السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

6- هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

الجواب:

أقول: كل تفسير لـ (وحدة الوجود) يثبت اتحادا في الذات أو الصفات المختصة به سبحانه، كفر ولا يجوز التعبد به واعتقاده، وكل ما دون هذا مما يثبت التغاير بين الخالق والمخلوق وأن الاشتراك إنما هو في حقيقة الوجود بمعنى الثبوت المقابل للعدم وفي الإسم دون الحقيقة كما بينته الأخبار الكثيرة، فلا يلزم منه كفر القائل به إلا أن الاعتقاد بكل دعوى زائدة عليه منوط بموافقة الدليل الفطري فيما يستقل بإدراكه أو السماعي من الأخبار الصحيحة فيما لا يبلغه العقل إلا من هذا الطريق الذي خاض فيه من تاه وتاه فيه من خاض.

قال أبو جعفر ع: «تكلموا فِي خلق الله، و لا تتكلموا في الله؛ فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيرا».

ومن الكتب اللطيفة في هذا الشأن كتاب تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود للفاضل السيد قاسم علي أحمدي.

وأكتفي بمقالة السيد الخوئي رحمه الله في شرحه على العروة.

قال السيد اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى:

(القائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد ).

وعلق عليه السيد الخوئي رحمه الله:

( القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود و الموجود معاً، نعم حقيقة الوجود واحدة، فهو مما لا يستلزم الكفر و النجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون و أهل الكتاب و مطابق لظواهر الآيات و الأدعية، فترى أنّه (عليه السلام) يقول [في دعاء يستشير]: «أنت الخالق و أنا المخلوق و أنت الرب و أنا المربوب» و غير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد و خالق للآخر، و يعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي.

و إن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأول و هو أن يقول بوحدة الوجود و الموجود حقيقة و أنه ليس هناك في الحقيقة إلّا موجود واحد و لكن له تطورات متكثرة و اعتبارات مختلفة، لأنه في الخالق خالق و في المخلوق مخلوق كما أنه في السماء سماء و في الأرض أرض و هكذا، و هذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص و هذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين، و حكى عن بعضهم أنه قال: ليس في جبتي سوى اللّٰه، و أنكر نسبته إلى أكابر الصوفية و رؤسائهم، و إنكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فان العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام و كيف يلتزم بوحدة الخالق و مخلوقه و يدعي اختلافهما بحسب الاعتبار.

و كيف كان فلا إشكال في أن الالتزام بذلك كفر صريح و زندقة ظاهرة، لأنه إنكار للواجب و النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلّا بالاعتبار، و كذا النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أبو جهل مثلًا متّحدان في الحقيقة على هذا الأساس و إنما يختلفان بحسب الاعتبار.

و أمّا إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة و لا كثرة فيه من جهة و إنما الموجود متعدِّد، و لكنه فرق بيّن بين موجودية الوجود و بين موجودية غيره من الماهيّات الممكنة، لأنّ إطلاق الموجود على الوجود من جهة أنّه نفس مبدأ الاشتقاق‌ و أمّا إطلاقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل أنها نفس مبدأ الاشتقاق و لا من جهة قيام الوجود بها حيث إن للمشتق إطلاقات فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم أو ضارب لأنّه بمعنى مَن قام به العلم أو الضرب، و أُخرى يحمل عليه لأنّه نفس مبدأ الاشتقاق كما عرفته في الوجود و الموجود، و ثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة و هذا كما في اللّابن و التامر لضرورة عدم قيام اللبن و التمر ببائعهما إلّا أنّ البائع لما كان مسنداً و مضافاً إليهما نحو إضافة و هو كونه بائعاً لهما، صح إطلاق اللّابن و التامر على بائع التمر و اللّبن، و إطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل، لأنه بمعنى أنها منتسبة و مضافة إلى اللّٰه سبحانه بإضافة يعبّر عنها بالإضافة الإشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدِّد و الموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد.

و هذا القول منسوب إلى أذواق المتألهين، فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه، و يسمّى هذا توحيداً خاصياً. و لقد اختار ذلك بعض الأكابر ممن عاصرناهم و أصرّ عليه غاية الإصرار مستشهداً بجملة وافرة من الآيات و الأخبار حيث إنّه تعالى قد أُطلق عليه الموجود في بعض الأدعية.

و هذا المدعى و إن كان أمراً باطلًا في نفسه لابتنائه على أصالة الماهيّة على ما تحقّق في محلّه و هي فاسدة لأنّ الأصيل هو الوجود، إلّا انه غير مستتبع لشي‌ء من الكفر و النجاسة و الفسق.

بقي هناك احتمال آخر و هو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود و الموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود و الموجود و أنه الواجب سبحانه إلّا أن الكثرات ظهورات نوره و شؤونات ذاته، و كل منها نعت من نعوته و لمعة من لمعات صفاته و يسمّى ذلك عند الاصطلاح بتوحيد أخصّ الخواص، و هذا هو الذي حقّقه صدر المتألهين و نسبه إلى الأولياء و العرفاء من عظماء أهل الكشف و اليقين قائلًا: بأن‌

( الآن حصحص الحق و اضمحلّت الكثرة الوهمية و ارتفعت أغاليط الأوهام )

إلّا أنّه لم يظهر لنا إلى الآن حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام !.

و كيف كان فالقائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الأخير أيضاً غير محكوم بكفره ولا بنجاسته ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد. انتهى كلامه علا مقامه.

محمد العريبي

View this post on Instagram

السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها 6- هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟ الجواب: أقول: كل تفسير لـ (وحدة الوجود) يثبت اتحادا في الذات أو الصفات المختصة به سبحانه، كفر ولا يجوز التعبد به واعتقاده، وكل ما دون هذا مما يثبت التغاير بين الخالق والمخلوق وأن الاشتراك إنما هو في حقيقة الوجود بمعنى الثبوت المقابل للعدم وفي الإسم دون الحقيقة كما بينته الأخبار الكثيرة، فلا يلزم منه كفر القائل به إلا أن الاعتقاد بكل دعوى زائدة عليه منوط بموافقة الدليل الفطري فيما يستقل بإدراكه أو السماعي من الأخبار الصحيحة فيما لا يبلغه العقل إلا من هذا الطريق، وهذا أمر خاض فيه من تاه وتاه فيه من خاض. قال أبو جعفر ع: «تكلموا فِي خلق الله، و لا تتكلموا في الله؛ فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيرا». ومن الكتب اللطيفة في هذا الشأن كتاب تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود للفاضل السيد قاسم علي أحمدي. وأكتفي بمقالة السيد الخوئي رحمه الله في شرحه على العروة. قال السيد اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى: (القائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد ). وعلق عليه السيد الخوئي رحمه الله: ( القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود و الموجود معاً، نعم حقيقة الوجود واحدة، فهو مما لا يستلزم الكفر و النجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون و أهل الكتاب و مطابق لظواهر الآيات و الأدعية، فترى أنّه (عليه السلام) يقول [في دعاء يستشير]: «أنت الخالق و أنا المخلوق و أنت الرب و أنا المربوب» و غير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد و خالق للآخر، و يعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي. … التتمة في التعليقات والمدونة وبرامج التواصل #وحدة_الوجود #فلسفة #عقيدة #العريبي

A post shared by محمد العريبي (@aloraibi.m) on

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.