن حارث قال حدثنا أبو طاهر بن مأمون قال حدثني أبو محمد الحسن بن محمد بن حمزة قال حدثني أبي محمد بن حمزة قال حدثني عمي أبو محمد الحسن بن عبد الله عن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم قال الباء بقاؤه والسين أسماؤه إلخ<.

قد رواه بسند آخر السلمي في تفسيره :> سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا القاسم الإسكندراني يقول : سمعت أبا جعفر الملطي يذكر عن علي بن القاسم موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليه السلام قال : ‘ بسم ‘ الباء بقاؤه والسين أسماؤه والميم ملكه، فإيمان المؤمن ذكره ببقائه وخدمة المريد ذكره بأسمائه، والعارف عن المملكة بالمالك لها <([2]).

وفي تعريف الكتاب ذكر أنه نقل فيه عن الصادق عليه السلام وأحيانا عن الباقر عليه السلام وابن عباس، وفي الكل ترضى عليهم ولم يسلم، إلا ما تقدم في أوله من السلام على الأئمة عليهم السلام، وقد يكون من النساخ.

وأما الخطأ في نسبة التفسير للشيخ النعماني، فقد استند لما ذكره السيد إعجاز حسين رحمه الله في كشف الحجب، قال: > 628 – تفسير القرآن الذي رواه الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه مشتمل على أنواع آيات القرآن وشرح ألفاظه برواية محمد بن إبراهيم النعماني وقد اقحمه مولانا المجلسي في البحار في كتاب القرآن <([3])، ومن الواضح أنه يقصد رسالة المحكم والمتشابه نفسها لا المخطوطة الموصوفة.

 

وفي فهرست أسماء المخطوطات الإسلامية بمكتبة تشستر بيتي بدبلن نسخة من تفسير القرآن منسوبة لصادق عليه السلام رقمها: 5253.

وفي الذريعة 4: 269 : > ( 1251 : تفسير الإمام جعفر بن محمد الصادق ) هكذا وصف في المطبوع من فهرس مكتبة على پاشا بإسلامبول وعد من الكتب الموجودة في المكتبة، ولم نجد لهذا التفسير ذكرا في كتب أصحابنا، والذي يقرب إلى الظن أنه تفسير لبعض الأصحاب مروى عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام فسبيل هذا التفسير سبيل " بحار العلوم " المنسوب إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام كما مر في ( ج 3 ص 27 ) <.

وقد استوعب الكلام حول هذا التفسير الدكتور حسن أنصاري في مقالة مفصلة حول نسخ التفسير التي جمعها واختلافها والاحتمالات فيها، وخلص إلى أن التفسير ليس بتفسير النعماني لاختلاف المسلك، وأنه أقرب للصوفية، وأن زيادات حصلت عليه مع احتمال كون أصله للامامية([4])، وهو أمر لا نشك نحن فيه، وما وقع الوهم إلا من قبل الفهارس والمفهرسين.

 

محمد علي العريبي

المعاميري البحراني

1432 هـ / قم المشرفة



([1]) مقتبس من كتابنا (تحقيق هام حول النسخ المتداولة لتفسير علي بن إبراهيم القمي ونسخ مختصراته) بعد الزيادة عليه وترتيبه الأخير.

([2]) تفسير السلمي 1: 26.

([3]) كشف الحجب: 130.

([4]) أنظر:  http://ansari.kateban.com/entry1250.html

 

تحقيق حول مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة

بسم الله الرحمن الرحيم

تحقيق حول

مسألة: الإحرام بمحاذاة مسجد الشجرة لمن أخذ على طريق غير أهل المدينة([1])

روى الكليني عن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"مَنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ شَهْراً وَ هُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ فَلْيَكُنْ إِحْرَامُهُ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُحْرِمُ مِنَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ أَيَّ طَرِيقٍ شَاءَ"([2]).

ورواه الشيخ في التهذيب بسنده عن الكليني وترك ذيل الخبر " فَيَكُونُ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ مِنَ الْبَيْدَاءِ "([3])، ورواه الصدوق في الفقيه  عن الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ إلا أنه قال: "شَهْراً أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا كَانَ حِذَاءَ الشَّجَرَةِ وَ الْبَيْدَاءِ مَسِيرَةَ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَلْيُحْرِمْ مِنْهَا"([4])([5]).

وهو خبر مفرد لم يرد له شبيه، استدل به بعض فقهائنا على جواز الإحرام بمحاذاة المواقيت، ميسرتها وميمنتها مطلقا.

وفي مبسوط الشيخ -وهو أول من ذكر هذا الفرع فيما بين أيدينا من الكتب- : " كل من مر على ميقات وجب عليه أن يهل منه ، ولا يلزمه ميقات أهل بلده بلا خلاف فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظرا إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه"([6])، وقال العلامة في المختلف: " مسألة : قال ابن إدريس : ميقات أهل مصر ومن صعد من البحر جدة. وقال ابن الجنيد: ومن سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمر فيه على هذه المواقيت كان إحرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها [ فيحرم ] منه . وقال الشيخ في المبسوط : فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظر إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه . فإن كان الموضع الذي ذكره ابن إدريس يحاذي أحد المواقيت صح وإلا فلا ، فإنه ليس في شئ من الأحاديث ذلك ، والذي ورد في ميقات أهل مصر الجحفة ، وأهل السند من ميقات أهل البصرة"([7]).

وكتاب المبسوط فقه تفريعي ألفه الشيخ ردا على بعض العامة ممن عير الشيعة بقلة فروعهم الفقهية، ويظهر منه أنه على نمط بعض مؤلفات الشافعية كما ذكر شيخنا السيد المددي، وأكثره ارتجالي خال عن الدليل الصريح، وحكي هذا القول عن ابن الجنيد قبل الشيخ رحمهما الله.

وأول من وجدته -فيما بين يدي من مصادر- قد استدل بصحيح عبد الله بن سنان، العلامة رحمه الله في التذكرة، قاسها على نحو محاذاة ذات عرق لقرن المنازل عند العامة، قال قدس الله سره: " مسألة 157 : لو سلك طريقا لا يؤدي إلى شئ من المواقيت ، روى العامة عن عمر لما قالوا له : وقت لأهل المشرق ، قال : ما حيال طريقهم ؟ قالوا : قرن المنازل ، قال : قيسوا عليه ، فقال قوم : بطن العقيق([8]) ، وقال قوم : ذات عرق ، فوقت عمر ذات عرق. ومن طريق الخاصة : ما رواه عبد الله بن سنان – في الصحيح – عن الصادق عليه السلام ، قال : " من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال فليحرم منها ". ولو لم يعرف محاذاة الميقات المقارب لطريقه ، احتاط وأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما ، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه أو يغلب على ظنه ذلك ، لأن الأصل عدم الوجوب ، فلا يجب بالشك . ولو أحرم بغلبة الظن بالمحاذاة ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من الميقات غير محرم ، الأقرب : عدم وجوب الرجوع ، لأنه فعل ما كلف به من اتباع الظن ، فكان مجزئا . ولو مر على طريق لم يحاذ ميقاتا ولا جاز به ، قال بعض الجمهور : يحرم من مرحلتين ، فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق. ويحتمل أنه يحرم من أدنى الحل"([9]).

والذي يظهر لي -جليا- أن البيداء المقصودة هي الأرض المرتفع أولها بعد الشجرة في آخر وادي ذا الحليفة، والتي ورد فيها استحباب رفع التلبية إذا استوت به البيداء في موضع الخسف بالجيش وسطها، وهي على مسير طريق المدنيين إلى مكة، ليست على جوانبها، فالمحاذاة هنا هي الإستواء في جهة الطريق، لا على جوانبه، وليس على جوانب ذي الحليفة بيداء معروفة، وهذا الثاني مذهب كثير، وهو ظاهر الاشتباه.

 

[طرق المدنيين إلى مكة]

وطرق المدنيين إلى مكة بعضها متعارفة، كطريق الشجرة المسمى بأبيار علي غرب جبل عير في ظهره، وهو حد حرم المدينة الجنوبي -عندنا- أول وادي ذا الحليفة أحد أودية عقيق المدينة الكبير، وطرق أخرى نادرة تمر بالثنيات جنوبا وشمالا، غير محصورة، منها -كما قيل- ثنية الوداع الشمالية قبل مسجد الراية للذاهب شمالا -والتي درست آثارها اليوم وأزيلت تلتها المعروفة- وهي طريق المدنيين إلى الشام شمالا أو إلى مكة غربا فجنوبا فيستديرون على بين ثنايا حرة المدينة الغربية وجبل سلع -وهو حد المدينة الغربي- حتى يلتقي بآخر وادي ذا الحليفة عند أول البيداء على الطريق المتعارف للمدنيين، وقد أوقع هذا خلافا في تحديد ثَنِيَّة الوداع المشهورة.

بل إن فرض طرق أخرى كهذا وغيره هو أصل مفاد الخبر وإطلاقه، فمن أخذ طريقا غير متعارف ومر بالميقات ميقات أهل المدينة وجب عليه الإحرام منه ولا يتجاوزه، حتى لو كان آخر أجزائه، فهو لا ينافي الحكم الأولي من وجوب الإحرام من ميقات المدينة أو غيره من المواقيت لمن مر عليها.

ويؤيد كلامنا هذا في تعدد الطرق، ما ذكره الجاسر في هامش كتاب الغانم المطابة في معالم طابة، قال: "كما يفهم من كلام السمهودي … وأن للمدينة إلى ذي الحليفة طريقين؛ طريق الشجرة، الطريق التي كانت معروفة وتُسلَكُ في ذلك العهد، وطريق المُعرَّس"([10]).

بل في البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى اللّه عليه و آله «كان يخرج من طريق الشجرة، و يدخل من طريق المعرس» و أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله «كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، و إذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي و بات حتى يصبح»([11]).

والمعرَّس موضع عرَّس فيه النبي صلى الله عليه وآله في بطن وادي ذي الحليفة جوار مسجد الشجرة، على طريق القادم للمدينة للداخل إليها.

وروى الشيخ الكليني قدس الله سره في الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى ، وابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : "إذا انصرفت من مكة إلى المدينة وانتهيت إلى ذي الحليفة وأنت راجع إلى المدينة من مكة فائت معرس النبي ( صلى الله عليه وآله )، فإن كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلا؛ فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد كان يعرس فيه ويصلي"([12]).

