للتحميل:
https://tinyurl.com/nikah4aloraibi
أو زيارة مدونة تحقيقات

فهرس العناوين
دليل المسألة: 8
أما من الكتاب الشريف: 8
آية غض البصر 8
إجمال الآية 9
وجهان في دلالة ذكر الفروج 9
غض البصر لا يرادف عدم النظر ومعنى الحفظ 10
تفسير الآية: 11
ما تتكفل الآية ببيانه 16
معنى العورة 18
خبر سعد الإسكاف: 20
آية الحجاب 22
المراد من آية التطهير هو الاصطفاء لا العصمة 23
الأخبار في آية التطهير: 24
وأما تفسير آية الحجاب وسبب نزولها المروي: 34
رواية ابن أم مكتوم 35
أخبار أخرى 38
رواية أبي سعيد: 43
السند: 44
الدلالة: 48
السيرة المستمرة الممضاة: 50
الستر في الحج 52
كلام الشيخ يوسف في مسألة التوشح والتردي: 52
الحاصل: 59

المتن:

أبحاث كتاب النكاح

م10: الأقوى عدم جواز نظر المرأة لغير المعتاد كشفه من الرجل

الكُرَّاسُ الرابع

مُحَمَّد عَلَي حُسُيْن العُرَيْبِي

1436 هـ – 2015 م

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

وبعد؛

فهذه ورقات دونتها أثناء بحثي على كتاب النكاح، ألقيتها على بعض طلاب العلم في ( المدرسة الجعفرية للدراسات الإسلامية ) بين عامي 1436 – 1437 هـ، وها أنا ذا أخرجها موزعة في كراسات يسهل مطالعتها ويخف حملها، أرجو وأسأل بهذا العمل القليل رضا الله سبحانه المتفضل المنان وأن يكون فيها نفع لأهل العلم والإيمان، فإن كان فيها خلل أو سهو فمن سوء فهمي وقصوري، وإن يكن فيها صواب فمن تسديد المتعالي العزيز المكان.

محمد علي حسين العريبي

  • م10: الأقوى عدم جواز نظر المرأة لغير المعتاد كشفه من الرجل

حرمة نظر المرأة اختيارا للرجل كالعكس قول مشهور بعد الشيخ الطوسي، ومن المسائل المشهورة عند العامة القدماء ومن تأخر عنهم، وقد خلت كلمات الصدوق ومن تقدم الطوسي رحمهما الله عن ذكر المسألة، ولتحرير موضع النزاع فيما وقع فيه النزاع والنظر في أدلة كل طرف، وجب سوق بعض كلمات الأعلام:

قال العلامة في أجوبة المسائل المهنائية جوابا عن هذا السؤال:

” ما يقول سيدنا في المرأة هل يحرم النظر إلى الرجل الأجنبي سواء كان بتلذذ أو ريبة أو بغيرهما، مع أن النساء لم يزلن في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وبعد عصره وهلم جرا يخرجن في حوائجهن ولا بد أن يقع نظرهن على الرجال. فبيِّن لنا هذا الحال تقبل اللّه منك صالح الأعمال.

الجواب‌: لا يجوز لهن النظر إلى الرجال الأجانب مطلقا كالرجال، للآية ولما روي أن عائشة وحفصة لم يحتجبا عن ابن أم مكتوم واعتذرتا بأنه أعمى، فقال عليه السلام: أ فعمياوتان أنتما ! وهو نص في الباب”[1].

وفي التذكرة: “مسألة: منع جماعة من علمائنا نظر المرأة إلى الرجل كالعكس‌؛ لقوله تعالى ( وقُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ )، فلا يجوز لها النظر إلا إلى وجهه وكفيه؛ لأن الرّجل في حق المراة كالمرأة في حقّ الرّجل، وهو قول أكثر الشافعية؛ لما روت أم سلمة قالت كنت أنا وميمونة عند النّبيّ ص فأقبل ابن أم مكتوم فقال احتجبا عنه، فقلنا إنه أعمى فقال النّبيّ ص أ فعمياوان أنتما !، وقال بعضهم: إنها تنظر إلى ما يبدو عنه عند المهنة دون غيره؛ إذ لا حاجة إليه، وقال بعضهم: أنها تنظر إلى جميع بدنه إلا ما بين السرة والركبة وليس كنظر الرجل إلى المرأة لأن بدنها عورة في نفسه ولذلك يجب ستره في الصلاة، ولأنهما لو استويا لأمر الرّجل بالاحتجاب كالنساء، هذا كله في الأجانب، ولا يجوز للمرأة النظر إلى الرّجل عند خوف الفتنة للآية، ولا فرق أن يكون الرجل عاقلا أو مجنونا في تحريم نظرها إليه‌”.

فمذهبه رحمه الله التسوية بين الرجل والمرأة؛ لآية الغض والرواية.

وفي مرآة المجلسي تعليقا على خبر ابن أم كتوم الآتي نصه: ” المشهور حرمة نظر المرأة إلى الأجنبيّ مطلقاً، كما هو ظاهر الخبر، ومن الأصحاب من استثنى الوجه والكفّين، وهو غير بعيد نظراً إلى العادة القديمة وخروج النساء إلى الرجال من غير ضرورة شديدة، ويمكن حمل هذا الخبر على الاستحباب؛ هذا إذا لم تكن ريبة وشهوة، وإلّا فلا ريب في التحريم”[2].

فعدم استبعاده لحرمة نظر المرأة للرجل باستثناء الوجه والكفين هو للسيرة المتصلة ولقضاء الضرورة.

وفي كشف اللثام: ” وكذا المرأة تنظر إلى وجه الأجنبيّ وكفّيه مرّة لا أزيد؛ لاشتراك العلّة حرمة وجوازا، والحرمة مطلقا هنا أقوى منها في العكس، وللشافعية قول بجواز نظرها إلى ما يبدو منه عند المهنة، وآخر إلى غير‌ ما بين السرّة والركبة؛ وإلّا لأمر بالاحتجاب كهي، ولأن بدنها عورة، ولذا يجب عليها الستر في الصلاة بخلافه”[3].

وفي الحدائق: ” الظاهر أنه لا خلاف في تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي أعمى كان أو مبصرا “[4] واستدل بالآيات والروايات، وساق خبر ابن أم مكتوم.

وفي الأنوار اللوامع للجد العلامة: “المرأة يحرم عليها النظر إلى الرجل بقول مطلق إذا كان أجنبيا ما عدا الوجه والكفين، والحق جواز ما تنظر عند المهنة”.

ودليله آية الغض، وأما ما تنظر عند المهنة فلم يذكر دليله، ولعله للسيرة غير المنهي عنها وللضرورة.

بل في وسيلة النجاة: “لا يجوز للمرأة النظر إلى الأجنبى كالعكس، واستثناء الوجه والكفين فيه أشكل منه في العكس”[5]، ووجه الإشكال كما قيل أن نظر الرجل للأجنبية قد استثناه الدليل ولولاه لحكم بعدم الاستثناء، ولا استثناء في نظر المرأة للأجنبي.

دليل المسألة:

فتحصل أن أدلة التحريم على اختلاف بيانها منحصرة في آية الغض وقد يلحق بها آية الحجاب، وحديث ابن أم مكتوم ويلحق به بعض الأخبار الأخرى غير الصريحة، والسيرة المتصلة والعادية القديمة الجارية على كشف تلك المواضع عند المهنة، والضوروة والحرج.

أما من الكتاب الشريف:

آية غض البصر

فقد استدل بآية غض البصر، وهو قوله تعالى:

“قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما يَصْنَعُونَ‏، وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدينَ زينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدينَ زينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِن‏”[6] الآية.

فإن قوله تعالى: “يغضوا من أبصارهم” ثم قوله: “يغضضن من أبصارهن” متحد المعنى صريح الدلالة على حرمة متعاكسة في الجنسين، فإذا حرم على الرجل النظر للمرأة حرم على المرأة النظر للرجل إلا ما استثني.

إجمال الآية

لكن الآية تقصر عن هذا المفاد؛ لأن الأمر بغض البصر -بمعنى خفضه، ومنه قوله تعالى “واغضض من صوتك”- غير مشخص المتعلق ولا معين الحدود ولا يمكن التمسك بإطلاقه اللفظي كما مر غير مره، لكنه يصح بتقدير (قل للمؤمنين والمؤمنات يغضوا أبصارهم عما حَرُمَ عليهم تعمده) لأنه قدرٌ لابد منه، وهو مجمل أيضا ويجب إحالته لدليل مفصل.

وجهان في دلالة ذكر الفروج

وقد يذكر وجهان في ذكر الفروج؛ الأول: كونها بمعنى خصوص العورات في الغض والحفظ، تمسكا بظاهر لفظ الفروج، فالحرام هو النظر وكشف العورات، والثاني: أنها بمعنى ما لا يحل النظر إليه مطلقا؛ لأن الجملتين واجبان متغايران؛ تمسكا بإطلاق الأمر بغض النظر في الأولى وهو في النساء أعم من الفرج، وحرمة كشف الفرج في الثانية واجب آخر.

غض البصر لا يرادف عدم النظر ومعنى الحفظ

وقد يقال أيضا: أن الأمر بغض البصر ليس مساويا للنهي عن النظر؛ لأن الباصرة وهي العين هنا لا تمنع شعاع ما وقعت عليه أولاً، وليس هناك معنى للمنع عن غير المقدور، نعم يصح النهي عن استمرار التوجه وتعمد بسط الباصرة، الحاصل بصد العين وبسط جفنها المعبر عنه بالغض عن أمر ثابت الوقوع أمامها.

وقوله: (ويحفظوا فروجهم) إما بمعنى لام الغاية، أي ليحفظوا فروجهم، أو بمعنى ويجب عليهم حفظ فروجهم بسترها عن الناظرين، وهو تكليف يقع تحت قدرتهم.

فالغض بمعنى خفض العين صدا عما يقابله مما يحرم، وحفظ الفرج بمعنى ستره ومنعه عن أعين من لا يحل له.

والمعنى: إذا واجهتم ما لا ينبغي للأبصار رؤيته غير متعمدين فنحوا أبصاركم واخفضوها وغضوها، ولا تتعمدوا النظر لما يحرم عليكم مما نهيتم عنه، واستروا عوراتكم واحفظوها عن النظار.

وأظن أن هذا المعنى واضح بين العرب، والدخول في الشجار في معنى الغض غير ذي فائدة مهمة.

وكل المعاني السابقة في الآية مؤداها مجمل من جهة بيان ما يحرم على المرأة النظر إليه من الرجل، فلا سبيل لاستفادة أكثر من القدر المتيقن المعلوم وليست في مقام البيان من كل جهة.

تفسير الآية:

هذا من جهة ظاهر الآية، وأما ما ورد في تفسيرها:

فمنه:

  1. ما رواه الكليني في الكافي عن عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الزُّبَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام‏ – في حديث طويل – : “وَ فَرَضَ عَلَى الْبَصَرِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأَنْ يُعْرِضَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ، وهُوَ عَمَلُهُ، وهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالى‏: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلى عَوْرَاتِهِمْ، وأَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ إلى فَرْجِ أَخِيهِ، ويَحْفَظَ فَرْجَهُ أَنْ يُنْظَرَ إليه، وقَالَ: «وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» مِنْ أَنْ تَنْظُرَ إِحْدَاهُنَّ إلى فَرْجِ أُخْتِهَا، وتَحْفَظَ فَرْجَهَا مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهَا، وقَالَ: كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنْ الزِّنى‏ إِلَّا هذِهِ الْآيَةَ؛ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَرِ”[7].

ورواه القاضي[8] في الدعائم مرسلا.

بكر بن صالح هو الضبي، ضعفه النجاشي، ورمي بالتفرد بالغرائب وهذا راجع لحديثه لا إلى نفسه، فما يتفرد به لا يعمل به، وقد يقوى برواية بعض الأجلة عنه كإبراهيم بن هاشم، لكنه بالتتبع لا يورث الاعتقاد بأنهم اعتمدوا أخباره على الدوام، بل القوي أن أخباره رائجة عند الضعاف من الرواة أكثر.

وأبو عمرو الزبيري، قال النجاشي بعد ترجمتة: ” محمد بن عمرو بن عبد الله بن عمر بن مصعب بن الزبير بن العوام، متكلم حاذق من أصحابنا، له كتاب في الإمامة حسن يعرف بكتاب الصورة”[9].

عبد الله بن هارون أبو محمد الزبيري في ترجمة عبد اللّٰه بن عبد الرحمن: “و الزبيريون في أصحابنا ثلاثة: هذان وأبو عمرو محمد بن عمرو بن عبد الله بن مصعب بن الزبير، رأيت بخط أبي العباس بن نوح فيما أوصى به إلي من كتبه”[10]، ويبدو أن تفرد الشيخ النجاشي دون الطوسي بذكره لأنه نقله من كتاب شيخه أبي العباس بن نوح بخطه أيضا.

لم يذكر بغمز، وروى عنه القاسم بن بريد بن معاوية، وروى الزبيري كتب المفضل بن عمر، ويظهر من أول هذا الخبر الطويل موافقته لأسلوب أخبار المفضل، بدأه بقوله: “قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْعَالِمُ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّه”، فأخباره موقوفة على المقوي.

وأما دلالتها فموافقة لظاهر الآية على نحو قريب مما ذكرناه في وجوه الآية، اللهم في حملنا لظاهر الغض على معناه بأصل اللغة، وظهورها في ها الخبر على أنها كناية عن النهي عن النظر.

وأما قوله: ” وفَرَضَ عَلَى الْبَصَرِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأَنْ يُعْرِضَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ … فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلى عَوْرَاتِهِمْ، وأَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ إلى فَرْجِ أَخِيهِ، ويَحْفَظَ فَرْجَهُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ … ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ إِحْدَاهُنَّ إلى فَرْجِ أُخْتِهَا، وتَحْفَظَ فَرْجَهَا مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهَا، وقَالَ: كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنْ الزِّنى‏ إِلَّا هذِهِ الْآيَةَ؛ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَر”، أي حفظ الفرج من النظر.

