إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام وحدود الطواف بالبيت العتيق

 

إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام

 

وحدود الطواف بالبيت العتيق

[مستند الحكم]

 

روى الكليني (قدس الله سره) في الكافي عن:

 

“مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ وَ غَيْرُهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:

 

سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ؟

 

قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلى‏ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَ الْمَقَامِ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ تَطُوفُونَ مَا  بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ الْحَدُّ مَوْضِعَ الْمَقَامِ الْيَوْمَ، فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “.

 

[طريق الحديث]

 

وهذا الحديث اعتمده لوحده الشيخ في التهذيب وقال قبله:

 

“وَ حَدُّ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الَّذِي مَنْ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَائِفاً بِالْبَيْتِ وَ لَا طَوَافَ لَهُ هُوَ أَنْ يَطُوفَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ الْبَيْتِ فَمَنْ جَازَهُ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُ فَلَيْسَ طَوَافُهُ بِشَيْ‏ءٍ رَوَى ذَلِك‏”.

 

ثم ذكر طريقه قال:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفيه شبهة تحريف أو تصحيف في السند من جهة من يروي عنه محمد بن يحيى، واختلاف في تعيينه في تهذيب الشيخ رحمه الله، إلا أنه عندنا ليس بذي بال وخطر.

 

إلا أننا نقول: في التهذيب: ” مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الطَّوَافِ بِالْبَيْت‏” الحديث.

 

وفي هامش الكافي المطبوع في الحديث 7436:

 

” مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيىٰ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسىٰ ، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ:سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّٰهِ عليه السلام عَنْ قِيمَةِ مَا فِي الْقُمْرِيِّ ” الحديث.

 

 علق في الهامش:”لم نجد توسّط أحمد بن محمّد بن عيسى بين محمّد بن يحيى وياسين الضرير في موضع. بل يروي محمّدبن يحيى عن ياسين الضرير بتوسّط محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى [بن عبيد]. كما في الكافي، ح 7538 و 7800 و 7910 و 8676 و 14629 والظاهر أنّ «أحمد بن محمّد بن عيسى» في سندنا هذا محرّف من «محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى».ويؤيّد ذلك أنّ الخبر رواه الشيخ الطوسي في التهذيب، ج 5، ص 371، ح 1293 بسنده عن محمّد بن عيسى عن ياسين الضرير”.

 

أقول: يقوي احتمال التصحيف أن طرق المشايخ كالنجاشي([1]) والشيخ([2]) إلى كتابه منحصرة برواية محمد بن عيسى بن عبيد، والصحيح عندي -كما ذكروه- الذي يقتضيه التتبع أنه محرف عن “محمد يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن محمد بن عيسى بن عبيد عن ياسين الضرير”.

 

وأما ياسين الضرير، فالظاهر شهرة كتابه بين المشايخ وتسليمهم لروايته في كتب الأخبار، وهذا كاف في الركون لخبره.

 

 [الدلالة]

 

وأما الدلالة: فالذي يفهم منها أن العبرة بكونه طائفا بالبيت عرفا لخصوصية تميزه، لا به وبغيره فلا يقع الطواف المخصوص بدائرة أوسع من مطاف البيت بنظر العرف، ولم يعين في كلامه عليه السلام الحد السابق -قبل تغيير موضع المقام- لمطاف البيت الشريف، بل صرح عليه السلام أن موضع المقام صار أو وضع على حد المطاف -كما في جملة كثيرة من النقولات أن عمر أخره عن محل الطواف إلى هذا المحل، وأصر على إرجاعه لما أزاله السيل وثبته في موضعه الذي غيره وهو محله اليوم بلا ريب- ولا جعل الحد الذي كان عصره عليه السلام هو الذي يجب أن يكون عليه في بقية العصور، فالعبرة بصدق الطواف بالبيت، لا بالمسافة بين البيت والمقام.

 

[معارضته بما رواه الصدوق]

 

وقد تعارض الضابطة المروية السابقة بما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله صحيحا، قال:

 

” رَوَى أَبَانٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ:

 

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ؟

 

قَالَ: مَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَ مَا أَرَى بِهِ بَأْساً، فَلَا تَفْعَلْهُ إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مِنْهُ بُدّاً “.

 

وأبان هو ابن عثمان، الذي روى عنه أجلة المشايخ وأخذوا حديثه عن سماع لا من كتاب غالبا، مع أن جملة ممن روى عنه مغموز فيه، والمرجع للرواة عنه وما يمكن الاحاطة به من مؤيدات.