 

وأما التقييد بالمقام شهرا ونحوه، فلفرض كونه من أهل المدينة الذين يلزمهم المرور بميقاتهم -وهو المعتاد من طريقتهم- فليس لهم العدول عنه إلى غيره من المواقيت كالعقيق والجحفة، إلا لمرض أو ضرورة.

وأما المحاذاة، فهي من المفاهيم الواضحة، ولا يحتاج الاستدلال بكلام أهل المعاجم إلا تأييدا، وهي المسامتة بحسب اعتبار الناظر، فمعناها إضافي نسبي، والمراد الاستعمالي منها يتعين بالقرائن، ولك في استعمالها في مثل أدلة صلاة المأموم والتعبير بمحاذاة المأموم للإمام خير شاهد، حتى أن الشيخ رحمه الله في الخلاف قال في مسألة تقدم موقف المرأة أمام الرجال ورأي العامة فيها: "قال: فان صلت أمام الرجال بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها ولم تبطل صلاة من يحاذي من يحاذيها، وهذه المسألة يسمونها مسألة المحاذاة"([13]).

وبهذا يتبين أن هذا الخبر الصحيح مع انفراده، غير مناف أو شاذ في معناه مع مفاد أخبار المواقيت، وليس مما يدل على جواز الإحرام بالمحاذاة على الجوانب -لمن يمر بميقات المدينة ولا غيره من المواقيت- في شيء، فالأصل هو وجوب الإحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، وما هذه الصحيحة إلا تأكيد على جواز الإحرام في كل وادي الميقات -سواء أوله وهو مسجد الشجرة أو آخره وهو أول البيداء على طريق الذاهب لمكة- حتى للداخل فيه من غير الطرق المتعارفة.

فقول المحقق -وغيره- في الشرايع : "ولو سلك ما لا يفضي إلى أحدها أحرم عند ظن المحاذاة لأحدها"، يرده أن الخبر في الإفضاء إلى ميقات أهل المدينة نفسه، ولكنه على غير الطريق المتعارف.

 

تذييل فيه تحقيق حدود طريق الشجرة وموضع البيداء

 

ونتحققها بكشف معالم طرق المدينة، وهي خفية في الغالب؛ فإن أكثرها قد رسمت آثاره، حتى مسجد الشجرة كادت أن تمحى حدوده، بل محي محل محرابه، ولما جدد أقيم على حدوده الباقية، وكذا مسجد المعرس؛ فليس له من الأثر إلا مسمى البقعة، وأجر في الحكم غيرها من معالم الطريق المدني القديم المسمى بطريق ينبع.

قال في وفاء الوفا في وصف مسجد الشجرة:

"قال المطري: و هذا المسجد هو المسجد الكبير الذي هناك، و كان فيه عقود في قبلته([14])، و منارة في ركنه الغربي الشمالي، فتهدمت على طول الزمان.

قال المجد: و لم يبق منه إلا بعض الجدران و حجارة متراكمة.

قلت: جدد المقر الزيني زين الدين الاستدار بالمملكة المصرية تغمده الله برحمته هذا الجدار الدائر عليه اليوم، لما كان بالمدينة معزولا عام أحد و ستين و ثمانمائة، و بناه على أساسه القديم، و موضع المنارة في الركن الغربي باق على حاله، و جعل له ثلاث درجات من المشرق و المغرب و الشام، في كل جهة منها درجة مرتفعة، حفظا له عن الدواب، و لم يوجد لمحرابه الأول أثر لانهدامه، فجعل المحراب في وسط جدار القبلة، و لعله كان كذلك، و اتخذ أيضا الدرج التي للآبار التي هناك ينزل عليها من يريد الاستقاء.

و طول هذا المسجد من القبلة إلى الشام اثنان و خمسون ذراعا، و من المشرق إلى المغرب مثل ذلك"([15]).

والذي يقع محل اهتمامنا هي قطعة الطريق من الحليفة حتى آخر البيداء.

 

[مسجد الشجرة والمعرس وحدود ذي الحليفة]

لم يرد تحديد لأول ذي الحليفة وآخرها، عند المتقدمين، عدا ذكر مسجديها المعروفين، مسجد الشجرة للخارج من المدينة، ومسجد المعرس للقادم إليها، مع ذكر أنهما ستة أميال عن مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

 

[حدود ذي الحُليفة]

قال السمهودي في وفاء الوفا:

"كجُهينة تصغير الحَلَفَة بفتحات واحد الحلفاء و هو النبات المعروف، قال المجد: هي قرية بينها و بين المدينة ستة أميال، و هي ذو الحليفة، و ميقات أهل المدينة، و هو من مياه بني جشم بالجيم و الشين المعجمة، بينهم و بين بني خفاجة من عقيل، انتهى.

و هو تابع لعياض في ذلك، و زاد كونها قرية، و قد سبق أول الباب عند ذكر حدود وادي العقيق عن عياض أن بطن وادي ذي الحليفة من العقيق و أن العقيق من بلاد مزينة، و هذا هو المعروف، و ما ذكره هنا من نسبة ذي الحليفة إلى بني جشم إلى آخره غير معروف، و لعله اشتبه عليه بالحليفة التي من تهامة، و ما ذكره من المسافة موافق لتصحيح النووي كالغزالي أنها على ستة أميال، و يشهد له قول الشافعي كما في المعرفة: قد كان سعيد بن زيد و أبو هريرة يكونان بالشجرة على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة و يدعانها، و المراد بالشجرة ذو الحليفة، لما سبق في مسجد الشجرة بها، و بها أيضا مسجد المعرس.

و في سنن أبي داود: سمعت محمد بن إسحاق المديني قال: المعرس على ستة أميال من المدينة.

و سبق أن المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة([16])، فلا يخالف ما سبق عن الشافعي، و عليه يحمل ما رواه أحمد و الطبراني و البزار و اللفظ له عن أبي أروى قال: كنت أصلي مع النبي صلى اللّه عليه و سلم صلاة العصر بالمدينة ثم آتى ذا الحليفة قبل أن تغيب الشمس و هي على قدر فرسخين، و قال الرافعي كابن الصلاح: ذو الحليفة على ميل من المدينة، و هو مردود تدفعه المشاهدة، و لعلهما اعتبرا المسافة مما يلي قصور العقيق؛ لأنها عمارات ملحقة بالمدينة، و قال الأسنوي: الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ، و هو ثلاثة أميال أو نزيد قليلا، انتهى.

و ذكر ابن حزم أنها على أربعة أميال من المدينة، و قد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع و سبعمائة ذراع و اثنين و ثلاثين ذراعا و نصف ذراع بذراع اليد المتقدم تحديده في حدود الحرم، و ذلك خمسة أميال و ثلثا ميل ينقص مائة ذراع([17])، و كأن المسجد ليس أول ذي الحليفة؛ لأن أبا عبد الله الأسدي من المتقدمين قال:

الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة و هي الشجرة ومنها يحرم أهل المدينة، وهي على خمسة أميال و نصف، مكتوب على الميل الذي وراءها قريب من العلمين: ستة أميال من البريد، و من هذا الميل أهلّ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، انتهى؛ فالميل المذكور عند المسجد لأنه محل إهلاله صلى اللّه عليه و سلم([18])، و أول ذي الحليفة قبله بنصف ميل.

و قوله «قريب من العلمين» يحتمل أن يريد علمي مدخل ذي الحليفة لقوله في تعداد الأعلام «و على مدخل ذي الحليفة علمان» فيفيد ما تقدم من عدم التعرض لانتهاء الحليفة.

لكنه ذكر كما سبق في البيداء أن على مخرج ذي الحليفة علمين آخرين، و أن البيداء فوق علمي الحليفة إذا صعدت من الوادي، فيحتمل أن يريد بقوله «قريب من العالمين» علمي مخرج الحليفة([19])، فيفيد أن المسجد قرب آخر الحليفة، و هو الظاهر؛ لأن البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة و ذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم.

و قال العز بن جماعة: و بذي الحليفة البئر التي تسميها العوام بئر علي، و ينسبونها إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ لظنهم أنه قاتل الجن بها، و هو كذب، و نسبتها إليه غير معروفة عند أهل العلم، و لا يرمي بها حجر و لا غيره كما يفعل بعض الجهلة، انتهى.

و سبق في مسجد ذي الحليفة ذكر اتخاذ الدرج لآبارها، و سبق في خاتمة الفصل الرابع عن ابن شبة أن فوق ذي الحليفة التي هي الحرم في القبلة قبل حمراء الأسد موضعا من أعلى العقيق سمي بالحليفة العليا، فيكون المحرم الحليفة السفلى، و لم أره في كلام غيره و لعله الخليقة بالخاء المعجمة والقاف لما سيأتي فيها. و أما ذو الحليفة المحرَم فهي أيضا من وادي العقيق، و لذا روى أبو حنيفة كما في جامع مسانيده عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، من أين المهل؟ فقال: يهلّ أهل المدينة من العقيق، و يهلّ أهل الشام من الجحفة، و يهلّ أهل نجد من قرن، فأطلق على ذي الحليفة اسم العقيق"([20]).

وفي رحلة ابن جبير:

" فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم، ويقال: أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قاتل الجن بها، وتعرف أيضاً بالروجاء. والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء لا يكاد يلحق قعرها، وهي معينة.

ورحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الأحد، وتمادى بنا السير إثر صلاة العشاء الآخرة، فنزلنا شعب علي، رضي الله عنه، وأقلعنا منه نصف الليل تربان، البيداء، ومنها تبصر المدينة المكرمة، فنزلنا ضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق، وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والمدينة من هذا الموضع على خمسة أميال".

 

[ المعرَّس ]

وأما المعرَّس:

ففي وفاء الوفا : "قال المطري: و في قبلته -أي مسجد الشجرة- مسجد آخر أصغر منه، ولا يبعد أن يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم صلّى فيه أيضا، بينهما مقدار رمية سهم أو أكثر قليلا، انتهى.

قلت: و يؤخذ مما سيأتي عن الأسدي أنه مسجد المعرّس، و الله أعلم".