فالظاهر أن عنوان (ما حرم الله عليه) و(ما لا يحل له) بل وكذا (عوراتهم) في هذا الخبر أعم من تفسير الآية وما ترمي إليه؛ فإنه قد فسرها بما هو أخص وهو الفرج نظرا وكشفا، بل قيدته بنظر الرجل لفرج للرجل، والمرأة لفرج للمرأة.

وحكم النظر للفرج أمر مسلم قطعي، لا خلاف فيه، إنما الكلام في نظر المرأة للرجل، وهذا لا يثبت بصدر هذا الخبر فإنه مجمل ولا بذيله لأنه خارج عن محل البحث.

فضلا على أن الخبر ضعيف الاعتبار لا يصح العمل به بمفرده.

  • لكن ذيله يوافق المروي صحيحا في التفسير المنسوب للقمي: ” ُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: كُلُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي ذِكْرِ الْفُرُوجِ فَهِيَ مِنَ الزِّنَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَرِ، فَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ أَنْ يَنْظُرَ إلى فَرْجِ أَخِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلى فَرْجِ أُخْتِهَا”[11].

فالغض والحفظ في الخبرين مخصوصان بنظر الرجل للرجل والمرأة للمرأة.

وأصرح منه ما ذكره الصدوق في الفقيه ثم عقبه برواية، قال: “وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ ويَسْتُرَ فَرْجَهُ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ.

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ)، فَقَالَ: كُلُّ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنَ الزِّنَا[12] إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ لِلْحِفْظِ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ”[13].

وكذا ما رواه في الفقيه: “قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عز وجل عليه، فقال عز من قائل: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»، محرم أن ينظر أحد إلى فرج غيره‏”[14].

ما تتكفل الآية ببيانه

والذي يقوى في النفس أن الآية نزلت لبيان حكم المعاشرات بين الناس، وسياقها يرشد لهذا، وليست في مقام تحديد ما يجوز النظر إليه من الرجل والمرأة مطلقا، ومر هذا الكلام في قوله تعالى بعد هذه الآية (ولا يبدين زينتهن) الآية، وهي سياق كلامي بياني واحد.

ومن أماكن المعاشرات ما يُكشف فيه مواضع من البدن غير معتادة، كالحمامات، وفي الفقه المنسوب للرضا عليه السلام: “وَ إِيَّاكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ فَإِنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وغُضَّ بَصَرَكَ عَنْ عَوْرَةِ النَّاسِ واسْتُرْ عَوْرَتَكَ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ أَرْوِي أَنَّ النَّاظِرَ والْمَنْظُورَ إِلَيْهِ مَلْعُون‏”[15].

وقد كان بعض البطالين لا يتحرزون عن كشف عوراتهم، ففي الدعائم عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع أَنَّهُ قَالَ: “لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ، إلى أَنْ قَالَ: والَّذِينَ يَجْلِسُونَ مَعَ الْبَطَّالِينَ والْمُغَنِّينَ، إلى أَنْ قَالَ: ويَكْشِفُونَ عَوْرَاتِهِمْ فِي الْحَمَّامِ وغَيْرِهِ”[16] الْخَبَر.

بل كان -ولا زال- يقع من بعض المؤمنين التساهل في تلك المواضع، ففي موثقة حنان قال : “دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حماما بالمدينة، فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا : ممن القوم ؟ فقلنا : من أهل العراق . فقال : وأي العراق ؟ قلنا : كوفيون . فقال : مرحبا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار . ثم قال : ما يمنعكم من الأزر ؟ فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : عورة المؤمن على المؤمن حرام . إلى أن قال : فسألنا عن الرجل، فإذا هو علي بن الحسين ( عليهما السلام )”[17].

نعم تمام الاستدلال متوقف على تعيين معنى العورة في اللغة والاستعمال.

معنى العورة

العورة لغة هي كل خلل وثغر مكشوف، وفي الاستعمال كل ما يخشى كشفه وإبداؤه، خوف الملامة إن أبداه أو الافتتان أو طغيان الرغبة على فطرة العقل والاستقامة.

وعورة الرجل للرجل والمرأة للمرأة سوآتاهما، وعورات الناس هي ما يسترونها باللباس والبيوت حياءً لكي لا يعيروا بها في الدين أو بين الخلق.

فالمرأة عورة أمام من لا تحل له لأنه يستحيا إذا بدت أن تمد لها الأعناق راغبة فيها بشهواتها، وعورتها جسدها إلا ما استثني.

وعورة الرجل مواضع الحياء منه وهي سوأتاه يقينا، وقيل ما بين السرة والركبة أمام النساء، وهو غير بعيد.

والحياء سر من اسرار الله عز وجل وفطرة مودعة في سره، فهي مدغمة في حقيقة الإنسان وجزء من الإيمان.

قال ابن منظور في لسان العرب:

“العَوْرات: جمع عَوْرة، وهي كل ما يستحيا منه إِذا ظهر، وهي من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأَة الحرة جميعُ جسدها إِلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وفي أَخْمَصِها خلاف، ومن الأَمَة مثلُ الرجل، وما يبدو منها في حال الخدمة كالرأْس والرقبة والساعد فليس بِعَوْرة. وسترُ العَوْرة في الصلاة وغيرِ الصلاة واجبٌ، وفيه عند الخلوة خلاف. و

في الحديث: المرأَة عَوْرة؛ جعلها نفسَها عَوْرة لأَنها إِذا ظهرت يستحيا منها كما يستحيا من العَوْرة إِذا ظهرت”[18].

ومن السابق يظهر لنا استعمالان في العاديات والشرعيات لكلمة العورة والتعري بحسب شأن كل، إما للماثل أو لغيره، أما المماثل فهي موضع السوءة منه، وأما غيره فالمرأة عورة لا تنكشف للأجنبي إلا بمقدار ما استثني، وعورة الرجل للمرأة الأجنبية مقدار ما سمح الشارع به وهو محل كلامنا، فلا يصح الاستدلال بأخبار الستر في الطهارة والصلاة أو بأصل الوضع لغة، فإنه في الكل لا يثبت لنا إلا معنى مرددا في الاستعمال بين فردين، أحدهما مجمع على حرمة النظر إليه وكشفه وهو السوءة، والثاني مجهول المعنى والحد، فيكون الاستدلال به مصادرة.

خبر سعد الإسكاف:

  • وأما خبر سَعْدٍ الْإِسْكَافِ -في سبب نزول الآية- عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: “اسْتَقْبَلَ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ امْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ وكَانَ النِّسَاءُ يَتَقَنَّعْنَ خَلْفَ آذَانِهِنَّ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وهِيَ مُقْبِلَةٌ، فَلَمَّا جَازَتْ نَظَرَ إِلَيْهَا ودَخَلَ فِي زُقَاقٍ قَدْ سَمَّاهُ بِبَنِي فُلَانٍ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ خَلْفَهَا، وَاعْتَرَضَ وَجْهَهُ عَظْمٌ فِي الْحَائِطِ أو زُجَاجَةٌ فَشَقَّ وَجْهَهُ، فَلَمَّا مَضَتِ الْمَرْأَةُ نَظَرَ فَإِذَا الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى صَدْرِهِ وَثَوْبِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لآَتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص وَلَأُخْبِرَنَّهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ لَهُ مَا هَذَا ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ ع بِهَذِهِ الْآيَةِ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُون)‏”[19].

فهذا الخبر مما أخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال : “مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أمري، فأتاه فقص عليه قصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى : ( قل للمؤمنين يَغُضُّوْا منْ أَبْصَارهمْ ) الآية”.

وهو مما لم يصح عند العامة، وليس بمشهور الرواية.

وخبر سعد تقدم ضعفه بسعد وتفرده، وعلى تقدير اعتباره، فلو قرن بسبب النزول لكان دالا على وجوب صرف النظر عما لا يحل من الرجل والمرأة تلذذا، لكنك عرفت أنه لا يستجمع شروط الحجية.

والحاصل من العرض السابق، هو إجمال الآية وعدم صلاحية الاستدلال بظاهرها على الحكم المدعى، واقتصار الأخبار في تفسيرها على حرمة النظر للفروج.

آية الحجاب

  • واستدل جماعة بالآية الشريفة: « يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما »([20]).

وظاهرها -كما تقدم الحديث فيها- أنها حكم تأدبي في معاملة الجالسين في بيوت النبي صلى الله عليه وآله، حيث نهوا عن الدخول بلا إذن أو الإطالة في الجلوس أو عدم رعاية الأدب والستر مع نسائه صلى الله عليه وآله، فليست أيضا في مقام تحريم نظر المرأة للرجل وليست دالة على مقدار نظرها لا بالإطلاق ولا بغيره، بل مر قول بعضهم أنها قضية في واقعة خاصة لنساء النبي ص مبالغة في أداء حقه وتنزيها لعرضه، يكشف عنه قوله تعالى تعقيبا للأمر (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، فأوجب عليهن سترا فوق الستر الأول في سورة النور، وقوله تعالى في نفس سورة الأحزاب: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن) حتى قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) أي في كل شيء ينتسب لكم، وفيه التفات بالضمير والخطاب تأكيدا على إرادته تعالى تطهيرهم في متعلقيهم بمنع نسائهم عن كل ما يشين، لمحلهم من بيت الرسالة، فشدد عليهن ما لم يشدد على أحد.

المراد من آية التطهير هو الاصطفاء لا العصمة

ومن غير البعيد بل هو المتعين: أنه لا يصح القول بأنه تعالى أراد في هذه الآية إذهاب الرجس المذكور عن نفوسهم الشريفة؛ فإنها غير قابلة لأي رجس تتلوث به، لا بحلول الرجس فيها ولا بتلبس الرجس بها، فلم يبق إلا الرجس الذي عبر الله تعالى عنه بقوله (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) إذ لو لم يفعلوا لكان أوقع لمكامن إبليس وطمع الذي في قلبه مرض وشك الشاكين، فالإرادة هنا تتعلق بدفع الأذى عنهم وتطهير وتنزيه بيتوهم ومقامهم.

ويدل عليه صحيح كتاب المعاني بسنده عن عَبْدِ الْغَفَّارِ الْجَازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، قَالَ: الرِّجْسُ هُوَ الشَّكُّ”.

المحمول على تشكيك الناس في طهرهم وطهارة ذيلهم، ولهذا قدم حرف التعدية عن والضمير تأكيدا، واستعمل (عن) إرادة للدفع، ولم يستعمل (من) الدالة على التخليص وإزالة الشيء من العين، أي ليدفع عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، يقال (يريد أن يدفع عنكم العدو) لا (منكم العدو).

الأخبار في آية التطهير:

وروى الكليني في خبر طويل عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله عليه السلام في النص بالوصية لعلي عليه السلام:

“فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ عَلَمَكَ، وأَعْلِنْ وصِيَّكَ، فَأَعْلِمْهُمْ فَضْلَهُ عَلَانِيَةً، فَقَالَ عليه السلام: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَنْ والَاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. … (وساق الأدلة والبراهين حتى قال) : فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي فَضْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ بِالْكَلَامِ، ويُبَيِّنُ لَهُمْ بِالْقُرْآنِ: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»”[21].

فالأظهر والأقوى أن الآية في بيان فضلهم واصطفائهم ونيلهم الرتبة الرفيعة بين الناس أجمع التي استحقوا بها الولاية والإمامة الإلهية، لا في الدلالة على عصمتهم بطريق مباشر؛ فإنه يلتمس من الأدلة الأخرى الصريحة على طهارة أنفسهم من كل دنس بمعنى العصمة، وهذه الآية في تعهد الله تعالى بدفع كل منقصة تدخل عليهم من متعلقيهم، نعم قد تقع مقدمة في إثبات أمر آخر كالعصمة.

ولذا روى الصدوق في المجلس التاسع والسبعون من أماليه هذا المعنى وأن الآية في الاصطفاء لا العصمة والمعلوم من طهارة ذواتهم الشريفة بسند صحيح عن الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: حَضَرَ الرِّضَا ع مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ وقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَجْلِسِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وخُرَاسَانَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ أَخْبِرُونِي عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)، فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ الرِّضَا ع: لَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا، وَلَكِنِّي‏ أَقُولُ أَرَادَ اللَّهُ الْعِتْرَةَ الطَّاهِرَة”.

حتى قال:

“قَالَتِ الْعُلَمَاءُ: فَأَخْبِرْنَا هَلْ فَسَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الِاصْطِفَاءَ فِي الْكِتَابِ ؟ فَقَالَ الرِّضَا ع: فَسَّرَ الِاصْطِفَاءَ فِي الظَّاهِرِ سِوَى الْبَاطِنِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعاً وَمَوْطِناً؛ فَأَوَّلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ورَهْطَكَ الْمُخْلَصِينَ هَكَذَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهِيَ ثَابِتَةٌ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وهَذِهِ مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ وفَضْلٌ عَظِيمٌ وشَرَفٌ عَالٍ حِينَ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الْآلَ فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص، فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ، والْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الِاصْطِفَاءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وهَذَا الْفَضْلُ الَّذِي لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مُعَانِدٌ أَصْلًا لِأَنَّهُ فَضْلٌ بَعْدَ طَهَارَةٍ تُنْتَظَرُ فَهَذِهِ الثَّانِيَة”.

وروى في المجلس الثاني والتسعون بسنده عن عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَسَمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا قِسْماً، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وأَصْحَابِ الشِّمَالِ وأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلَاثاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا ثُلُثاً، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) وأَنَا مِنَ السَّابِقِينَ وأَنَا خَيْرُ السَّابِقِينَ، ثُمَّ جَعَلَ الْأَثْلَاثَ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا قَبِيلَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ)، فَأَنَا أَتْقَى وُلْدِ آدَمَ وأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ولا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ القَبَائِلَ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتاً وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)”.