 

قال الشيخ يوسف طيب الله ثراه:

 

” و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم وجه يحضرني الآن في الجمع بين الخبرين المذكورين. و الاحتياط لا يخفى “.

 

 

أقول:

أقول: أسلوب رواية الحلبي عن الصادق عليه السلام كثير في الأخبار، مجمل الدلالة بنحو تام في بعضها، وظاهر في بعضها الآخر، يمكن الاعتماد على شرحها بما سبق في الصحيح -على الأقوى- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام، وكذت بما سيأتي من قرائن تاريخية من زمن النص وتقريبات عرفية

فالأظهر فيها أنها على نحو اللف والنشر المرتب التشريحي، فجملة (فلا تفعله إلا أن لا تجد منه بدا) وقعت شرحا لقوله عليه السلام المؤلف من مقطعين: (ما أحب ذلك وما أرى فيه بأسا).

 

وبهذا تكون دالة على عدم إجزاء الطواف خلف المقام لا كراهتة.

 

والضرورة هنا لعلها لأمر التقية لا للزحام وغيره؛ لما أفتى به غير واحد من العامة بجواز الطواف حول الكعبة ولو من خلف حائل ولو ابتعد عن البيت ككونه تحت المسقفات البعيدة عن البيت أو عند أبوابه التي كانت خارج المطاف، لكنه وجه يفتقر للتأييد الذي تسكن معه النفس خاصة أن مثل هذا القول حكي عن الشافعي المتأخر عن الصادق عليه السلام زمانا، مع أنه لا مانع من وجود قائل غيره، فلا يحاد عن تسويغ مطلق عدم المندوحة للطواف خلف المقام، سواء كان للتقية أو للزحام الذي لا يخلو عنه موسم ولا يتسع الزمان للصبر لأدائه.

 

فليس بين رواية الحلبي -هذه- والرواية -الأولى- السابقة لمحمد بن مسلم إلا تمام التلاؤم، إذ في الأولى وضع الإمام عليه السلام الضابطة الكلية وصرح بأن الحد في زمنه هو الحد قبل هذا الزمن، وهنا طبق تلك القاعدة التي أفادها عليه السلام.

 

وأما التمسك بالعموم أو الإطلاق في قوله عليه السلام (ما أحب ذلك) لفرض التعارض بينها وبين مفاد الجواز في صحيحة محمد بن مسلم، فغير سالم عن الإيراد؛ إذ الصحيح في التمسك بالعموم التيقن أولا بدلالته عليه، ولا يمكن إثبات إطلاق أو عموم للفظ إلا بعد الاطمئنان بكونه في هذا المقام من البيان، وهذا وإن ذكره أغلب الأصوليون إلا أنهم قلما يجرون عليه كقاعدة، وكثيرا ما يثبتون الإطلاق للفظ أو العموم مع أن الشك في نفس الدلالة، وتفصيل الكلام في محله.

 

وعلى أي حال، فإن القاعدة لدينا: هي إرجاع المجملات -أي ما كان من المتشابه- من كلامهم عليهم السلام للمحكم من الأخبار -أي المبين الواضح- في حدود ما وقع عليه البيان، وقد تقدم نتيجته.

 

والحاصل: عدم جواز الخروج عن حدود المطاف، تضيق أو توسع، وأنه بالتوسعة الأخيرة دخل المقام في المطاف بعدما كان على حدوده، وتسوغ الضرورة وعدم المندوحة الطواف خارج المطاف.

 

ولأنه لابد من تشخيص موضوع الحكم ليقارب ما استظهرناه من الروايتين السابقتين، استدعى البحث عن تاريخ المطاف والمقام بصورة موجزة وافية.

 

 

[تاريخ المقام والمطاف]

 

فمن طرقنا في تاريخ المقام ما رواه الصدوق في العلل في باب (علة تأثير قدمي إبراهيم ع في المقام و علة تحويل المقام من مكانه إلى حيث هو الساعة) قال:

 

” أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ وَ عَلِيٌّ ابْنَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ ابْنِ أَخِي عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَوْ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:

 

لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ ع أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَ هُوَ الْمَقَامُ فَوَضَعَهُ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ لَاصِقاً بِالْبَيْتِ بِحِيَالِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَلَمَّا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ لَمْ يَحْتَمِلْهُ الْحَجَرُ فَغَرِقَتْ رِجْلَاهُ فِيهِ فَقَلَعَ إِبْرَاهِيمُ ع رِجْلَيْهِ مِنَ الْحَجَرِ قَلْعاً فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَ صَارُوا إِلَى الشَّرِّ وَ الْبَلَاءِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَرَأَوْا أَنْ يَضَعُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ لِيَخْلُوَ الْمَطَافُ لِمَنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّداً ص رَدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ع فَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَ أَوَّلِ وِلَايَةِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ قَدِ ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فَأَيُّكُمْ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا أَخَذْتُ قَدْرَهُ بِقَدَرٍ قَالَ وَ الْقَدَرُ عِنْدَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَائْتِ بِهِ فَجَاءَ بِهِ فَأَمَرَ بِالْمَقَامِ فَحُمِلَ وَ رُدَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ السَّاعَة “([3]).

 

ووقع في أصل عاصم بن حميد المطبوع ضمن الأصول الستة عشر -ولا بأس بها-  نحوه، قال:

 

“عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ:

 

كَانَ الْمَقَامُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَكَّةَ رَأَى أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَحَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَ الرُّكْنِ، وَ كَانَ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ إِمَارَةَ أَبِي بَكْرٍ وَ بَعْضَ إِمَارَةِ عُمَرَ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: إِنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ عَنْ طَوَافِهِمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! مَنْ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: فَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَمَدْتُ إِلَى أَدِيمٍ فَقَدَدْتُهُ وَ أَخَذْتُ قِيَاسَهُ، فَهُوَ فِي حُقٍّ عِنْدَ فُلَانَةَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَأَخَذَ خَاتَمَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَجَاءَ بِهِ، فَقَاسَهُ، ثُمَّ حَوَّلَهُ، فَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ”([4]).

 

وروى في المسترشد نحوه عن غير عاصم بن حميد([5]).

 

ولذا -أي أن المقام واقع على حد المطاف الخارجي- اجتزي بالمشي قبله لمن نذر المشي للبيت من غير تعيين للمبدأ، رواه الصدوق في الفقيه قال:

 

” وَ رُوِيَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِياً مَشَى فَإِذَا تَعِبَ رَكِبَ.

 

وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ خَلْفِ الْمَقَامِ “.

 

أي قبل المقام متوجها للبيت زاده الله شرفا.

 

 

وقد بقي المقام على حد الطواف بالبيت سنين طويلة -ملاصقا للبيوت المحيطة به غابرا أو على حدود المطاف لا يتجاوزه الطائف، قد قيل أن عمر هو أول من أحاط المطاف بحائط لما اشترى البيوت اللصيقة به- رغم التوسعات الكثيرة التي طرأت على المسجد، لم تتغير فيها سعة المطاف، وكان من شدة حرصهم على تحديده أحاطوه بأعمدة وأساطين لتمييزه وحصره، وكان المقام شاخصا على حدوده وكذا باب بني شيبة وسقاية العباس البارزه المسقفة على بئر زمزم، وهذا ما تحكيه الأوصاف في كتب المؤرخين ورسوم بعضهم والصور القديمة.

 

قال الفاسي : « المطاف المذكور في كتب الفقهاء وهو ما بين الكعبة ومقام إبراهيم عليه السلام ، وما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة » .

 

وقال الجويني: « المطاف المعتاد الذي يستنكر ويستبعد مجاورته هو ما بين الكعبة والمقام ، وفي كل جانب في العادة أمارات منصوبة لا يكاد الناس يخرجون عنها ».

 

وقد كان المطاف غير مستدير بصورة هندسية كاملة، فقد ذرعه الكثير من المأرخين منهم المؤرخ محمد طاهر كردي، قال:

 

« وإليك بيان طول المطاف القديم من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا منبطًا تامًّا بالأمتار : (11.50م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي فيه الباب من جهة الشرق إلى أول مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام . (16.65م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من ظهرها أي من الجهة الغربية . (22.3م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من تحت ميزابها أي من الجهة الشمالية ، بما فيه حجر إسماعيل وسمك جداره . (15.20م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي بين الركنين من الجهة الجنوبية ” انتهى.