ثم قال:

"و منها: مسجد المعرس- قال أبو عبد الله الأسدي في كتابة و هو من المتقدّمين يؤخذ من كلامه: أنه كان في المائة الثالثة بذي الحليفة عدة آبار و مسجدان لرسول الله صلى اللّه عليه و سلم، فالمسجد الكبير الذي يحرم الناس منه، و الآخر مسجد المعرّس، و هو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد، و فيه عرّس رسول الله صلى اللّه عليه و سلم منصرفه من مكة.

قلت: ليس هناك غير المسجد المتقدم ذكره في قبلة مسجد ذي الحليفة على نحو رمية سهم سبقي منه، و هو قديم البناء بالقصّة و الحجارة المطابقة؛ فهو المراد"([21]).

وقال في موضع آخر: "المعرس دون مصعد البيداء، فهو بأواخر الحليفة"([22]).

فهو الذي في قبلة مسجد الشجرة، وقد أهمل بناؤه وذهب أثره حتى كشف عنه السيل كما قيل، وهو اليوم جدران مركومة أمام قبلة مسجد الشجرة على طريق فرعي، وتقدم أنه على طريق الداخل للمدينة، وأنه آخر الحليفة، لكن الصحيح أنه وسط الوادي بجوار الشجرة كما عليه الأخبار وهو المشهور.

فعن مُوسَى "بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَامِرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ لِي فِي الْمُعَرَّسِ- مُعَرَّسِ النَّبِيِّ ص إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمُرَّ بِهِ وَ انْزِلْ وَ أَنِخْ بِهِ وَ صَلِّ فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص فَعَلَ ذَلِكَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ صَلَاةٍ قَالَ فَأَقِمْ قُلْتُ لَا يُقِيمُونَ أَصْحَابِي قَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ امْضِهْ وَ قَالَ: إِنَّمَا الْمُعَرَّسُ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ إِذَا بَدَأْتَ"([23]).

 

وفي أصل محمد بن المثنى الحضرمي ضمن الأصول الستة عشر:

" قال و سألته عن معرس‏ رسول اللّه ص بذى الحليفة ؟ فقال: عند المسجد ببطن الوادى حيث يعرِّس الناس"([24])، أي يباتون.

 

[البيداء]

أما البيداء معرَّفَةً، فهي التي تنصرف إليها التسمية، معروفة، وتسمى -أو بعضها بنحو أضبط- ذات الجيش، على وزان تسمية ذي الحليفة بالشجرة بعلاقة الجزئية، وهي محل الخسف بجند السفياني بين مكة والمدينة، من المواضع التي يكره فيها الصلاة، فعنه عليه السلام قال: " تكره الصلاة في طريق مكة في ثلاثة مواضع أحدها البيداء ، والثاني ذات الصلاصل ، والثالث ضجنان".

وفي معجم البلدان: " البيداء : اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة ، وهي إلى مكة أقرب ، تعد من الشرف([25]) أمام ذي الحليفة ، وفي قول بعضهم : إن قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عز وجل جبرائيل فقال : يا بيداء أبيديهم"([26]).

والمحل المستوي منها المشار إليه في أخبارنا هو الموضع الأملس منها، فلا يدخل شرفها أعني مرتفعها، ومنه السَّيُّ وهو الموضع الأملس من البادية، قاله الفراهيدي([27]).

وروى النميري في تاريخ المدينة عن "موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ، أنبأنا علي بن زيد ، عن الحسن ، عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مضطجع في بيته إذ احتفز جالسا فجعل يتوجع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، مالك توجع ؟ قال: جيش من أمتي يجوز من قبل الشام يؤمون البيت لرجل منعه الله منهم ، حتى إذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم ، ومصادرهم شتى . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف يخسف بهم جميعا ومصادرهم شتى ؟ قال: إن منهم من جبر"([28]).

وفي وفاء الوفا للسمهودي -وهو أكثرهم تتبعا- :

" البيداء:

قال المطري فمن تبعه، هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى المغرب.

و قال الحافظ ابن حجر: البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري و غيره، انتهى.

فأول البيداء عند آخر ذي الحليفة، و كان هناك علمان للتمييز بينهما، و لذا قال الأسدي في تعداد أعلام الطريق: إن على مخرج المدينة علمين، و على مدخل ذي الحليفة علمين، و على مخرج ذي الحليفة علمين، و قال في موضع آخر:

و البيداء فوق عَلَمَي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي([29])، و في أول البيداء بئر، انتهى. و كأن البيداء ما بين ذي الحليفة و ذات الجيش "([30]).

ومر قوله: "البيداء هي الموضع المشرف على ذي الحليفة، وذلك على نحو غلوة سهم من مسجدها، و الأعلام المذكورة غير موجودة اليوم".

والعلمان أو الميلان -عندنا- ذكرا في رواية كتاب عاصم بن حميد الحناط ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بالركون لهذه الأصول لشهادة القرائن بصحتها في الجملة- بسنده قال: " َعنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحَنَّاطِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ حَيْثُ الْمِيلَيْنِ أُنِيخَتْ لَهُ نَاقَتُهُ، فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ لَبَّى بِأَرْبَعٍ، فَقَالَ:

لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَ النِّعْمَةَ لَكَ وَ الْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُ يُخْسَفُ بِالْأَخَابِثِ"([31]).

ورواها في قرب الإسناد وقال: "حيث الميل"([32])، وكذا في روايات عديدة.

وعن الحلبي في الفقيه: "رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلَبِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‏: الْإِحْرَامُ مِنْ مَوَاقِيتَ خَمْسَةٍ وَقَّتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَنْبَغِي لِحَاجٍّ وَ لَا مُعْتَمِرٍ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهَا وَ لَا بَعْدَهَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَ هُوَ مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَ يَفْرِضُ‏ الْحَجَ‏، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَسَارَ وَ اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءُ حِينَ يُحَاذِي الْمِيلَ الْأَوَّلَ أَحْرَمَ‏"([33]) الحديث، وفي المروي الآخر له: " فَامْشِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِيلَ وَ تَسْتَوِيَ بِكَ الْبَيْدَاء"([34]).

ومحل استواء البيداء هو محل الخسف بجيش السفياني المسماة بذات الجيش كما سيأتي.

 والمراد بالميل الأول هو علامة أول البيداء كما قال الكليني، قال: " وَ أَوَّلُ الْبَيْدَاءِ أَوَّلُ مِيلٍ يَلْقَاكَ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ"([35])، وهو المروي -بعده- في الكافي عن معاوية بن عمار قال: " وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتّى‏ تَصْعَدَ إِلى‏ أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلى‏ أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِك‏"([36]).

وكل أعلام وأميال الطريق المدني على يسار الطريق، بعكس أميال الطرق جنوب مكة، هكذا قال من شاهدها، وآثار كثير مما بقي موجودة إلا اليوم.

وليس في ما قال الكليني ولا رواية معاوية بن عمار أن البيداء على يسرة الطريق لتكون محاذاتها للشجرة عرضية لا على طول الطريق، بل نفس الميل المُعِّينُ لأول البيداء هو الذي على يسار الطريق للذاهب إلى مكة، وكل من التفت إليه تعين لديه أول البيداء، ولعل هذا التعبير -أعني عن يسارك- مع لفظ المحاذاة ومع ضم ما عليه أهل السنة من العمل بالمحاذاة والحيال، هو الذي أوجب تخيل المحاذاة العرضية من صحيح عبد الله بن سنان، نعم، الطريق مائل جهة الغرب بعد ذا الحليفة، لكنه لا يوازيه، والفيصل هو الواقع المشاهد.

وفی النفليّة: "البيداء موضع في طريق مكّة على سبعة أميال من المدينة أو على رأس ميل من ذى الحليفة"، وقد سمعت أن الحليفة آخرها على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وهي ميل امتدادا إلى علمي البيداء، ولعله قدس سره جعل حساب الستة أميال لأول ذي الحليفة، والمرجع للوثوق بالتحديدات أهل السير والبلدان.

 

[حد البيداء]

وروى صحيحا في الكافي ما نصه:

عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ ع: إِنَّا كُنَّا فِي الْبَيْدَاءِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَ اسْتَكْتُ وَ أَنَا أَهُمُّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ كَأَنَّهُ دَخَلَ قَلْبِي شَيْ‏ءٌ، فَهَلْ يُصَلَّى فِي الْبَيْدَاءِ فِي الْمَحْمِلِ ؟ فَقَالَ: لَا تُصَلِّ فِي الْبَيْدَاءِ، قُلْتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ، ثُمَّ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص، قُلْتُ: وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ فَقَالَ دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([37])، ومثله في التهذيب.

ورواه البرقي بزيادة في المحاسن بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْدَاءِ ؟ فَقَالَ: الْبَيْدَاءُ لَا يُصَلَّى فِيهَا، قلتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ الْبَيْدَاءِ ؟ قَالَ: أَ مَا رَأَيْتَ ذَلِكَ الرَّفْعَ وَالْخَفْضَ، قُلْتُ: إِنَّهُ كَثِيرٌ، فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ حَدُّهُ ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص قُلْتُ وَ أَيْنَ ذَاتُ الْجَيْشِ، قَالَ: دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"([38]).

وفي ملاذ الأخيار قال المجلسي: " قوله عليه السلام: دون الحفيرة لعل المراد الأرض المنخفضة التي فيها مسجد الشجرة"([39])، والصحيح أن الحفيرة منطقة بعد ذات الجيش مرتفعة آخر البداء كما سوف يتضح، هذا للخراج من المدينة، وأما للداحل كما هو الخبر فقبل ذات الجيش.

والمراد بحد البيداء: حدودها من الجهتين ابتداء وانتهاء للقادم على الطريق، وهي تضم ذات الجيش التي هي قبل الحفيرة للذاهب لمكة على طريق ينبع القديم، وتسمى أيضا أولات الجيش.

وهذا هو المصرح به في صحيح معاوية بن عمار في قول الصادق عليه السلام: " تكره الصلاة في ثلاثة مواطن بالطريق : البيداء وهي ذات الجيش ، وذات الصلاصل ، وضجنان"([40]).

وبهذا يتضح أن أحد طرفي البيداء آخر ذي الحليفة عند العلمين آخر ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله، هذا شمالا، وأن طرفها الآخر آخر ذات الجيش عند أول الحفيرة جنوب غرب طريق المدينة مكة وهو الآن طريق ينبع القديم.

 

[ذات الجيش]

وذات الجيش -كما يأتي- وسط البيداء، وليس في الخبر أنها أوله، وتحديدها بذات الجيش لتعيين موضع الكراهة من البيداء، فالمعنى على التقريب وبيان موضع الجد في المسير.