وفي أمالي الصدوق أيضا في الموثق: عن أبيه حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ص يَقِفُ عِنْدَ طُلُوعِ كُلِّ فَجْرٍ عَلَى بَابِ عَلِيٍّ وفَاطِمَةَ ع فَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُحْسِنِ الْمُجْمِلِ الْمُنْعِمِ الْمُفْضِلِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ سَمِيعٌ [سَمِعَ‏] سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ وحُسْنِ بَلَائِهِ عِنْدَنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ صَبَاحِ النَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مَسَاءِ النَّارِ الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ‏ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً”.

ولعله صلى الله عليه وآله أراد أن الله فضلكم عليهم بهذه النعمة دون الباقين، فقوموا له شاكرين، بقرينة الدعاء المذكور على لسانه الشريف صلى الله عليه وآله.

ولأجل ما ذكرنا  قال أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقض كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي‏:

“أنا وجدنا النبي ص قد خص من عترته أهل بيته أمير المؤمنين والحسن والحسين ع بما خص به ودل على جلالة خطرهم وعظم شأنهم وعلو حالهم عند الله عز وجل بما فعله بهم في الموطن بعد الموطن والموقف بعد الموقف مما شهرته تغني عن ذكره بيننا وبين الزيدية ودل الله تبارك وتعالى على ما وصفناه من علو شأنهم بقوله: ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )، وبسورة هل أتى وما يشاكل ذلك، فلما قدم ع هذه الأمور وقرر عند أمته أنه ليس في عترته من يتقدمهم في المنزلة والرفعة ولم يكن ع ممن ينسب إلى المحاباة ولا ممن يولي ويقدم إلا على الدين، علِمنا أنهم ع نالوا ذلك منه استحقاقا بما خصهم به فلما قال بعد ذلك كله: قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي .. علمنا أنه عنى هؤلاء دون غيرهم؛ لأنه لو كان هناك من عترته من له هذه المنزلة لخصه ع ونبه على مكانه ودل على موضعه، لئلا يكون فعله بأمير المؤمنين والحسن والحسين ع محاباة وهذا واضح والحمد لله، ثم دلنا على أن الإمام بعد أمير المؤمنين الحسن باستخلاف أمير المؤمنين ع إياه واتباع أخيه له طوعا”[22].

نعم، روى العياشي عن زرارة عن أبي جعفر ع قال: ” ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية ينزل أولها في شي‏ء وأوسطها في شي‏ء وآخرها في شي‏ء، ثم قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» من ميلاد الجاهلية”[23]، فهذا حديث مفرد محمول على التأويل، ورواه البرقي في المحاسن بلفظ آخر بسنده عن جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَأَجَابَنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ ثَانِيَةً فَأَجَابَنِي بِجَوَابٍ آخَرَ، فَقُلْتُ لَه‏: جُعِلْتُ فِدَاكَ كُنْتَ أَجَبْتَنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِجَوَابٍ غَيْرِ هَذَا، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ إِنَّ لِلْقُرْآنِ بَطْناً ولِلْبَطْنِ بَطْناً ولَهُ ظَهْراً ولِلظَّهْرِ ظَهْراً ولَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَبْعَدَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وإِنَّ الْآيَةَ يَنْزِلُ أَوَّلُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وآخِرُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وهُوَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ يَتَصَرَّفُ عَنْ وُجُوه‏”[24].

وفي صحيح علل الشرائع إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع: مَا عَنَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ وأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ والْحَسَنِ والْحُسَيْنِ وفَاطِمَةَ ع، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ الْحَسَنُ ثُمَّ الْحُسَيْنُ ع، ثُمَّ وَقَعَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ( وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ) وكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع إِمَاماً ثُمَّ جَرَتْ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ الْأَوْصِيَاءِ ع، فَطَاعَتُهُمْ طَاعَةُ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُمْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَل‏”([25]).

وهو محول على استحقاق الإمامة باصطفائهم على الأمة، وأما أن ذواتهم معصومة فمفهوم من أدلة أخرى، وهذه الآية كاشفة عنها.

ويظهر لي أن أول من استدل بظاهرها -لا لزمها- بعض متكلمي الإمامية، ومنهم من المتقدمين الشيخ المفيد -وقد يكون أولهم- حيث سئل في المسائل العكبرية عما استدل به من عصمتهم سلام الله عليهم بما ذكره بقوله:

“عن قول الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، قال السائل: وإذا كانت أشباحهم قديمة وهم في الأصل طاهرون فأي رجس أذهب عنهم ؟ قال: وأخرى أنه لا يذهب بالشي‏ء إلا بعد كونه، قال: ونحن مجمعون على أنهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم ع.

الجواب عما تضمنه هذه الأسئلة: أن الخبر عن إرادة الله تعالى إذهاب الرجس عن أهل البيت ع والتطهير لهم لا يفيد إرادة عزيمة أو ضميرا أو قصدا على ما يظنه جماعة ضلوا عن السبيل في معنى إرادة الله عز اسمه، وإنما يفيد إيقاع الفعل الذي يذهب الرجس وهو العصمة في الدين أو التوفيق للطاعة التي يقرب العبد بها من رب العالمين، وليس يقتضي الإذهاب للرجس وجوده من قبل كما ظنه السائل، بل قد يذهب بما كان موجودا ويذهب بما لم يحصل له وجود للمنع منه، والإذهاب عبارة عن الصرف وقد يصرف عن الإنسان ما لم يعتره كما يصرف ما اعتراه، أ لا ترى أنه يقال في الدعاء: صرف الله عنك السوء فيقصد إلى المسألة منه تعالى عصمته من السوء دون أن يراد بذلك الخبر عن سوء به والمسألة في صرفه عنه.

و إذا كان الإذهاب والصرف بمعنى واحد فقد بطل ما توهمه السائل فيه وثبت أنه قد يذهب بالرجس عمن لم يعتره قط الرجس على معنى العصمة له منه والتوفيق لما يبعده من حصوله به، فكان تقدير الآية حينئذ إنما يذهب الله عنكم الرجس الذي قد اعترى سواكم بعصمتكم منه ويطهركم أهل البيت من تعلقه بكم على ما بيناه.

و أما القول بأن أشباحهم ع قديمة فهو منكر لا يطلق، والقديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل وكل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أول، والقول بأنهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم كالأول في الخطإ، ولا يقال لبشر إنه لم يزل قديما”[26] إلى آخر كلامه رفع الله مقامه.

وما أبعد ما ذهب إليه قدس الله نفسه مع جودة الوجه الذي ذكره في نفسه؛ فإن الاستدلال بالآية بظاهرها لا بلازمها، وتبين لك أنها -بدلالتها على الاصطفاء والاختصاص- تقع في مقدمات الاستدلال على العصمة، والإرادة في قوله تعالى لها متعلق من نفس الآية المسوقة لإذهاب الشك وتطهير الذيل ولا موجب للخروج عنها، والرجس هو الإثم، والشك في طهارتهم رجس، وكونهم صلوات الله عليهم أوعية غير قابلة للتلوث بالآثام بدءا كما هم بقاء، فكما لا يصح أن يقال في حقهم أنه أذهب عنهم الرجس في الحال الأول فكذا في الثاني لعدم القابلية أصلا، فقطع الآية عن سياقها فتغير معناها، وقصرَ الكلام على تفسير الإرادة تأثرا بطريقتهم في مسائل الكلام، وكأنه رحمه الله غفل عن كونه ملزما بالآية ظاهرا أو تفسيرا.

وأما تفسير آية الحجاب وسبب نزولها المروي:

ففي التفسير المعروف بالقمي قولا بغير رواية: “وَ أَمَّا قَوْلُهُ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ)، فَإِنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ -وَ كَانَ يُحِبُّهَا- فَأَوْلَمَ وَدَعَا أَصْحَابَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ إِذَا أَكَلُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْلُوَ مَعَ زَيْنَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ»، وذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ بِلَا إِذْن‏”[27].

وفي مختصر تفسير القمي لابن العتايقي: ” قوله: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إلّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ»، فإنّ الرجال كانوا يدخلون بيوت النبيّ وغير بيوت النبيّ بلا إذن، فلمّا هاجر رسول اللَّه ضرب الحجاب على النساء، فلم يأذن لأحد أن يدخل بيت أحد إلّا بإذن، وضرب الحجاب على النساء من الرجال في سورة النور، في قوله: «ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ»…الآية”[28].

وفي المجمع روى السبب مفصلا قريبا من السابق عن أنس وسعيد بن جبير عن ابن عباس.

ثم روى عن مجاهد قال: ” وقيل : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطعم معه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، عن مجاهد”[29].

وليس في المذكورات آنفا شيء يحتج به.

رواية ابن أم مكتوم

نعم اشتهر الاستدلال بالآية لاقترانها بحديث ابن أم مكتوم الأعمى، مؤذن النبي صلى الله عليه وآله، ومن نزلت فيه آية ذم العابس في وجهه، وكان يدخل على النبي صلى الله عليه وآله أوقات الصلوات، روى البرقي في الموثق عن الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَأْكُلُ فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ص كَتِفٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَوَضَعَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ إلى الصَّلَاةِ ولَمْ يَتَوَضَّأْ، فَلَيْسَ فِيهِ طَهُور”[30].

وأما خبره فهو

  1. ما رواه الكليني في الكافي عن العدة عن أحمد بن أبي عبد الله مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “استأذن ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وآله وعنده عائشة وحفصة، فقال لهما: قوما فادخلا البيت، فقالتا: إنه أعمى، فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه”[31].

لكنها – مع تفردها وإرسالها- لا تدفع احتمال اختصاصها بنساء النبي صلى الله عليه وآله، خاصة مع ظهور الآية في ذلك.

  • وفي جوامع الجامع عن أم سلمة رضى الله عنها قالت: “كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد ان أمرنا بالحجاب، فقال: احتجبا فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: أ فعمياوان أنتما، أ لستما تبصرانه؟”.
  • وروى الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق عن أم سلمة قالت: “كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أ ليس أعمى لا يبصرنا، فقال: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه”.

وحديث الجوامع بعينه هو الذي رواه أحمد في مسنده (6/296) بسنده فقال:

‏”حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏، ‏حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏، ‏عَنْ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدٍ ‏، ‏عَنِ ‏الزُّهْرِيِّ ‏‏أَنَّ ‏ ‏نَبْهَانَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏حَدَّثَتْهُ قَالَتْ ‏: ‏كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَمَيْمُونَةُ ‏‏فَأَقْبَلَ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏: ‏احْتَجِبَا مِنْهُ . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أعمى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا ؟ قَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، ألَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ”.

ورواها بعض رواتهم كأبي بكر الشافعي في ” الفوائد ” كما رواه البرقي في عائشة وحفصة.

والاطمئنان حاصل بأن الثلاثة خبر واحد في واقعة واحدة، ولو كان مشتهرا بين الرواة مقطوعا به لما حدث هذا الاختلاف في ضبط أسماء نسائه من الرواة.

ولما كان الكليني رحمه الله متفردا بالخبر عن البرقي وفيه تساهل في الحديث فما بالك بمرسلاته، بل لم نقف على ناقل له من الإمامية في كتب الحديث عن إمامي بعده، فدخوله في ضعف الاعتبار مما لا ارتياب فيه.

أخبار أخرى

واستدل إضافة لتلك الأخبار بأخبار أخرى، منها:

  • ما رواه علي بن عيسى في ( كشف الغمة ) نقلا من كتاب ( أخبار فاطمة 3 ) لابن بابويه عن علي 7 قال : كنا عند رسول الله 9 فقال : أخبروني أي شيء خير للنساء؟ فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا، فرجعت إلى فاطمة 3 فأخبرتها بالذي قال لنا رسول الله 9 وليس أحد منا علمه ولا عرفه، فقالت : ولكنّي أعرفه : خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال، فرجعت إلى رسول الله 9 فقلت : يا رسول الله سألتنا أى شيء خير للنساء؟ خير لهن أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال، فقال : من أخبرك، فلم تعلمه وأنت عندي؟ فقلت : فاطمة، فأعجب ذلك رسول الله 9 وقال : إن فاطمة بضعة مني”[32].

أما كتاب الأربلي فهو كتاب ضعيف التأليف والرواية والاعتبار، لا يستدل بما رواه وتفرد به، ولم يكن غرض مؤلفه إلا جمع الفضائل بأي نحو ومن أي طريق.

وكتاب أخبار فاطمة عليها السلام قد يسمى مولد فاطمة عليها السلام كما في البحار.

وقولها عليها السلام: ” خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال”، فإن الأخبار متفقة على نسبة هذا القول للزهراء عليها السلام، ومختلفة في سرد القصة، وفيه دلالة على أنه لو خيرت المرأة بين التحرز عن مقابلة الرجال والاختلاط بهم وأقله أن يقع نظرهم عليها أو بالعكس وبين التعرض لذلك، لاستحب لها التحرز دفعا للمضار في الدنيا والدين، لضعفها التكويني والنفسي وتعرض دينهن لهجمة إبليس اللعين ومن أطماع من في قلوبهم مرض من المتعدين، ونقضا لسيرة أهل الجاهلية من التداخل بين الرجال والنساء واستضعافهن حتى يسلبوهن كل خير وعفة.

وأما ذيل الخبر، ففي البحار رواية ابن بطريق في كتابه المستدرك ِبِإِسْنَادِهِ إلى كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ: “مَا خَيْرُ النِّسَاء ؟ِ قَالَتْ: (لَا يَرَيْنَ النِّسَاءَ) [كذا] وأَنْ لَا يَرَيْنَ الرِّجَالَ ولا يَرَوْنَهُنَّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ص فَقَال:َ إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي”[33].