 

ثم توالت التوسعات حتى وسع المطاف ليأخذ شكله الدائري الكامل اليوم، جاء في موقع بوابة الحرمين التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي -في التعريف بالمطاف-:

 

“هذا الشكل الدائري من عمل المهندسين المصريين الذي أشرفوا على توسعة المطاف . وإليك بيان طول هذا المطاف الجديد من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا تامًّا بالأمتار : (15.30م) طول المطاف الجديد من الجهة الشرقية للكعبة ، أي من مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام (10.75 م) طول المطاف الجديد من الجهة الغربية ، أي من جهة ظهر الكعبة (4.65 م) طول المطاف الجديد من الجهة الشمالية ، أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام . (11.50م) طول المطاف الجديد من الجهة الجنوبية ، أي من جهة الركنين الأسود واليماني.

 

هذا هو قياس طول المطاف الجديد بالأمتار ، وهو قياس محرر مضبوط لا يحتمل الشك ؛ لأننا أخذناه من نفس المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف في زماننا سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين من الهجرة . وبإضافة مقدار المطاف القديم على المطاف الجديد ، يظهر مقدار كامل المطافين .

 

ولقد قسمنا هذه الدائرة إلى أربعة أقسام متساوية، كما هو ظاهر في الرسم التالي، لنبين مقدار طول الطواف القديم، وطول المطاف الجديد من الجهات الأربع وهو رسم صحيح مضبوط مطابق للحقيقة ، أخذناه من المهندسين المصريين الذي اشتغلوا في توسعة المطاف من أواخر شهر شعبان إلى أوائل شهر شوال من سنة 1377 ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين هجرية .

 

وإليك رسم المطافين :

 

المطافان

 

وفي العهد السعودي الزاهر بعد توسعة سنة 1388هـ للمطاف أصبح قطر المطاف (64.8 م) على اعتبار أن الكعبة مركز القطر ، ويحيط به ممران متجاوران على محيط المطاف عرض كل منهما 2.5م ، وعلى ارتفاع 20سم . وقد أصبحت مساحة المطاف (3058 م2) حول الكعبة .

 

وفي توسعة عام 1399هـ ألغيت الحصاوي والمشايات ونقل المنبر والمكبرية وخفضت فوهة بئر زمزم أسفل المطاف بالقرب من المحيط الخارجي لدائرة المطاف ، فأصبحت سعة المطاف إلى حدود الحرم القديم بقطر (95.2م)، وأصبحت مساحة المطاف (8500 م2).

 

وفي عام 1424هـ تم تغطية مداخل قبو زمزم للاستفادة القصوى من صحن المطاف الذي يئن في فترات الزحام بالمعتمرين والحجاج ، وذلك بتسقيف مداخل القبو المؤدي للبئر ، وترحيل نوافير الشرب إلى جانب صحن المطاف ، حيث أدت هذه الأعمال إلى زيادة صحن المطاف بمقدار (400) متر مربع”.

 

فأول توسعة عليه وقعت سنة 1379هـ الموافق لسنة 1959م ، وصار على هيئته التي نشاهدها اليوم، ثم استحدث هذا العام وهو 1433هـ توسعة جديدة على المطاف أيضا.

 

 

[مقدار التباعد عن البيت من جهة الحجر]

لا يخفى أن القائل بعدم جواز التباعد أزيد من بعد المقام من جميع الجهات المستديرة حول الكعبة ولو بمقدار يسير، يُبطل الاعتماد على هذه القياسات رغم كونها متقاربة؛ لكنه قول ضعيف لم يأخذ في الاعتبار سيرة الطائفين يومها من عدم اعتبار هذه الدقة، كما أن قوله عليه السلام: ” فَمَنْ جَازَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ، وَ الْحَدُّ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَ وَاحِدٌ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا، فَمَنْ طَافَ فَتَبَاعَدَ مِنْ نَوَاحِيهِ أَبْعَدَ  مِنْ مِقْدَارِ ذلِكَ، كَانَ طَائِفاً بِغَيْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَ لَاطَوَافَ لَهُ “، إمضاء لهذا العمل الذي عليه الناس.

 

وقد يشكل فيقال: أنه إذا كان بين جدار البيت المشرف ورأس قوس الحجر 12 مترا (وهي 24 ذراعا تقريبا) كما ذكر إبراهيم باشا في مرآة الحرمين وغيره، فهذا يعني أن المطاف يتضيق بمقدار المسافة الباقية الموازية لبُعد المقام عن البيت وهي 11.5 م، وتكون المسافة المتبقية من المطاف القديم جهة الحجر [ 22.3 (من البيت إلى حد المطاف القديم) – 12 = ] 10.3 م من وراء الحجر، فالمتبقي بمسافة توازي المقام [ 11.50 (من البيت إلى المقام) – 10.3 = ] 1.20 م وهي خمسة أشبار تقريبا كما ذكره جدنا العلامة المبرور الشيخ حسين العصفور رحمه الله.