بل في صحيح المحاسن عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَ غَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "لَا تُصَلِّ فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا الْبَيْدَاءِ وَ لَا ضَجْنَانَ‏"، وهو شاهد على التغاير، ولا يمكن أن يتمسك به للدلالة على التباين الكلي، فإن من المؤكد وقوع ذات الجيش داخل البيداء.

وروى المجلسي عن كِتَابُ الْعِلَلِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: "لَا يُصَلَّى فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا فِي وَادِي مَجَنَّةَ وَ لَا فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ" -ثم قال المجلسي عن صاحب العلل- "ثم قال أما قوله: "لا يصلى في ذات الجيش"، فإنها أرض خارجة من ذي الحليفة على ميل، وهي خمسة أميال والعلة فيها أنه يكون فيها جيش السفياني فيخسف بهم‏"([41]).

فطول ذات الجيش خمسة أميال امتدادية.

وفي معجم البلدان: " الجيش : بالفتح ثم السكون ، ذات الجيش : جعلها بعضهم من العقيق بالمدينة ، وأنشد لعروة بن أذينة : كاد الهوى ، يوم ذات الجيش ، يقتلني لمنزل لم يهج للشوق من صقب، ويقال : إن قبر نزار بن معد وقبرانيه ربيعة بذات الجيش ، وقال بعضهم : أولات الجيش موضع قرب المدينة وهو واد بين ذي الحليفة وبرثان ، وهو أحد منازل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى بدر وإحدى مراحله عند منصرفه من غزاة بني المصطلق ، وهناك جيش رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ابتغاء عقد عائشة ونزلت آية التيمم "([42]).

وفي التعليقات والنوادر عن الهجري (القرن الثالث والرابع) بترتيب واختيار الجاسر:

"وذات الجَيْش شُعبة([43]) على يمين الخارج إلى مكة([44]) بحذاء([45]) الحَفِيَرة، قال: وصدر الحَفِيرَة وما قَبَلَ من الصُّلصُلين يدفع في بئر أبي عَاصِيَة، ثم يدفع في ذات الجَيْش، وما دَبَرَ منها يدفع في البَطْحَاء، ثم تدفع البطحاء من بين الجبلين في وادي العقيق، وذات الجَيْش تدفع في وادي أبي كَبِير، وهو فوق مسجد المَحْرَم والمُعَرَّس، وطَرَفُ أَعْظُمِ([46]) الغربي يدفع في ذات الجيش، وطَرَفُهُ الثاني يدفع في البَطْحَاء"([47]).

 

وفي وفاء الوفا للسمهودي شارحا حديث حدود حرم المدينة ومنها -عند بعضهم- ذات الجيش وعليها عَلَمٌ:

"قوله: «شرف ذات الجيش»، قال ابن زبالة: ذات الجيش: لقب ثنية الحفيرة من طريق مكة و المدينة، و قال المطري: هي وسط البيداء([48])، و البيداء هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب، و هي على جادة الطريق.

قلت: و يؤيده قول ياقوت: ذات الجيش موضع بعقيق المدينة، أراد بقربه، أو لأن سيلها يدفع فيه كما سيأتي، و قد رأيته يطلق ذلك على ما يدفع في العقيق و إن بعد عنه.

و قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسدي([49]) في وصف الطريق بين مكة و المدينة: إن من ذي الحليفة إلى الحفيرة ستة أميال، قال: و هي متعشا([50])، و بها بئر طيبة و حوض، و عمر بن عبد العزيز هو الذي حفر البئر، و بها أبيات و مسجد، اه. و مقتضاه أن يكون ثنية([51]) الحفيرة بعد البئر، فلعلها([52]) ثنية الجبل المسمى اليوم بمُفرِّح([53])، و هناك واد قبل وادي تربان يسمونه سهمان ينطبق عليه الوصف المذكور([54])، و هو موافق لقول من قال: ذات الجيش واد بين ذي الحليفة و تربان. فأطلق اسمها على الوادي التي هي فيه، و لقول عياض: ذات الجيش على بريد من المدينة، و هو ظاهر رواية الطبراني المتقدمة، لكنه مخالف لما سيأتي في معنى التحديد بالبريد، و هناك حبس النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في ابتغاء عِقدِ عائشة رضي الله عنها، و نزلت آية التيمم، و الترديد في حديث عائشة: «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش» كأن سببه قرب الموضعين، و هو ظاهر في المغايرة بينهما. و قال أبو علي الهجري -ثم ساق ما ذكرناه آنفا، حتى قال: – قلت: و أعظُم- و يقال عظم كما سيأتي- جبل معروف اليوم على جادة مكة، قال المطري: و هو في شامي ذات الجيش، و يشهد له ما سبق عن الهجري"([55]).

وفي كتاب التعريف بما أنست الهجرة للمطري المصري (ت 741 هـ):

"فأما ذات الجيش فنقب([56]) ثنية الحفيرة من طريق مكة والمدينة"([57]).

وفي صريح ما رواه الشيخ في التهذيب عَنْ الحسين بن سعيد عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتَ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَلَا تُلَبِّ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ يُخْسَفُ بِالْجَيْشِ".

وليس في البيداء إلا ذات الجيش محل خسف جيش السفياني، فهي محل استواء البيداء وهي محل استحباب التلبية؛ إذ له أن يظهرها في المسجد.

 

[حفيرة]

وأما حفيرة فهي الحفير أيضا، وفي معجم البلدان في أحد معانيها: " الحُفَير : بلفظ التصغير : منزل بين ذي الحليفة وملل يسلكه الحاج "([58]).

 

ولأن أقوالهم في هذه المواضع كلها فيها نحو من الاضطربا، لم يحدد على وجه الدقة والاتفاق موضع البيداء على الطريق، ولا ذات الجيش ولا الحفيرة، إلا أن السمهودي أكثر ضبطا وتتبعا، وقد حددها أحد الباحثين أخيرا، وقيل أنه وجد أثر العلم الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله كعب بن مالك بجعله على ذات الجيش علما لحرم المدينة جنوبا، فوجدها قبل المفرّحات بحوالي 2كم، وعلى بعد 11,5 كم من ذي الحليفة، " والتلعة التي هي رأس الشعيب (شرف ذات الجيش كما هو اسمها الوارد في حديث كعب بن مالك) تُرى من الجسر رأي العين على بعد 3 كم، لذلك فإنه قد جانب الصواب من اعتبر ذات الجيش هي المفرّحات، فالمفرّحات اسمها التاريخي "ثنية الحفيرة"([59]).

ومر في الصحيح أن ذات الجيش وسط البيداء دون الحفيرة بثلاثة أميال، وكل ميل 1,8 كم -بحساب أن الميل الهاشمي الشرعي أربعة آلاف ذراع- فالمسافة بينهما 5,4 كم، لا كما قال 2كم، ولعله للاختلاف في الحساب من وسط الوادي أو حدوده.

[الحاصل]

والحاصل الذي يمكن الاطمئنان له:

أن من مسجد النبي صلى الله عليه وآله إلى مسجد الشجرة 5,5 أميال = 9كم تقريبا كما حسبها السمهودي في وفاء الوفا، وتؤيده الخرائط.

وأن طول ذي الحليفة ميل واحد = 1,6 كم، وسطها مسجد الشجرة والمعرَّس متقاربان على 800 متر من أول ذي الحليفة شمالا، و 800 متر إلى أول البيداء غرب الجنوب، ثم تنتهي عند علميها عند مصعد البيداء المشرفة على الوادي.

وأن البيداء بعد آخر ذي الحليفة على طريق مكة المسمى بطريق ينبع القديم، وطول مسيرها ستة أميال = 9,6 كم تقريبا، تتوسطها ذات الجيش قبلا وبعدا على ثلاثة أميال = 4,8 كم ، وعندها تستوي البيداء ويستحب تأخير التلبية إليها.

وتنتهي البيداء بثنية الحفيرة على رأس الستة أميال، وقبلها ذات الجيش بثلاثة أميال، وهو المشهود به في الخبر.

وآخر موضع يمكن الإحرام فيه للطارق غير السبيل المتعارف للمدنيين هو آخر البيداء، الذي تلتقي عنده أول الحفيرة على بعد ستة أميال -من آخر ذي الحليفة وأول البيداء- عند علم مخرج البيداء، محاذيا ومسامتا لذي الحليفة مع الطريق المعتاد لحاج المدينة على الشجرة، ولعله طريق المعرس للعائدين للمدينة أو التجار أو غيره من الطرق المفروضة، وهي متقاربة بعد البيداء.

وأن آخر البيداء عند الحفير هو آخر ما يمكن الإحرام منه ولا يجوز تجاوزه.

 

[الميقات ذو الحليفة والبيداء]

ولو قيل: أن انعقاد الإحرام فيه لكونه مع ذي الحليفة ميقاتا؛ دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وآله -بالتلبية- في أوله، والإحرام من آخره محاذيا للشجرة بالمعنى المتقدم، لا خصوص الحليفة أو مسجد الشجرة، فإنها محل الافتراض، لم يكن هذا القول بعيد، بل هو المؤيد والمختار.

فقد روى الشيخ في الصحيح عن مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يُؤَذِّنُوا بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ هَذَا، فَعَلِمَ بِهِ مَنْ حَضَرَ الْمَدِينَةَ وَ أَهْلُ الْعَوَالِي وَ الْأَعْرَابُ فَاجْتَمَعُوا فَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَ إِنَّمَا كَانُوا تَابِعِينَ يَنْتَظِرُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَصْنَعُونَهُ أَوْ يَصْنَعُ شَيْئاً فَيَصْنَعُونَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَزَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ الَّذِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَصَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ وَ عَزَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِداً، وَ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْدَاءِ عِنْدَ الْمِيلِ الْأَوَّلِ، فَصَفَّ النَّاسُ لَهُ سِمَاطَيْنِ فَلَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرِداً وَ سَاقَ الْهَدْيَ سِتّاً وَ سِتِّينَ أَوْ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ"([60]) الحديث.

