قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

[مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة]

(مسألة 29): إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة و أراد إدراك فضل الجماعة نوى (2) و كبّر و سجد معه (3) السجدة أو السجدتين و تشهّد، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام (4) و يستأنف الصلاة (5) و لا يكتفي بتلك النيّة و التكبير (6)، و لكن الأحوط (7) إتمام الأُولى‌ بالتكبير الأوّل، ثمّ الاستئناف بالإعادة.

______________________________
(1) فيتمّ صلاته و يعيد على الأحوط. (الفيروزآبادي).

(2) الأحوط أن ينوي المتابعة للإمام فيما بقي من أفعال صلاته و يكبّر لذلك رجاءً لدرك ثواب الجماعة و أمّا إذا نوى الصلاة و كبّر للافتتاح فلا يترك الاحتياط بالإتمام ثم الإعادة. (البروجردي).

(3) مقتضى ما سبق منه من عدم استئناف النيّة و التكبير جواز الاكتفاء بالنية و التكبير إن سجد معه السجدة الواحدة. (الفيروزآبادي).

(4) يعني بعد التسليم بمتابعة الإمام. (النائيني).

(5) الأحوط الإتيان بالتكبيرة الاولى و الثانية بقصد القربة المطلقة من دون احتياج إلى الإعادة. (الحائري).

الأحوط أن يكبّر تكبيراً مردّداً بين الافتتاح على تقدير الحاجة و الذكر على تقدير عدمها. (الحكيم).

(6) الأقرب الاكتفاء بهما و عدم وجوب الاستئناف. (الجواهري).

بل الأقوى الاكتفاء بذلك كما مرّ في غير الركعة الأخيرة. (كاشف الغطاء).

لا يبعد الاكتفاء. (الشيرازي).

(7) الأولى عدم الدخول في هذه الجماعة فإن نوى لا يترك هذا الاحتياط و إن كان الاكتفاء بالنيّة و التكبير و إلقاء ما زاد تبعاً للإمام و عدم إبطاله للصلاة لا تخلو من وجه. (الإمام الخميني).

  • (العریبی): المسألة ومثيلاتها من تطبيقات قاعدتي إذا أدرك الإمام راكعا فقد أدرك الركعة، وقد مر إثباتها وبيانها، وقاعدة من أدرك شيئا من صلاة الجماعة بعد أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك فضل الصلاة، وهي مستنبطة من مواردها المتفرقة، فإذا ثبتت كانت الأصل والمرجع لكل تطبيقاتها من إدراك المأموم سجود الإمام الأول أو الثاني من كل ركعة أو من الثانية من الركعة الأخيرة أو التشهد أو التسليم الأخير، على التفصيل بين المعذور الذي منع عن إدراك الركعة التي نوى لحاقها فيصح من الدخول وتجزيه جماعته، ومن فاتته الركعة لا عن عذر إلا سبق الإمام له فإنه هو المقصود بمن فاتته الصلاة.

فالكلام في إدراك الصلاة تكفلت به القاعدة الأول، ومضى.

والكلام في إدراك فضيلة ما فاته من الصلاة تكفلت به الثانية وثمرتها تظهر في جواز الإئتمام في أي موضع من الصلاة ثم اللحاق بالإمام قائما أو راكعا أو يقوم لصلاته ولا يعتد بما تابع به الإمام ولا يحتسبه بل يستأنف صلاة جديدة، والخلاف بين الأعلام في وجوب تكبيرة جديدة للصلاة أو الاكتفاء بتكبيرة دخوله الأولى على القول باشتراطها في صحة ائتمامه السابق، والأقوى أنها تجب عليه، لصريح الأخبار في عدم الاعتداد بما جاء به من الركعة أو الصلاة.

فهنا أحكام:

الأولى: جواز الإئتمام في أي موضع من صلاة الجماعة لإدراك فضيلة ما فات.

الثانية: عدم الاعتداد وعدم احتساب ما فات من الصلاة

الثالثة: استحباب التكبير لمتابعة الجماعة

الرابعة: وجوب تكبير جديد عند قيامه لصلاته بعد تسليم الإمام أو انفراده عن المتابعة.