 

قال قدس الله نفسه في السداد بعد أن ذكر صحيحة محمد بن مسلم السابقة:

 

” و مقتضاها مراعاة قدر البعد بين البيت و المقام في سائر جوانب البيت، و هو خلاف الظاهر من كلام الأصحاب، و على هذا فتقلّ المسافة من جانب الحجر جدّا، و لا يبقى إلا مقدار خمسة أشبار، فلا يتباعد عن جداره بأكثر من ذلك، لأنّه ليس من البيت، و على المشهور فالمسافة كثيرة جدّا، و لكنّ الأخبار تنادي بخلاف ذلك”.

 

والصحيح أن المسافة التي حدها عليه السلام من جوانب البيت كله هي جملة ما يطاف حوله؛ ولابد من ارتكاب هذا التأويل؛ فإنه عليه السلام في مقام بيان جملة المطوف به وحد المطاف لا ما استثني من البيت كالحجر، والتعبير بالبيت للغلبة بذريعة المقصود من الطواف، وعليه فكل نواحي البيت هي تحديد للمطاف لا للبعد من جدارن البيت، وعبارة ” مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ كُلِّهَا” مقرونة سياقا وغرضا بحد المطاف بما يدخل فيه جملة المطوف وفيه الحجر.

 

بل إن من المقطوع به أن الطواف في المسافة الباقية على القول بدخول الحجر في المسافة غير معقول ومقطوع الفساد تاريخيا.

 

أما عدم تعقله: فلأنه لا يخلو موسم من الزحام الذي لا يتيسر معه طواف الحجاج كلهم في هذا المقدار، ولو كان الحكم كما ذكروا لبان في تكثر الأسئلة عنه وتنبيه الأئمة له، بل كيف يعقل طوافهم فيه وهم على الدواب والجمال كما طاف رسول الله صلى الله عليه وآله، بل إن الالتزام به خروج عن الحكم نفسه؛ لعدم القدرة العادية على تحققه لجل الناس، وقد عرفنا أن الأحكام لا تناط بالفرد النادر إلا أن ينص عليه في أخبارهم عليهم السلام.

 

وأما تاريخيا: فقد مر عليك إطباق المؤرخين على تحديد المطاف من العصر الأول، ونصهم على أنه لم يغير حده إلى أن أحدث فيه من توسعة في هذا العصر.

 

[جذور المسألة]

 

ويظهر لي أن المسألة قد طرأت كوجه محتمل عند بعض متأخري علمائنا رحمهم الله، ويبدو أن أول من ذكرها وتبناها الشهيد الثاني في مسالكه، قال رحمه الله: “وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات، فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه”.

 

وربطت بمسألة دخول الحجر في البيت أو خروجه منه، ثم بني على أن الخارج من البيت -أي الحجر- لا يدخل فيما يجب الطواف به، قال في المسالك في مستند الحكم بإدخال الحجر في الطواف:

 

” مستند ذلك الأخبار الصحيحة، و التأسي بالنبيّ و الأئمّة صلوات اللّه عليهم. و ليس عندنا معلّلا بكونه من البيت، بل لما قلناه.

 

و في بعض أخبارنا تعليل ذلك بكون أمّ إسماعيل عليهما السلام مدفونة فيه، و فيه قبور أنبياء.

 

و روى الصدوق في الفقيه و العلل: «أنّه ليس في الحجر شي‌ء من البيت و لا قلامة ظفر»، و رواه زرارة عن الصادق عليه السلام.

 

و روى العامة عن عائشة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها: «أنّ من الحجر ستّة أذرع متصلة بالبيت منه»، فمنعوا من سلوك ذلك، و اختلفوا فيما زاد.

 

و على كلّ حال، فالإجماع واقع من المسلمين على أنّه ليس خارج الحجر شي‌ء آخر يجب الخروج عنه فيجوز الطواف خلفه ملاصقا بحائطه من جميع الجهات. و إنّما نبّهنا على ذلك، لأنّه قد اشتهر بين العامّة هناك اجتناب محلّ لا أصل له في الدين”.