وروى الكليني عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

"صَلِّ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ أَحْرِمْ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْمُتْعَةِ وَ اخْرُجْ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ حَتَّى تَصْعَدَ إِلَى أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ إِلَى أَوَّلِ مِيلٍ عَنْ يَسَارِكَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِكَ الْأَرْضُ رَاكِباً كُنْتَ أَوْ مَاشِياً فَلَبِّ، فَلَا يَضُرُّكَ لَيْلاً أَحْرَمْتَ أَوْ نَهَاراً، وَمَسْجِدُ ذِي الْحُلَيْفَةِ الَّذِي كَانَ خَارِجاً عَنِ السَّقَائِفِ عَنْ صَحْنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ الْيَوْمَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنَ السَّقَائِفِ مِنْهُ"([61]).

والإحرام هنا هو الافتراض بالاغتسال ولبس ثوبي الإحرام المعبر عنه في الروايات بعقد الإحرام، ولا يحرم بهذا محرم من المحرمات، كما دلت عليه أخبار عديدة، ولا يتم إحرامه الذي يدخل به النسك إلا بالتلبية، روى الشيخ في الصحيح عن حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع: أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَ عَقَدَ الْإِحْرَامَ ثُمَّ خَرَجَ فَأُتِيَ بِخَبِيصٍ فِيهِ زَعْفَرَانٌ فَأَكَلَ مِنْهُ"([62]).

والأعلام وكذا الأميال لها مواضع معروفة، بقى أثر الكثير منها حتى اليوم، صخور وحجارة مركومة، وعلى طريق المدينة شمالا للقادم مكة كلها على ميسرة الطريق، و جنوب مكة على ميمنته.

وروى أيضا في الصحيح عن الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ خَرَجَ فِي أَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ فَصَلَّى بِهَا ثُمَّ قَادَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَتَى الْبَيْدَاءَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا وَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَ أَحْرَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِالْحَجِّ لَا يَنْوُونَ عُمْرَةً وَ لَا يَدْرُونَ مَا الْمُتْعَة"([63]) الحديث.

وفي صحيح يونس بن يعقوب: " ثُمَّ انْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَ الْبَيْدَاءَ فَلَبِّهْ"([64]).

وكلها رخصة في إظهار التلبية من مسجد الشجرة أو البيداء، ففي صحيحة بن سنان: " عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يُظْهِرَ التَّلْبِيَةَ فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ ؟

فَقَالَ: نَعَمْ؛ إِنَّمَا لَبَّى النَّبِيُّ ص عَلَى الْبَيْدَاءِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ التَّلْبِيَةَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ التَّلْبِيَةُ"([65]).

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

 

وكتبه

محمد علي حسين العريبي المعاميري البحراني

وأتمه في صبحة يوم 19 ربيع الثاني 1433 هـ

مدينة قم المشرفة.

 

[الملاحق]

 

ملحق (1) :

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56):

 

موضع ذات الجيش أو أولات الجيش، بين ذي الحليفة وملل بدون تفصيل، (أطلس الحديث النبوي من الصحاح الستة: 56): 

 

ملحق (2):

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

المعرس جنوب شرق مسجد الشجرة.

 

ملحق (3) :

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

موضع مسجد الشجرة والمعرس، وبعده انخفاض الوادي، ثم شرف البيداء، ثم استواؤها تدريجا عند ذات الجيش، حتى ترتفع عند حفيرة.

 

ملحق (4) :

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.

ذات الجيش وسط البيداء محل استوائها، ثم الارتفاع جهة الحفيرة المسماة بالمفرحات اليوم، وهي على ستة أميال = 9.6 كم من أول البيداء، وعندها تتم المحاذاة على الطريق مع مسجد الشجرة.



([1]) مستل من كتابنا (الأخبار المفردة) وفقنا الله لإتمامه.

([2]) الكافي 4: 321/ ح9.

([3]) التهذيب 5: 57/ ح24.

([4]) الفقيه 2: 307/ ح2532.

([5])وروى الصدوق رحمه الله في المعاني عن أبيه رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ص قَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْإِحْرَامِ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ قَالَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ وَقْتُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَ لَوْ كَانَ فَضْلًا لَأَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْمَدِينَةِ وَ لَكِنَّ عَلِيّاً ص كَانَ يَقُولُ تَمَتَّعُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ إِلَى وَقْتِكُمْ".

فجعل بين المدينة وذا الحليفة ستة أميال، وهي بريد تقطعه الناقة في نصف نهار اليوم.

([6]) المبسوط 1: 313.

([7]) مختلف الشيعة 4: 43.

([8]) هو عقيق المدينة.

([9]) تذكرة الفقهاء 7: 203/ مسألة 157.

([10]) المغانم المطابة: 340.

([11]) صحيح البخاري 2: 556/ ح 1460.

([12]) الكافي 4: 565/ ب معرس النبي صلى الله عليه وآله، ح1.

([13]) الخلاف 1: 243/ كتاب الصلاة، مسألة 171.

([14]) لعلها السقائف التي ورد في الخبر أنها ليست من المسجد.

([15]) وفاء الوفا 3: 161/ في مسجد الشجرة، ط العلمية.

([16]) أي أن آخر ذي الحليفة على ستة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وآله.

([17]) 19732,5 ذراع ÷ 3500 ذراع لكل ميل = 5,64 ميل = 9,024 كم.

([18]) بل محل إهلاله صلى الله عليه وآله ما بعد مصعد البيداء عند استوائها، فالميل المذكور بعد المسجد، فيكون أول البيداء كما هو ظاهر الوصف.

([19]) وهذا هو الصحيح، فالمسجد على خمسة أميال ونصف وسط الحليفة عن أوله بنصف ميل، والوراء يقصد به البعدية، فالميل بعد المسجد مكتوب عليه ستة أميال، وهو آخر ذي الحليفة.

([20]) وفاء الوفا 4: 244، ط الفرقان، أو 4: 62، ط العلمية.

([21]) وفاء الوفا 3: 424، تحقيق السامرائي، مؤسسة الفرقان ط1-2001م، وباقي التخريجات من ط المكتبة العلمية.

([22]) وفاء الوفا 4: 245، تح السامرائي.

([23]) التهذيب 6: 16/ باب 5 (تحريم المدينة …) ح16.

([24]) الأصول الستة عشر: 256، ط دار الحديث.

([25]) أي المرتفع المشرف.

([26]) معجم البلدان 1: 523.

([27]) كتاب العين 7: 327.

([28]) تاريخ المدينة 1: 310 (ذكر البيداء، بيداء المدينة).

([29]) أي وادي ذي الحليفة.

([30]) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 4: 35-36.

([31]) الصول الستة عشر: 147/ كتاب عاصم بن حميد ح1.

([32]) قرب الإسناد: 125.

([33]) الفقيه 2: 302/ ح2522.

([34]) الفقيه 2: 320/ ح2562.

([35]) الكافي 4: 334.

([36]) الكافي 4: 334/ ح14.

([37]) الكافي 3: 389/ ب (الصلاة في الكعبة وفوقها وفي البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها) ح7.

([38]) المحاسن 2: 366/ ب (الأمكنة التي لا يصلى فيها) ح14.

([39]) ملاذ الأخيار 4: 615.

([40]) الكافي 3: 390/

([41]) البحار 80: 327-328.

([42]) معجم البلدان 2: 200.

([43]) أي واد صغير.

([44]) على طريق الحاج المدني، وهو طريق ينبع القديم الآن، وليست موازية لذي الحليفة، بل بعدها على الطريق.

([45]) أي قبالها على نفس الطريق للذاهب مكة.

([46]) وهو جبل هناك.

([47]) التعليقات والنوادر: 1379.

([48]) وهو الصحيح، فبعد ذات الجيش بثلاثة أميال

([49]) وهو من المتقدمين من يعتمد قولهم.

([50]) أي على مسافة بريد، وهو كل موضع ينزل فيه وقت العشاء.

([51]) الثنية هي العقبة، وفي مجمع البحرين 1: 78 : "هي الطريق العالي من الجبل"، ومنه قولهم "طلاع الثنايا".

([52]) أي الحفيرة.

([53]) السماة اليوم المفرحات.

([54]) أي وصف يوافق ذات الجيش.

([55]) وفاء الوفا 1: 82.

([56]) في كتاب العين: "النقب: طريق ظاهر على رؤوس الجبال والآكام والروابي لا يزوغ عن الأبصار".

([57]) التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة: 183.

([58]) معجم البلدان

([60]) التهذيب 5: 455/ ح234.

([61]) الكافي 4: 334/ ح14.

([62]) التهذيب 5: 85/ ح83.

([63]) الكافي 4: 249/ ح6.

([64]) الكافي 4: 321/ ح1.

([65]) الكافي 4: 334/ ح12.

تحقيق حول كتابي قرب الإسناد ومسائل علي بن جعفر عليه السلام

تحقيق حول كتابي

قرب الإسناد ومسائل علي بن جعفر عليه السلام

مستل من بحث حول جواز خروج المتمتع بالحج من مكة بعد عمرته وقبل الحج:

روى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الإسناد عن أبيه عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال علي: >وسألته عن رجل قدم مكة متمتعا فأحل فيه ، أله أن يرجع ؟ قال: لا يرجع حتى يحرم بالحج، ولا يجاوز الطائف وشبهها مخافة أن لا يدرك الحج، فإن أحب أن يرجع إلى مكة رجع، وإن خاف أن يفوته الحج مضى على وجهه إلى عرفات<([1]).
وهي المروية في الكتاب المطبوع المعروف بمسائل علي بن جعفر أيضا([2]).
وقد أخرها الشيخ الحر في وسائله في الباب محل الشرح([3])؛ لما قيل من اضطراب نسختها كما عن ابن ادريس وهي النسخة المنسوبة له اليوم، وأقوائية ما تقدمها من الأخبار سندا وظهورا.