قال السيد في المدارك:

” للمأموم بالنظر إلى وقت دخوله مع الإمام أحوال:

الحالة الأولى: أن يدركه قبل الركوع، فيحتسب بتلك الركعة إجماعا.

______________________________
الحالة الثانية: أن يدركه في حال ركوعه، و الأصح إدراك الركعة بذلك، للأخبار الكثيرة الدالة عليه «1»، فيكبر المأموم تكبيرة للافتتاح، و أخرى مستحبة للركوع، ثم يركع. قال في المنتهى: و لو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع إجماعا «2».

الحالة الثالثة: أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، و لا خلاف في فوات الركعة بذلك، لكن استحب أكثر علمائنا للمأموم التكبير و متابعة الإمام في السجدتين، و إن لم يعتد بهما.

و اختلفوا في وجوب استئناف النية و تكبيرة الإحرام بعد ذلك، فقال الشيخ: لا يجب، لأن زيادة الركن مغتفرة في متابعة الإمام «3». و قطع أكثر الأصحاب بالوجوب، لأن زيادة السجدتين مبطلة للصلاة، و لقوله عليه السلام في رواية معلى بن خنيس: «إذا سبقك الإمام بركعة، و أدركته و قد رفع رأسه، فاسجد معه و لا تعتد بها» «4» و هي غير صريحة في وجوب الاستئناف.

و يظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم من أصله، للنهي عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر عليه السلام «5» «6». و هو في محله، لا لما ذكره من النهي فإنه محمول على الكراهة، بل لعدم ثبوت التعبد بذلك.

ثم إن قلنا باستحباب المتابعة و عدم وجوب استئناف النية كانت التكبيرة المأتي بها تكبيرة الإحرام، و وجب إيقاع النية قبلها. و إن قلنا بوجوب استئناف‌.
النية، كان التكبير المأتي به أولا مستحبا كما هو ظاهر.

الحالة الرابعة: أن يدركه و قد سجد سجدة واحدة، و حكمه كالسابق، فعلى المشهور يكبر و يسجد معه الأخرى، و في الاعتداد بالتكبير الوجهان، و هنا أولى بالاعتداد، لأن المزيد ليس ركنا. و الوجه الاستئناف كالأول، لأن الزيادة عمدا مبطلة و إن لم تكن ركنا.

الحالة الخامسة: أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، و قد قطع المصنف، و غيره «1» بأنه يكبر و يجلس معه، فإذا سلم الإمام قام و أتم صلاته، و لا يحتاج إلى استئناف التكبير.

و نصّ المصنف في المعتبر على أنه مخير بين الإتيان بالتشهد و عدمه”([1]).

وينبغي ملاحظة أن الاختلاف في تفاصيل هذه المسألة وتقسيمها لمواضع الإدراك خلت من جمعه تفاصيل الأخبار مع عظم الابتلاء به، وهو يكشف عن وضوح حكمه ما لا يتحمل هذا التباين في الأقوال والتفصيل، وهذا بنفسه مؤيد لمفاد القاعدة الثانية.

أدلة قاعدة من أدرك شيئا بعد الركوع فقد أدرك فضل الجماعة

أما ما يدل على مفاد القاعدة الثانية -من جواز الإلتحاق بالإمام في أي موضع إذا فاتته ركعة من الإمام وعدم الاعتداد بها- فهي الدلالة المجموعية لعدة أخبار ومعتبرات؛ منها:

معتبرة محمد بن مسلم

ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِم‏ قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَتَى يَكُونُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاتِهِ فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ.

وفي طريقها إرسال؛ لبعد احتمال رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن البزنطي، والمختار صحة الرواية للانحصار الحاجة إلى اتصال السند فيما إذا كان الرواة من غير المعروفين أو من المتهمين أو الضعاف في الحديث أو ممن لا يقبل إرسالهم، وأما رواية محمد بن يحيى عن كتاب البزنطي فلا شيء يمنع عن قبولها منه، أسندها أو أرسلها.