ونحوه روى القاضي في الدعائم عن علي عليه السلام أنه قال: “قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: أي شئ خير للمرأة ؟ فلم يجبه أحد منا، فذكرت ذلك لفاطمة عليها السلام فقالت: ما من شئ خير للمرأة من أن لا ترى رجلا ولا يراها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: صدقت، إنها بضعة مني”[34].

وفي الجعفريات -وذكرنا ضعف الاعتماد على نسخته المتداولة اليوم وأنه لم يعرف إلا زمن الراوندي عن شيخه الرؤياني الشافعي وأن الأشعثيات هو المعروف وقد زيد فيه ونقص وغير- أخبرنا عبد الله أخبرنا محمد حدثني موسى قال: حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عليها علي عليه السلام وبه كآبة شديدة، فقالت: ما هذه الكآبة ؟ فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسألة ولم يكن عندنا جواب لها، فقالت: وما المسألة ؟ قال: سألنا عن المرأة ما هي؟ قلنا: عورة، قال: فمتى تكون أدنى من ربها؟ فلم ندر، فقالت: ارجع عليه فأعلمه أن أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها، فانطلق فأخبر النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فقال: ماذا من تلقاء نفسك يا علي، فأخبره أن فاطمة أخبرته، فقال: صَدَقَت، إن فاطمة بضعة مني عليها السلام”.

ورواه السيد فضل الله الراوندي في نوادره باسناده عنه صلى الله عليه وآله ( مثله ) .

وفي هذا ما لا يوافق اعتقادنا في علي عليه السلام من كمال المعرفة التي قد تكون في فاطمة عليه السلام ولا تكون فيه صلوات الله عليه، وليس في الخبر ما يدل على أنها قضية في واقعة خاصة أراد الله أن يبين فضل فاطمة عند الناس فحجب العلم عن علي حتى صار كأصغر صبي بين الناس، وكذلك لم ترد هذه القصة بهذا النحو إلا في الكتب غير المعتمدة وبعض كتب العامة.

وعلى أي حال، فهو لا يمنعمنا من التمسك بمؤدى قول فاطمة صلوات الله وسلامه عليها، لكنه مع هذا لا يفي لمدعي الحرمة دليلا؛ لأن الخير قد يجامع المستحب والواجب، بل لا يراد به هنا إلا الاستحباب؛ لعدم المانع من الأخبار -بعد الفحص- عن الرؤية مطلقا، مع عموم الابتلاء بهذا الأمر على مر العصور، والردع عن شيء يجب أن يتناسب وقوة المردوع عنه، فإذا لم يتناسبا كشف عن كونه حكما غير إلزامي، ولم نستدل بنفس الحكاية المساقة في الخبر لضعف اعتباره كما تقدم.

  • وفي الجعفريّات بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليّ بن الحسين عن أبيه: “أنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله” لِمَ حجبته وهو لا يراك ؟، فقالت: يا رسول اللّه، إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم الريح، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله: أشهد أنّك بضعة منى”.

ومثله في الدعائم: عن جعفر بن محمّد عليهما السلام أ نّه قال: “استأذن أعمى على فاطمة عليها السلام فحجبته”[35] (وذكر نحوه).

وهو كسابقه، ضعيف الاعتبار مجمل؛ لأن الفعل أعم من الحكم وجوبا أو استحبابا، بل تعجب النبي صلى الله عليه وآله من فعل فاطمة عليها السلام أقوى شاهد على عدم لزومه.

رواية أبي سعيد:

  • ومنه ما رواه الشيخ بسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خُرَّزَادَ عَنِ الْحَسَينِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: “إذا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهَا فِيهِمْ مَحْرَمٌ يَصُبُّونَ الْمَاءَ عَلَيْهَا صَبّاً، وَرَجُلٌ مَاتَ مَعَ نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ لَهُ مَحْرَمٌ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصْبُبْنَ الْمَاءَ عَلَيْهِ صَبّاً، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: بَلْ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَمْسَسْنَ مِنْهُ مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَإِذَا بَلَغْنَ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَيْهِ وَلَا مَسُّهُ وَهُوَ حَيٌّ صَبَبْنَ الْمَاءَ عَلَيْهِ صَبّاً”[36].

السند:

محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة المعروف عند القميين بدبة شبيب لكثرة فوائده، وقيل فيه: “إلا أنه يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل”.

الحسن بن علي بن خرزاد أو خرذاد كما عن العلامة، ومعنى ( خُرْ ) بالفراسية القديمة (الكبير)، “كثير الحديث” مهمل عن النجاشي، أخباره قليلة، وهذا لا يجتمع إلا مع الضعف في الغالب، وقيل في وجه توثيقه أنه لم يستثنه ابن الوليد من رواة أخبار نوادر الحكمة، لكنه وجه ضعيف؛ إذ ليس متيقنا أن الرواية من كتاب نوادر الحكمة، بل استثناء ابن الوليد لأولئك أقصى ما يدل عليه عدم ثبوت وثاقتهم عند ابن الوليد، وهو وإن كان قرينة قوية على عدم الوثاقة، إلا أنها ليست مورثة لليقين كما ثبت بالتتبع في أحوال جمع منهم كسهل بن زياد أبو سعيد الآدمي وميزنا بين أخباره في المعارف والفضائل وأخباره في الفروع، وهذا من قبيل التعارض الحكمي لشهادة ابن الوليد، لا التعارض الحقيقي الذي يكون بين الشهادتين.

والأقوى تصحيف الحسين بن راشد عن “الحسن”، وقيل بتعدده، إلا أنه هنا الحسن بن راشد الطفاوي البصري بشهادة من يروي عنه، وضعفه ابن الغضائري والنجاشي، إلا أن الغضائري قال: “يروي عن الضعفاء ويروون عنه، وهو فاسد المذهب، ولا أعرف له شيئا أصلح فيه إلا روايته كتاب علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم وقد رواه عنه غيره”، مما يدل على استثناء روايته عن علي بن إسماعيل وشهادة ابن الغضائري بشهرة الكتاب وأخذ الرواة عنه، مع استبعاد تعمده الوضع فيه، وهذا كاف في الوثوق بأخباره عن علي بن إسماعيل.

وعلي بن إسماعيل، قال فيه النجاشي: ” وكان من وجوه المتكلمين من أصحابنا كلم أبا الهذيل والنظام. له مجالس وكتب منها: كتاب الإمامة كتاب الطلاق كتاب النكاح كتاب مجالس هشام بن الحكم كتاب المتعة”[37]، وقال فيه الشيخ: ” علي هذا أول من تكلم على مذهب الإمامية وصنف كتابا في الإمامة سماه الكامل وله كتاب الاستحقاق‏”[38]، وروى الكشي أنه كان ومحمد بن سليمان النوفلي في حبس هارون[39]، وتكلما في مناظرة هشام بما يظهر منه صحة اعتقاد علي بن إسماعيل واتباعه لهشام بن الحكم.

وأما أبو سعيد، فهو مردد بين عدة أشخاص:

فيحتمل أنه منصور بن يونس بُزُرج -أي الكبير معرب (بزرگ) بالفارسية- قال النجاشي: “أبو يحيى وقيل أبو سعيد كوفي ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. له كتاب أخبرنا الحسين قال: حدثنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا حميد قال: حدثنا ابن سماعة عن عبيس عن منصور بكتابه”[40]، لأن علي بن إسماعيل روى عنه، كما في خبر الاختصاص: ” يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمِيثَمِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِي‏ ِّ قَالَ :كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع فِي دَارِه‏”[41] الحديث.

أو عبيد الله بن الوليد الوصافي، قال النجاشي: “عربي ثقة يكنى أبا سعيد، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، ذكره أصحاب كتب الرجال”[42].‏

فإن كان أبو سعيد أحد هذين فلا إشكال في اعتبار الرواية.

وأبو سعيد كنية كثير من الرجال، منهم حبيب بن المعلل الخثعمي؛ فإنه وإن لم تذكر كنيته، إلا أنه ممن روى عنه الحسن بن راشد عن علي بن إسماعيل أو هو أبو سعيد المكاري صاحب الكتاب.

والنتيجة أنه لم يتعين لنا صاحب هذه الكنية، فلو كان كتاب علي بن إسماعيل معتمدا وفي درجة اعتبار كتاب حريز وأمثاله لأمكن الركون إليه، إلا أنه لم يثبت ذلك.

والشيخ الحر رحمه الله نقلها عن نسخته عن علي بن إسماعيل عن أبي بصير، وقال في الهامش “في نسخة: أبي سعيد”، لكن لم تثبت رواية علي بن إسماعيل عن أبي بصير.

الدلالة:

قال الشيخ في الاستبصار بعد أن ذكره: ” فما تضمن هذا الخبر من جواز غسل المرأة للرجل المواضع التي كان يحل لها النظر وهو حي محمول على الاستحباب والأصل ما قدمناه”[43].

وقال النراقي في المستند: “دلّت على حلّية النظر إلى بعض أعضائه، ولا أقلّ من الوجه والكفّين إجماعا”.

ومع تسليم دلالتها على جواز نظرها في الجملة للرجل، لكنها شاذة في بابها، إضافة لاحتمال ورودها في موضع ضرورة، واحتمال عدم الإرادة الجدية للتقية وارد أيضا.

أما شذوذها فإن الأخبار في عدم جواز مس بدن الميت غير المحرم للمرأة معارضة لها، ومنها عن سعد بن عبد الله، عن ابى الجوزاء المنبه بن عبد الله، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن على، عن آبائه، عن على عليه السلام قال: “إذا مات الرجل فى السفر مع النساء ليس فيهنّ امرأته ولا ذو محرم من نسائه، قال: يؤزّرنه إلى الرّكبتين ويصببن عليه الماء صبّاً، ولا ينظرن إلى عورته ولا يلمسنه بأيديهنّ، ويطهّرنه”[44].

وقال الشيخ في التهذيب: “فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ فِي السَّفَرِ أو فِي الْأَرْضِ لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءُ، قَالَ: يُدْفَنُ وَلَا يُغَسَّلُ.

فَالْمُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ عُرْيَاناً يُدْفَنُ وَلَا يُغَسَّلُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنَ الثِّيَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ، يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةِ شَيْ‏ءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ حَسَبَ مَا ذَكَرْنَاه‏”[45].

والمتحصل، أن هذا الخبر لا يمكن التمسك به لضعفه وشذوذه وإجماله.

هذه جملة ما يمكن الاستدلال به من الروايات.

السيرة المستمرة الممضاة:

وأما دعوى أن السيرة كانت واستمرت على المنع من نظر المرأة للرجل مطلقا أو بضم ما استثني في المرأة كالرجل تسوية؛ فالقول بتشديدها في نساء النبي صلى الله عليه وآله غير بعيد، وأما استمرارها في غيرهن فالقطع بثبوتها أو الركون إليها في الاستدلال في غاية الإشكال ونسبتها لإمضاء الشارع غير معلوم.

ويمكن التفصيل في السيرة؛ فما يكون ذا الغرض في المعاشرات المعتادة والمخالطات التي عليها قوام الحياة وطريقة الناس، فتنظر المرأة لما يكشفه الرجل عادة وهو المعبر عنه في بعض الكلمات بالذي عند المهنة والاشتغال المعتاد، وأدناه كشف الذراع والرقبة وشيء من الساق، فهذا ليس في الظن أحد ينكر قيام السيرة القطعية عليه وإمضاء الشارع له، وإلا لتكثرت الأخبار في النهي عنه مع أن الابتلاء فيه دائمي.

وأما الأعمال أو الحالات التي يضطر فيها الرجل لكشف أكثر ما يكشف في العادة حتى أن في بعضها ما تستر فيه العورة فقط كالبحارة والغائص، فلم يدع أحد انعقاد السيرة عليه فضلا عن استظهاره من الأخبار.

نعم، الكلام كله في حكم نظرها للرجل مع وجود مسوغ للنظر ولو كان عاديا، وأما بدونه، فهي والرجل في الحرمة سواء؛ لأن ما في الرجل من علة فيها؛ كيف وهي منشأ اعتلاله!، والخوف من افتتانها أعظم من افتتانه، والأمر بتحصينها ومنعها عن الرجال آكد فيها منه، فما لا يكون بغرض صحيح وإنما هو لمجرد النظر، فلا نعلم شيئا يكون كذلك إلا كان فيه ريبة وتلذذ عادة، فدعوى انعقاد السيرة على كشفه على مدعيها.

ويثبت بهذا أن العورة -بالمعنى الثاني الذي ذكرناه عند البحث عن معنى العورة، وهي الأعم من السوءة للرجل والمرأة والتي وقع البحث عنها هنا- التي لا يجوز للمرأة خاصة النظر إليها هي ما سترته ثياب الرجل بحسب ما جرت العادة في الستر بين بني البشر.

وبعد القول بالملازمة بين النظر والستر، وجب كذلك على الرجل التستر أمام المرأة من إبداء ما لم تجر العادة على إبدائه، ولهذا يقال لمن ستر أقل مما جرت عليه العادة من جسده وطاف بالبيت أنه طاف عاريا؛ والدليل في المسألة هو الأصل والسيرة الجارية على التحفظ من التكشف للرجل أمام الناس، نعم هو في المرأة آكد بالنصوص الصريحة.

الستر في الحج

نعم، أقرب الموارد التي يمكن تعدية حكمها لمسألة نظر المرأة للرجل -بل فيما يجب ستره على المرأة أيضا عند النظر في أخبار الحج والكفن والصلاة- ويرتفع بها الإجمال في مقولة ( ما تعارف ستره )، هي مسألة لبس الإزار عند التكفين والحج وتغطية المنكبين في الأخير في مسألة ثوبي الإحرام ؛ فإنه لم يرد تخصيص لأدلة النظر بالنسبة لحال الحج، فيثبت أن ما حرم في الحج كشفه حرم في غيره، وما لم يجز في الحج النظر إليه لم يجز في غيره، وهذا من التطبيقات لا القياسات.