 

ولا ملازمة بين كون الحجر خارجا من البيت واحتساب المسافة التي يطاف بها خلفه، فإن الأخبار التي قدمنها وما ذكرناه من التقريبات وقطعيات التاريخ كافية للحكم بالاجتزاء بالطواف خلف الحجر بما يعده الناس طوافا حول الكعبة.

 

 

[الخروج عن دائرة المطاف المرسومة اليوم]

وبما قدمناه يتبين حكم الخروج عن دائرة المطاف المرسوم اليوم، فالموضوعية لصدق الطواف بالبيت وما هو بمنزلته كالحجر، وهذا لا يقع بتعيين معين له؛ لكونه أمرا يتعين في الخارج بنفسه وحسب مطابقة مسمى الطواف به مع الخارج، فلما كان -قديما في العصر الأول للإسلام- تحيط الدور بالبيت من كل جانب تعين المطاف بتلك السعة حوله، ولما حصر الناس في دائرة أوسع بجعل جدار أو أعمدة حولة كان المطاف ما حواه وكان الطائف من خلفه بمنزلة الطائف بالحرم، واستمر إلى زمن ليس ببعيد حتى تمت توسعته قبل خمسين عاما، ولا شك أن صدق طواف الناس بالبيت اليوم وبعد إزالة الأعمدة والمرافق المحيطة به في كامل الدائرة المرسومة والساحة حتى أعتباب الأبواب لا تنكر من مستقيي السليقة.

 

وأما الطواف خلف الأعمدة والمسقف من الحرم، وكذا الطواف من الطوابق العلوية التي لا تتأخر عن المطاف تحتها بل يفصل بينها وبين فضاء المطاف حواجز وأعمدة كثيرة، فلا يختلط الريب في خروجه عن حقيقة الطواف بالبيت.

 

نعم، استثني الاضطرار في الطواف خارجه، الشامل هذا الاطرار لحالة التقية أو الزاحم الشديد مع عدم المندوحة الكافية للاتيان به في وقته.

وكتبه

محمد علي العريبي المعاميري

ظهيرة 28 من شوال 1433هـ

والحمد لله رب العالمين

ملحقات

 

ملحق 1: رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات.

 

رسم هندسي لأبعاد البيت المشرف والحجر من رسم شركة ابن لادن التي أشرفت على تعمير البيت قبل سنوات

 

 

 


([1]) فهرست النجاشي: 453/  ر1227.

 

([2]) فهرست الشيخ: 514/ ر819.

 

([3]) علل الشرائع 2: 423.

 

([4]) الأصول الستة عشر (ط دار الحديث): 149.

 

([5]) المسترشد: 521.

3 thoughts on “إجزاء الطواف خلف مقام إبراهيم عليه السلام وحدود الطواف بالبيت العتيق