وهي وإن كانت ظاهرة في اختصاص الحكم بالسجدة الأخيرة وهو القدر الاتفاقي في كلمات الفقهاء، إلا أنها أظهر في بيان أدنى وآخر ما تدرك به الفضيلة، ومثله كثير في الروايات، كما أن مناسبة الحكم والموضوع قاضية بأولوية لحوق الحكم بأجزاء الصلاة السابقة على السجدة الأخيرة بلا شك خاصة وأن الصلاة ليست محتسبة ولا يعتد بها، وليس كما ذكره بعض الفقهاء من أن عدم الاعتداد إنما هو للسجدة فحسب ثم رتب عليه -إضافة للاستدلال بقوله ع: ثم يتم صلاته- عدم وجوب تكبيرة جديدة لصلاته بعد فراغ الإمام، فتأمل.

صحيحة معاوية بن شريح

ومما روي في إدراك المأموم مفصلا ما رواه الشيخ الحر -وصاحب البحار وغيرهما ممن تأخر عنهما- من نسخته من كتاب الفقيه للشيخ الصدوق بسنده عن معاوية بن شريح، قال: “وَ رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ مُبَادِراً وَ الْإِمَامُ رَاكِعٌ أَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ لِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَ الرُّكُوعِ.

وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ سَاجِدٌ كَبَّرَ وَ سَجَدَ مَعَهُ وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَ هُوَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَذَانٌ وَ لَا إِقَامَةٌ وَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَ قَدْ سَلَّمَ فَعَلَيْهِ الْأَذَانُ وَ الْإِقَامَةُ”.

واستدل بها السيد الخوئي رحمه الله على حكم إدراك ما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة التي دل على الحكم عليها صحيحة محمد بن مسلم السابقة، غير أنه لم يعمل بها لتضعيفه معاوية بن شريح، والأقرب العمل برواياته لعدم الطعن فيه ولا في كتابه مع ظاهر شهرته بين الرواة الأجلاء.

ومثله الشيخ يوسف في الحدائق رواها كاملة ثم قال: “أقول: يمكن أن يستدل للشيخ بهذا الخبر بان يقال لا يخفى أن الظاهر من قوله «و من أدركه» أي نوى و كبر معه و دخل في الصلاة، و قد دلت على ان من دخل معه و هو ساجد سجد معه و لم يعتد بها و استمر معه في الصلاة و من دخل معه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فإنه يمضى في صلاته بعد تسليم الامام، و لو كان ما يدعونه من وجوب إعادة النية و التكبير حقا لوجب ذكره في الكلام إذ المقام مقام البيان و ليس فليس. و بعين ذلك يمكن أن يقال في رواية المعلى المتقدمة فإنها دلت على الدخول معه بعد النية و التكبير المعبر عنهما بقوله «فأدركته» لأن هذا هو ظاهر معنى هذا اللفظ كما عرفت، و لم يتعرض في الخبر لإعادة النية و تكبير الإحرام و مقام البيان يقتضيه لو كان واجبا. و بالجملة فإنه حيث كان ظاهر اللفظ المذكور اعنى قوله «و من أدركه» هو ما ذكرنا من الكناية عن الدخول معه بعد النية و تكبير الإحرام فإنه لا مناص من صحة ما رتبناه عليه من توجيه الاستدلال به للشيخ (قدس سره)”.

والأَولى أن يقال قبل هذا أنه يحتمل الخلط في كتاب الوسائل بين الرواية وكلام الشيخ الصدوق رحمه الله؛ وأول ما يشك في دخوله في الرواية قوله: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد” إلى قوله: “فعليه الأذان والإقامة”.

وهو ما نبه عليه الشيخ الفيض في الوافي، قال: “هذه الزيادة يحتمل أن تكون كلام أبي عبد اللّٰه ع و أن تكون من كلام الصدوق طاب ثراه “.

وقد يدفع هذا الاحتمال بأن الشيخ الصدوق قال بعده فاصلا للسياق: “ولا يجوز جماعتان في مسجد ..” ثم استدل عليه بالخصوص مما يظهر أن ماسبقه من الرواية نفسها، وهو قريب للصواب في نفسه.