كلام الشيخ يوسف في مسألة التوشح والتردي:

ويناسب أن ننقل كلام عمنا المحدث البحراني أعلى الله مقامه في كتاب الحج في مسألة كيفية لبس ثوبي الإحرام وتقويته للتردي قبال التوشح، قال رحمه الله:

” ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على أنه يتزر بأحد الثوبين، وأما الآخر فهل يتردى به أو يتخير بين أن يتردى به أو يتوشح؟ قولان، وبالأول صرح العلامة في المنتهى والتذكرة، وبالثاني الشهيدان في الدروس والمسالك والروضة، وقبلهما الشيخان في المقنعة والمبسوط.

و التوشح تغطية أحد المنكبين، والارتداء تغطيتهما معا، وبه صرح في المسالك والروضة.

و ذكر ابن حمزة في الوسيلة أنه لا بد في الإزار من كونه ساترا لما بين السرة والركبة، وبذلك صرح في المسالك أيضا.

و الذي صرح به أهل اللغة في معنى التوشح هو أنه عبارة عن إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاء طرفيه على المنكب الأيسر، قال في المغرب: توشح الرجل، وهو أن يدخل ثوبه تحت يده اليمنى ويلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم، وكذلك الرجل يتوشح بحمائل سيفه، فتقع الحمائل على عاتقه اليسرى فتكون اليمنى مكشوفة.

و قال في كتاب المصباح المنير: وتوشح بثوبه، وهو أن يدخله تحت إبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في المقام:

‌صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في كيفية التلبيات الأربع، وفيها: «و التجرد في إزار ورداء، أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء».

و في رواية محمد بن مسلم: «يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء».

و في صحيحة معاوية بن عمار: «و لا سراويل إلا أن يكون له إزار».

و المستفاد من هذه الأخبار أن الثوبين أحدهما إزار والآخر رداء، ومن الظاهر أن الذي جرت به العادة في لبسهما هو شد الإزار من السرة ووضع الرداء على المنكبين، والظاهر انه في حال الإحرام كذلك أيضا.

فالقول بالتوشح بالرداء -كما ذكروه- لا أعرف له وجها، ومجرد ذكر أهل اللغة -في بيان التوشح أنه كما يفعل المحرم- لا يصلح دليلا، إذ لعله مخصوص بمذهب المخالفين المصرحين بذلك.

وقال في المدارك: ويعتبر في الإزار ستر ما بين السرة والركبة، وفي الرداء كونه من ما يستر المنكبين، ويمكن الرجوع فيه إلى العرف، ولا يعتبر في وضعه كيفية‌ ‌مخصوصة.

وظاهره جواز الاتشاح كما تقدم، وبالجملة فالواجب حمل إطلاق الأخبار المذكورة على ما جرت به العادة من لبس الثوبين المذكورين، وبه يظهر قوة القول الأول”[46].

وما ذهب إليه رحمه الله في غاية السداد، لكنه لو حمل الأمر بالثوبين على ما يظهر من الأخبار من كونها في معنى لبس الساتر المتعارف في قبال العري أمام الناس خاصة النساء لارتاح من البحث في الكيفية، وهو السر في ترك تفصيله في الأخبار، ومنها أيضا يظهر أن من قَصُر رداؤه عما بين السرة والركبة أو كشف صدره أو كتفه ولم يرتد برداء، عُدَّ عاريا مأثوما وإن لم يكن شرطا في صحة إحرامه كما هو المشهور؛ لانعقاده بالتلبيات، إلا أن يكون كاشفا لها أمام المماثلين في غير أداء نسك فعورته سوأتاه، وأما في النسك فظاهر الأخبار وجوب التستر أمام الناظرين مطلقا عند التمكن.

ونزيد على ما ذكره المحدث رحمه الله ما ينفع في المقام ويؤيد قولنا الآنف:

بما رواه الطبرسي في الاحتجاج في السؤال عن المئزر وهيئته وما يجب ستره: ( إن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان ( عليه السلام ) يسأله: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة ؟ فأجاب ( عليه السلام ): لا يجوز شد المئزر بشيء  سواه من تكة أو غيرها، وكتب أيضا يسأله: هل يجوز أن يشد المئزر على عنقه بالطول أو يرفع من طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما ويخرج الطرفين الآخرين بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته وشد طرفه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك؛ فإن المئزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جَملَه انكشف ما هناك وهذا أستر، فأجاب ( عليه السلام ): جائز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث

في المئزر حدثا بمقراض ولا إبرة يخرجه عن حد المئزر، وغرزه غرزا ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى السرة والركبة كليهما، فإن السُّنة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة والركبة، والأحب إلينا والأكمل لكل أحد شده على السبيل المعروفة المألوفة للناس جميعا إن شاء الله تعالى ).

وجاء ذكر الطيلسان في بعض الأخبار بما يؤنس به لمعرفة حال الرداء أيضا، كصحيحة صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْمُحْرِمِ يَلْبَسُ الطَّيْلَسَانَ الْمَزْرُورَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وفِي كِتَابِ عَلِيٍّ ع: لَا يُلْبَسُ طَيْلَسَانٌ حَتَّى يُنْزَعَ أَزْرَارُهُ، فَحَدَّثَنِي أَبِي إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَزُرَّهُ الْجَاهِلُ عَلَيْهِ”[47].

وفي المجمع: “” الطَّيْلَسَان” مثلّثة اللام واحد الطَّيَالِسَة، وهو ثوب يُحِيط بالبدن يُنْسَج للُّبْس خالٍ عن التفصيل والخِياطة، وهو من لباس العَجَم، والهاء في الجمع للعجمة لأنه فارسيّ معرّب تَالِشَان”.

قال المطرزي: «الطيلسان: تعريب تالشان، وجمعه: طيالسة، وهو من لباس العجم مدوّر أسود». وقال المجلسي: «و الطيلسان، بتثليث اللام: ثوب من قطن».

وفي المرآة وقال العلّامة المجلسي: «قال صاحب كتاب مطالع الأنوار: الطيلسان: شبه الأردية يوضع على الرأس والكتفين والظهر»، أي كما يلبسه اليهود.

وهو المسمى الآن عندهم (شال) لكنه كبير واسع، وهو ما يغطي المنكبين وأكثر الظهر والبطن، كالرداء تماما الذي يلبس الآن بين حجيجنا.

ويستحب للمماثل أيضا أن يستر ما بين سرته وركبته، ويدل عليه خبر بشير النبال قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام فقال: تريد الحمام؟ قلت: نعم، فأمر بإسخان الماء ثم دخل فاتزر فغطى ركبتيه وسرّته، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجاً عن الإزار، ثم قال: اخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال: هكذا فافعل».

و حديث الأربعمائة المروي في الخصال عن علي (عليه السلام) «إذا تعرى أحدكم (الرجل) نظر إليه الشيطان فطمع فيه، فاستتروا ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه ويجلس بين قوم»، المحمول النهي فيه على الكراهة والتنزه، ولإشعار التعليل بما يناسب الكراهة، ولضعفها ومعارضتها للأخبار المعرفة للعورة، كمرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السلام) «الفخذ ليس من العورة»، ومرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «العورة عورتان: القبل والدبر، والدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة»، ومرسلة الكليني: «أما الدبر فقد سترته الأليتان، وأما القبل فاستره بيدك».

الحاصل:

والمتحصل: أم الأقوى جواز نظر المرأة للرجل للمواضع التي يكشفها عادة في المخالطات والاشتغالات المتعارفة إذا كان لها سبب سائغ ولو عرفا، وحدوده كحدود الإحرام والكفن التي يحيط بها الثوبان، من أعلى الكتف إلى الركبة، وكما لا يجوز لها النظر لا يجوز له التكشف للمفهوم من التلازم بينهما، ويحرم عليها النظر لغير تلك المواضع في غير ضرورة ولو عرفية حتى ما يكشف الرجال في حال اشتغالهم ببعض الأشغال كالبحار أو الألعاب كالسباحة؛ لصدق التعري وكشف العورة على المقدار الزائد على المعتاد أمام النساء، ولعدم العلم بشمول السيرة الممضاة بغير تقية على جواز كشفها أمام المرأة أو نظرها لتلك المواضع، وفي المسألة مجال لتجديد النظر.

ويستحب ستر ما بين السرة والركبة أمام المماثل، ويكره كراهة مغلظة كشفها عدا العورة فإنه يحرم.

تم الكراس الرابع من بحث النكاح

والحمد لله رب العالمين

محمد علي حسين العريبي

1436 هـ – 2015 م

فهرس العناوين

دليل المسألة: 8

أما من الكتاب الشريف: 8

آية غض البصر 8

إجمال الآية 9

وجهان في دلالة ذكر الفروج. 9

غض البصر لا يرادف عدم النظر ومعنى الحفظ. 10

تفسير الآية: 11

ما تتكفل الآية ببيانه 16

معنى العورة 18

خبر سعد الإسكاف: 20

آية الحجاب.. 22

المراد من آية التطهير هو الاصطفاء لا العصمة 23

الأخبار في آية التطهير: 24

وأما تفسير آية الحجاب وسبب نزولها المروي: 34

رواية ابن أم مكتوم 35

أخبار أخرى. 38

رواية أبي سعيد: 43

السند: 44

الدلالة: 48

السيرة المستمرة الممضاة: 50

الستر في الحج. 52

كلام الشيخ يوسف في مسألة التوشح والتردي: 52

الحاصل: 59

<


[1] أجوبة المسائل المهنائية: 41.

[2] مرآة العقول 20: 272.

[3] كشف اللثام 7: 26-27.

[4] الحدائق 23: 65.

[5] وسيلة النجاة 3: 147/ م19.

[6] النور: 24-25.

[7] الكافي 2: 35/ ح1 ب فِي أَنَّ الْإِيمَانَ مَبْثُوثٌ لِجَوَارِحِ الْبَدَنِ كُلِّهَا.

[8] الدعائم 1: 4.

[9] فهرست النجاشي: 339/ ر909.

[10] فهرست النجاشي: 220/ ر 575.

[11] تفسير القمي 2: 101.

[12] أي حفظ الفرج من الزنا، وهنا حفظ الفرج من النظر إليه.

[13] الفقيه 1: 114/ ح235.

[14] الفقيه 2: 626/ 3215.

[15] فقه الرضا: 87/ ب3 الغسل من الجنابة.

[16] الدعائم 2/ 513، فصل 2 ذكر من يجوز شهادته.

[17] الكافي 3: 157/ ح8 ب الحمام.

[18] لسان العرب 4: 617.

[19] الكافي 11: 197/ ح5 ب ما يحل النظر إليه من المرأة.

[20] الأحزاب: 53.

[21] الكافي 2: 26/ ب65 الإشارة والنص على أمير المؤمنين ع.

[22] إكمال الدين: 95.

[23] تفسير العياشي 1: 17.

[24] تفسير العياشي 1: 11، تفسير الناسخ والمنسوخ.

[25] علل الشرائع 1: 205/ ب156 العلة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن عليهما السلام.

[26] المسائل العكبرية 26-27، المسألة الأولى.

[27] تفسير القمي 2: 195.

[28] مختصر تفسير القمي: 417.

[29] مجمع البيان 8: 174.

[30] المحاسن 2: 427/ ح235.

[31] الكافي 5: 534/ ب في نحو ذلك.

[32] كشف الغمة 1: 466/ منزلتها عند النبي ص.

[33] البحار 37: 69/ ب50 مناقب أصحاب الكساء.

[34] الدعائم 2: 215.

[35] الدعائم 2: 214.

[36] التهذيب 1: 342/ ح169 ب تلقين المحتضرين … .‌

[37] فهرست النجاشي: 251/ ر 661.

[38] فهرست الشيخ: 263/ ر374.

[39] الكشي: 262/ ر477.

[40] النجاشي: 412/ ر1100.

[41] الاختصاص: 292.

[42] النجاشي: 231/ ر613.

[43] الاستبصار 1: 205/ ح721 ب الرجل يموت في السفر وليس معه رجل.

[44] التهذيب 1: 342/ ح 1000 ب تقلين المحتضرين وتوجيههم.

[45] التهذيب 1: 343/ ح1003 ب تلقين المحتضرين وتوجيههم.

[46] الحدائق 15: 97-80.

[47] الكافي 4: 340/ ح7 ب ما يلبس المحرم من الثياب.

التعزية بـ ( لله ما أعطى ولله ما أخذ )

التعزية بـ ( لله ما أعطى ولله ما أخذ )
نسمع هذه الأيام كثيرا عند التعزية يكتبون ( لله ما أخذ وما أعطى ) هل هذه العبارة صحيحة وما معناها ؟

الجواب:
هذه العبارة مأخوذة من قول النبي ص في المروي عنه في تسلية امرأة أخبرته أن ابنها في النزع، فقال: ” لله تعالى ما أعطى ولله ما أخذ “، والرواية مروية من غير طرقنا، ورويت أيضا في الكتاب المعروف بالأشعثيات، ويكررها بعض المسيحيين أيضا وأظنها وردت في تراثهم أيضا.
ومعناها أن لله المشيئة في الأمور كلها وعلينا التسليم لها فهو مالك كل شيء وواهبه، لا ينفعنا الجزع ولا عزاء لنا إلا رحمته وتفويض الأمر إليه والاحتساب لعظيم أجره.
وليس للتعزية صيغة معينة، فكل كلام فيه مواساة لأهل الميت مستحب.
وورد أن الباقر قال في التعزية: ” جَبَرَ اللَّهُ وَهْنَكُمْ وَ أَحْسَنَ عَزَاكُمْ وَ رَحِمَ مُتَوَفَّاكُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ “.
وروي عن الجواد في حديث أنه قال: ” أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَ أَحْسَنَ عَزَاكَ وَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِك‏”.