[حول قرب الإسناد]

وقرب الإسناد الدائر اليوم منسوب لعبد الله بن جعفر الحميري، برواية ابنه محمد مع بعض الزيادات التي نص عليها آخر الكتاب في إجازته التي كتبها بخطه وأثبتت في النسخ المخطوطة وأهملت في المطبوعة اليوم، تاريخها صفر سنة 304 هـ، وهي إجازة لأبي عمرو سعيد بن عمرو بأن يرويا الكتاب عن أبيه وحَدَّها بقوله: >تمام الكتاب، وما كان فيه عن بكر الأزدي وسعدان بن مسلم فاروه عن أحمد بن إسحاق بن سعد عنهما<([4])، والأزدي هو بكر بن محمد الأزدي، روى عنه كثيرا في هذا الكتاب.
نعم، نسخة الكتاب منقولة عن خط أحمد بن محمد بن يحيى الأوالي العاملي، نقلها عن خط بن إدريس وقابلها ابن إدريس بنسخة الأصل، التي هي بخط ابن مهجنار البزاز، في آخرها أيضا قبل الإجازة الآنفة: >حدثني بكتاب قرب الإسناد لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري الكوفي رحمه الله، قال: حدثني عبد الله بن جعفر الحميري بهذا الكتاب وبجميع كتبه قراءة عليه وما لم أقرأه منها فإنه دخل في جملة ما أجازه لي، وقد أطلقت لأبي الغايم محمد بن علي بن الحسين بن مهجنار البزاز أدام الله عزه ونفعه بالعلم< وانقطعت الورقة بما فيها من كلام.
ولا يجعلنا هذا نتردد في راوي الكتاب المصرح باسمه في أول كل كتاب ضمنه، وهو محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، وما الاجازة لابن مهجنار إلا في عرض إجازة عبد الله بن جعفر، بل هي مؤيدة لكون الكتاب هو لعبد الله بن جعفر لا لابنه.

[كتاب واحد أم كتب متعددة]

والمجلد -أعني كتاب قرب الإسناد- ثلاثة كتب: قرب الإسناد إلى الإمام الصادق عليه السلام، وقرب الإسناد إلى الإمام الكاظم عليه السلام، وقرب الإسناد إلى الإمام الرضا عليه السلام، مع أن الشيخ في فهرسته قال: > له كتب منها: كتاب الدلائل كتاب الطب كتاب الإمامة كتاب التوحيد و الإستطاعة و الأفاعيل و البداء كتاب قرب الإسناد كتاب المسائل و التوقيعات كتاب الغيبة و مسائله عن محمد بن عثمان العمري و غير ذلك من رواياته و مصنفاته و فهرست كتبه. و زاد ابن بطة كتاب الفترة و الحيرة كتاب فضل العرب. أخبرنا برواياته أبو عبد الله عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه و محمد بن الحسن عن عبد الله بن جعفر. و أخبرنا ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن عبد الله بن جعفر<([5])، واقتصر على ذكر كتاب واحد سماه قرب الإسناد، كما وقع التصريح به في إجازة الزراري السابقة.
وعن النجاشي قال في عبد بن جعفر: > قدم الكوفة سنة نيف و تسعين و مائتين و سمع أهلها منه فأكثروا و صنف كتبا كثيرة يعرف منها: كتاب الإمامة كتاب الدلائل كتاب العظمة و التوحيد كتاب الغيبة و الحيرة كتاب فضل العرب كتاب التوحيد و البداء و الإرادة و الاستطاعة و المعرفة كتاب قرب الإسناد إلى الرضا [عليه السلام‏] كتاب قرب الإسناد إلى أبي جعفر بن الرضا عليهما السلام كتاب ما بين هشام بن الحكم و هشام بن سالم و القياس و الأرواح و الجنة و النار و الحديثين المختلفين مسائل الرجال و مكاتباتهم أبا الحسن الثالث عليه السلام مسائل لأبي محمد الحسن عليه السلام على يد محمد بن عثمان العمري كتاب قرب الإسناد إلى صاحب الأمر عليه السلام مسائل أبي محمد و توقيعات كتاب الطب. أخبرنا عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عنه بجميع كتبه<([6]).
ولم يذكر قرب الإسناد مجردا عن الاضافة، ولا قرب الإسناد إلى الصادق والكاظم عليهما السلام، وهما الكتابان المضمنان في الكتاب الدائر، والقدر المشترك بين ما عدده النجاشي والكتاب الدائر هو قرب الإسناد إلى الرضا عليه السلام، والمفترق هما قرب الإسناد إلى الجواد وصاحب الأمر عليهما السلام.
وما ذكره النجاشي الأصل فيه الالتفات، وهو لا يعارض ما ذكره الشيخ رحمه الله؛ فإنه قد يكون الكتاب في مجموعة فيسمى (قرب الإسناد) وهو ما ذكره الشيخ والزراري، وقد يفرق كما فعله الشيخ النجاشي رحمه الله، حيث وقف على بعض الكتب وكتب أخرى؛ والذي يعزز هذا رواية الحميري كثيرا عن الإمام الحجة عليه السلام من مكاتباته وأجوبته عليه السلام عليها، وما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة والشيخ في غيبته والطبرسي في احتجاجه من روايات الحميري، وكذا يؤيده نسق أخبار الحميري الثنائية والثلاثية الوسائط عن أبي جعفر الثاني عليه السلام([7]).
ويظهر من إجازة محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في آخر النسخ المخطوطة نسبة الكتاب لأبيه بقوله: >أن تروي هذا الكتاب عني عن أبي<، وكل المجموعة في مجلد واحد، كما أن إجازة الزراري -المتقدم نصها- جاء فيها التصريح بنسبة الكتاب لعبد الله بن جعفر أيضا، قال ابن مهجنار: > حدثني بكتاب قرب الإسناد لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري الكوفي رحمه الله<.
إلا أن يقال أن المقصود من الكتاب في إجازة الحميري هو قرب الإسناد إلى الرضا عليه السلام وهو الأخير ضمن الكتاب.
ويرد هذا التوهم أن الإجازة قد تضمنت زيادة رواية محمد بن عبد الله بن جعفر عن بكر بن محمد الأزدي وسعدان بن مسلم بتوسط أحمد بن إسحاق، والأول كل وقوعه في قرب الإسناد إلى الصادق عليه السلام([8]) عدا مورد واحد في قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام([9])، والثاني انحصرت أخباره في قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام، وخلت أسانيد قرب الاسناد إلى الرضا عليه السلام عنهما، فكيف يكون الكتاب خصوص ما عن الرضا عليه السلام !.
ويظهر أن استثناء روايات بكر بن محمد الأزدي وسعدان بن مسلم لكون الراوي عنهما هو محمد بن عيسى العبيدي المتهم عند كثير من الأصحاب، لذا نص في أربعة من خمسة أخبار سعدان أن الرواية عن محمد بن عيسى وأحمد بن إسحاق جميعا، وقد روى عبد الله بن جعفر الحميري كتاب العبيدي المسمى بـ (قرب الإسناد) كما نص عليه النجاشي والشيخ رحمهما الله، فأراد محمد بن بن عبد الله الحميري التخلص شيئا ما بضم طريق آخر لبعض الأخبار، ويلاحظ إكثار الحميري الرواية عن محمد بن عيسى وعن ابنه أحمد في هذا المصنف، وروايته مبثوثة في الكتب الثلاثة التي تضمنها كتابه.
ومنه يظهر لك بُعدُ ما ذكره المحقق الطهراني في الذريعة: > له على بعض مرويات أبيه في الكتاب شبهة احتمال سقوط الواسطة ، فيحتاط لرفع الشبهة بأن ما يروى في الكتاب عنهما ، فاروه بتوسط أحمد عنهما<([10]).
فالكتاب بمجموع الكتب الثلاثة تصنيف عبدالله بن جعفر الحميري وهذه النسخة فيها زيادة رواية أحمد بن إسحاق على رواية محمد بن عبد الله الحميري عن أبيه مصنف هذا الكتاب.
هذا في شأن الكتاب ومؤلفه، وأما الإعتماد عليه فحاله حال بقية الكتب، والمدار على قيام ما يورث العلم بصدور آحاد أخباره، لكن نسخته مبتلاة ببياض متخلل بين عباراتها([11]) سببه ما ذكره ابن إدريس من أنه استنسخها من نسخة رديئة، وهو ما يقلل درجة الاعتبار في المواضع التي يحتمل فيها الخطأ.

 

[مسائل علي بن جعفر]

وأما مسائل علي بن جعفر فهو من الأصول المشهورة وفي هامش البحار بتعقيب المحقق: >يوجد من المسائل نسخة مصححة مستنسخة عن نسخة تاريخ كتابتها سنة 686 <([12])، وهو الكتاب غير المبوب للمسائل، وأما المبوب فقد قيل أنه النسخة الواصلة للمجلسي رحمه الله وأجاز معاصره الحر في روايتها، وأنها ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، هكذا ذكر شيخنا السيد الجلالي في مقدمة كتاب مسائل علي بن جعفر.

[النسخة المبوبة لكتاب مسائل علي بن جعفر]