ولو تتبعنا الرواية لوجدنا أن الشيخ الطوسي في التهذيب والخلاف اكتفى بصدر الرواية، وترك المشكوك زيادته، وكل من جاء بعده على ما تتبعناه إنما اكتفى بصدر الرواية أيضا حتى زمان الشيخ  المجلسي والحر رحمهما الله برحمته الواسعة، وهكذا تتابع الاستدلال بالزيادة المشكوكة، فالأقوى عدم صحة الاحتجاج بها إلا على حكم إجزاء تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، فلا حاجة للبحث في مرجع الضمير في قوله: “وَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا” هل هو السجود أم الصلاة، والله أعلم.

معتبرة المعلى بن خنيس

ومنها معتبرة المعلى بن خنيس عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِذَا سَبَقَكَ‏ الْإِمَامُ‏ بِرَكْعَةٍ فَأَدْرَكْتَهُ وَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَاسْجُدْ مَعَهُ وَ لَا تَعْتَدَّ بِهَا.

ولا بأس برواية المعلى في الأحكام، خاصة ما رواه عنه الأجلة أو كان نقي الإسناد إليه، ما لم يتفرد به أو يروي عنه المتهمون.

وهي ظاهرة في صحة متابعته في غير السجدة الثانية من الركعة الأخيرة المنصوص عليها في صحيحة محمد بن مسلم السابقة، بل دالة على رجحانه واستحبابه، إذ الأمر فيها ليس للوجوب بعد معلومية عدم وجوب الجماعة في نفسها في هذا المقام، كما أن دلالتها على عدم وجوب التكبير ظاهرة أيضا بمعية كونها متابعة وليست صلاة حقيقة، فيلزم بالضرورة الحكم بوجوب تكبير جديد عند اللحاق بالإمام في الركعات الأخر أو استئناف الصلاة بعد تمام الجماعة.

روايتا عمار الساباطي

ومنها موثقة عمار السابقة عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ قَاعِدٌ يَتَشَهَّدُ، وَ لَيْسَ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ؟

قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمُ‏ الْإِمَامَ‏، وَ لَايَتَأَخَّرُ الرَّجُلَ، وَ لكِنْ يَقْعُدُ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ الرَّجُلُ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ».[2]

ومر عليك ضعف ما استظهر منها من عدم وجوب استئناف تكبير إحرام للصلاة بعد القيام؛ لأن ظاهرها أنها في مقام بيان طريقة الالتحاق في قبال طريقة العامة، وأنه يحتمل التجوز في التعبير بالإتمام؛ للمشاكلة أي بذكر الشيء بلفظ غيره، او تشبيها للمتابعة بالصلاة واستعارة للوازم الصلاة الحقيقية لها، أو لأنها صلاة في الحقيقية لكنها غير مجزية عن الفرض التام لفقدها بعض الشروط، وهو الصحيح لظهور التعبير في الحقيقة والاعتبار الذي هو سبب التباين بين الصلاتين شرعي وليس لغويا ولا عرفيا فإنه فيهما صلاة أيضا.

وعليه فلا يلزم ولا يتعين من قوله ع: “قام الرجل فأتم صلاته” إجزاء أعماله السابقة؛ فإنها محكومة بما دل صريحا على عدم الاعتداد بشيء منها وأنها لإدارك الفضيلة حسب.

وعلى أي حال فإنها دالة على جواز الدخول في التشهد الأخير، لكنها لا تصلح لنفي الجواز في غيره لكونها في مقام بيان الحكم المسؤول عنه ساكتة عن غيره.

وموثقته عمار الأخرى، رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى‏

عن أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ قَال‏

قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَ هُوَ جَالِسٌ‏ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ‏ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ لَا يَقْعُدُ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَقُومَ([3]).