عبيد الله بن عباس وخيانته الحسن بن علي عليهما السلام

عبيد الله بن عباس وخيانته الحسن بن علي عليهما السلام

السؤال: ما هو موقف الشيعة من عبيد الله بن عباس بعد أن لحق بجيش معاوية ؟

الجواب:

PDF: https://tinyurl.com/ubaidallah

وفوده على معاوية أمر ثابت وقطعي لكنه زمانه غير معلوم، وأما خيانته للحسن عليه السلام فلم تثبت وتحوطها جملة من الشكوك، ومعلوم أنه لم يسلم من الأئمة وشيعتهم زمن الأموميين وتحريف التراث والأخبار أحد، وهذا أحد الموارد تلك التي يظن قويا أنها من صنيعتهم.

فالوفود على معاوية تحقق من كثير، والصلاة والهدايا والعطايا كان يعطى لكثير من الوجهاء أيضا، لكن استغلال تلك الحوادث والحياكة عليها بالكذب أمر مشهور مشهود، فما لم تنقشع ظلمات تلك الفترة المظلمة المرعبة لا يمكننا البت في أمر عظيم ينال مباشرة من أبناء العباس وشيعة الأئمة وبصورة غير مباشرة من الأئمة الهداة.

وتفصيل الجواب:

عبيد الله بن عباس وخيانته الحسن بن علي عليهما السلام

ولاه علي ع اليمن حتى استشهد، ثم لحق بالحسن عليه السلام، وقتل بسر بن أرطأة صغيريه ذبحا في طريق عودة أرطأة من اليمن إلى الشام، واستمر على ظاهر الولاء والمحبة للحسين عليه السلام، قيل أنه توفي سنة 58هـ قبل واقعة الطف، وقيل بعدها.

وخبر لحوقه بمعاوية مشهور ويظهر من الشيعة وغيرهم التسالم عليه، لكن للسيد الخرسان -الخبير في تاريخ ابن عباس والأوسع باعا في تحقيق سيرته وروايته- في موسوعته القيمة عن ابن عباس، له تشكيك محقة في تفاصيل وزمان وفوده على معاوية مع إقراره بحصوله كما هو الحال في الشك في التهم على عبد الله بن عباس أخيه وغير أخيه مما اصطنعه الأمويون في أهل البيت من الأئمة خاصة الحسن والحسين وشيعتهم، فهل لحق به قبل الصلح أم أثناءه أم بعده ؟، فإن كان خبر لقائه توجهه لمعاوية أضحت من ثوابت التراث، فليس من السهل إنكارها، كما أنّها كذلك ليس من السهل تصديقها بكلّ مفرداتها.

فضعَّف خبر ابن شاذان المروي في كتاب الكشي، قال بما حاصله: ” فأمّا الخبر الأوّل، فساقط بالمرّة، لِما فيه من إرسال عن الفضل، وجهالة بعض كتبه، مع كثرة المعلومات الخاطئة فيه، والتي أتبعتها بعلامات استفهام … وعلى هذه الكبوة من الكشي، أو الفضل بن شاذان، أو من غيرهما، فقس ما سواها من كبوات وفجوات أتبعتها بعلامات الاستفهام تسقط الاحتجاج بالخبر المذكور بالمرّة”.

وأمّا الخبر الثاني، فقد ورد ذكره في الكشي مرّتين … وهو من غلط النسخة ظاهراً، وأعاده مرّة أُخرى في ترجمة عبيد الله بن العبّاس، وفي المكانين ورد اللّعن وذكر العمى، ولمّا كان الخبر رواه الكشي مسنداً عن رجال منهم محمّد بن سنان ــ المختلف فيه ولم تثبت وثاقته ــ عن موسى بن بكر الواسطي ــ وهو على ما قيل: كان واقفياً ــ وقد روى الكشي نفسه عن الإمام الجواد عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‡ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾، قال: نزلت في النصّاب والزيدية والواقفة من النُصاب.

ولئن قيل: هذا في عماهما، فلقد قال المسعودي في (مروج الذهب): إنّ عبد الله كان سبب ذهاب بصره كثرة بكائه على أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام.

أمّا قول الشيخ الطوسي رحمه الله : لحق بمعاوية، فهذا ما ثبت في الموروث تاريخياً، ولا شكّ عندي في نقله.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: متى كان ذلك زماناً؟ هل هو قبل المصالحة؟ أم في زمان المراسلة بين طرفي النزاع؟

ثم الاختلاف في روايات صفقته مع معاوية يبعث الريبة في الصحّة تمام الصحّة.

 ما سيأتي من خبر المصاهرة بين العبّاس الأكبر الشهيد ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبين عبيد الله هذا على ابنته لبابة، ففي هذا الدلالة على صفاء الجوّ الهاشمي بين آل عليّ وآل العبّاس، ممّا يستبعد أن يكون اللحاق المذكور قد ألقى بضلاله القاتمة على ما بين البيتين من صفاء ومودّة، مع ما روي في التاريخ من مواقف لعبيد الله هذا موافقة لأهل البيت عليه السلام أيام معاوية، ممّا يستبعد التضخيم والتفخيم لذلك الحَدَث المهين المشين.

لا أريد تبرئة عبيد الله من ذلك التصرّف النشاز، المخالف للقيم الدينية والأعراف القبلية والأخلاق العربية، فهو أسقط نفسه في حمأة سوداء بسوء اختياره ما كان ينبغي له ذلك، وما قيل في أنّ حبّ المال أغراه حتّى سدّ عليه منافذ بصيرته، فلست ممّن يثق بهذا القول تماماً، لِما ورد في التاريخ من ذكر مواقف له تخالف هذا القيل من جشع وحبّ المال”. ثم ساق الأدلة والشواهد على كرمه وجوده حتى شبه بحاتم، واسترسل النقل عن كتاب الشواهد الرفيعة للسيّد ابن معصوم المدني الشيرازي، ومما نقل عنه مشاطرته نصف ماله مع الحسين عليه السلام، ثم قوله في الالتزام بالعهد والصلح مع معاوية: (فقال: دع عنك هذا الكلام، فإنّا من قوم نفي بما عقدنا، ولا ننقض ما أكدّنا)، ما يدل أنه كان في صف الحسن لا في حزب معاوية.

ثم قال:

” ومهما شككنا في صحّة هذه الأخبار فلا يسعنا أن نشكّ في خبر المصاهرة، والذي أطبق النسّابون على ذكره، وهذا الذي لم نشكّ فيه، هو ما يعني الوئام الذي كان بين أولاد العبّاس وأولاد عليّ، وأظهر مظاهره هي المصاهرة بين العبّاس بن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبين عبيد الله بن العبّاس هذا الذي قيل عنه ما قرأنا من مدح وذمّ، ولئن صحّت المصاهرة ــ وقد ثبتت تاريخياً”.

” فهي تبعث على الشكّ في تهمة الخيانة والإنحدار الخلقي والتصرف النشاز من عبيد الله ولحوقه بمعاوية قبل صلح الإمام الحسن عليه السلام، إذ أنّ اختيار العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السلام مصاهرة عبيد الله الخائن تثير العجب والتساؤل! كيف اختار أن يخطب ابنة إنسان قيل عنه: خذل ابن عمّه وصار إلى عدوه اللدود؟! إنّها مفارقة عجيبة غريبة!

ألم يعلم العبّاس بن علي الصهر الجديد بما قاله النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اختاروا لنطفكم فإنّ الخال أحد الضجيعين)، وأنّ العرق دسّاس؟! وإذا لم يعلم هذا، ألم يعلم بخبر تزويج أبيه عليّ عليه السلام من أُمّه أُمّ البنين كيف كان باستشارة عمّه عقيل كما في الموروث؟ فهل استشار هو أيضاً من أعمامه وإخوته فدلّوه على لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس، مع ما قيل في أبيها من ذمّ؟

فإن صحّت المصاهرة، وصحّ الاختيار، سيبقى خبر المفارقة على المحكّ لبحث ظروفه وأسبابه وتداعياته، وهل كان قبل الصلح؟ أو بعده؟ أو في أثناء المفاوضات”.

فالطعن هو غاية يريدها الأمويون، ثم استشهد بقول أمير المؤمنين ع في صفين: ” والله يودّ … ما بقي من بني هاشم نافخُ ضرمةٍ إلاّ طعن في نيطه إطفاءً لنور الله ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون”.

” وتعقيباً على ما مرّ من قصّة لحوق عبيد الله بن عبّاس بمعاوية، والتي أضحت من ثوابت التراث، فليس من السهل إنكارها، كما أنّها كذلك ليس من السهل تصديقها بكلّ مفرداتها، ولا شكّ بينها ما هو حقيق بالتصديق، ولا يخلو بعض منها ما عراه التزويق بالتلفيق … قال الدكتور زكي مبارك رحمه الله : (أمّا دسائس الأمويين ضدّ الحسن فقد ظفرت ببعض النجاح، ألم يستطيعوا أن يشيعوا في المشرق والمغرب أنّ الحسن لم يكن صالحاً للملك، وأنّه كان رجلاً يحب النساء؟

ومن العجب أنّ بني أُميّة حاربوا الحسن بلباقة سياسية منقطعة النظير، فقد كانوا يودون اتّهامه بضعف الأخلاق، وحبّ الإثم والفسوق، فلمّا عزّ عليهم ذلك قالوا: إنّه لم يكن يتمتّع بالنساء إلاّ عن طريق الحلال، فكان يتزوّج المرأة ليلهو بها يوماً أو بعض يوم، ثمّ يطلّقها ليبحث عن امرأة أفتن وجهاً وأنضر شباباً.

ومن العجب أيضاً أنّ الهاشميين لم يقاوموا هذه الدسيسة، وأعجب من ذلك أن يعدّوها من مفاخر ذلك السيّد المزواج”.

ثم قال يصف تلك الفترة الزمنية المظلمة في التاريخ: ” إنّ أخبار هذا الحَدَث فيه غمغمة تاريخ، وهمهمة تضييع لمواقف مناقبية، وتشويه لقيادة حسنية فذّة في معالجة الأمور، وقد أحيط به من عناصر لم ترع لله فيه حرمة، ومن ورائهم مكائد …، وزاد الأمر سوءاً ما جاء في كتب المثالب التي افتتحها زياد بن أبيه الذي قالوا فيه: أنّه أوّل من ألّف كتاباً في المثالب”.

”  لا شك أن … بني أُميّة قاموا بترويج أكاذيب على نطاق واسع، تغطية لجرائمهم في استبعاد أهل البيت عليهم السلام عن ممارسة الحكم، فكانت ذمم الرواة تشرى لتزوير الحقائق، فكانت النتائج كما قال الإمام الباقر عليه السلام: (…ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام…)”

” قال المسعودي: وذكر بعض الأخباريين أنّه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن … فهل بعد هذا ما يمنع من القول بغثاثة الموروث، وأنّ اليد الأموية الأثيمة لها ضلع في تسجيل الجريمة؟ ” (موسوعة عبد الله بن عباس، السيد محمد مهدي الخرسان ج19/ 77-100). انتهى مختصرا .

وهو قول متين، واستفهام في محله، يعضده قتامة تللك السنين والقطع بأن يد التحريف والتضليل والتقتيل والتشريد طالت كل شيعة علي عليه السلام.

محمد علي العريبي

3 شوال 1442 هـ

البحرين

أبحاث صلاة الجماعة: م6 موقف الإمام والمأموم

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين

وبعد؛

فهذه ورقات دونتها أثناء بحثي على مسائل صلاة الجماعة من كتاب العروة الوثقى، ألقيتها ابتداء على بعض طلاب العلم في ( المدرسة الجعفرية للدراسات الإسلامية ) ثم تابعنا بحثها على شبكة الإنترنت في سنة ( وباء كرونا ) حتى هذه السنة 1442هـ – 2021م، وهذا نحن نخرجها تباعا.

نسأل الله بهذا العمل القليل نيل رضاه وأن يكون فيه نفع لأهل العلم وطلابه، فإن كان فيه غلط أو سهو فمن سوء فهمي وقصوري، وإن يكن فيه صواب فمن تسديده سبحانه.محمد علي حسين العريبي

لتحميل البحث وقراءته:

https://tinyurl.com/2msnnwdn

الكراس الثالث من أبحاث كتاب النكاح 1436 هـ – 2015 م

  • م7: في تحقق التلذذ قهرا عند النظر وهل يكون مانعا
  • م8: حكم النظر إلى النسوة اللائي إذا نهين لا ينتهين
  • م9: حكم النظر للمواضع التي لم تجر عادتهن على كشفها
  • م10: حكم كشف مواضع البدن للمحارم غير المذكورين في الآية

للمطالعة مباشرة والتحميل : https://tinyurl.com/ydz4q9ux

كتاب نزهة الانستغرام ج 1 ج2

كتاب

نزهة الإنستغرام ج1

نزهة الانستغرام ج2

بسم الله …

فهذه ( نزهة ) أخرى في حدائق مزهرة، وجولة في رياض مورقة، من مختارات أجوبتنا على مسائل كثيرة مختلفة، غرستها في البرنامج الشهير ( الانستغرام )، عاما بعد عام، وصَرَمتُها اليوم صونا لها من عوادي الأيام …

فإن شئت وردتَ روضتها

أو شئت أطللت من شرفتها

أو ضربت برجلك لتمتعك مقلتيك خضرتها

فاحفظها عندك ليومك وغَدِك

ولتكن رفيقك في زمان فراغك وأُنسِك؛

فإن فيها العميق الغائر، وفيها ما دون ذلك من النظائر

وقد قسمتها على أجزاء لكي لا تثقل في عين الناظر

ثم اقتصرت في هذا الجزء الثاني على عشرين سؤالا وجوابا، فجعلتها في عشرين مقالا؛ لتكون أبعد عن الملالة و أطرد للسآمة وأيسر للمطالعة.

ومن الله التوفيق

والحمد لله رب العالمين على ما أولى وأنعم.