  1. بسم الله ؛ والحمد لله ؛ وصلى الله على محمد وآله ؛ وبعد :
    سماحة الشيخ العريبي وقفنا على تحقيقكم حول مسألة حد المطاف ولنا تعليق موجز :
    أولاً : جاء في النقلين اللذين نقلتهما : (( وقد كان المطاف غير مستدير بصورة هندسية كاملة، فقد ذرعه الكثير من المأرخين منهم المؤرخ محمد طاهر كردي، قال: « وإليك بيان طول المطاف القديم من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا منبطًا تامًّا بالأمتار : (11.50م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي فيه الباب من جهة الشرق إلى أول مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام . (16.65م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من ظهرها أي من الجهة الغربية . (22.3م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة من تحت ميزابها أي من الجهة الشمالية ، بما فيه حجر إسماعيل وسمك جداره . (15.20م) طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي بين الركنين من الجهة الجنوبية ” انتهى.
    ثم توالت التوسعات حتى وسع المطاف ليأخذ شكله الدائري الكامل اليوم، جاء في موقع بوابة الحرمين التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي -في التعريف بالمطاف-: “هذا الشكل الدائري من عمل المهندسين المصريين الذي أشرفوا على توسعة المطاف . وإليك بيان طول هذا المطاف الجديد من الجهات الأربع محررًا مضبوطًا تامًّا بالأمتار : (15.30م) طول المطاف الجديد من الجهة الشرقية للكعبة ، أي من مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام (10.75 م) طول المطاف الجديد من الجهة الغربية ، أي من جهة ظهر الكعبة (4.65 م) طول المطاف الجديد من الجهة الشمالية ، أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام . (11.50م) طول المطاف الجديد من الجهة الجنوبية ، أي من جهة الركنين الأسود واليماني )) .
    ونريد أن نبدي هذه الملاحظة على تحديدهما حيث اعتبرا أن جهات الأضلاع التي بين الأركان تواجه الجهات الأصلية ؛ وفيه نظر ؛ فإن الذي يواجه الجهات الأصلية ( الشمال والجنوب والشرق والغرب ) لا أضلاع الكعبة المشرفـة بل زواياها الأربع والتي يعبر عنها بالأركان ؛ وإن كانت لا تنطبق تماماً إذا اعتبرنا مسألة الدِّقة وعملنا مستقيمين متعامدين ينصف كل منهما الآخر ؛ بحيث يشير كل نصف مستقيم إلى جهة ؛ وقد لاحظنا ذلك في اللوحة الإرشادية التي تبين مخطط الكعبة والمسجد والتوسعات الموجودة عند مداخل المسجد ؛ وأيضاً عند مراجعة بعض المصادر التي أوردت رسم هندسي للكعبة والجهات ؛ كما ويمكن ملاحظة ذلك بتأمل الرسم الهندسي الملحق في هذا التحقيق ؛ حيث إن السهم الذي يشير إلى جهة الشمال يوازي الركن الشامي الواقع قبل حائط الحجر المقوس على يسار الطائف بالبيت ، فالركن العراقي الموجود في الحجر الأسود يشير إلى الشرق ، والشامي يشير إلى الشمال ، والمغربي يشير إلى الغرب ، واليماني يشير إلى الجنوب ، نعم المسعى يواجه الشمال والجنوب ؛ وهو أكثر انطباقاً على الجهتين من الركنين الشامي واليمانِي ؛ فالواقف على المروة شمالاً يواجه الجنوب حيث المروة ، والواقف على الصفا جنوباً يواجه الشمال حيث المروة وأيضاً يواجه مقبرة الحجون ( أو مقبرة المعلاة ) .
    وأما الأضلاع فالذي فيه باب الكعبة يواجه الشمال الشرقي ، والذي فيه الميزاب جهة حجر إسماعيل يواجه الشمال الغربي ، والذي فيه المستجار يواجه الجنوب الغربي ، وبين الركنين اليماني والعراقي ( ركن الحجر ) يواجه الجنوب الشرقي .
    ثانياً : قد قمنا بقياس رخامات صحن المطاف بالشريط المتري ؛ فوجدنا أن طول كل رخامة 120سم مع فاصل بين كل رخامتين 5 سم تقريباً في الغالب وأحياناً يكون الفاصل أكبر ؛ وقد حسبنا المسافة بين الشاذرون إلى المقصورة النحاسية التي تضم المقام فوجدناها طول تسع رخامات كاملة = 10 متر و80 سم وجزئي رخامة عند جدار البيت وآخر عند المقصورة يعادلان 40 سم و50 سم للفواصل بينها ( 5 سم لكل فاصل إلا فاصلاً 10 سم تقريباً ) ؛ فالمسافة 11 متراً و70 سنتمتر تقريباً ، وستكون واحدة من الجوانب الأربع ( إلا أن من لا يدخل الحجر وجداره في حدود المطاف سيجعل مبدأ المسافة من جدار الحجر إلى مقدار المسافة بين البيت والمقام هذا من جهة الحجر ، وجدار البيت من الجهتين الأخريتين فاحتسابها من جدار الكعبة ؛ بخلاف من يدخل الحجر وجداره في حدود الطواف فمبدأ الحدود من كل الجوانب جدار الكعبة )