دلت على حكم من أدرك الإمام في التشهد الأول كما عن غير واحد، وحمل النهي هنا الشيخ الحر على الجواز والسابق على الاستحباب، ومنعه السيد الخوئي رحمه الله بناء على عدم إمكان الجمع العرفي بين الأمر والنهي بلا قرينة، ثم أيد ما ذهب إليه الشيخ الحر من اختلاف المقامين، فتلك في التشهد الثاني وهذه في التشهد الأول، فالروايتان غير متعارضتين.

ونمنع التمسك بها في الاستدلال؛ لتفرد عمار وغرابة الحكم فيها وعدم ما يرشد أنه في التشهد الأول إذ أنه أخص من المدعى الذي يشمل فرض صلاة الفجر أيضا مما ليس فيه تشهد ثان، على أن الشيخ الطوسي رواها في الزيادات، ويمكن حملها على الجلوس الذي لا يدركه إذ الإمام سيقوم من فوره، وكذا افتتاح الصلاة، ويمكن أن يكون قوله: “يفتتح الصلاة” جملة منفصله، والعطف عليها بالنهي عن الجلوس للتنبيه لما ذكرناه، وفيه ما فيه.

والذي لا أستبعد احتماله أنها اقتطعت من روايته الأخرى الطويلة التي رواها الشيخ الطوسي في التهذيب في الباب الذي يسبق هذه الرواية وهو باب العمل في ليلة الجمعة ويومها بنفس إسناد السابقة، وهو طريق عن ثقاة الفطحية وواحد من الطرق المشهورة لكتاب عمار عمن اختص به وهو مصدق بن صدقة، روى بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ‏ بْنِ‏ صَدَقَةَ عَنْ‏ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَ هُوَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَ قَدْ صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَ يَدْخُلُ مَعَهُ وَ يَقْرَأُ خَلْفَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ‏ مِنْ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ وَ فِي الثَّانِيَةِ الْحَمْدَ وَ مَا أَدْرَكَ مِنْ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ فَلَا يَتَشَهَّدْ وَ لَكِنْ يُسَبِّحُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُسَبِّحُ فِيهِمَا وَ يَتَشَهَّدُ وَ يُسَلِّمُ([4]).

وهي واضحة الدلالة على أن دخوله كان موضع القراءة أي القيام، فافتتاح الصلاة في موضعه الصحيح، ثم النهي عن التشهد هنا وقع محله النهي عن القعود هناك، فيحتمل أن قوله هناك: “حتى يقوم” أي المأموم وليس الإمام، أي لا يقعد للتشهد والتسليم حتى يقوم فيتم صلاته.

وعلى أي احتمال كان، فالأمر كما ذكرنا، إجمال رواية عمار وتفردها يمنع عن الاحتجاج بها.

صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري

وما رواه الكليني والشيخ صحيحا عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ البصری:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «إِذَا سَبَقَكَ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، فَأَدْرَكْتَ الْقِرَاءَةَ الْأَخِيرَةَ، قَرَأْتَ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاتِهِ وَ هِيَ ثِنْتَانِ لَكَ؛ وَ إِنْ لَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً، قَرَأْتَ فِيهَا، وَ فِي الَّتِي تَلِيهَا؛ وَ إِنْ‏ سَبَقَكَ بِرَكْعَةٍ، جَلَسْتَ فِي الثَّانِيَةِ لَكَ وَ الثَّالِثَةِ لَهُ حَتّى‏ تَعْتَدِلَ‏ الصُّفُوفُ قِيَاماً».

قَالَ: وَ قَالَ‏: «إِذَا وَجَدْتَ الْإِمَامَ سَاجِداً، فَاثْبُتْ‏ مَكَانَكَ‏ حَتّى‏ يَرْفَعَ رَأْسَهُ؛ وَ إِنْ كَانَ قَاعِداً قَعَدْتَ؛ وَ إِنْ كَانَ قَائِماً قُمْتَ».[5]

الرواي هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري، وهو عبد الرحمن بن ميمون، ذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن

بن أبي عبد الله ميمون البصري، قال: ” إسماعيل يكنى أبا همام روى إسماعيل عن الرضا [عليه السلام‏] ثقة هو و أبوه و جده “.