وقد أشكل على السيد زيادة مائة رواية في قرب الإسناد وهي النسخة التي وصفها بالمبوبة لكتاب المسائل، بل إنه دام عزه ذهب إلى أنه لو جمع المؤتلف والمختلف في النسختين لحصلنا على كتاب المسائل الكامل.
وهذا كله قد بناه على أن كتاب قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام هو النسخة المبوبة لكتاب مسائل علي بن جعفر، ولم يدعه أحد من أهل التراجم المتقدمين.
ومنشأ التوهم عبارة النجاشي رحمه الله، قال في ذكر علي بن جعفر قدس الله روحه ونور ضريحه: > له كتاب في الحلال و الحرام يروي تارة غير مبوب و تارة مبوبا. أخبرنا القاضي أبو عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا جعفر بن عبد الله المحمدي قال: حدثنا علي بن أسباط بن سالم قال: حدثنا علي بن جعفر بن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى [عليه السلام‏] و ذكر المبوب. و أخبرنا أبو عبد الله بن شاذان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن علي بن جعفر بن محمد قال: حدثنا علي بن جعفر و ذكر غير المبوب<([13]).
قال السيد الجلالي دام عزه: >ما ذكره النجاشي من أن له نسختين : مبوبة ، وغير مبوبة ، لا يعني وجود كتابين له ، وإنما هو كتاب واحد روي بصورتين . وهذا واضح .
لكن المطبوع في رجال النجاشي – وما نقل عنه في المراجع الرجالية المتأخرة – في السند إلى الكتاب هكذا : >حدثنا علي بن إسباط بن سالم ، قال : حدثنا علي بن جعفر بن محمد ، قال : سألت أبا الحسن موسى ، وذكر المبوب . . . . عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا عبد الله بن الحسن بن علي بن جعفر بن محمد ، قال : حدثنا علي بن جعفر ، وذكر غير المبوب< وهذا غير صحيح؛ لأن الموجود برواية عبد الله بن جعفر الحميري – وهو الذي أثبته في كتابه قرب الإسناد – قال : >حدثنا عبد الله بن الحسن العلوي ، عن جده علي بن جعفر ، قال : سألت أخي موسى بن جعفر عليه السلام ، عن الرجل عليه الخاتم الضيق<، إنما هي النسخة المبوبة على ترتيب الأبواب الفقهية من الطهارة والصلاة وبعنوان باب في كذا، فكيف يقول النجاشي عنها بالذات: إنها غير المبوبة ؟ ! مع أن النجاشي ذكر أولا قوله: >له كتاب في الحلال والحرام ، يروى تارة غير مبوب ، وتارة مبوبا<. ثم ذكر الطرق إلى كل من الروايتين، وترتيب اللف والنشر يقتضي أن يكون الطريق الأول – المنتهي إلى علي بن أسباط – إلى غير المبوب المذكور أولا . وأن يكون الطريق الثاني – المنتهي إلى عبد الله بن الحسن – إلى المبوب المذكور ثانيا . هذا، ولم أجد من تنبه إلى هذا التصحيح في كتاب النجاشي<([14]).
ثم قال في الأمر الثالث: > أن كتاب ” مسائل علي بن جعفر ” موجود – ولله الحمد – بنسختيه المبوبة ، وغير المبوبة . أما المبوبة : فقد أوردها جميعها ، راويها في سند النجاشي الثاني ” عبد الله بن جعفر الحميري ” – في كتاب قرب الإسناد – في بداية الجزء الثاني إلى نهايته. وأما غير المبوبة : فقد تعددت نسخها المخطوطة<.
وقال في الأمر الرابع: >الملاحظ وجود اختلاف كبير بين النسختين، المبوبة وغير المبوبة من حيث عدد المسائل الموجودة في كل منهما، فغير المبوبة تحتوي على 429 حديثا ومجموع ما في المبوبة 533 حديثا<.
 ثم زاد: >إنا لو جعلنا أصل الكتاب ما تحتويه النسخة المبوبة وهو 533 حديثا ، وأمكنا أن نضيف إليها ما في النسخة غير المبوبة مما لم يرد في المبوبة ، حصلت لدينا مجموعة أكبر من ” المسائل ” الثابتة في النسخ المسماة بكتاب المسائل . فلو جعلنا تلك المجموعة أساسا ، وأضفنا عليها ما كان بعنوان ” السؤال عن أخيه ” حصلت لنا مجموعة أكبر من المسائل ، بما يوجب الاطمئنان بحصولنا على كتاب ” المسائل ” الكامل<([15]).
وليس خفيا على المحقق السيد دام عزه أن النجاشي قد التزم غالبا بما تعهد به بذكر طريق واحد للكتب اختصارا، ولذا لا نمنع من كون النجاشي يروي النسخة المبوبة بغير طريق عبد الله بن جعفر، كما أننا أوقفناك على رواية كتاب علي بن جعفر بواسطة ابن مهجنار عن الزراري عنه، ولا نمنع أيضا من تعدد رواية النسخة غير المبوبة، فتكون تارة برواية الحميري وأخرى بغيره.
والحاصل: أن التوهم نشأ من تصور أن النسخة المبوبة لها طريق واحد، وأنها بعينها ما ذكره في قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام.
وأما ما ذكره من زيادة روايات قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام -وهي التي أسماها النسخة المبوبة- فإنه أمر لا غرابة فيه، أولا: لما عرفت من مغايرة قرب الإسناد لكتاب مسائل علي بن جعفر المطبوع، وثانيا: لأن الزيادات في قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام وقع بعضها عن الكاظم عن أبيه عليهما السلام، وبعضها فيما رواه الحميري عن غير سؤالات علي بن جعفر رضوان الله تعالى عليه، ومثاله -غير الأوحد- ما نبهناك عليه سابقا عند التكلم في قرب الإسناد بأن علي بن جعفر روى في كتابه روايات محمد بن عيسى العبيدي المحتمل قويا أنها من كتاب (قرب الإسناد) للعبيدي الذي يرويه الحميري نفسه، فكيف يكون الجمع بين كتابي قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام وكتاب مسائل علي بن جعفر منتجا لكتاب مسائل علي بن جعفر الكامل !.

[النسخة المتداولة لكتاب مسائل علي بن جعفر]

ولشيخنا السيد الزنجاني معارضة للكتاب المطبوع اليوم باسم مسائل علي بن جعفر سمعته منه مرتين على الأقل في محضر بحثه، وحاصله: أن هذا الكتاب المطبوع غير معلوم الانطباق مع مسائل علي بن جعفر المشهور ذي الطرق المعتبرة، وأن طريقه فيه مجاهيل لم يذكروا، وأن أخباره أقل من أخبار كتاب قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام بنحو مائة رواية، وفي جملة الأخبار شذوذ، ومنها ما لم يرو في كتاب قرب الإسناد ولا غيره من المصادر، بل شبه هذا الكتاب -المطبوع- بديوان حافظ من جهة إثبات روايات منسوبة لعلي بن جعفر عن أخيه على أنها من كتاب مسائل علي بن جعفر، وخلص إلى عدم اعتبار هذه النسخة وأنها لشخص مجهول حاول الجمع بين روايات مسائل علي بن جعفر التي توافق ما نقله الكليني عن العمركي عن علي بن جعفر، وروايات قرب الإسناد للحميري، وبعضها مطابق لهما وبعضها لا، وبعضها شاذ لا وجود له في المصادر المتوافرة، فكل انفراد للكتاب لا يلبس ثوب الصحة والاعتبار([16]).
وكيفما كان، فإن أغلب نسخ الكتب التي ادعي العثور عليها في زمن المجلسيين وكذا المحدث النوري قدس الله أسرارهم، قد ابتليت بالتشكيك؛ لأن أكثرها إنما نسب لأصحابها المظنونين دون أن تقوم حجة واضحة على صحة النسبة؛ إذ كانت وجادة بغير قرينة صحة، وما هو إلا لعدم تعاهد سنة القراءة والتناول والإجازة المعتبرة والاتكال على نسخ الصحافين والسوقة، حاشا علماءنا الثقاة والمؤتمنين.

[كتاب ترتيب مسائل علي بن جعفر]

ثم إن الكتاب قد رتبه الشيخ ناصر الجارودي المجاز من الشيخ السماهيجي، وقد نبه عليه المحقق الطهراني في الذريعة بقوله: >وهذا الترتيب للشيخ ناصر بن محمد الجارودي المعاصر للشيخ عبد الله السماهيجي والمجاز منه بالإجازة المدبجة في سنة ( 1128 )، وأشار السماهيجي في إجازته هذه إلى ما تنبه إليه الشيخ ناصر المجاز من أن صريح السند الأول في هذه المسائل أنه روى >علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألت أبى جعفر بن محمد عن كذا فقال كذا< ، وبعد السند الأول لا يذكر سندا آخر أصلا، بل إنما يقول: >وسألته عن كذا، فقال: كذا< ، وظاهره أنه عطف على سألت أبى جعفر المذكور قبله، فقائل سألته من أول المسائل إلى آخرها هو الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وقد سألها من أبيه الإمام جعفر بن محمد عليه السلام وهو المجيب عنها، فالمدون لتلك السؤالات والجوابات هو الإمام الكاظم عليه السلام، وبما أن علي بن جعفر هو الراوي لها عنه فنسبت المسائل إليه.
أقول (والكلام للطهراني) : لو كان سياق جميع المسائل بعنوان سألته لكان الأمر كما نبه عليه، لكن في مسألة رفع اليدين بالتكبير ما لفظه: >قال علي بن جعفر: قال أخي عليه السلام: على الإمام أن يرفع يديه في الصلاة وليس على غيره أن يرفع يديه في التكبير<، وفيه أيضا: >قال علي بن جعفر: قال أخي: قال على بن الحسين عليه السلام: وضع الرجل< إلى آخره، فيظهر من هذه المواضع أن المدون للكتاب هو علي بن جعفر، جمع فيه مجموع رواياته عن أخيه، وهي على ثلاثة أصناف: ( 1 ) سؤالات أخيه من أبيه وجوابات أبيه عنها، ( 2 ) ما ذكره أخوه من نفسه، ( 3 ) ما رواه أخوه مرسلا عن أجداده<([17]).
والحق أن الجارودي كان متنبها لتنوع الأخبار عن الكاظم والصادق عليهما السلام، وكان هذا هو الداعي لأن يقول الجارودي في أول كتابه (ترتيب مسائل علي بن جعفر): >فهذه نبذة تتضمن ترتيب المسائل الجعفريات والكاظميات على المجيب عنها أفضل الصلوات<([18])، كما أنه ميز بين ما انتهي فيه إلى الكاظم عليه السلام وبين التي إلى الصادق عليه السلام، بقوله في أول الثاني: >من الجعفريات<([19])، وفي بعض الأول: >من الكاظميات<([20]).
لكن صريح السند الأول في الكتاب المطبوع من المسائل هو ما نصه: >أخبرنا أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي العباس قال : حدثنا أبو جعفر بن يزيد بن النضر الخراساني من كتابه في جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين ومائتين قال : حدثنا علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، عن علي بن جعفر بن محمد ، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال : سألت [أخي موسى بن جعفر] عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمدا < الحديث.
وما بين المعقوفتين من تصويبات السيد الجلالي دام مجده، إذ قال في الهامش: > في ” ق ” و ” م ” و ” ض “: سألت أبي جعفر بن محمد، وما في المتن من هامش ” م ” ، والظاهر أنه الصواب ، قال المجلسي ( ره ) في بيانه على العبارة في البحار 10 : 291 : قوله ( قال : سألت أبي ) يدل على أن السائل في تلك المسؤولات الكاظم عليه السلام ، والمسؤول أبوه عليه السلام . وفي قرب الإسناد وسائر كتب الحديث السائل علي بن جعفر ، والمسؤول أخوه الكاظم ، وهو الصواب ، ولعله اشتبه على النساخ أو الرواة ، ويدل عليه التصريح بسؤال علي عن أخيه في أثناء الخبر مرارا <، وليس هذا العمل من السيد بالصائب، فإن اتفاق النسخ على رواية الكاظم عن أبيه عليه السلام، وما في هامش إحداها إن لم يكن تصحيحا فهو كاستظهار المجلسي في البحار، لا ينصرف له ويترك الأصل.
إضافة لكون الرواية المشار إليها والذي قال المجلسي أنها مروية في كتب الحديث عن علي بن جعفر سائلا أخاه الكاظم عليه السلام، قد رويت -كما ذكر رحمه الله- في قرب الإسناد والمسؤول فيها هو الكاظم عليه السلام([21])، ولم نقف على روايتها في كتب الخاصة الأخري، كما أن الاستدلال على الخطأ المدعى -بالقول أن المسؤول هو الكاظم عليه السلام وقفا عليه وأن ذكر أبيه الصادق عليه السلام خطأ- بكتاب قرب الإسناد غير سليم عن شائبة الإشكال؛ إذ قد عرفت المختار في ما انفردت به نسخة كتاب قرب الإسناد وأنها لا توجب الاطمئنان؛ لما داخل نسختها الواصلة إلينا بنسخ ابن إدريس رحمه الله من البياض والمحو ورداءة الخط كما هو مفاد كلام ابن إدريس نفسه في المنقول من خطه بنحو يمكن الميل إليه، هذا، ولا يخفى أنه لو تم القول بسلامة نسخة المسائل وبأن كتاب قرب الإسناد إلى الكاظم عليه السلام هو النسخة المبوبة لمسائل علي بن جعفر، أو أنه مغاير له لكن أكثره تريتيب لكتاب المسائل، صعد احتمال الخطأ في كتاب قرب الإسناد لا أصله وهو كتاب مسائل علي بن جعفر، فإن الخطأ في نسبة الرواية لأحد المعصومين المتقاربين أو المشتركين في الكنى أمر واقع كثيرا، خاصة في الكتاب الناقلة من الأصول التي تكون غير المرتبة غالبا، وبهذا ينعكس التصحيح، فيصحح قرب الإسناد بالنظر لكتاب المسائل لا العكس.