النزهة الجزء الأول:

نسخة PDF

https://tinyurl.com/nozhaa1

نسخة الكيندل

النزهة الجزء الثاني:

نسخة PDF

https://tinyurl.com/nozhaa2

نسخة الكيندل

الدفع والدعم

  • الكتاب غير مجاني
  • الدفع اختياري
  • تقدير المبلغ باختيار الدافع
  • يرجى تعيين إحدى الطرق أدناه

من داخل البحرين

Benfit : 34576914

IBAN: BH71NBOB00000274315459

يرجى التأكد من الرقم واسم المستلم

Mohamed Ali Al Araibi

Or

Mohammad Aloraibi

——-

من داخل البحرين وخارجها

عن طريق صفحة الدفع والدعم

كتاب أنيس الحامل (الطبعة 3)

أنيس الحامل في الأدعية والأحراز والمسائل

نظامٌ عبادي غذائي للمرأة للحامل
• تهتدي به في عبادتها
• وتأنس به زمان حملها
• وتأمل باتباعه الذرية الطيبة التي تقر عينها

  • جُرِّب ؛ فأتى بنتائجه المرجوة
  • وكتب تحت نظر المختصين في التغذية والشريعة

نسخة PDF

https://tinyurl.com/anees2020

نسخة الكندل

https://tinyurl.com/y74a4me3

الدفع والدعم

  • الكتاب غير مجاني
  • الدفع اختياري
  • تقدير المبلغ باختيار الدافع
  • يرجى تعيين إحدى الطرق أدناه

من داخل البحرين

Mohamed Ali Alaraibi

Benfit : 34576914

IBAN: BH71NBOB00000274315459

——-

من داخل البحرين وخارجها

عن طريق صفحة الدفع والدعم

سمك الصافي … هل له فَلَسٌ وهل يحل أكله ؟

سمك الصافي … هل له فَلَسٌ وهل يحل أكله ؟

* محمد علي العريبي – 22 رمضان 1440 هـ

سألتُ الحاج المؤمن -الذي قضى عمره صيادا خبيرا ماهرا- الحاج جعفر محمد حسين عتيق المعاميري حفظه الله عما يقال من أن سمك الصافي ليس له فلس وأن أهل الخليج أحبوه أكله فادعوا أن له فلسا لذلك، فقال أنه لم ير بعينه قط سمكة صافي عليها فلس، لكنه رأى مرات كثيرة فلسا متوهجا نجوميا أو مستديرا تحت سلال الصيد والثلاجات بعد صيده، فلعله ينفضه من بدنه أثناء حركته بعد اصطياده.

أقول:

يكفي في الحكم بالحلية إحراز شرط كونه ذا قشر بشهادة الثقة من أهل الخبرة.

ولا بأس بالاسترسال في توضيح المسألة:

لا يخفى أن المسألة من الموضوعات غير المستنبطة، فلا يرجع فيها إلى الفقيه إلا إذا ورد في الموضوع نص خاص، والحال أنه لا نص في هذا المورد المعين.

فهي من الموضوعات الخارجية التي يناط إحراز تحقق الشرط فيها -أي شرط الحلية من وجود الفلس والتذكية- إلى المكلف نفسه.

الحكم عند اليهود:

يمكن الاستعانة بأبحاث اليهود وعملهم في حصر الأطعمة والأشربة المحللة؛ فهم يشتركون معنا في الحكم باشتراط أن يكون السمك ذا قشر (Scales)، باستثناء الفلس الصغير اللاصق بالجد، ويزيدون شرط أن يكون الكائن البحري له زعانف (Fins)، ومرجعهم الشرعي يسمونه كوشر أو كشروت (بالعبرية כשרות) أي الأطعمة الحلال، وتشددهم في الدين مما ذمهم الله عليه في كتابه.

جاء في التوراة الشفهية:

“These you may eat of the fishes, all that have fins and scales…” (Vayikrah XI:9-12)

“Every creature that has scales will have fins, but there are those which have fins but no scales.”

Leviticus 11:9-10, Deuteronomy 14:9b, Mishna in Talmud Nida 6:9

وإذا رجعنا لموقع clovegarden.com المتخصص في الأطعمة وحكمها، نجده يقول أن سمك الصافي عديم الفلس فليس كوشر، أي ليس حلالا حتى لو كان له فلس وقشر مكروسكوبي أو ناعم، وهي دعوى بعض المؤمنين عندنا، جاء في المصدر:

Rabbitfish …. They have no conventional scales so are not kosher. [https://www.clovegarden.com/ingred/sf_rabbz.html]

تشريح الموضوع:

يتوزع سمك الصافي في شرق العالم حتى شواطئ الخليج وشرق أفريقيا والبحر الأحمر، ففي موقع https://www.aquamaps.org

جاءت خريطة توزيعه على النحو اللآتي:

[https://www.aquamaps.org/receive.php?type_of_map=regular]

وأنواعه كثيرة، ذكرها الموقع المرجعي للأسماك

https://www.fishbase.se

لكنه نصَّ صراحة على أن سمك الصافي يظهر كما أنه ليس له قشور، لكن قد يعثر على بعض أو كثير من القشور الصغيرة في بعض أجزائه.

“cheeks appear to be scaleless but sometimes with few to many, fine, embedded scales on lower 2/3; midline of thorax scaleless between pelvic ridges”. [https://www.fishbase.se/Summary/SpeciesSummary.php?ID=4456&AT=white+spotted+rabbit+fish]

وافقها على ذلك عدة مواقع متخصصة ذكرت أن له قشورا صغيرة، منها:

[http://www.wildsingapore.com]: “A unique feature of this family. It has tiny scales”.

وذكرت نص ما في قاعدة البيانات بعضُ الدراسات التفصلية، كـ

[http://www.fao.org/tempref/docrep/fao/009/y0870e/y0870e27.pdf]

؛ وأن بعض أنواع الصافي -وهو المشهور لدينا- له فلس صغير ضعيف قليل غير واضح أو مسطح، وبعض الأنواع -أغلبها في البحار الأخرى- يغطيها الفلس القوي الواضح.

وفي تفصيل الجسم التشريحي للنوع المشهور عندنا في الخليج قال أن الفلس الدائري صغير جدا يقتصر على قوس الخد، قال:

” Scales cycloid and very small, sometimes absent from isthmus and midthoracic region, and if present on head restricted to suborbital area of cheek”

وهذه الأبحاث لا يترتب عليها شيء إذا كانت تقصد بالقشور أنها القشور المختبرية غير القابلة للرؤية إلا بالاستعانة بالمكبرات الدقيقة.

محل الإشكال:

أن الفلس القليل الناعم جدا، هل يكفي في تحقق شرط الحلية أم لا ؟

الجواب:

كل ما يعده عرف الناس فلسا وقشرا فهو كاف في إحراز شرط الحلية، عدا ما يسلب عنه العرف هذا الإسم كالذي لا يظهر قشره إلا تحت المجاهر والتدقيق الشديد.

وسمك الصافي ليس من هذا الصنف؛ فإن أهل الخبرة من الصيادين المتمرسين يشهدون بأن له قشرا قليلا وقد ينفض الظاهر منه بعد صيده كسمك الكنعد، والأبحاث المتخصصة أثبتت أن له قشرا قليلا قد لا يلحظ -للعين- في بعض أجزائه.

فمثله كالكنعد أو الكنعت؛ روى الطوسي في صحيح حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه ع الحيتان ما يؤكل منها فقال ما كان له قشر قلت ما تقول في الكنعت‏ قال لا بأس بأكله قال قلت: فإنّه ليس له قشر فقال بلى و لكنّها حوت سيّئة الخلق تحتكّ بكلّ شي‏ء فإذا نظرت في‏ أصل أذنها وجدت لها قشرا.

وأزيد عليها ما ذكره المرجع السيد محمد سعيد الحكيم حفظه الله في منهاج الصالحين:

“مسألة2 (في حيوان البحر):  إذا شك في أن للحيوان قشر أو لا حرم أكله. نعم بعض السمك الذي له قشر كثيرا ما يحتك ببعض الاشياء فيسقط قشره، ولذا يبقى عليه شيء من القشر في بعض المواضع التي لا يصلها الحك ويراها الفاحص بالتأمل. وقد تضمنت ذلك الاخبار في سمك أطلقت عليه اسم الكنعت. وأكده في زماننا بعض المستفتين. وعن بعضهم تأكيد ذلك في نوعين من السمك يطلق عليهما (الصافي) و(المزلق). وعلى كل حال فما كان من هذا النوع من السمك حلال. وينبغي التأكد منه”. انتهى ( أي إذا لم يعلمه المكلف).

فهو -بحمد الله- مما أحله الله سبحانه وأباح بيعه وطيب أكله.

محمد علي العريبي

للتحميل PDF:

https://tinyurl.com/saffi-aloraibi

السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

6- هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟

الجواب:

أقول: كل تفسير لـ (وحدة الوجود) يثبت اتحادا في الذات أو الصفات المختصة به سبحانه، كفر ولا يجوز التعبد به واعتقاده، وكل ما دون هذا مما يثبت التغاير بين الخالق والمخلوق وأن الاشتراك إنما هو في حقيقة الوجود بمعنى الثبوت المقابل للعدم وفي الإسم دون الحقيقة كما بينته الأخبار الكثيرة، فلا يلزم منه كفر القائل به إلا أن الاعتقاد بكل دعوى زائدة عليه منوط بموافقة الدليل الفطري فيما يستقل بإدراكه أو السماعي من الأخبار الصحيحة فيما لا يبلغه العقل إلا من هذا الطريق الذي خاض فيه من تاه وتاه فيه من خاض.

قال أبو جعفر ع: «تكلموا فِي خلق الله، و لا تتكلموا في الله؛ فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيرا».

ومن الكتب اللطيفة في هذا الشأن كتاب تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود للفاضل السيد قاسم علي أحمدي.

وأكتفي بمقالة السيد الخوئي رحمه الله في شرحه على العروة.

قال السيد اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى:

(القائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد ).

وعلق عليه السيد الخوئي رحمه الله:

( القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود و الموجود معاً، نعم حقيقة الوجود واحدة، فهو مما لا يستلزم الكفر و النجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون و أهل الكتاب و مطابق لظواهر الآيات و الأدعية، فترى أنّه (عليه السلام) يقول [في دعاء يستشير]: «أنت الخالق و أنا المخلوق و أنت الرب و أنا المربوب» و غير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد و خالق للآخر، و يعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي.

و إن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأول و هو أن يقول بوحدة الوجود و الموجود حقيقة و أنه ليس هناك في الحقيقة إلّا موجود واحد و لكن له تطورات متكثرة و اعتبارات مختلفة، لأنه في الخالق خالق و في المخلوق مخلوق كما أنه في السماء سماء و في الأرض أرض و هكذا، و هذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص و هذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين، و حكى عن بعضهم أنه قال: ليس في جبتي سوى اللّٰه، و أنكر نسبته إلى أكابر الصوفية و رؤسائهم، و إنكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فان العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام و كيف يلتزم بوحدة الخالق و مخلوقه و يدعي اختلافهما بحسب الاعتبار.

و كيف كان فلا إشكال في أن الالتزام بذلك كفر صريح و زندقة ظاهرة، لأنه إنكار للواجب و النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلّا بالاعتبار، و كذا النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أبو جهل مثلًا متّحدان في الحقيقة على هذا الأساس و إنما يختلفان بحسب الاعتبار.

و أمّا إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة و لا كثرة فيه من جهة و إنما الموجود متعدِّد، و لكنه فرق بيّن بين موجودية الوجود و بين موجودية غيره من الماهيّات الممكنة، لأنّ إطلاق الموجود على الوجود من جهة أنّه نفس مبدأ الاشتقاق‌ و أمّا إطلاقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل أنها نفس مبدأ الاشتقاق و لا من جهة قيام الوجود بها حيث إن للمشتق إطلاقات فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم أو ضارب لأنّه بمعنى مَن قام به العلم أو الضرب، و أُخرى يحمل عليه لأنّه نفس مبدأ الاشتقاق كما عرفته في الوجود و الموجود، و ثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة و هذا كما في اللّابن و التامر لضرورة عدم قيام اللبن و التمر ببائعهما إلّا أنّ البائع لما كان مسنداً و مضافاً إليهما نحو إضافة و هو كونه بائعاً لهما، صح إطلاق اللّابن و التامر على بائع التمر و اللّبن، و إطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل، لأنه بمعنى أنها منتسبة و مضافة إلى اللّٰه سبحانه بإضافة يعبّر عنها بالإضافة الإشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدِّد و الموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد.

و هذا القول منسوب إلى أذواق المتألهين، فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه، و يسمّى هذا توحيداً خاصياً. و لقد اختار ذلك بعض الأكابر ممن عاصرناهم و أصرّ عليه غاية الإصرار مستشهداً بجملة وافرة من الآيات و الأخبار حيث إنّه تعالى قد أُطلق عليه الموجود في بعض الأدعية.

و هذا المدعى و إن كان أمراً باطلًا في نفسه لابتنائه على أصالة الماهيّة على ما تحقّق في محلّه و هي فاسدة لأنّ الأصيل هو الوجود، إلّا انه غير مستتبع لشي‌ء من الكفر و النجاسة و الفسق.

بقي هناك احتمال آخر و هو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود و الموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود و الموجود و أنه الواجب سبحانه إلّا أن الكثرات ظهورات نوره و شؤونات ذاته، و كل منها نعت من نعوته و لمعة من لمعات صفاته و يسمّى ذلك عند الاصطلاح بتوحيد أخصّ الخواص، و هذا هو الذي حقّقه صدر المتألهين و نسبه إلى الأولياء و العرفاء من عظماء أهل الكشف و اليقين قائلًا: بأن‌

( الآن حصحص الحق و اضمحلّت الكثرة الوهمية و ارتفعت أغاليط الأوهام )

إلّا أنّه لم يظهر لنا إلى الآن حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام !.