لكن في رجال ابن داوود – بعد أن ذكر إسماعيل بن همام في باب الممدوحين بعين عبارة النجاشي الآنفة – ما يظهر منه أن التوثيق لعبد الرحمن وابنه همام زيادة في نسخة فهرست النجاشي، قال: ” عبد الرحمن بن أبي عبد الله : قيل فيه لا يعرف منه إلا أنه له حظا من عقل و قال بعض أصحابنا إنه ظفر بتزكيته و كذا ابنه أبو همام و لم يذكرهما [جش‏] و لا [كش‏]”. والذي يظهر أنه غفل عن تزكيتهما في ترجمة إسماعيل.

وسمعت في مجلس البحث من شيخنا المحقق السيد موسى الزنجاني متعنا الله بطول بقائه أن في فهرست النجاشي -ولا أذكر ما مثل به الآن- زيادات أدرجت من حواشي المعلقين عليه في المتن، وذكر شيئا شبيها بهذا المورد إن لم يكن هو بعينه.

والأقوى أن عبارة النجاشي والنسخة صحيحة لكثرة النقل في الكتب عنه وعدم ما يمنع عنه، بل هو من الثقاة المشهورين حتى لو بانت الزيادة في نسخة فهرست النجاشي.

وظاهرها الدلالي ينافي ما دل على جواز الدخول في السجود كظاهر معتبرة المعلى بن خنيس، وجُمع بينهما بالتخيير بين الإتيان بالسجود وعدمه، قال الشيخ يوسف – ره – في الحدائق:

” أقول: ظاهر هذه الرواية الدخول معه في الصلاة و انه متى كان الدخول و هو ساجد لم يتابعه في السجود مع دلالة رواية المعلى المتقدمة على السجود معه متى دخل معه بعد رفع رأسه من الركوع. و يشكل الجمع بينهما في ذلك إذ لا فرق بينهما إلا ان هذا الخبر دل على دخوله حال السجود و خبر المعلى دل على دخوله قبل السجود، و هذا الا يصلح للفرق و جواز السجود في ما إذا دخل قبل و عدم الجواز في ما إذا دخل حال السجود. اللهم إلا ان يقال ان رواية المعلى قد دلت على انه لا يعتد بذلك السجود و حينئذ يكون وجوده كعدمه، و ظاهرها انه لا ضرورة في الإتيان به كما هو مذهب الشيخ، و حينئذ يكون وجه الجمع بينهما التخيير بين الإتيان بالسجود و عدمه”.

فشاهد الجمع هو كون الأمر بالمتابعة من المستحبات التي يقصد منها إدراك الفضل، ولا تعارض في غير الإلزامي في الأحكام، وجوابه أن هذا صحيح في مرحلة المراد الجدي عند القطع بالمراد، لا في مرحلة الدلالة اللفظية، فإن التنافي بين الدليلين إما لتنافيهما ذاتا وأمرا فيكذب أحدهما الآخر وهو الأصل، أو لتنافيهما ظاهرا واجتماعهما رخصة، والمدعى هو الثاني ولا دليل عليه هنا كما لا ظهور في نظر الدليلين للآخر، فإن الكلام في شرط صحة المتابعة وموضعها من الصلاة، نعم قد يكون عمل الأصحاب وإجماعهم كاشفا عن صحة أحدهما أو مرجحا، لكنه غير حاصل، وهل تحتمل التقية في أحدهما لموافقة العامة أو لإحداث التخالف بين الشيعة حتى لا يعرفوا بمذهبهم فيؤخذوا ؟

 الحكم عند العامة:

استدلوا لجواز الدخول في أي حالة ثم الإتمام والاكتفاء بتكبيرة الإحرام وهي الأولى قبل متابعته، بقوله صلى الله عليه وآله سلم: إذا أَتَى أحدُكُم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمامُ. رواه الترمذي وادعي عليه عمل أهل العلم.

وهذا المقدار مما عمل به العامة لا يكشف عن حال تقية يرجح بها أحد الدليلين.