    أما إذا اعتبرناها إلى العمود الذي فيه المقام ( وهو صخر شبه مكعب طول ثلاثة من أضلاعه 36 سم والرابع 38 سم وارتفاعه 20 سم وفوقه أثر قدمي إبراهيم عليه السلام ؛ والصخر مثبت فوق قاعدتين رخاميتين ارتفاعهما حدود 72 سم ) ؛ فتصبح المسافة 12 متراً و30 سم ؛ حيث تضاف إلى المسافة السابقة المسافة من جدار المقصورة النحاسية الخارجي الحاوية للمقام إلى العمود الحامل له ( 60سم أي نصف رخامة طولاً ) .
    وأما من جهة حجر إسماعيل ؛ فمن جدار الكعبة الأساسي ( الشاذرون ) إلى الجدار المقوس للحجر الداخلي في منتصفه بحذاء الميزاب 8 أمتارٍ و46 سم ( هذا بحسب تصميم مجموعة ابن لادن ؛ وهو يطابق الرسم الهندسي الملحق في هذا التحقيق وهو يعادل طول 7 رخامات ؛ مع العلم أن هذه المسافة بحسب ما قسناه تعادل 7 أمتار و90 سم لكن آثرنا قياسات تصميم مجموعة ابن لادن وربما النقطة التي قسناها عند أضيق نقطة لا تمثل المنتصف تماماً والفارق بينهما هو مقـدار الانحنـاء بين المنتصـف وبين موضـع تقــديرنا أو حصل لنا اشتباه ، والله أعـلم ) ـ وعرض الجدار ـ كما قسناه بالشريط المتري ـ 155سم ؛ فيكون المَجموع 10 أمتارٍ تقريباً . فإذا راعينا المسافة بين جدار الكعبة والمقصورة فالمتبقي بعد جدار الحجـر الخـارجـي ( عند أضيق نقطة أي منتصفه بحذاء الميزاب ) ـ عند من يعتبر الحجر وجداره داخل في حساب المسافة كالشيخ حسين ـ يعادل 170 سم أي طول رخامة وأكثر من نصف رخامة وأقل من ثلثيها.
    لكن إذا اعتبرنا حدود المطاف دائرة مركزها وسط الكعبة ؛ فإن فالمسافة من الجوانب الأربعة لن تكون واحدة ؛ فإن أطوال أضلاع الكعبة مختلفة ؛ لأنَّها ليست مربعة تماماً فالضلع الذي فيه الباب من الركن العراقي إلى الشامي 12 متر و84 سم ؛ والذي فيه الميزاب من الركن الشامي إلى المغربي 11 متر و28 سم ، والذي فيه المستجار من المغربي إلى الشامي 12 متر و11 سم وهو أطول الأضلاع ؛ وبين الركنين الشامي والعراقي 11 متر 52 سم وقد أخذناه عن تصميم أعدته مجموعة بن لادن التي أشرفت على توسعة الحرم المكي وهو كالرسم الذي ألحقتموه في هذا التحقيق .
    وهذا بالفعل ما حصل عندما وقفنا عند طرف آخر رخامة وهي تاسع رخامة من الرخامات المحاذية للمقام ابتداء من جدار الكعبة إلى المقام وكان يفصلها عن جدار المقصورة حدود 20 سم فتتبعنا هذا الخط الدائري الذي يمثل نهاية الرخامات المتوازية أثناء المقام مع تلك الزيادة بعدها ؛ وجدنا أنَّ المتبقي عند أضيق مكان ـ وهو في منتصف الحجر تقريباً ـ جزء من رخامة حدود 20 إلى 25 سم + طول رخامة ( 120 سم ) وبإضافة 20 سم ؛ يكون المقدار 160 سم أو 165 سم تقريباً ؛ وعلى هذا فالمسافة من جدار الكعبة من جهة الميزاب والحجر ( 10 متر هي المسافة من جدار البيت إلى نهاية جدار الحجر الخارجي + 160 سم ) أي 11 متراً و60 سم تقريباً ، ووجدناها من جهة ظهر الكعبة ابتداء من منتصف المسافة بين الركنين اليماني والمغربي تعادل 12 متراً و30 سم تقريباً وفي الجهة المعاكسة لجهة حجر إسماعيل ( منتصف الضلع بين الركن اليماني وركن الحجر الأسود) تعادل 11 متراً و90 سم .
    فإذا ما اعتبرنا المسافة من جدار البيت إلى العمود لا إلى المقصورة ؛ فسنزيد 60 سم على القيم السابقة ؛ وستكون المسافة عند الحجر 12 متر و20 سم والمسافة المتبقية عند وسط جداره الخارجي 220 سم تقريباً ( مترين وربع أو طول رخامة وثلاثة أرباع الرخامة تقريباً ) ، وفي جهة ظهـر الكعبـة 12 متراً و90 سم ، وفي الجهـة بين الركـن اليماني وركــن الحجر الأسـود 12 و50 سم ؛ والله أعلم بالصواب

  2. شكر الله مساعيكم

    لقد كان لي طواف سريع على ما سعى به قلمكم المبارك
    نسأل الله لكم الموفقية سماحة الشيخ

    بالنسبة لمشاعر الحج هل
    هناك خرائط او كتاب يمكن الاعتماد عليهفي في هذا الموضوع؟

التعليقات مغلقة.