و كيف كان فالقائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الأخير أيضاً غير محكوم بكفره ولا بنجاسته ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد. انتهى كلامه علا مقامه.

محمد العريبي

View this post on Instagram

السؤال السادس: هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها 6- هل يجوز تبني فكرة وحدة الوجود والاعتقاد بها ؟ الجواب: أقول: كل تفسير لـ (وحدة الوجود) يثبت اتحادا في الذات أو الصفات المختصة به سبحانه، كفر ولا يجوز التعبد به واعتقاده، وكل ما دون هذا مما يثبت التغاير بين الخالق والمخلوق وأن الاشتراك إنما هو في حقيقة الوجود بمعنى الثبوت المقابل للعدم وفي الإسم دون الحقيقة كما بينته الأخبار الكثيرة، فلا يلزم منه كفر القائل به إلا أن الاعتقاد بكل دعوى زائدة عليه منوط بموافقة الدليل الفطري فيما يستقل بإدراكه أو السماعي من الأخبار الصحيحة فيما لا يبلغه العقل إلا من هذا الطريق، وهذا أمر خاض فيه من تاه وتاه فيه من خاض. قال أبو جعفر ع: «تكلموا فِي خلق الله، و لا تتكلموا في الله؛ فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيرا». ومن الكتب اللطيفة في هذا الشأن كتاب تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود للفاضل السيد قاسم علي أحمدي. وأكتفي بمقالة السيد الخوئي رحمه الله في شرحه على العروة. قال السيد اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى: (القائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد ). وعلق عليه السيد الخوئي رحمه الله: ( القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود و الموجود معاً، نعم حقيقة الوجود واحدة، فهو مما لا يستلزم الكفر و النجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون و أهل الكتاب و مطابق لظواهر الآيات و الأدعية، فترى أنّه (عليه السلام) يقول [في دعاء يستشير]: «أنت الخالق و أنا المخلوق و أنت الرب و أنا المربوب» و غير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد و خالق للآخر، و يعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي. … التتمة في التعليقات والمدونة وبرامج التواصل #وحدة_الوجود #فلسفة #عقيدة #العريبي

A post shared by محمد العريبي (@aloraibi.m) on

السؤال الخامس: هل يمكن القول بصورة جازمة بأننا في عصر الظهور ؟

السؤال الخامس: هل يمكن القول بصورة جازمة بأننا في عصر الظهور ؟

5 – هل يمكن القول بصورة جازمة قاطعة بأننا في عصر الظهور المبارك، أم لا يصح الجزم والقطع بذلك ؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لا يمكن الجزم بما لا يمكن الإحاطة به وبأسبابه، فلا يجوز لإنه من الإخبارات الكاذبة، ولا يجوز أيضا لكونه من التوقيت المنهي عنه نهي تحريم، إضافة لوجود المانع لكونه من أمر الله، وهو مختص به سبحانه لا يطلع عليه إلا لمن ارتضى.

نعم، ترقب الظهور باحتمال انطباق العلامات على التي ورد تحققها قبل الظهور أو ما كانت من الخمس الحتميات، لا بأس به، لكنه عديم الجدوى غالبا وموجب ليأس القلوب وقسوتها خاصة في العلامات المتفرقة زمانا وما صعب الاستدلال على صدقه؛ فكل ما ذكر من العلامات قد ظهر لها مشابه أو دعوى في طول هذا الزمان، إلا ترقب علامة واحدة لا تخفى على أحد ولا يشبهها شيء، وهي التي تكشف صحة انطباق تلك الأحداث والشخصيات التي يعقبها الظهور المبارك، وهي الصيحة من السماء، والجزم بانطباق باقي العلامات هنا حتمي، وكذا لا بأس بالترقب عند تتابع العلامات المشتبهات دون توقيت ولا تعيين.

ولا يخفى أن مراد المتقدمين -كالكليني والشيخ والنعماني- من كراهة التوقيت ليست الكراهة الاصطلاحية، بل هي النهي عنه وتحريمه إذا كانت بصورة الجزم.

ويدل على جملة ذلك كله روايات متفرقة، منها:

القوي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، و لم يجعل الله له‏ بعد ذلك و قتا عندنا، و «يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب»».

وما رواه عبد الرحمن بن كثير، قال:

كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه مهزمٌ، فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره‏ متى‏ هو؟

فقال‏: «يا مهزم، كذب الوقاتون‏، و هلك المستعجلون، و نجا المسلمون‏».

وفي خبر  أبي بصير:

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن القائم عليه السلام، فقال: «كذب الوقاتون، إنا أهل بيت‏ لانوقت».

بل في بعضها قال‏: «أبى الله إلا أن يخالف‏ وقت‏ الموقتين».

وعن الفضيل‏ بن يسار:

عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت: لهذا الأمر وقتٌ؟

فقال: «كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون‏».

فأما ما روي عن علي بن يقطين، قال:

قال لي أبو الحسن‏ عليه السلام: «الشيعة تربى‏ بالأماني منذ مائتي سنة».

قال: و قال‏ يقطينٌ لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، و قيل لكم فلم يكن‏؟ قال: فقال له عليٌ: … لو قيل لنا: إن هذا الأمر لايكون إلا إلى‏ مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب، و لرجع عامة الناس عن الإسلام‏، و لكن قالوا: ما أسرعه! و ما أقربه!؛ تألفا لقلوب الناس، و تقريبا للفرج.

فإن مراد ابن يقطين بيان الحكمة من خفاء وقت الظهور والتعلق بالرجاء، وهو ترقبه في كل حين حتى يكون لا يفوت شيء إلا وترقبنا غيره حتى يحكم الله أمره، فيبقى قلبه حيا ونفسه مستعدة، ولا دلالة فيه على جواز التوقيت بوجه.

وكذا المروي في الضعيف عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر الباقر ع عن السفياني، فقال: و أنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج من أرض كوفان ينبع كما ينبع الماء فيقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني و خروج القائم ع.

فإنه إن صح الخبر لا يدل على أكثر من الإرشاد لقرب الخروج احتمالا لا جزما، والغرض منه أخذ الحيطة والحذر عند اقتران العلامات الكثيرة حتى مع عدم الجزم بكونها من مقدمات الظهور الشريف.

ولا يخفى أن بعض علمائنا أجاز لنفسه أن يحتمل أوان الظهور بحساب الجمل والكهانة؛ فهذا المجلسي قد كتب رسالة أو كتاب (الرجعة) الذي ألفة سنة 1078 هـ، شرح فيه رواية ( أبي لبيد)، فوقت  للظهور سنة 1155 هـ وصرح بأن المتبقي من يوم ختم كتابه إلى زمن الظهور 65 سنة ! وأن الدولة الصفوية متصلة بالدولة المهدوية.

والرواية رواها العياشي في تفسيره عن أبی لبيد المخزومي قال: “قال أبو جعفر ع‏ يا با لبيد إنه يملك من ولد العباس اثني عشر … يا با لبيد إن في حروف القرآن المقطعة لعلما جما …و يقوم‏ قائمنا عند انقضائها بـ (ألر) فافهم ذلك و عه و اكتمه”.

توفي الشيخ المجلسي سنة 1110 هـ وتوفي ملك زمانه وبان خطأ الحساب، وكان الصفوية يومئذ يرون أنفسهم ملوك آخر الزمان.

وأعقبه المحقق البحراني جدنا المبرور الشيخ سليمان الماحوزي رحمه الله في رسالته (العجالة في شرح حديث أبي لبيدة المخزومي) أي الرواية السالفة، استجابة لسؤال السلطان، فخطأ المجلسي في حسابه ووضع حسابا جديدا قد مضى أيضا، (ولا يحضرني الآن، قرأتها في صورة من نسخة مخطوطة بخطه).

وقد استغل بعض مؤسسي البهائية هذه الرواية لإيهام أتباع الباب (علي محمد الشيرازي) بنبوته، مع أنها في غاية الضعف والتفرد والغرابة واختلال المتن، ولا يزال يكتتب هذه الأوهام المتاجرون بالدين من مؤلفي الكتب والمحاضرين كفى الله المؤمنين شرهم العظيم.

ومن الموقتین المعروفین محي الدين بن عربي الذي لغز التوقيت في أبيات شعرية معروفة (إذا دار الزمان علی‌ حروف / ببسم الله فالمهدی قاما …) فحسبت فكانت 1340هـ أو 1325 هـ !، وقد تصرمت !

ومنهم الخاجة نصير الدين الطوسي الذي نظم (در دور زحل خروج مهدی است / جرم و دجل و دجالیان است … ) وحسابها 1347 هـ، وقد مضت !.

وصدر الدين القنوي -وهو مع الماضيين من أبناء القرن السابع الهجري- له رسالة في التعيين وحسبها أن ستكون 666 هـ قال آخرها:

“و أما زمان ظهور المهدي علی التعیین فمعلوم لکن لا یمکن التصریح به. لکن في سنة ست و ستین [و ستمأة] تظهر آیة عظیمة یکون سببا لإیمان أکثر المنکرین لأحوال القیامة و ما ذکرنا من أمر المهدي. و في سني ست و ستین و ستمأة أیضا تشاهد الخلق من الآیات ما لم یعرفوه و یتحققون وجود المهدي و ظهوره و غیر ذلك من الآیات المنبهة علیها بلسان النبوة و التحقیق. و الله ولي التوفیق “.

وتوفي القنوي سنة 673 هـ ولم يصدق حسابه !.

ومن المعاصرين من توقع ظهوره الشريف يوم الجمعة الثامن من شهر رمضان من سنة 1439 هـ أي العام الماضي، وصادف أن توفي في نفس ذلك اليوم !

ومن المضحكات الغريبة أن الناس لا زالت تشتري والمطابع لا زالت تطبع كتبا وقتت للظهور وبان كذب دعواها، ومنها من المعاصرين كمثال:

كتاب (اقترب الظهور)، الظهور يوم الأحد 19/6/2008 !

كتاب (ظهور الامام المهدی – علیه السلام – نبوءةٌ قرآینة)، الظهور يوم الأحد من محرم 1437 هـ !

وغيرهما من كتب الترويج لعصر الظهور تخرصا.

وقد اقتبسنا بعض ما ذكرنا من الموقتين من المقالة القيمة (گزارشی از توقیت‌ها در گسترۀ تاریخ) لـ أحمد رنجبري حیدرباغي.

وعليه، فلا ريب أن الموقتين الجازمون بظهوره عليه السلام في زمان عينوه، إما محبون مشتاقون يحمل فعلهم على الترقب والاحتمال، أو جازمون مشتبهون، أو كذابون، وكلهم يتكلمون في ظنون وضع دونها ألف حجاب، ولا تعلق بكلامهم الآمال، والأمر لله اللطيف الخبير.

محمد العريبي

View this post on Instagram

الصورة من أول نسخة خطية لكتاب يعود للقرن ٨ الهجري (١٤٠٠م) عليه تملكات منها تملك جدنا المحقق البحراني الشيخ سليمان الماحوزي (توفي ١١٢١ هج/ ١٧٠٩ م) السؤال الخامس: هل يمكن القول بصورة جازمة أننا في عصر الظهور ؟ 5 – هل يمكن القول بصورة جازمة قاطعة بأننا في عصر الظهور المبارك، أم لا يصح الجزم والقطع بذلك ؟ الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لا يمكن الجزم بما لا يمكن الإحاطة به وبأسبابه، فلا يجوز لإنه من الإخبارات الكاذبة، ولا يجوز أيضا لكونه من التوقيت المنهي عنه نهي تحريم، إضافة لوجود المانع لكونه من أمر الله، وهو مختص به سبحانه لا يطلع عليه إلا لمن ارتضى. نعم، ترقب الظهور باحتمال انطباق العلامات على التي ورد تحققها قبل الظهور أو ما كانت من الخمس الحتميات، لا بأس به، لكنه عديم الجدوى غالبا وموجب ليأس القلوب وقسوتها خاصة في العلامات المتفرقة زمانا وما صعب الاستدلال على صدقه؛ فكل ما ذكر من العلامات قد ظهر لها مشابه أو دعوى في طول هذا الزمان، إلا ترقب علامة واحدة لا تخفى على أحد ولا يشبهها شيء، وهي التي تكشف صحة انطباق تلك الأحداث والشخصيات التي يعقبها الظهور المبارك، وهي الصيحة من السماء، والجزم بانطباق باقي العلامات هنا حتمي، وكذا لا بأس بالترقب عند تتابع العلامات المشتبهات دون توقيت ولا تعيين. ولا يخفى أن مراد المتقدمين -كالكليني والشيخ والنعماني- من كراهة التوقيت ليست الكراهة الاصطلاحية، بل هي النهي عنه وتحريمه إذا كانت بصورة الجزم. ويدل على جملة ذلك كله روايات متفرقة، منها: القوي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، و لم يجعل الله له‏ بعد ذلك و قتا عندنا، و «يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب»». وما رواه عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه مهزمٌ، فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره‏ متى‏ هو؟ فقال‏: «يا مهزم، كذب الوقاتون‏، و هلك المستعجلون، و نجا المسلمون‏». وفي خبر أبي بصير: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن القائم عليه السلام، فقال: «كذب الوقاتون، إنا أهل بيت‏ لانوقت». بل في بعضها قال‏: «أبى الله إلا أن يخالف‏ وقت‏ الموقتين». وعن الفضيل‏ بن يسار: عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت: لهذا الأمر وقتٌ؟ فقال: «كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون‏». التتمة في التعليقات وعلى حسابات الفيسبوك ومدونة تحقيقات ومجموعة الواتساب #الإمام_المهدي #المنتظر #عصر_الظهور #الحجة_المنتظر #الظهور #زمن_الظهور #العريبي

A post shared by محمد العريبي (@aloraibi.m) on