وعن النراقي في المستند نفي دلالة الصحيحة على النهي عن الدخول، قال في المستند: ” عن شيخنا الشهيد الثاني التخيير حينئذ بين ما ذكر([6]) و بين التوقّف في مكانه، و مال إليه بعض مشايخنا الأخباريين([7])، و لا بأس به.

للجمع بين ما ذكر و بين رواية البصري: «و إذا وجدت الإمام ساجدا فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه، و إن كان قاعدا قعدت و إن كان قائما قمت».

و لا دلالة للخبر على وجوب الإثبات، لعدم صراحة قوله: «فاثبت» في الأمر، لجواز كونه ماضيا كما يلائمه قوله: قعدت و قمت، و لو سلّم فيجب الحمل على الاستحباب، لعدم وجوب أصل الاقتداء و المتابعة”.

ماضيا أي قد مضى سجوده، لكنه خلاف الظاهر.

وعلي أي حال فالصحيحة مخالفة لظاهر وصريح أكثر من خبر، كمعتبرة محمد بن مسلم الدالة على الجواز في حال التلبس وهو قوله ع: “وهو في السجدة”، ومعتبرة معلى بن خنيس الصريحة في الجواز بقوله ع: “فاسجد معه”، وصحيحة معاوية بن شريح -على الأخذ بالزيادة لم كانت من الرواية- الآمرة بالسجود بقوله ع: “ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبر وسجد معه”، ومخالفة كذلك لما رواه أكثر العامة من جواز الدخول في أي موضع من الصلاة مما لا قطع على بطلانه.

وهذه الموارد المتفرقة من فوات الركعة حتى التسليم دلالتها المجموعية على عدم خصوصية جزء من الصلاة دون جزء، ولا تنافيه أو تنفيه الأخبار المبينة لحكم جزئي ورد في سؤال أو مُثِّل به لغرض ولتمهيد بيان أن بإدراكه يدرك فضل الصلاة، لكونها ساكة عن حكم غيره كما هو واضح وليست في مقام الإطلاق أو تعيين الوظيفة تفصيلا.

وأما التكبير:

فقد خلت أكثر النصوص عن حكم إعادته، وليس بمتيقن أن ما يأتي به أولا هو لصلاته أم لمتابعته تشبها بالمصلين، وصريح كلام منصور بن حازم -وهو قوله: “فكبر ثم اجلس، فإذا قمت فكبر”- الذي استظهرنا من حاله في صحة الرواية ومن عدم ذكر معارض له أنه ومن إيداع كلامه كتب الرواية، أنه كلامه معنى رواية معتمدة، وهو موافق للأصل عند الشك في إجزاء التكبيرة الأولى عن تكبيرة صلاته، فيجب عليه تكبير للدخول وتكبير آخر لإحرام صلاته بعد تسليم الإمام، ولو تنزلنا فلا أقل من الاحتياط بإتيانها.

فالحاصل:

أن من فاتته الركعة من الصلاة وأراد إدراك فضل ما فاته أو فاتته الصلاة بفوات الركعة الأخيرة، استحب له التكبير والتحاق بالإمام في أي موضع من صلاته، فإذا سلم الإمام قام فكبر وصلى دون اعتداد بما أتى به متابعة.


([1]) المدارك 4: 386.

( 1) التهذيب، ج 3، ص 272، ح 788، معلّقاً عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1198، ح 8041؛ الوسائل، ج 8، ص 392، ذيل ح 10990.

([3]) التهذيب 3: 274/ ح113، ب25 فضل المساجد والصلاة فيها وفضل الجماعة وأحكامها، من أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة.

([4]) التهذيب 3: 247/ ح57، ب24 باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

[5] التهذيب، ج 3، ص 271، ح 780، معلّقاً عن محمّد بن يحيى، عن عبداللَّه بن محمّد، مع اختلاف يسير الوافي، ج 8، ص 1230، ح 8123؛ و في الوسائل، ج 8، ص 393، ذيل ح 10992؛ و ص 387، ح 10976؛ و ص 417، ح 11057، قطعة منه.

([6]) أي معتبرة المعلى بن خنيس.

([7]) وهو الشيخ يوسف في الحدائق.