 

[تحقيق نسبة المؤلف]

تقدم أن صريح السند في المطبوع هو: >أخبرنا أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي العباس قال : حدثنا أبو جعفر بن يزيد بن النضر الخراساني من كتابه في جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين ومائتين قال : حدثنا علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، عن علي بن جعفر بن محمد ، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال : سألت [أخي موسى بن جعفر] عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمدا < الحديث، وبان لك الصحيح في ما بين المعقوفتين.
والذي أشار إليه شيخنا المحقق السيد الزنجاني أمد الله في عمره، أن سند هذه النسخة فيها التصريح بأنها من حديث أبي جعفر بن يزيد بن النضر الخراساني >من كتابه< في جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين ومائتين، فهي مما اختاره أبو جعفر الخراساني وضمنه كتابه وحدث به من حديث الكاظم عليه السلام برواية علي بن جعفر، فكيف يقال بعد أن هذا هو كتاب مسائل علي بن جعفر غير المبوب ويشار إليه ويرجع له بهذه الصفة !.

[السند وتصحيحه]

وأبو جعفر بن يزيد بن النضر الخراساني لم يذكروه.
ونحتمل الخطأ في السند؛ فقد نقل السيد إعجاز حسين في كشف الحجب سندا فيه تغيير، قال:
> المسائل لعلي بن جعفر أخي موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام: قال العلامة المجلسي عند ذكره مآخذ البحار: >وكتاب المسائل المشتمل على جل ما سأله السيد الشريف الجليل النبيل علي بن الإمام الصادق جعفر بن محمد من أخيه الكاظم صلوات الله عليهم أجمعين<. أولها أخبرنا أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي إلياس قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يزيد بن نصر الخراساني من كتابه في الجمادى الأخرى سنة إحدى وثمانين ومائتين، قال: حدثنا علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن علي بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمد عن رجل وقع امرأته قبل طواف النساء معتمدا ما عليه قال يطوف وعليه بذمة الخ <([22]).
وهو المثبت أول مخطوط المكتبة الرضوية على صاحبها السلام والتحية، باسم (المسائل) ورقم: (‏‎۳۱۷۹۸ م) من نسخ القرن الثالث عشر الهجري كما في فهرست المكتبة، وأظنها مما اشتراه السيد الخامنائي حفظه الله وأيده من مخطوطات الهند، ولم تقع بيدي مصورتها حتى الآن.
وفي رجال الشيخ في إبراهيم بن يزيد من رجال أبي محمد العسكري روحي فداه ما يدل على وجوده، قال:
>وأخوه أحمد بن يزيد<([23])، ومن هو في هذه الطبقة قد أدرك سنة 281 في كبره.
وروى النوري في مستدرك الوسائل ما يدل على تلقيبه بالخراساني، فقد روى عن جعفر بن أحمد بن علي القمي في كتابه المسلسلات حديثا فيه أحمد بن يزيد ولقبه بالخراساني وطبقته تناسب العسكري عليه السلام أيضا، قال: >حدثنا أبو الفرج محمد بن سعيد بن علي بن سعيد الكوفي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، قال: حدثني أحمد بن يزيد([24]) الخراساني، قال: حدثني محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام )، قال : حدثني يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، قال : حدثني محمد بن عبيد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال : حدثني محمد بن عقيل بن أبي طالب ، قال : حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، قال : رأيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) متختما في يمينه -إلى أن قال-  قال أحمد بن يزيد : ورأيت محمد بن جعفر ، متختما في يمينه<([25]) الحديث.
ورواية أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة المتوفى سنة 333هـ تناسب الرواية عن أحمد بن زيد.

 [صاحب الكتاب المعروف بمسائل علي بن جعفر]

فصاحب الكتاب هو أحمد بن يزيد الخراساني على الأرجح، وهو المذكور في التراجم والأسانيد، أخو إبراهيم بن يزيد من أصحاب أبي محمد العسكري عليه السلام، ويروي ابن عقدة عن أحمد بن يزيد هذا، و (النضر) في سند المطبوع من المسائل تصحيف (نصر) على احتمال.
ولا يبعد أن يكون (أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي العباس) في سند المطبوع تصحيف (أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي إلياس) كما نقل السيد إعجاز في كشف الحجب وأيدته مخطوطة المكتبة الرضوية؛ غير أن أحمد بن موسى لم أقف على ذكر له، وابن أبي إلياس لُقِّبَ به غيره، ووقوع الاشتباه في رسم (العباس) و(إلياس) متوقع جدا من النساخ.
وهذا الكتاب حاله كمجموع ما نسب لغيره، خصوصا ما ظفر به المجلسيان رحمهما الله، فقد أسرعا في تسمية الكتب الواصلة إليهما وإثبات مؤلفيها والإجازة بروايتها.
فالكتاب ليس في اعتبار الأصول المعروفة والكتب المشهورة، لكنه -بلا شك ولا ارتياب- صالح للقرينية والاستدلال به على نحو الشهادة والتأييد، بل لو انحصر الدليل فيه -وهو أمر نادر- واجتمعت عوامل الوثوق بخبره كان حجة في العمل.
وتحقيق النسبة من الأمور الشاقة والتي تحتاج لتتبع وسعة يد في توفر النسخ والمخطوطات المختلفة، ولو وجدنا من يفتح لنا مكتباته الخاصة والعامة لقلَّبنا صفحات كتبها وغصنا في كنوزها، نسأل الله أن يقيض لنا وللمؤمنين ما نأمله، كما سهل بمنه لنا الكثير مما لم نحتسبه، وكله بلطفه تعالى الحميد الكريم.

كتبه بيمناه بما أفاض عليه ربه وأولاه

محمد علي العريبي المعاميري البحراني

في حاضرة العلم قم


([1]) قرب الإسناد: 243/ ح962.
([2]) مسائل علي بن جعفر: 266/ ح643.
([3]) الوسائل 11: 305/ ب 22 ح12.
([4]) أنظر صور مخطوطات الكتاب آخر مقدمة الكتاب المحقق بواسطة مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأولى 1413هـ.
([5]) الفهرست: 294/ ر440.
([6]) النجاشي: 219/ ر573.
([7]) منه ما في > الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ قَاسِمٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الثَّانِي ع قَالَ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع ذَاتَ يَوْمٍ وَ مَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ع وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّه‏< الحديث.
([8]) أنظر للأزدي قرب الإسناد (إلى الصادق عليه السلام): 14/ ح43- 32/ ح104- 33/ ح106 و107 و108- 36/ ح118- 37/ ح120 و ح121.
ولسعدان: 315/ ح1223 و1224 – 316/ ح1225 و1226- 341/ ح1248، والأخير بواسطة محمد بن عيسى بن عبيد منفردا بدون أحمد بن إسحاق.
([9]) قرب الإسناد: 314/ ح1219.
([10]) الذريعة 17: 68.
([11]) أنظر مثالا: ص394 ح1382 و ح1383.
([12]) بحار الأنوار 10: 249. ووجدت في الفهارس نسخة مسائل علي بن جعفر في مكتبة (مدرسة مروي) محررة على يد (محمد بن حسين بن علي بن حسين مازندراني) منسوخة عن نسخة بتاريخ 686، وهي برقم (479)، ولم تصلني صورتها.
([13]) فهرست النجاشي: 251/ ر662.
([14]) مقدمة محقق كتاب مسائل علي بن جعفر: 70-71.
([15]) مقدمة المحقق في كتاب مسائل علي بن جعفر: 74.
([16]) بحث السيد النجاني دام ظله يوم 14/7/1388 هـ ش.
([17]) الذريعة 4: 68/ (282: ترتيب مسائل علي بن جعفر).
([18]) ترتيب مسائل علي بن جعفر: 29.
([19]) وأول هذه الموارد في ترتيب مسائل علي بن جعفر: 53/ الباب السابع (في موجبات الغسل) ح2.
([20]) منها في ص 155/ ح2.
([21]) قرب الإسناد (إلى الكاظم عليه السلام): 243/ ح963.
([22]) كشف الحجب: 510/ ر2868.
([23]) رجال الشيخ: 397/ ر12 في أصحاب أبي محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام‏ (باب الهمزة).
([24]) في بعض نسخ المسلسلات في هذا الموضع: >أحد بن يحيى< والصحيح ما أثبتناه وهو الموجود في نسخ صحيحة طالعناها، أنظر مخطوط مكتبة البروجردي رقم 288/ صورة 75 الجانب الأيسر.
([25]) مستدرك الوسائل 3: 285/ ح3598.